Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

19/05/2016

جائزة القصيدة العربية بالمغرب

jaiza.jpg

06:32 |  Facebook | |

09/01/2016

::

عبد اللطيف الوراري في ديوانه "من عُلوّ هاوية": عالم شعري منذور للهاوية

diwan.jpg

عن منشورات بيت الشعر في المغرب، صدر للشاعر عبد اللطيف الوراري ديوانٌ جديدٌ بعنوان: "من عُلوّ هاوية". ويحتوي الديوان الذي صمّم لوحة غلافه الشاعر عزيز أزغاي وجاء في مائة واثنتي عشرة صفحة من القطع المتوسط، على تسعة وعشرين قصيدة، من جملتها القصيدة القصيرة، والمتوسطة المفقّرة، والقصيدة التي توزّعت بين ومضات وشذرات من معيش الشاعر وسيرته الذاتية. ومما جاء على غلاف المجموعة الشعرية، نقرأ: "يختلق عبد اللطيف الوراري عالما شعريا منذورًا "للهاوية" بما هي سقوط وأسف على المشاهد الآيلة إلى الانهدام، كأنّ القصيدة وقوف على جرف الحياة وعلى كابوس ما نَفَق منها". ومن أجواء الديوان نقرأ هذا المقطع من القصيدة التدشينية "آنَسْتُ بابًا": آنسْتُ بابًا
كان شاهدةً
وكان وديعةً
من أربعين صدىً ونيِّفْ
البابُ أسمعهُ هُناك بِداخلي
مِنْ وَشْوشات الطَّائر الطينيِّ إِذْ وَلَّى
ولم يعزِفْ رُؤَى قَلْبي، فأعرِفْ
أَطرقْتُ ساعاتٍ
أُصيخُ لِجرّةٍ
:مِنْ حائطٍ هارٍ
،سمعتُ نُواحَ طِفْلٍ خارِجًا للتوٍّ من رحم الغياب
.وفي مسافة لوحتَيْن سمعتُ ظِلّي
.هكذا، ثَرْثرتُ عُمْرًا إِذْ سمِعْتْ
تجدر الإشارة إلى أن هذا الديوان هو الخامس في عمر تجربة الشاعر، بعد دواوين: "لماذا أشهدت عليّ وعد السحاب؟" (2005)، و"ما يشبه نايًا على آثارها" (2007)، و"ترياق" (2009)، و"ذاكرة ليوم آخر" (2013)؛ عدا دراساته في الشعر والشعرية العربية: "تحوُّلات المعنى في الشعر العربي"، و"نقد الإيقاع: في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية عند العرب"، و"الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي" و"في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية"ـ

20:35 |  Facebook | |

28/08/2015

::

شذرات           عبد الكريم الطبال

11800270_10153468487419898_6308141753077030868_n.jpg

 توائــــــــــــــــم (إلى عبد اللطيف الوراري)

 

أشجــــــــــــار

ثِيَـــــــــــــــــــابٌ

فِي ثِيَــــــــــــــــابِ

دُونَ جَسَدٍ

لِكَلِمَـــــــــــــــاتٍ

فِي انْتِظَـــــــــــــــارِ أُنْمُلاَتٍ

كَيْ تَبُوحْ

 

ظــــــــــــــــلال

قومٌ جُلُوسٌ

فِي النَّهَـــــــــــــــارِ

يَسْمُرُونْ

فَإنْ أتَى إليهِمُ

المَطَرْ

انصَرَفُواْ

إلَى بُيُوتِهِمْ

كَأنهمْ طيورٌ

حينَ يُقبلُ المسَـــــــــــــــاءْ

 

أمطــــــــــــــــــار

مَرَّتْ عَلَى السَّمَــــــــــــــاءِ

امرأةٌ

تَعَثَّرَتْ

فَانْفَرَطَ الْعِقْدُ

الذِي فِ جِيـــــدِهَا

تَأوَّهَتْ

ثمَّ بَكَتْ

عَلَيْهْ

...
...

 

09:56 |  Facebook | |

29/06/2015

::

في كتابٍ حواريٍّ معه،

الشاعر العراقي علي جعفر العلاق ينثر سيرته الذاتية في الحياة والقصيدة

WP_20150622_10_47_20_Pro.jpg

  عن دار كنعان بدمشق 2015، صدر كتاب "علي جعفر العلاق: حياة في القصيدة"؛ وهو عبارة عن حوار مطوّل أجراه مع الشاعر العراقي شاعرٌ من أقصى المغرب العربي هو عبد اللطيف الوراري، وكأنّ الكتاب يجسد حوار المشرق والمغرب بين جيلين شعريين مختلفين أولهما ينتمي إلى جيل الستينيات بحداثته وعرامة أسئلته الإبداعية، فيما ينتسب الثاني إلى الجيل الجديد بطموحه إلى استمرارية التجديد ومجاوزة مآزق الكتابة الشعرية التي ترسخت خلال العقود الأخيرة.

  وقد افتتح الشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري بتقديم أكد فيه الصفة الحوارية والبيوغرافية للكتاب وفي حضرة شاعر رائد ومُجدِّد تميزت قصيدته بفرادتها وسمتها الخاصّ. ومما جاء فيه: " لأربعة عُقودٍ من زمن التحوُّلات الصعب والمتسارع الذي كان يعبره طوفانٌ سياسيٌّوثقافيٌّ هائج، كان علي جعفر العلاق يقف هنا والآن، يضع حياته في القصيدة،ويتجاوب مع نداءاتها في ذاته، والأمكنة التي ارتحل إليها، والوجوه التي صادفهاوصادقها. كانت القصيدة، في نظره، هي ما يؤسّس هويّته باستمرار، لتظلّ ترياقاًلعبوراته وملاذاً له من جُمّاع الدمامة والزُّور والاغتراب. بخصوصية شديدة، حدّدهذا الشاعر الواسطيّ علاقته بالقصيدة باعتبارها سماءً مبتلّة بالفضة، أو امرأةًتنبثق من جرح في الريح، فيما هو يرتفع بآلامه وآماله إلى مستوى الرؤيا خفيفاً،مُشعّاً، ومفتوناً بحزنه العظيم عبر دبيب اللغة البلّورية الصافية. وبالقدر الذيكان يحفل فيه بالإصغاء إلى ذاته في زمنها، كان يُلقي بالاً وارفاً على تجارب الآخرين بوصفه ناقداً ومُفكّراً في قضايا عصره." (ص5)

 تتمفصل أقسام الكتاب الثلاثة الواقعة في نحو مئة وخمسين صفحة من القطع المتوسط، تبعًا لفصول سيرة الشاعر الذاتية والشعرية والثقافية على نحو يؤاخي بين طابعها الكرولوجي وبنائها المعماري الجمالي.

  وهكذا يتحدّث الشاعر المحسوب على جيل الستينيّات الشعري فيالعراق، بلغته الشعرية الرقراقة المشبوبة بنباهة الصدق، عن تجربته في الشعر العابرة للأشكال جميعها، وعن أسرار قصيدته وكيف ينقلها إلى حيّز المكتوب، وعن بغداد بين زمنين، وعن تعلُّقه بأُمّه وشفافيّة الحزن لديه، ثُمّ عن استخدامه لأقنعة التاريخ والأسطورة في تعميق رؤيته الملحمية للعالم، وعن الربيع العربي الذي لم يُنْتج ربيعاً حقيقيّاً واحداً. كما يتحدّث، في سياق آخر، عن رؤيته النقدية للشعر، وعن قصيدة النثر، وعن جيل الستينيات في الشعر العراقي وما تلاه، وعن طبيعة العلاقة المتوترة بين القصيدة والمنهج، وعن المعرفة الشعرية ومضايقها. وبعد هذا وذاك، يتحدّث العلاق عن طفولته التي قضاها بمحاذاة نهر دجلة الذي علّمه الشجن والإيقاع، وبين أغاني البدو والرعاة الجنوبيين، وفي أسرة كان طفلها النبيه، وأخرى صار ربَّها الحاني.

وقد اختتم الكتاب بملحق هو عبارة عن مقالة مقطعية كتبها الشاعر علي جعفر العلاق تحت عنوان: ""تأمُّلات في كتابة القصيدة"، وهي رسالة لكل شاعر حقيقيّ ، بغضِّ النظر عن عمره أو مكانه.

12:19 |  Facebook | |

20/05/2015

::

شعراء ونقاد يتداولون "راهن الشعرالمغربي: من الجيل إلى الحساسية"

11011809_10153251341869898_2714780579260231569_n.jpg11265130_893751074018371_69260521214665196_n.jpgDSC00806.JPG 

مراكش ـ «القدس العربي»: نظم اتحاد كتاب المغرب في مراكش، بشراكة مع مركز عناية ومؤسسة آفاق للدرسات والنشر، لقاءً ثقافيّاً بمناسبة صدور كتاب «في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية» للشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري.
وفي مستهلّ اللقاء، الذي جرت فعاليته مساء الأربعاء 13 أيار/مايو 2015 واحتضنه فضاء مكتبة آفاق، قدم الشاعر والإعلامي مصطفى غلمان كلمة ذكّر فيها الحضور بدواعي اللقاء الذي يأتي للتداول في واقع الحركة الشعرية المغربية وقال إن «الكتاب يجسد لحظة فارقة من تاريخنا الأدبي، إذ يعبر عن موضوعه معرفيّاً ومفاهيميّاً، ويقع في عمق تحولات الكتابة النقدية المعاصرة». وفي ما يشبه الاحتفاء بصاحب الكتاب، أشار غلمان إلى أن «عبد اللطيف الوراري ابن مدرسة واعية بثقافتها، يقع في عمق تحولات الكتابة النقدية المعاصرة، ويستقي رؤيته من الشعرية نظرية وممارسة».
ومن جهته، أكد الناقد والباحث الأكاديمي محمد تنفو أنّ الباحث عمل في كتابه على «التحرر من لعنة الصاحب بن عباد (هذه بضاعتنا ردت إلينا)، وعقدة قتل الأب، والخروج من معطف الأب، مُتسلّحاً بعدة معرفية لغوية وبلاغية عربية وغربية». وزاد: «لقد جاء الكتاب مرافعة نقدية تنتصر للشعر المغربي، ولمفهومي الحساسية والراهن، تضرب صفحاً عن النقد الإقصائي، وتمزج بين الصرامة المنهجية والقراءة العاشقة المتبتلة في محراب التجربة الإبداعية التي يخوضها الباحث. الكتاب محاولة شامخة متماهية مع متن شعري مغربي تشكلت بداياته في التسعينيات من القرن الماضي، وامتدت لتصل إلى الألفية الثالثة، ومازالت إلى الآن في طور التشكل».
وركز الشاعر والباحث الأكاديمي عبد اللطيف السخيري مداخلته على (الاختيار المفهومي) للكتاب، وأشار في أثنائها إلى قيمة الكتاب، وهي ـ في نظره- قيمة مضاعفة لدواعٍ عدة. أولها: أنه دراسة نقدية صادرة عن شاعر ينتمي إلى الحساسية الجديدة في الشعر المغربي – وإن لم يصنف نفسه كذلك، ولم يجعل قصيدته موضوعاً للتحليل في متن الكتاب- وأهل الشعر أعلم بصناعته، وأعرف بمضايقه، وأجدر أن ينفذوا إلى معالمه البنائية والدلالية، ويرتادوا مجاهل تأويلاته. ناهيك عن الحكم بقيمته إبداعاً أو تهافُتاً..
وأما ثاني الدواعي فهو الشجاعة النقدية في مواجهة متن الشعر المغربي الراهن، وما يطرحه من إشكالات المعاصرة وحُجُبِها، وصعوبة تجميع المادة لاتساع منادحها، فضلاً عن قراءته والكشف عن خصيصاته المائزة. ومعلوم أن دراسة متْنٍ هذه سماتُهُ تتطلّبُ تصوُّراً نقديّاً، وعدة منهجية، تتوفر على كفاءة وملاءمة تخولان لها تأسيس معرفة بالمتن الشعري، في أفق تقويمه بمعنيي التقويم: بيان القيمة، وتقويم المنآد في أفق فتح آفاق رحيبة للكتابة.
وأضاف الباحث، بقوله: إن إشكال المتن الشعري الراهن يتجلى في أن نهره لا يتوقف على التدفق، ترفده روافد شعرية، وشجون من التجارب. وهذا يفرض اقتطاع لحظة منه، وتسييجها بسياج زماني (مفهوم الراهن وتبريراته)، ومكاني (المغربي). يقول الناقد في هذا السياق: «الراهن هو ما انتهى إليه زمن الكتابة في الشعر… وهو بهذا المعنى ما يفتأ يتغير ويتحول.. إن الراهن لم يعد جيلا نعيشه، وإنما تخلُقه وتتفاعل داخله تجارب ورؤى وحساسيات مختلفة، متمايزة وغير متجانسة في تصورها للفعل الكتابي وتدبر طرائق إنجازه…» (ص23). وقاده التسييج – بحثاً عن مزيد من الدقة والمردودية- إلى تحديد سمات الراهن الشعري في سمتين جوهريتين، هما:
* التعددية بدل الواحدية، من خلال التطور الكمي بالنشر والمساهمة الوازنة للشعر النسائي وظاهرة المهجرية… (ص25)
* الفردية عوض الأجيال، إذ ساهم شعراء من أجيال مختلفة في تشكيل فسيفساء الراهن الشعري، مع هيمنة واضحة للاختيارين التفعيلي والنثري.. (ص26).
وتجدر الإشارة إلى أن الكتاب صدر عن دار التوحيدي بدعم من وزارة الثقافة، ويتيح للقارئ المغربي والمشرقي على حد سواء، فائدة استكشاف إسهامات أسماء شعرية كثيرة في تعهُّد راهن شعري مغربي تُميّزه دينامية هائلة يقطع بفضلها الشعر المغربي المعاصر مع عقود الكفاف والتحرُّج.

21:31 |  Facebook | |

::

"ذاكرة ليوم آخر" لعبد اللطيف الوراري:

 تبدّيات الكينونة بين الزمان والعدم

محمد الديهاجي

156107_10151681905829898_1083250442_n.jpg

في بعض الكتابة الشعرية الجديدة نزوع كبير نحو فتح أفق مغاير في الشعر، هكذا هو حال الكتابة الحداثية، كتابة متجدّدة على الدوام، صيرورتها تدميرية بكثير من الرصانة والنضج، وماؤها من ماء هيراقليطس، نهرٌ يُغيّر دفقه باستمرار، ولا يمكن البتة السباحة فيه أكثر من مرة.
هي كتابة لا تروم القول بقدر ما ترمي إلى صدّ القول، كتابة جاحدة وماكرة، تُخفي أكثر مما تُفصح، وإذن من أهم ثوابت ما تمور به الكتابة الشعرية الحداثية هو الاختلاف والمغايرة، أي الذهاب إلى أقصى التخوم والمضايق، أليس العارفُ بالشعر هو من يُدفعُ إلى مضايقه بتعبير أبي نواس؟ ليس من شك أن الطريق إلى الحداثة مفخّخ بالحفر والمنحدرات، في أن الكتابة الشعرية هي محاولة لاستجماع كل ما هو متشظٍّ وسرّي في الذات الشاعرة، في نوع من التناغم المفقود في الأصل، ضدّاً على كل القيم الشعرية الارتكاسية، ولصالح الكينونة المجاوزة.
أعود إلى الكتابة الشعرية الجديدة في المغرب، أقصد الكتابة الجديرة بانتسابها إلى الجدة، وإلى نخلة الحداثة، وأقول إن الأفق الذي أصبح يتشكل في مشهدنا الشعري، في بعض من منجزه، أفقٌ صادر عن وعي بضرورة الاختلاف والمغايرة والجدة كأحد اشتراطات الحداثة، ليست الجدة، هنا، تعني، القطع مع الماضي، مع التراث، بقدر ما تعني التذكر في مقابل النسيان (أفكر هنا في هايدجر)، وهي لا تعني كذلك، بأي حال من الأحوال، الاسترجاع بقدر ما تفيد البدائل، بعبارة واحدة، نقول إنها تُهندم عالم السيمولاكر، المحكوم بالعود الأبدي عند نيتشه.

* * *

من بين الشعراء الذين يستحقون الانتساب إلى هذا الأفق الشعري المائز، نذكر الشاعر عبد اللطيف الوراري، وهو شاعر ينتمي إلى حساسية شعرية مخصوصة وأصيلة، أصيلة لأنها لا تقفز على التراث/ الماضي، بل تستدعيه لتحاوره وتخلخله من أجل إسعاف الحاضر وتخطي مطبّاته نحو المستقبل كواحد من اشتراطاتها، وذلك في استلهام رصين للنظريات الأدبية والفلسفية المعاصرة، وعبد اللطيف الوراري هو واحد من الشعراء الجدد الذين ولجوا عالم الكتابة الشعرية عن وعي كبير باشتراطاتها الحداثية، هو الذي يزاوج في الكتابة بين الإبداع والتنظير.
إن تجربة هذا الشاعر، كما سيتبين لك أيها القارئ، تمثل ما أسميه بحساسية الامتداد والمجاوزة، بما هي حوار إيجابي مع التراث، وتأصيل ذكي لقيم الحداثة،
واللافت للانتباه، في إضمامة شاعرنا، قيد المدارسة والمكاشفة «ذاكرة ليوم آخر»،هو انتظام متخيلها الشعري، منذ العنوان، في سلسلة الزمان والكينونة، على اعتبار أن الأول هو اشتراط الثاني، ليس الزمان هنا سوى الزمن الخلاق، زمن الشعر والكتابة، بحيث يحقق المتخيل الشعري في المتن الوراريّ زمانه الخاص عبر تذويت الزمن والعالم، أي عبر كينونته الخاصة.
وإذا كان مفهوم الزمانية مفهوماً عصيّاً على التحديد والتعريف، فإن جُلّ الفلاسفة يُقرّون بأنها تعني التتابع والتعاقب، والتتابع هو «نظام يرتكز على مبدأ العلاقة بين (قبل) و (بعد)»، والواقع أن الزمن كما يعرفه سارتر هو «الذي يفصلني عن تحقيق رغباتي، وإذا كنت مجبرا أن أنتظر هذا التحقيق، فلأن تحقيق الرغبات هذا يحصل بعد حصول أحداث أخرى، ومن دون تتابع اللحظات التي هي (بعد)، سأكون فَوْراً ما أريد أن أكون، ولن يكون هناك بعد الآن أي مسافة بيني وبين ذاتي، ولا أي انفصال بين العمل والحلم».
ولئن كان الزمن عند باشلار هو علامات ومجموعة من الرموز تستحكم بالضرورة إلى الآلية التأويلية القادرة وحدها على فكّ شفرات هذه العتامة الأصيلة المُغلفة لوجودنا، كما يقول بول ريكور، مع العلم أن الكتابة الحداثية، كعلامات ورموز، لا تقول الحقيقة بقدر ما تخفيها، فإننا سنسعى جاهدين للإنصات لما يهمس به الخفي في هذه الإضمامة بخصوص ثيمة الزمان، بدءا بالعنوان.
يركز عنوان الديوان «ذاكرة ليوم آخر» بدرجة كبيرة على محمول الذاكرة، والذاكرة هي عملية التحام بالأبدي عبر وضع الماضي المشرق في صيرورة النهر الهيراقليطيسي أو في ديمومة «العود الأبدي». أما من حيث المبنى فقد جاء العنوان في تركيب جملي (جملة اسمية تتركب من مبتدأ وشبه جملة خبر محمول على النعتية بإطلاق) ماؤه زمني متدفق، وليس الزمن هنا ذا معنى أفقي- فيزيائي، وإنما هو حاضر كسؤال أنطولوجي (هوياتي)، سؤال يتوالج فيه الماضي (ذاكرة) والحاضر (زمن الكتابة) والمستقبل (يوم آخر)، لكن هل الذاكرة تعني، ها هنا، التذكر المطلق للماضي، فيغدو بذلك، التذكرُ سبيلاً آمناً للتماهي والموت؟ سنقفز على الخطاطة المنهجية لهذه الدراسة لنستبق الأحداث ونرى ما يقوله الشاعر بهذا الصدد:

وقفتُ لكم سبب
حيث
وحدي
هناك
لذاكرة العابرين انتسبت ! (ص 59)

إنّ الذاكرة لا تعني هنا سوى العبور والسفر الأورفيوسي للقبض على الحقيقة الوجودية، ومن ثَمّ فإن الزمان الثاوي في خلفية المنطوق هو زمن خلاق ومبدع، والحاصل أن العنوان، كما تبين، ينطوي على بعدين متناقضين للزمن:
□ بعد الزمن الأفقي: الماضي الحاضر المستقبل.
□ بعد الزمن العمودي (الخلاق): زمن تحقق الكينونة (هايدجر).
وكأنّني بلسان حال الشاعر يريد أن يقول الجملة التالية: ينبغي أن أكون أو/ ونكون هكذا.

* * *

دائما مع السفر الأورفيوسي، السفر في الزمن المستعصي، وعلى متن الزمن الخلاق، يستدعي الشاعر عبد اللطيف الوراري مجموعة من الأسماء والأيقونات البارزة في تاريخنا العربي، يستحضرها في حوار تارة، وكمعادل موضوعي له تارة ثانية، وكقناع يختفي وراءه تارة ثالثة، حضور هذه الأيقونات هو حضور شعلة تحرق الحاضر (الآن والهنا)، وتضيء المستقبل (الآتي والهناك)، والمقصود في هذه اللعبة الماكرة، دائما، هو الزمن في أفق كينونة محتملة/ مأمولة، وبناءً على هذا الاستدعاء الثلاثي الأضلاع يتبدّى الزمان في مجموعة من الأبعاد هي كالآتي:

الزمان والنسيان ( المعتمد بن عباد):

في قصيدة «العشاء الأخير للمعتمد بن عباد»، يحاول الشاعر عبد اللطيف الوراري، على لسان الشاعر الأندلسي، إنصاف هذا الملك الذي عاش ومات مغتربا، من خلال إعادة صياغة الزمن الماضي صياغة جديدة، فالمعتمد في مأدبة أخيرة وفي ضيافة شاعرنا قيد الدراسة، وبذلك يتوالج الماضي في الحاضر، في إطار زمن تقويمي، يقول الشاعر:

سأكتم الليل ما بي ما استطعت
لأنّ زمهريراً كهذا قد يخون،
فلا أمّارة مثلُ نفسي،
كم سمعت لكم من ذكريات
ولا ذكرى معي ادّخرتْ بيتين لي،
خيبة في الدهر ليس لها وزن،
ولا انتظمت في حرف قافية،
كأنّها بدلٌ في جملتي
بدلُ (ص12)

لقد مات المعتمد غريباً في أغمات، والحسرة في صدره، وها هي الخيبة تغمره مرة أخرى حتى وهو في عشائه المفترض:

فردّ نفسي على نفسي لتلعن من
صدقته وقصصت المستحيل له، فمات
واترك ببالي الكرْمَ يدعو لي (ص16)

إن المعتمد بن عباد ، كباقي الأيقونات الأخرى التي سنقف عندها، تخفي من خلا هذا الاستحضار بعدا زمنيا عموديا، ولعل استذكارها كرمز خارج المعطى الأمبريقي، هي محاولة من الشاعر لمنحها خاصية الأبدية.

الزمان والخيانة (نازك الملائكة):

في قصيدة «قبل هذا التاريخ»، يتساءل الشاعر عبد اللطيف الوراري عن سبب اهتمامنا المفرط بالتافه من الأشياء (الحشائش)، وننسى أو نتجاهل الأجدر بكينونتنا ( الحفيف)، يقول:

ما الذي يجعلنا نتأذّى من الحفيف،
ونظل نهتف بالحشائش
ونلوح بأغاني الدهر؟
هل نسيتم
أنا نراكم في المرآة
تلقمون الليل حيتاناً
كمثل بحّارةٍ سيقوا عَزْفا،
بينما الأمواج تتضوّر (ص24)

وببديهة سريعة وغير متوقعة يجيب على هذه الأسئلة:

لا أرى غير وجه يطوف به آلٌ أشقياء
فأسمع من القيعان من يقول لي: مُتْ إلى غد
حيث الحصاد تباركه الملائكة (ص 25)

إن الشاعر في هذا المقام الآسر، وهو ينتقد الحاضر (الكينونة الآنية) بألم كبير، مُقْترحاً ضِمْناً- كينونات محتملة جدّاً، إنما يتحول إلى كائن لذاته بتعبير سارتر، والكائن لذاته «هو الكائن الذي يخلق عبر وجوده، كل الأبعاد الممكنة لتعديمه الخاص»، وليس الكتابة بالألم (الألم بالمعنى الهيجلي) سوى تبدّ من تبديات هذا الوجود المحتمل.
على هذا الأساس أصبحت الكتابة عند شاعرنا تحتلّ موقعاً يتقدّم، باستمرار، في النسق الزمني المعاكس للزمن الأفقي الرتيب، لقد تحولت إلى مجرد فعل أو ممارسة ضد النسيان والثني بتعبير هايدجر؛ وهي، عطفاً على ذلك، حفرٌ أركيولوجي في الأثر وفي أثر الأثر، بله تذكير للمنسي والمهمش – عمدا أو عفوا-(انظر ص26).

الزمان والإرادة (الشابي):

يحيلنا عنوان قصيدة «إرادة الحياة تتمة حديثة» مباشرة، إلى الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي وقصيدته الخالدة «إرادة الحياة»، ولعل تركيب العنوان عند عبد اللطيف الوراري بناءً على عنوان القصيدة- الأصل، يوحي بدلالة الزمن الممتد من الماضي إلى الحاضر وبشكل دائري (مكرور) متجدد: الماضي الحاضر المستقبل الماضي، وهكذا، هو زمن يتفتق بلبوس «العود الأبدي» النيتشوي. نيتشه هذا، يحضر أيضا في القصيدة من خلال بعد الإرادة والقدرة على التغيير، إن الحياة عند هذين الشاعرين (الشابي والوراري)، وأيضا عند نيتشه، هي إرادة ورغبة، فهي لا تمنح نفسها للارتكاسي، بل هي رهن إشارة لمن يستحقّها وللأجدر بها:

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا أحدٌ يوقف الدم في أُصُص الشّوْق
لا الخوف
لا الجوع
لا مهرجانات (يا ليْلُ طُلْ)
لا المتاريس
لا لعلعات الرصاص ( ص66)

يقول نيتشه عن الإنسان الحر بأنّه «خالق ذاته»، أي خالق حياته، والحياة عند صاحبينا هي «الحرية التي لن تتحقق سوى بإرادة القوة (…) الحرية هنا بما هي سمو إلى مرتبة الخلق، حيث يقرر الإنسان مصيره، ويتحكم في قدره، وأما الموت، كما عند الشاعرين، فيعادل الفداء عند المسيح والمخاطرة عند نيتشه.

الزمان والعمى الرائي (المعري):

سأضطرُّ هنا للعود إلى كتابنا «حداثة النص الشعري»، وتحديداً إلى الفصل المعنون بـ»سلوك الأعمى» لأقتطف منه نصّاً نرى فيه إفادة في هذا السياق، ورد في الصفحة 117 ما يلي: «طريق الضرير، طريق القلب والمفارقة، لم يكن طريق بشار بن برد سالكا، ولا طريق أبي العلاء المعري أو طه حسين كان ممكنا، إذ لا مطلق ولا يقين، إنه سلوك الأعمى، سلوك يخط مداه بالمطرقة، بالشك، بالاحتمال، بالانقطاع، بالعماء، ناسفاً كلَّ ميتافيزيقا ويقين، ومُفجّراً قدسية الدوكسا وأبدية المصير،»( : حداثة النص الشعري)
طريق الأعمى، إذن، هو الشك والارتياب، الشك ذاته نجده عند الوراري في قصيدته المهداة إلى أبي العلاء المعري والمعنونة بـ «تقاليب ضوء»، يقول فيها:

طريق الماء هو الشك،(ص 95)

هو ذات الطريق، والعكازة ذاتها التي كان يتحسس بها المعري حفره وشكه وريبته، والزمن نفسه يتكرّر من خلال دائرة العود الأبدي، وبذلك يبدو الزمان على نقيضٍ من الزمن الخطي، زمن يتكرر على الطريقة الدولوزية، يقول دولوز في هذا السياق: «ومن ثمّ ينبغي تصور العود الأبدي كعملية تركيبية: تركيب الزمن وأبعاده، تركيب المتنوع وتكاثره، تركيب الصيرورة والكينونة التي تتأكد من الصيرورة، تركيب الإثبات المزدوج».

* * *

صفوة القول، إنّ الزمان في هذه الإضمامة الجديرة بحداثتها ليس زمانا ًاسترجاعيّاً، وإنما هو زمن تحقق الممكن، أي تحقق الكينونة، والتحقق لا يغدو ممكنا إلا من حيث التجلي والظهور (الآني)، لذا، فالتحقق لن يتم في المُتخيَّل الشعري لهذا الديوان إلا من خلال هذه الترسيمة: المستقبل الماضي الحاضر،
ولئن كان الوجود والعدم السارتريين يلقيان بظلالهما على المتخيل الشعري للمجموعة ككل فإنّ العدم، لا محالة، قد تمثل من خلال الحاضر الواقع، فيما الوجود تمثل من خلال المستقبل الكينونة المأمولة، وهنا نتساءل: أليس الانفصال عن الذات (الأصل) هو عدم؟ أليس الخواء واللاجدوائية التي أصبحنا نعيشها اليوم كذوات فردية وجماعية هو عدم؟ أليس اندفاعنا للخروج من ذواتنا بالتنصل منها والتنكر لها تارة والنسيان دون جدوى تارة أخرى، هو عدم؟

21:16 |  Facebook | |

17/05/2015

::

في الدورة الثامنة من ملتقاهم الإبداعي

الوراري ضيفاً على نادي المبدعين الشباب بجامعة ابن زهر-أكادير

 10408798_10153253808374898_8401895338755806694_n.jpg

 في إطار انشطته السنوية، نظم نادي المبدعين الشباب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية- أكادير، الدورة الثامنة للملتقى الإبداعي تحت شعار "حرية، اختلاف ومسؤولية في خدمة الإبداع الهادف"، وذلك أيام 14، 15و16 ماي 2015.

  وقد عرفت هذه الدورة هذه توقيع الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري لكتابيه: "ذاكرة ليوم آخر" (شعر)، و"في راهن الشعر المغربي.. من الجيل إلى الحساسية" (نقد)، صباح الجمعة 15 ماي 2015 برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية. وقد تخلل اللقاء عرض شريط وثائقي يعرض بالصوت والصورة مقاطع من سيرة الوراري في الحياة والكتابة، وحوار مفتوح مع الطلبة حيث ناقشوه جوانب من عمله الكتابي شاعراً وناقداً.

11052875_10153253808899898_3096152007370897948_o.jpg11011022_10153253809409898_9061201050262560614_o.jpg11212720_10153253809599898_6106276346012231696_o.jpg

 

23:41 |  Facebook | |

07/05/2015

::


اتحاد كتاب المغرب في مراكش ينظم لقاء حول (راهن الشعر المغربي)

molsaq.jpg

   ينظم اتحاد كتاب المغرب بشراكة مع مركز عناية ومؤسسة آفاق، لقاءً ثقافيّاً احتفاء بصدور كتاب "في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية" للشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري، بمشاركة كل من الشعراء والنقاد: مصطفى غلمان، د. محمد تنفو، د. عبد اللطيف السخيري، إسماعيل زويريق وعبد القادر عرابي، وذلك يوم الأربعاء 13 ماي 2015، ابتداء من الساعة السادسة مساء، بفضاء مكتبة آفاق بحي الداوديات مراكش.

 

19:06 |  Facebook | |

19/04/2015

Lawrence Ferlinghetti

الشِّعر قد يكون الكلأ في مَرْج الأدب، الذي يُذكّرنا بالجذور!

تقديم وترجمة: عبد اللطيف الوراري

 10-11-12_Ferlinghetti.jpg

         

     لورنس فيرلينغيتي (1919- )  شاعرٌ ورسّامٌ أمريكي، لكنّ شهرته ارتبطت بمكتبة "سيتي لايتس"، وهي نفسها دارالنشر التي تولّتْ نشر الأعمال الأدبية لشعراء "جيل الإيقاع"، بمن فيهم جيسون ميرفي، جاك كيرواك وألن غينسبرغ. ولد فيرلينغيتي في عائلة يهودية من أصل إيطالي وبرتغالي، في يونكرز (ولاية نيويورك). لم يتأكد من مكان ولا تاريخ ولادته. وبحسبه، فقد توفي والده قبل أن يأتي إلى العالم بقليل، ووالدته دخلت مستشفى للأمراض النفسية، فأخذه أحد أقربائه إلى فرنسا، حيث قضى معظم طفولته، وكان يتردّد، في بداية تعليمه، على مدرسة مونت هرمون ونال رتبة النسر الكشفية. بعد ذلك، تابع دراسته بجامعة تشابل هيل في ولاية كارولينا الشمالية، ثم أصبح ضابطاً في القوات البحرية للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. بعد الحرب، حصل على درجة الماجستير في جامعة كولومبيا، وعلى درجة دكتوراه من جامعة السوربون في عام 1951. وهو طالب في باريس، التقى بكينيث ريكسروث الذي أقنعه، في وقت لاحق، بالسفر إلى سان فرانسيسكو حيث كان وسطها الأدبي يتنامى باطّراد.

   بين عامي 1951 و 1953 كان يتعلم الفرنسية، ويكتب نقوداً أدبية، ويرسم. وفي عام 1953، افتتح فيرلينغيتي وبيتر مارتن مكتبة سيتي لايتس City Lights. وبعد أن مرّ عامان، وغادر مارتن سان فرانسيسكو إلى نيويورك، فتح فيرلينغيتي دار نشر متخصّصة في الشعر، وكان "عواء" ألن غينسبرغ أشهر إصداراتها، لكن العمل صودر من قبل سلطة الرقابة وكان موضوع محاكمة تاريخية. وفي عام 1955، أنشأ فرلينغيتي حركة الإيقاع beat movement  في سان فرانسيسكو، وكان من شعرائها الأوائل الذين رفضوا النمط الرسمي والأكاديمي السائد وقتئذٍ. وفي الستينيات والسبعينيات، عمل مع آخرين من أجل الاعتراف الفني للكاتب والشاعر تشارلز بوكوفسكي.

  في منطقة (بيغ سور) بكاليفورنيا الساحلية، وهي نفسها التي ألهمت جاك كيرواك بعضاً من شعره، كان فرلينغيتي يستمتع بطبيعة عذراء أتاحت له أن يستثمر تجربته الروحية، ويتأثّر في جزء منها بالبوذية. وقادته هذه الجوانب من شخصيته إلى إنشاء صداقات مع عديد من "البوذيين الأمريكيين"، بمن فيهم غينسبرغ وغاري سنايدر. أما سياسيّاً، فقد وصف نفسه بأنه فوضويّ، وملتزم في جماعته، بيد أنّه يعتقد بأنّ الإنسانية ليست مُؤهّلةً بعدُ للتعايش مع الفوضوية؛ وبناء على ذلك، فإنه يفضل هذا النوع من الديمقراطية الاجتماعية التي تُعرف في البلدان الإسكندنافية. في عام 2009 أصبح لورنس فيرلينغيتي عضواً فخريّاً في الحركة الفنية الأدبية Immagine & Poesia، التي يوجد مقرُّها في تورينو بإيطاليا.

  بالنسبة لشعر فرلينغيتي، فإنّ أشهر أعماله هو ديوانه الموسوم ب( Coney Island of the Mind)، الذيترجم إلى تسع لغات. وفي عام 1998 عُيّن شاعر سان فرانسيسكو. ولم يزل إلى اليوم يواصل كتابة الشعر، ويشرف على المكتبة ودار النّشْر معاً. وفضلاً عن انخراطه المتواصل في الأدب، واظب فيرلينغيتي على الرسم وقد عُرِضت لوحاته في صالات العرض والمتاحف في سان فرانسيسكو وأماكن أخرى من العالم. وخصصت له الفرقة الإيطالية (تيموريا) أغنية باسم "بلوز فيرلينغيتي" في أحد ألبوماتها، وضمنه سجّل فيرلينغيتي واحدةً من قصائده التي ألف أن يُؤلّفها على أشرطة ممغنطة، ويقرؤها بصوتٍ عالٍ. وقد أصدر فرلينغيتي عدداً من المجاميع الشعرية، بما فيها: "صور العالم المتواري" (1955)، و"بدءاً من سان فرانسيسكو" (1961)، و"المعنى الخفي للأشياء" (1968)؛ "ليلة مكسيكية" (1970). كما كتب مسرحيتين اثنين، هما: "مناقشات بأسلحة غير متكافئة مع الوجود" (1963)، و"الروتين" (1964)، ورواية واحدة بعنوان: "لها" (1960). وواصل كتابة قصائده ذات النزوع السياسي، مثلما اقترح لها العناوين التالية: "ألف كلمة من الخوف على فيديل كاسترو" (1961)، "أين هي الفيتنام؟" (1965).فكثيراً ما تناول شعر فيرلينغيتي السياسة وتردّدت فيه أصداء النقاشات الاجتماعية الكبرى، وكان لا يني يتحدّى التصوُّر السائد عن دور الفنّان في العالم؛ وإذاً، فقد ظلّ بين مجايليه من الشعراء الأمريكيين ومن تلاهم، أكثرهم التزاماً على الإطلاق.

   هنا، نترجم للقارئ العربي هذه التعاريف التي خصّ بها فرلينغيتي مفهومه للشِّعر ووظيفته في ديوانه الذي اشتهر به وأعيد طبعه مرّات بغلافه الأحمر: "الشِّعر فن العصيان"؛ وقد ساقها في شكل شذرات تبتهج بالمعرفة، والحبّ ووهج الحكمة التي تنفذ إلى نسغ الكلمات فتشفّ عن نداوتها وعافية خطابها، وهو يصدح متسائلاً: "ما هو الشِّعر؟"، وذلك في نحو مائتي شذرة تتحدّث عن الشعر وقيمته ووظيفته، وعن الشاعر وحالات القصيدة بلغةٍ بسيطة ومفعمة بالدهشة كأنّها تجري على شفاه أطفال يشرفون على نهر في أحد صباحات العالم.

 

ما هو الشِّعر؟ (لورنس فرلينغيتي) 

الشِّعر هو الحقيقة التي تكشف كلَّ الأكاذيب، وهو الوجه بلا مساحيق.

ما هو الشِّعر؟ الرّيحُ التي تُنيم الأعشاب، والتي تُعول في النهايات المنفصلة.

الصّوْتُ المفقود الذي يحلم، البابُ الطّافي على الأفق.

ما هو الشِّعر؟ المُهرِّج يضحك، المُهرّج يبكي. يسقط القناع.

الشِّعر هو المدعوة المجهولة في المنزل.

الشِّعر هو ذاكرةٌ عظمى، وكلُّ كلمة هي بمثابة استعارة حيّة.

الشِّعر هو عين القَلْب، وهو صميم الرُّوح.

الكلمات تنتظر من يبعثها من جديد في ظلَّ قنديل الشِّعر.

عند أوّل وميض، يدفُّ عصفورٌ أسود بجناحَيْه- إنّه قصيدة.

الشِّعر كلغةٍ أُولى قبل الكتابة لا تزال تبعث فينا غناء الموسيقى الصامتة، موسيقى العماء.

حياةٌ تُعاش مع الشِّعر بالرُّوح هي فنٌّ في حدّ ذاته.

القصائد مثلها مثل الفراشات تتجمّع على زجاج النافذة، وهي تحاول أن تصل إلى اللّهَب.

الشِّعر، صرخة القلب التي تُوقظ الملائكة وتُرْدي الأبالسة.

الشِّعر يخطُّ الأبيض على الأسود، والأسود على الأبيض.

القصائد تتوارى في السماء عند الفجر، في المنازل المهدومة، في أوراق الخريف التي كنسَتْها الريح، في الرسائل التي تاهت وعُثِر عليها ثانيةً، وفي الوجوه الضائعة وسط الجمّ الغفير...

الشِّعر قد يكون الكلأ في مَرْج الأدب، الذي يُذكّرنا بالجذور.

الشِّعر، رَسْم حالات الرُّوح والبروفايل الخفيّ للوجوه.

الشِّعر: المرأةُ عاريةً، والرّجُل عارياً، وهو المسافة بين الاثنين.

الشِّعر، التّخْييل الرفيع.

الشِّعر، الميلوديا الصامتة برأس كلِّ حيوان أصمّ.

الشِّعر، الأنشودة التي ترتفع في قلب الظلام المهيب؛

وهو العزلة الحميمة التي تُصبح من العموم؛

وهو الضّوْءُفي نهاية النفق والغموضُ الداخليّ؛

وهو حمامةُ الصّباح التي تندب الحُبّ، ولا أحد بوسعه أن يصرخ صرخة القلب.

الشِّعر يأخذُ مسافةً من الموت.

الشِّعر، المسافة الأسرع بين كائنين آدميّيْن.

كلُّ عصفورٍ هو كلمة، وكلّ كلمةٍ عصفور.

وكلُّ قصيدةٍ هي المبالغة مع اعتدال.

الشِّعر خربشةٌ أبديّة في قلب أيٍّ مِنّـا.

الكلمات على صفحة القصيدة هي بمثابة الشّفْرة لكلّ العواطف الإنسانية.

قد تحترق الورقة، لكنّ الكلمات تنفلت.

الشِّعر إنّما هو جوهر الأفكار قبل أن تتمّ بالفكر.

الشِّعر هو رعدةٌ على جلد الأبديّة.

الشِّعر فوضى المعاني التي تصنع معنى.

الشِّعر هو كلُّ شيء ذي أجنحةٍ تُغنّي.

صَوْتُ الشّاعر هو الصوت الآخر يهجع في أيِّما إنسانٍ كان.

الشِّعر هو هذه الصفحات الضائعة من الليل والنّهار.

الشِّعر يُقوّض السلطة. الشِّعر المطلق يُقوّض على الإطلاق؛

وهو الظلُّ الذي تقذف به أخيلتنا العاكسة.

الشِّعر هو كتاب الضّوْء في الليل، مُبدِّداً سُحُب الجهل.

الشّعر: الملابس الداخلية للرُّوح.

النَّثر المتنكّر تحت الشكل الطباعي للشِّعر ليس من الشِّعر في شيء.

الشِّعر هو قاربٌ من ورق في طوفان المعاناة الروحيّة.

الشِّعر هو إعادة اكتشاف النفس ضدّ العشيرة.

الشِّعر هو مُعلِّمٌ أنطولوجي، دائماً ما يُسائل الوجود ويُعيد ابتكاره.

القصيدة زهرةٌ لِلحظةٍ من الأبديّة.

الشِّعر هو الموضوع الحقيقي للنّثْر الرائع.

يقول ما يعجز اللِّسان عن وصفه، وينطق بالمتعذّر على القلب أن يتأوَّه به.

كلُّ قصيدةٍ هي جنونٌ مؤقّت، والخيالي هو الواقعي.

الشِّعر هو شكلٌ من الجنون الغنائي.

القصيدة هي على الدوام طرقٌ مسموعٌ على باب المجهول.

القصيدة: نظرة ثاقبة إلى قلب الأشياء نفسه؛

وهي تحقيق الذّاتي، الحياة الداخلية للكائن.

الفنُّ ليس صدفة. الصدفة ليست فنّاً، وإلّا فهو بالصدفة.

الشِّعر لا يزال بإمكانه أن ينقذ العالم وهو يُحوِّل الوعي.

في الشِّعر، تتكلّمُ الأشجار والدوابّ والنّاس.

الشِّعر يمنح الصّوْت لكلّ أولئك الذين يتكلّمون، ويُغنّون، ويبكون ويبتسمون.

القصيدة هي نافذة عبرها يمكن لكلّ ما حدث أن يُرى تحت شمس يوم جديد.

الشِّعر هو النبات الذي يطلع ليلاً من أجل أن يمنح للرغبة اسْماً.

الشِّعر، وسيط بين الواقع اليومي وبيننا نحن.

الشِّعر لا جنس له، لكنّه ليس خُنْثى.

الشِّعر: أذنٌ فوتوغرافية للروح، بدون صمّام.

الشِّعر يوجد لأنّ ثمّة من يسعون لأجل أن يضعوا الأزهار في السجن.

اللُّغة بالنسبة للشعر مثلها مثل الصوت للموسيقى، يجب أن تُغنّي.

وظيفة الشِّعر هي أن يكشف مظاهر الزّيف بالضوء.

الشِّعر هو ( تيك تاك) غير زمني، ووجيب القلب داخل الأبديّة.

الشِّعر هو الرُّمْح اللامع لمحارب أكثر فقراً.

الحُبّ يستمتع بالحُبّ. الفرح يستمتع بالفرح. الشِّعر يستمتع بالشِّعر.

الشِّعر العظيم يتطلب جوعاً ورغبة.

القصيدة الأعظم ليست شيئاً آخر سوى الحياة الغنائية نفسها.

الشّاعر تحديداً هو رسول الإيروس، الحُبّ والحرية؛ وعليه، فهو الخصم الطبيعي وغير العنيف للدولة البوليسية؛

وهو المقاومة الأخيرة.

الشِّعر الأرفع يقول إنّهُ يمكن أن نموت بدونه.

الشِّعر، آخر منارة على بَحْرٍ يطمُّ.

*



22:40 |  Facebook | |

13/03/2015

حوار

قال لـ'المغربية' إن أكثر ما ينشر لا علاقة بالشعر والأخطر أن يصير هذا (اللاشعر) قاعدة ميسرة

الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري: رغم كل شيء مازلت أومن بضرورة الشعر

 WP_20150214_15_27_01_Pro.jpgWP_20141228_09_46_16_Pro.jpg

حاورته: يسرى فرزاز

 

قال الشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري إنه يتساءل مثل الكثيرين عن أسباب حجب جائزة الشعر من جوائز المغرب للكتاب هذه السنة؟ مؤكدا أن الأمر لا يعود إلى أن لا شعر في المغرب، وأن الذين ترشحوا للجائزة ليسوا بشعراء، فهذا انطباع سيء للغاية ومضلل. ويكاد الوراري يجزم، في حوار مع "المغربية، أن الأمر يعود إلى أن جزءا من مشهدنا الثقافي والأدبي مريض ومصاب بفقر الدم نتيجة تحكم بعض فاعليه واستبداديتهم في تدبير الشأن الثقافي، وتسيد قيم رديئة كرسوها، منذ وقت ليس بالقصير حتى صارت أعرافا مجمعا عليها. وبمنأى عن السجال الذي أثاره الحجب، اعتبر الوراري القرار الذي اتخذ مؤلما في حق شعر مغربي مازال يتيما في مواجهة العماء الذي يواجه به في زمن غير شعري. من جهة أخرى قال الوراري إن أكثر ما ينشر لا علاقة له بالشعر، والأخطر أن يصير هذا "اللاشعر" قاعدة ميسرة يتلقفها قراء ومشاريع موهوبين قادتهم المصادفة أو ضربة الحظ إلى هذه المجاميع الورقية التي يعنى فيها بكل شيء (الصورة، الخط، الورق..) إلا أن يكون شعرا، وربما الذي ساعد في اتجاه هذا الوضع هو دور النشر "الارتزاقية" التي تتعامل مع الكتاب كسلعة ومع صاحبه كدافع للأجر فوريا، ولا يهمها إن كان ما تنشره شعرا أم "خطا دمياطيا" لضرب الكف. فلا لجنة قراءة لدى معظمها ولا هم يحزنون. وأكد أن الذي يضيع ليس المال، ولا الضريبة غير المؤداة، بل الشعر الذي أسيء فهمه، ولاسيما قصيدة النثر، هذا الفن الصعب الذي استسهله عديمو الموهبة.

 

كيف ترى قرار حجب جائزة الشعر لهذه السنة، هل هذا يعني موت هذا الصنف الأدبي، أم لم يعد هناك شعراء يستحقون هذه الجائزة؟ أم ماذا؟

مثل الكثيرين أتساءل بدوري، لماذا حجِبت جائزة الشعر من جوائز المغرب للكتاب هذه السنة؟ أعتقد جازما أن الأمر لا يعود إلى أن لا شعر في المغرب، وأن الذين ترشحوا للجائزة ليسوا بشعراء، فهذا انطباع سيء للغاية ومضلل؛ بل أكاد أجزم أنه يعود إلى أن جزءا من مشهدنا الثقافي والأدبي مريض ومصاب بفقر الدم نتيجة تحكم بعض فاعليه من الحرس القديم واستبداديتهم في تدبير الشأن، ونتيجة تسيد قيم رديئة كرسوها، منذ وقت ليس بالقصير حتى صارت أعرافا مجمعا عليها. لهذا أخشى أن يحجر يوما على الفكر المغربي، والمخيلة المغربية، فالحجب بداية الحجر.

وبمنأى عن السجال الذي أثاره الحجب، أعتبر القرار الذي اتخذ مؤلما لنا كممارسين ودارسين لشعر مغربي، ماأزال أعده يتيما في مواجهة العماء الذي يواجه به في زمن غير شعري.

بدأنا نلاحظ في الآونة الأخيرة تدفق الإصدارات الشعرية بشكل لافت، كشاعر وناقد كيف تفسر هذه الظاهرة؟ وهل جميع هذه الإصدارات تخضع لقواعد الشعر والملكة الشعرية، بما في ذلك قصيدة النثر التي تتطلب شروطا مثل الإيجاز والتوهج ؟

  للأسف، الظاهرة أشبه بحفلة تنكرية كبيرة. وإذا صادف أن غاب أحدهم، لسبب قاهر أو آخر، عن المشهد الشعري وعاد إليه، فإنه سيعيش غربة مضاعفة: غربة داخل مجتمعه، وغربة بين جيش من "الشعراء" الذين تضخم عددهم بصفة زادت عن "الدخل القومي للأفراد" وأربكت توقعات "المندوبية السامية للتخطيط"، ولا أعرف إن كان ذلك حلا مناسبا لتحقيق "الردع النووي" وتوازن الرعب بينهم وبين المتملصين من أداء الضريبة؟

إن أكثر ما ينشر لا علاقة له بالشعر، والأخطر أن يصير هذا "اللاشعر" قاعدة ميسرة يتلقفها قراء ومشاريع موهوبين قادتهم المصادفة أو ضربة الحظ إلى هذه المجاميع الورقية التي يعنى فيها بكل شيء (الصورة، الخط، الورق..) إلا أن يكون شعرا، وربما الذي ساعد في اتجاه هذا الوضع هو دور النشر "الارتزاقية" التي تتعامل مع الكتاب كسلعة ومع صاحبه كدافع للأجر فوريا، ولا يهمها إن كان ما تنشره شعرا أم "خطا دمياطيا" لضرب الكف. فلا لجنة قراءة لدى معظمها ولا هم يحزنون.

 لكن الذي يضيع ليس المال، ولا الضريبة غير المؤداة، بل الشعر الذي أسيء فهمه، ولاسيما قصيدة النثر، هذا الفن الصعب الذي استسهله عديمو الموهبة ومزقوه كل ممزق.

بما أنكم تحدثتم في كتابكم الذي جرى توقيعه، أخيرا، بالمعرض الدولي للنشر والكتاب، عن راهنية الشعر والحساسيات الجديدة، ماذا أضافت قصيدة الجيل الجديد للشعر المغربي؟

 بخصوص الجيل الجديد، أتحدث عن كوكبة من الشعراء الجدد توزعت بين ألفيتين، إلا أنه من التعسف أن نجمع أفرادها داخل جيل أو نحجرهم على تصنيف عقدي كما كان جاريا من قبل. إنها ممتدة بصمت، وأوسع من أن تتأطر داخل مفهوم مغلق ونهائي مثل مفهوم الجيل، ومافتئت تكشف عن أثر التغير الذي يحدث باستمرار. ولهذا آثرت أن أتحدث عما يصطلح عليه بـ(الحساسية الشعرية الجديدة)، بسبب ما خلقته من جماليات كتابية مغايرة عكست فهما جديدا لآليات تدبر الكيان الشعري، مما يمكن للمهتم أن يتتبعه في دواوين شعرائها، التي شرعت في الظهور، منذ أواخر التسعينيات من القرن المنصرم.

وهذه الحساسية تظهر لنا حبلى بالانعطافات التي تحفز شعراءها على التحرك الدائم في جسد التجربة وأخاديدها، لا يرهنون ذواتهم لإيديولوجيا أو ينضوون تحت يافطة بارزة، وهو ما يعني صعود حساسية، حساسية جديدة. إنها تكشف عن كونها كناية عن اختلاف في تشكلات الرؤية الإبداعية، أو في تصورها لأفق الكتابة الشعرية برمتها.

أما بالنسبة إلى ما يمكن أن يكون إضافات قدمتها للقصيدة المغربية، فإنه يحسن بنا أن نشير إلى أهم ملمح ميزها وهو نزوع النفر الكبير من شعراء الحساسية الجديدة إلى الرؤيا التي تعنى باكتشاف العالم ومواجهته، عوضا عن الموقف المباشر من السياسة والأخلاق والقيم، وهو ما عبر عن تحول في الحس الجمالي، وفي مفهوم الذات والنظر إلى العالم، وفي تقنيات التعبير الفني للقصيدة.

وهكذا استقرأ من خلال المتن الشعراء لشعراء هذه الحساسية السمات التالية: الاهتمام بالذات في صوتها الخافت والحميم، وهي تواجه بهشاشتها وتصدعها الأشياء والعالم واختلاطات الحياة اليومية؛ النزوع المستمر إلى بساطة القول الشعري والانفتاح على السرد وجمالياته البانية؛ الاعتناء بكتابة الشظايا وأسلوب فقراتها الشذري؛ إدخال اللغة الشعرية في شبكة علائق معجمية ونظمية وتخييلية غير مألوفة راحت تقلب نظم بناء الدلالة وطرائق شعرنتها، والاهتمام بهوامش الجسد الأنثوي وفض مسمياته المختلفة من خلال رؤيات متنوعة ودالة، وداخل صيغ أسلوبية تراوح بين الرومانسي والإشراقي والسوريالي.

وضعتم في الكتاب مقارنة بين تجربتين لجيلين، فتحيزت للجيل الراهن، لماذا هذا التحيز؟

 أبدا، ليس هناك تحيز. إنما الكتاب يشيد بعمل أجيال القصيدة المغربية الحديثة، غير أنه يركز على منجزها الراهن الذي قدمه شعراء من أجيال وحساسيات ورؤى مختلفة في العشرية الأخيرة. بموازاة مع ذلك، وقفت على شعر الحساسية الجديدة وأكدت أنها لم تكن لتجنب ما سبقها، بل هي تراكم لتجارب متتالية في سياق هذه القصيدة وتطور أواليات بنائها المعماري، بقدر ما هي تجاوز لها باستمرار.

   وهكذا، بحكم إشكالية الكتاب وأفقه الجمالي، راهنت على دراسة متن متراحب لشعراء وشواعر يصل بين نهايات القرن المنصرم وبدايات الألفية الثالثة، ضمن إبدال "الحساسية" الأكثر انفتاحا ومرونة، بل استيعابية، ما دام يخول استدماج مختلف فرقاء الشأن الشعري (قدماؤه ومحدثوه، شيوخه وفتيانه، مقيموه ومغتربوه، رجاله ونساؤه)، أي مختلف الأصوات الشعرية التي تسهم في صياغة اللحظة الشعرية المغربية الراهنة، مثلما يساوي بين الأسماء المكرسة والأخرى الوليدة بمنأى عن أي اعتبارات غير شعرية.

ألم يكن للجيل السابق من الشعراء "الرواد" الفضل في ما وصل إليه شعراء الجيل الجديد من تطوير للقصيدة وانفتاحها على مختلف القضايا؟

يساء فهم عبارة "الحساسية الجديدة"، وقد تبدو مهينة لدى البعض، لأنهم يعتقدون أن هذا التصنيف يتضمن إلغاء أو تشويشا على "الشعر كما كتبه السلف" قديمه وحديثه. لا شك في أن هناك تجددا في الكتابة الشعرية، منذ أواخر التسعينيات على الأقل، ولا ينحصر رواد هذا التجديد في مجلة أو في جماعة أو في أفراد ملهمين من أرض دون غيرها. فقد استفاد ممثلو "الحساسية الجديدة" من أسلافهم الذين كان بعضهم لامعا وغير متوقع، وأنا مصر على التنويه بهم. كما استفادوا من أسلاف أقل شهرة أو تجديدا، لكن ساهموا بدورهم في التعريف بالشعر والانتصار له في زمنهم؛ بل الأخطر في الأمر، والأكثر دلالة حقا، هو أن تجد من الأسلاف من لا يزال قادرا على التجدد باستمرار، ويمثل عامل تحفيز حقيقي لـ"حساسية جديدة" ما كانت ترسخ لولا استبصارهم وتسامحهم ونفاذ رؤيتهم.

ومن المهم أن نشير، هنا، إلى أن الحساسية الجديدة ليست حكرا على الشعراء الجدد، بل يساهم فيها أيضا شعراء من أجيال سابقة (محمد السرغيني، محمد بنيس، محمد بنطلحة، حسن نجمي، مبارك وساط، وفاء العمراني وصلاح بوسريف) تمثيلا لا حصرا. بل يمكن القول إن نتاج هؤلاء الرادة الذين يقدمون إلينا من أجيال وتجارب سابقة، يمثل حافزا إضافيا لشعراء تلك الحساسية على الاستمرار في رهانهم الجمالي على تحديث الشعر المغربي، بلا ادعاء القطيعة أو وهم "قتل الأب". فالشعراء الجدد في تلقيهم للتراث الشعري، القريب والبعيد، إنما يلجأون إلى دمجه في ذواتهم ورؤاهم، فلا يحولونه إلى علاقة ستاتيكية تؤدي إلى بتر الحساسية وإلى جمود اللغة وميكانيكيتها، وهو ما قد يعيد بناء وجهة نظر جديدة لتاريخنا الثقافي والأدبي في سيرورته وتجدد حضوره بيننا.

في ظل التحولات السريعة التي يعيشها الإنسان، هل مازال للشعر مكان عند المواطن المغربي؟ وهل مازال الشعر يقوم بدوره في خدمة القضايا الإنسانية؟

رغم كل شيء، مازلت أومن بضرورة الشعر، لأن ثمة ما يعزز اقتناعنا بقيمة الشعر في عالم صار يقل فيه ضوء الشعر، وتقل معه فرص الحياة الجميلة والمحلوم بها على حواف عالم ما فتئ يغرق في ماديته الشرهة، ولأن ثمة ما يدعونا للكشف والخلق والحوار وتبادل حر للأفكار والأحلام عن طريق الكلمة الشعرية، بقدرما ما يدعونا إلى التأمل في مكامن قوة اللغة وإلى الإصغاء لتفتح الملكات الإبداعية لكل الذوات وهي تبتهج وتتوهج في الشعر وبه. وفي المجال المغربي، تقل فرص اللقاء بالشعر، بحكم سياسات الإقصاء ضده في برامج الإعلام والتعليم، ومناخ التسطيح والفلكلرة الذي يطغى على نشاطات اليومي والآني.

يقول الشاعر محمد بنيس في شهادة عن عبداللطيف الوراري إنه "متمكن من العربية ومن الشعر ومعارفه". كناقد ومثقف، فكيف ترى واقع اللغة العربية الفصحى عند المغاربة؟

غير راض، شأن كثير من الناس، عن واقع اللغة العربية في المغرب، الذي يزداد سوءا بسبب تغلغل اللغات الأجنبية. بالمناسبة، كنت دعوت قبل نحو عام إلى عريضة وقع عليها عشرات المثقفين المغاربة "من أجل الدفاع عن اللغة العربية وتعزيز مكانتها في الفضاء العام"، ولاقت اهتماما واسعا. ومن جملة ما أكدت عليه هذه العريضة هو: تعزيز مكانتها في الفضاء العام والمدرسة المغربية، والعمل على الترقية بأطرها اللسانية والمعرفية والتواصلية بصورة تدفع بمجتمع المعرفة إلى مستويات ملموسة ومتقدمة، والتصدي لكل واقع مستجد يمس وضعية اللغة العربية على مستوى المنظومة التعليمية، وفي المجال الثقافي عامة. 

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، ماذا يمكن أن تقول عن التجربة النسائية في مجال الشعر، خصوصا أنها أصبحت تتوج في محافل شعرية كبيرة على الصعيد العربي؟

لا يمكن أن ننكر قيمة هذه التجربة والطفرة الرائعة التي أقدمت عليها في فترة وجيزة لا تتعدى أربعة عقود من الزمن، ونحن نرصد معالم التطور الذي يعرفه المتن الشعري للتجربة كما ونوعا. في الحقيقة، أمامنا متن شعري نسائي متنوع ومتباين القيمة، قياسا بعامل الموهبة وغنى التجربة وطريقة تدبير قيم القصيدة اللغوية والفنية. لكن في العموم، هو شعر جميل ويتأتى جماله من كونه يقر بوجود كتابة شعرية تتكلم صيغة المؤنث ويطبعها النفَس الأنثوي الذي يسري في جسد اللغة ويعيد تهوية مجالها الرمزي، وتسمية كثير من مفرداتها وعلاماتها. فأهم ما يميز التجربة هو إحساس المرأة الشاعرة بحريتها في أن تعبر عن نفسها بنفسها بالطريقة التي تريد البوح بها فنيا. وهكذا، نجدها في قصيدتها متمردة، متأملة، نابضة بالعاطفة والشهوة، سائرة بتجربتها في الحياة وبوجدانها الخصب الذي يتكلم عهودا من التاريخ الشخصي الموجع في فضاءالكتابة.

* نشر الحوار بجريدة (الصحراء المغربية)، الجمعة 13 مارس 2015.

 

20:52 |  Facebook | |

17/02/2015

توقيع

عبد اللطيف الوراري يوقع كتابه "في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية"

WP_20150214_15_27_01_Pro.jpg

  WP_20150214_15_51_24_Pro.jpg بمناسبة الدورة الواحدة والعشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالدارالبيضاء، وقع الشاعر عبد اللطيف الوراري كتابه النقدي الجديد "في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية"، وذلك برواق دار التوحيدي للنشر والتوزيع، يوم السبت 14 فبراير 2015. وحضر حفل التوقيع لفيف من أصدقاء الشاعر. وتجدر الإشارة إلى أن الكتاب يقع في 258 صفحة من القطع الكبير، ويشتمل على خمسة فصول قارب عبرها المؤلف متناً شعريّاً متراحباً وشاملاً لأسماء وحساسيّات وخبرات تعكس الطيف الشعري الآيل إلى عقود زمنية متباينة، مع التركيز، انسجاماً مع مقتضى الراهنية، على إصدارات شعرية تعود إلى تسعينيّات القرن الماضي، وبدايات الألفيات الجديدة.

 

23:01 |  Facebook | |

13/02/2015

:

التجربة الشعرية الجديدة بالمغرب: حساسية أم حساسيات؟

10003068101522851248048982885650394301898513n.jpg

رشيد الخديري

يواصل الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري حفرياته في المقترح الشعري المغربي الراهن، حيث أصدر قبل أيام كتابه النقدي الموسوم بـ"حساسيات جديدة في الشعر المغربي المعاصر"، الذي خصصه لإبدالات القصيدة المغربية وفتوحاتها عبر النبش في مكوناتها الجمالية والدلالية، واستمراراً لمشروعه النقدي، خصص لمجلة الإمارات الثقافية في عددها الأخير ملفاً شاملاً حول (الشعر المغربي الجديد) تحت عنوان "الشعر المغربي الجديد: حساسيات صاعدة ورهان على الاختلاف"، واحتوى الملف مقالات نقدية لنقاد ومهتمين بإبدالات القصيدة المغربية لكل من: رشيد يحياوي (المتوج بجائزة المغرب للكتاب في الدراسات النقدية والأدبية لعام 2015)، وصلاح بوسريف، ومحمد بودويك، بالإضافة إلى شهادات قدمها شعراء ونقاد وباحثون في المجال ومن مختلف الأجيال والحساسيات وهم: عبد الكريم الطبال، وبنعيسى بوحمالة، وإدريس الملياني، ومبارك وساط، وعمر العسري، موحمد الديهاجي، ومصطفى ملح، ومحمد أحمد بنيس، ومحمد ميلود الغرافي، ومحمد بوجبيري، وضم الملف أيضا نصوصاً شعرية لكل من: سكينة حبيب الله (ما يشبه الاعتراف)، ومحمد العناز (عقارب الماء)، ورشيد الخديري (ملهاة)، ونسيمة الراوي (غيم) ، وليلى بارع (موطن الفراشات السوداء)، وإيمان الخطابي (شذرات)، وجواد أوحمو (الحوذي)، وصباح الدبي (أثر في أعالي الروح).

ومما كتبه الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري في تقديمه للملف:"لقد أبان عدد غير يسير من شعراء التجربة الموهوبين، من خلال اجتهاداتهم واقتراحاتهم النصية، عن وعيهم باشتراطات الحساسية الجديدة، فانحازوا إلى شعريّتها المختلفة التي تقوم على تنوّع الرؤى وتمايزها، بنسب محدّدة، عمّا سبقها، وتكشف عن تحوُّل في الحسّ الجمالي، وفي مفهوم الذات والنظر إلى العالم، وفي تقنيات التعبير الفني للقصيدة خاصة، وللكتابة عامّة. وهكذا، فإنّ الارتباط بعامل الزمن لا يعني لنا من قيمة إلّا بمدى قيمة الأشخاص المتحرّكين داخله، ودرجة حضورهم فيه".

وقد طرح الناقد والأكاديمي رشيد يحياوي ملاحظات لفهم التجربة الشعرية الجديدة، ورأى أن "مما يزيد في استشكال حصر خطوطها الكبرى منزعها التجريبي المتمثل في بحث شعرائها عن تجاوز ذواتهم شعريا بالتنويع المتتالي في أساليب وطرق الصياغة الشعرية وبناء النص". وركز الشاعر والناقد صلاح بوسريف على "خَــلَل" البِدايــات من التَّراكُم إلى الصَّيْرورة، قائلاً إن "هناك تجارب تشي بمستقبل شعري جمالي، قد يصير إضافَةً، إذا ما بقيت هذه التجارب واعية بـ «خَلَل» البدايات، وبالحاجة لتشغيل كل الدَّوال الشعرية واستنفاذها، أو العمل على تنويعها، وفتح الشِّعر على الكتابة". وقدم الشاعر والناقد محمد بودويك مدخـلاً إلى قراءة الشعر المغربي الجديد، ومن خلاله كشف عن محتوى المتن الشعري الجديد بالجمع والإفراد الذي يبين عن أوجاع الذات، وانسحاقها في رَحَى الخيبات والخسارات، ثم عن مقوم الإدهاش، إذ الإدهاش سمة هذه التجربة الشعرية برمتها.
ومما جاء في شهادة الشاعر عبد الكريم الطبال عن "التجربة الشعرية الجددية" قوله "إنّ هذه الجمهرة من الشعراء الشباب في قلب الطائر المرفرف دائماً. وبينهم المهرة في الغناء، وبينهم الذين يتعلمون المبادئ الأولية، وبينهم من ليسوا من أولئك ولا من هؤلاء. والقضية فيما أرى ليست في اختلاف قصيدة النثر عن قصيدة التفعيلة أو عن القصيدة العمودية، فننسب الحداثة إلى هذه ونسحبها عن تلك، بل إن القضية أساساً في جوهر الشعر الذي هو كامن في اللغة، ومن قبل ذلك كامن في الرؤيا. هنا الاختلاف بين الشعر وسواه، بين الحداثة والقدامة." وحسب متابعاته المستمرة، أشار الطبال إلى "أنّ هذا الحراك الشعري الجديد تتقدّمه أسماء مشعة لا يخفى ضوءها حتى عن الأعشى. وعلى هؤلاء الأمل في العزف الرحب الرخيم العميق الذي يعلو على كلّ نشاز".
ومن جهته لم يجد الناقد والأكاديمي بنعيسى بوحمالة حرجاً من نعت النّشاطية الشعرية المغربية التي انطلقت منذ بواكير تسعينيات القرن الماضي بالحساسيّة الشعرية الجديدة، إذ أنّ الأمر يتصل، في نظره، بجيل رابع في سيرورة القصيدة المغربية المعاصرة". وأضاف: "ما كان لشعراء هذه الحساسيّة أن يوجدوا بين ظهرانينا لو لم يكونوا مسبوقين بأسلاف وآباء شعريّين عملوا، على مدى عقود، كل وأسئلته وآفاقه، على استنبات القصيدة المغربية المعاصرة في فضاء ثقافي معاند، على إخضاعها للتجريب والإنضاج، وفي الخلاصة على إعفاء الملتحقين المتأخّرين بالمشهد الشعري من أعباء انتزاع الشرعية لهذا الوليد الكتابي من محافل التقليد والاتباع الشعريين في مغرب أواسط القرن العشرين، وإعفاءهم من مجازفات التجريب الجمالي على أكثر من صعيد مناولين إيّاهم، هكذا، منجزاً شعريّاً، حقّا ليس في قوّة وزخم نظيره المشرقي بيد أنّه سوف يشكّل أرضية ملائمة للأصوات الشعرية الجديدة، إبداعيّاً أو، بالأولى، تربويّاً، كيما تجترح سبلها الأدائية والتعبيرية.. مما يمثّل، بوجه عام، إضافة للمنجز الشعري المغربي المعاصر وتنويعاً على ماّته وجمالياته".

وبدا للشاعر محمد بوجبيري أن هناك ملامح خيال بدأ يتشكل من خلال صور بديعة تكسر المألوف البلاغي، ومن خلال لغة تنحو إلى المزيد من التكسير المبهج للعلاقة بين الدال والمدلول. وتابع بلغته الموحية: "دخلوا إلى حقل اللغة وعربدوا فيه بشكل جنوني، وجميل. ذهبوا إلى أقصى ينابيعهم الروحية، وقالوا بلغة نبيهة لا تخلو من مكر المعني ما ينبغي قوله بلا مواربة، وبشعرية جذابة عارية ــ في كثير من الأحيان ــ من أي مكياج بلاغي. هكذا كما لو أنهم يريدون لسهامهم أن تنفذ ــ إلى مكمن الفهم ــ بسرعة فائقة".
وباعتباره واحداً من أهم أصوات الشعر الجديد، أكد الشاعر مصطفى ملح أننا أمام اقتراحات جمالية فردية تكاد تكون معزولة عن ضمير الجماعة، وهي لتجربة شعرية جديدة في رؤاها وجماليات التشكيل اللغوي والبياني، قائلاً: "أنا واحد من أولئك الشعراء (الجدد)، لا أرى أن مركباً واحداً يلمنا ونحن نعبر بحر الكتابة إلى الضفة الأخرى من الوعي. لا أرى ائتلافاً يطبع أجسادنا ولا توافقاً يصف ما تكتبه أصابعنا على يتم الورقة".

15:31 |  Facebook | |

20/01/2015

راهن الشعر المغربي

 

في كتابه "في راهن الشعر المغربي"،

عبد اللطيف الوراري ينحاز إلى إبدال الحساسية في تأمُّل أوضاع الشعر المغربي المعاصر  WP_20141228_09_46_16_Pro.jpg

 

   صدر للشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري كتاب نقدي جديد بعنوان "في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية". والكتاب هو ثمرة إصغاء وتأمُّل ونقاش حول وضع الشعر المغربي المعاصر ورؤاه وجمالياته وآليات تدبُّره للكيان الشعري منذ ما يقرب من عقدين من الزمن- في المسافة الزمنيّة القائمة بين نهايات القرن الفائت وبدايات الألفية الثالثة. وهذا ما قاده إلى مفصلة مشروعه النقدي إلى فصول بحثية قطاعية تصبّ في بعضها البعض وتسفر، في المحصّلة، عن هيئة الكتاب الكليّة كما تجترح له سيماه وقسماته الدّامغة. فالخطاطة إيّاها تبتدئ بفصل مدخلي ينبئ عن المحاور التي ستتولاّها الفصول الموالية. فمن تحديد الراهن و المراد منه إلى التنصيص على الخاصية الفردية للإبداع الشعري المغربي مروراً بمسأليّات الرؤيا، الإيقاع، فضاء الكتابة، تشظية المكتوب، تأنيثه، فالإلماع إلى معطى المهجرية وفاعليّته في الزخم الشعري الذي يميّز هذا الراهن. ثم يختم بفصل شائق حول الحساسيّة بصيغة المفرد والأخرى بصيغة الجمع مُقرّاً باستشكال المفهوم وملفتاً إلى اقتضاءات الحساسيّة وأوجه تمظهرها الجمالي.

   وقد انحاز الناقد إلى إبدال الحساسيّة وارتآه بديلاً أكثر إقناعيّة ومردوداً من مفهوم الجيل، وهو ما أتاح له استدماج مختلف فرقاء الشّأن الشعري: قدمائه ومحدثيه، شيوخه وفتيانه، مقيميه ومغتربيه، رجاله ونسائه، أي مختلف الأصوات الشعرية التي تسهم في صياغة اللّحظة الشعرية المغربية الراهنة، خارج اعتبارات القدامة والحداثة.. السّلف والخلف الشعريّين.. الذّكورة والأنوثة.. التي يمكن معها، مجزّأة، استحضار عناصر بذاتها من المشهد الشعري واطّراح أو إهمال عناصر أخرى لا تقلّ جدوى وأهميّة.

   وفي التفاتة رمزية دالّة، خصّ الناقد والأكاديمي د. بنعيسى بوحمالة الكتاب بمقدمة كاشفة موسومة بـ"في تعدّدية الأدوار الشعرية.. عن دمقرطة التناول النّقدي"، وتحدث فيه عن موضوع الدراسة وبنيتها وأطرها النظرية والمعرفية وإشكالاتها الأساسية، وقال: "لا يسعني سوى أن أعترف بما أتاحته لي قراءة الكتاب من فائدة ومتعة وذلك دفعة واحدة.. فائدة استكشاف إسهامات أسماء شعرية كثيرة في تعهّد راهن شعري مغربي تميّزه ديناميّة هائلة يقطع بفضلها الشعر المغربي المعاصر مع عقود الكفاف والتحرّج.. ومتعة تشغيل تدابير وإجراءات نقدية تشهد على حصافة قرائيّة، بل استغواريّة، لطبّغرافيا مشهد شعري مترامي الأطراف وذلك توسّلاً بإواليات النص، اللغة الشعرية، المعنى الشعري، الإيقاع، الرؤيا، وغيرها من مستلزمات أيّما بناء شعري ذي كفاية جمالية."

    يتألف الكتاب (دار التوحيدي، الرباط 2014) من مدخل، وخمسة فصول هي:

الفصل الأول: في الراهن الشِّعري: تحديداتٌ وسماتٌ دالّة؛

الفصل الثاني: الإيقاع، الذّات وبناء المعنى: من اللُّغة إلى الخطاب؛

الفصل الثالث: أنا الكتابة وتخييلات الجسد في الشعر النسائي: بين البوح والتجريد؛

الفصل الرابع: المنفى، الغيرية وانشطار الهويّة في الشِّعر المهجري؛

الفصل الخامس: التجربة الشعرية الجديدة: حساسيّة أم حساسيّات؟

ثم الخاتمة يليها ثبت المتن والمراجع والمصادر العربية والأجنبية المعتمدة.

وتجدر الإشارة أن الكاتب سبق له أن أصدر، عدا مجاميعه الشعرية، ثلاثة كتب نقدية: "تحولات المعنى في الشعر العربي" (الشارقة، 2009)، "نقد الإيقاع: في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية وآليات تلقّيه عند العرب" (الرباط، 2011)، و"الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي" (الرياض، 2013).

19:15 |  Facebook | |

30/12/2014

::

على هامش دراسة عبداللطيف الوراري المثيرة للجدل “حساسيات جديدة في الشعر المغربي المعاصر

محمد بنقدور الوهراني

349.jpg

قرأت دراسة الباحث عبد اللطيف الوراري ( حساسيات جديدة في الشعر المغربي المعاصر )، كما تتبعت بعض ما أحدثته من جدل وحرج جعل صاحب الدراسة يخرج بشبه بيان فايسبوكي يشكو فيه التجاوب السيئ الذي قوبلت به الدراسة، ويعتبر ذلك مسا بشخصه وخروجا عن تقاليد الكتابة وأعراف الرأي النقدي.
وبما أني أعتبر نفسي معنيا بالأمر، لاعتبارات ذاتية ومعنوية، آثرت أن أدلي برأيي في الموضوع، بعيدا عن أي تشنج، وقريبا من الحدود القصوى للموضوعية.
توطئة:
إن النقد الأدبي في أبسط تعريفاته هو الاهتمام والإحاطة بإنتاج أدبي ما، لكاتب ما، وفق رؤية أو منهج ما، بحثا عن جوهره الفني والجمالي واستكناها لحقيقته الإبداعية والفكرية التي ينتجها الكاتب.
إنارة أولى:
في اعتقادي الشخصي، أعتبر دراسة عبد اللطيف الوراري عملية نقدية تمارس حقها في تناول مجموعة من الشعراء ومجموعة من النصوص الشعرية بشكل يخدم نظرية شعرية محددة سلفا في عنوان الدراسة ( حساسيات جديدة )، وبالتالي، فالباحث ينسجم انسجاما كليا مع مفهوم النقد الأدبي إلى حد كبير.
أستطيع، بعد هذا، توضيح رأيي المتواضع والقابل للنقاش في الواجهات التالية:
مبدئيا:
الشاعر شخص معنوي، هو كذلك شخصية عامة.
الشاعر يكتب للآخر، يكتب لقارئ مفترض يكون هو الهدف الأساسي لأي كتابة، وبالتالي هذا القارئ يمكن أن يكون معجبا متقبلا، كما يمكن أن يكون جحيما.
الشاعر، والكاتب عموما، يوقع عقدا معنويا غير مكتوب مع القارئ والدارس والباحث والناقد، يفوضه، من خلاله، التعامل مع النص الشعري بالشكل الذي يحسه أو يراه هو وليس بالشكل الذي يريده الشاعر.
وعليه، ليس من حق الشاعر الاحتجاج على أي تناول لنصوصه الشعرية أو تعامل مع إسمه الشعري، مادام هذا التناول يدخل في نطاق العملية النقدية التي هي محددة ومأطرة سلفا في بحث أو دراسة أو تأطير نقدي معين.
منهجيا:
دراسة عبد اللطيف الوراري تدخل في نطاق النقد الأدبي، لأن الخلفية النقدية للكاتب تسمح له بأن يكتب عن الشعر والشعراء، ثم لأنه راكم تجربة نقدية معتبرة تشفع له في تناول الظواهر الشعرية التي يراها صالحة لبناء نظرية شعرية يرتبها وفق مشروع نقدي يظهر أثره في عدد من كتبه ودراساته النقدية.
من هذا الجانب، يأخذ البحث في حساسيات الشعر المغربي المعاصر اعتباره المنهجي المطلوب، بعيدا عن تعريفات المنهج الذي تحتاج إلى فضاء أرحب، لأن المنهج النقدي يكون في الغالب مرتبطا بأطروحة نقدية محددة في بحث جامعي أو في كتاب، الشيء الذي لا يمكن أن يحصل في الدراسات النقدية.
شعريا:
ما كتبه الشاعر عبد اللطيف الوراري في دراسته يدخل في مجال النقد الشعري، مادام يبحث في حساسيات شعرية جديدة يقارنها مع حساسيات قديمة، منطلقا من فرضية نقدية أساسية هي انحسار مصطلح الجيل الشعري، وتعويضه بمصطلح الحساسية الشعرية.
وهذا في حد ذاته اجتهاد شعري يستحق عليه الدارس أجرا على الأقل، لأن الانتباه إلى ضرورة تأصيل مفهوم الحساسية الشعرية والتدليل عليه، إن لم يكن سبقا نقديا، فهو اجتهاد يضاف إلى سجل الدارس.
مفاهيميا:
خيرا فعل الباحث عبد اللطيف الوراري عندما تناول مفهوم الحساسية الشعرية بالدرس والتحليل، وجعلها موضوع دراسة موثقة بمعطيات زمنية وجمالية وموضوعاتية محددة.
إن المتتبع لمسيرة الشعر المغربي الحديث يعلم جيدا الحرج الكبير الذي كان يحدثه مصطلح الجيل، لما فيه من حساسيات تحيل في كثير من الأحيان على القطيعة أو ما سماه الباحث ( قتل الأب ).
مصطلح الجيل الشعري كذلك، كان يمثل معضلة مفاهيمية كبيرة كانت في الغالب تغليفا لمعضلة مفاهيمية أخرى هي علاقة قصيدة التفعيلة بقصيدة النثر.
ولعل الباحث بهذا الطرح وبهذا التحريك المقصود لمفاهيم الجيل والحساسية الشعرين وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر سيعيد الروح لجسد القصيدة المغربية الحديثة ويجعلها تنفض عنها غبار السكون والإهمال.
معرفيا:
إن اهتمام الباحث عبد اللطيف الوراري بالشعر المغربي نقديا يمكن أن يكون قيمة مضافة مطلوبة، يستفيد منها النقد المغربي والقصيدة المغربية أمام شح الدراسات النقدية المغربية، وأمام ابتعاد النقد العربي عن النتاج الشعري المغربي، سواء كان هذا الابتعاد جهلا أو احتقارا أو إهمالا.
تناول وانتباه الباحث عبد اللطيف الوراري للمشهد الشعري المغربي وانكبابه عليه، قراءة وكتابة ودراسة، أمر يحسب له ويصب في خانة حسناته.
إنارة أخيرة:
ما كتبه عبد اللطيف الوراري في دراسته يدخل في سياق حرية الكتابة والرأي النقدي، والرد عليه يجب أن يكون منتميا لنفس الجنس المعرفي النقدي، ما عداه هو إساءة للأدب، إساءة للشعر وإساءة للكاتب، مهما كان الكاتب.

 

20:30 |  Facebook | |

حساسيّات جديدة في الشعر المغربي المعاصر

حساسيّات جديدة في الشعر المغربي المعاصر

عبد اللطيف الوراري

349.jpg

يكاد مصطلح الحساسية، في نقد الشعر المغربي، يكون غائباً في ظلّ الحظوة التي كانت لمصطلح الجيل. ولم يتردّد بقوّة إلّا في بدايات الألفية الجديدة، في بعض المقالات والبيانات التي كان يحرّرها الشعراء الجدد أنفسهم، وفي كتاباتهم التي كانت تتمّ في صمت، وتحاول ابتكار أشكال تعبير خاصّة بها، وإيجاد موطئ قدم في خارطة المشهد الأدبي. لكن بُنى الاستقبال الثقافي والإعلامي والجمالي التي يفترض أن تحتضن إبداعهم وتساهم في انتشاره، كانت عاطلة وصمّاء.

كان الشاعر الراحل منير بولعيش من الأوائل الذين لفتوا النظر إلى الشعراء المغاربة الجدد ونعتهم بـ "جيل المشيتين"، وقال إنّهم "تمثيل حقيقي لانعطافة متميّزة ونقلة جديدة" للشعر العربي، ما فتئ يرسّخ "طريقه للبحث عن صوته الخاص، وركضه الحثيث من أجل موقع ثابت له وأسلوب متفرّد يوقّع به نشيده الخارج على رداءة السياق العام". بيد أنّ الشاعرمصطفى ملح وجّه نقداً لاذعاً إلى التجربة التي عدّها "شعراً جامداً لا إحساس فيه"، وقال "إنّنا نعيش عصر انحطاط شعري في المعنيَين؛ التاريخي والفنّي"، مبرّراً بأنه "يمكن تصفّح المجاميع الشعرية التي ينشرها البعض باستمرار، وبلا خجل، كما ينشرون سراويلهم في الريح

لكن، ما إن أكملت العشرية الأولى من الألفية الجديدة دورتها، حتّى بدا لأكثر الدارسين ونقّاد الشعر أنّ هناك حساسيّةً جديدة تخترق القصيدة المغربية المعاصرة

وما كانت التجربة الجديدة في الشعر لتجبّ ما سبقها، إذ هي تراكم لتجارب متتالية في سياق القصيدة المغربية الحديثة بقدر ما هي تجاوزٌ لها. تظهر حبلى بالانعطافات التي تحفّز شعراءها على التحرّك الدائم، فلا يرهنون ذواتهم لإيديولوجيا أو ينضوون تحت يافطة بارزة من قبيل "الجيل"، و"الائتلاف"، و"الجماعة". إنّها تعني صعود حساسيّة جديدة. إذ تكشف عن كونها كنايةً عن اختلاف في تشكُّلات الرؤية الإبداعية، أو في تصوُّرها لأفق الكتابة الشعرية، في سياق ما خلقته اقتراحات الشعراء الجدد، وما صارت إليه رؤاهم المختلفة إلى الذوات والأشياء، فقد مال كثير منهم إلى الرؤيا التي تُعنى باكتشاف العالم ومواجهته، عوضاً عن الموقف المباشر من السياسة والأخلاق والقيم

الحساسيّة هي أصل الشعر، والشعر دائماً ما كان ينشأ من خلال حساسيةٍ ما؛ في اللغة، أو في المتخيّل، أو في الرؤية، أو الأسلوب وطريقة التأليف الشعري. تاريخ الشعر هو تاريخ حساسيّات متراكمة ومتجاذبة، إذ تحلّ محل الحساسية القديمة حساسية جديدة

وأبان عدد غير يسير من شعراء التجربة الموهوبين، من خلال اجتهاداتهم واقتراحاتهم، عن وعيهم باشتراطات الحساسية الجديدة، فانحازوا إلى شعريّتها التي تقوم على تنوّع الرؤى وتمايزها، وتكشف عن تحوُّلٍ في الحسّ الجمالي، وفي مفهوم الذات والنظر إلى العالم، وفي تقنيات التعبير الفني للقصيدة

لكن هذه التجربة التي لم يتجاوز عمرها العقدين، لا تزال ملامح حساسيّتها الفنية غير مكتملة؛ فهي تتدفّق باستمرار، وهي ليست حكرًا على الشعراء الجدد بل يساهم فيها أيضاً شعراء من أجيال سابقة: محمّد السرغيني، محمّد بنطلحة، محمّد بنّيس، مبارك وسّاط، وفاء العمراني، حسن نجمي، تمثيلاً لا حصراً. فإنتاج هؤلاء، يُمثّل حافزاً إضافيّاً للشعراء الجدد من أجل الاستمرار في رهانهم الجمالي على تحديث الشعر المغربي، بلا ادّعاء القطيعة أو وهم "قتل الأب". 

تفاصيل اليومي والذات 

لو طالعنا نصوص التجربة الشعرية ابتداءً من مطالع التسعينيّات وعبر بدايات الألفية الجديدة، لوجدنا أن الشعراء لا يكتبون بسويّةٍ واحدة، ولا يجمع بينهم فهْمٌ محدّدٌ للعمل الشعري، لكن ثمة سمات معينة، لعلّ أبرزها عزوفهم عن المعضلات الكبرى والهواجس التاريخية والسياسية، والانهمام بالذات في صوتها الخافت، وهي تواجه بهشاشتها وتصدُّعها العالم والمجهول. هناك الذات فقط. الذات المتصدِّعة التي تشي بعزلتها وبالولاء لحزنها الدقيق، وقد ولّت ظهرها لتلك المعضلات التي بدت بلا جدوى، وعكفت عوضاً عن ذلك، على ما يعجّ به اليومي والعابر والهامشيّ والخاصّ من تباريح وتناقضات وتفاصيل وإيحاءات، مرتفعةً بانفعالاتها واستيهاماتها وعلاقاتها وحيواتها إلى مستوى أسطرتها، وبالتالي شخصنة متخيّلها الشعري

ثمة من ارتفع بسؤال الذات وانفعالاتها إلى مستوى أسْطَـرتها، ومن أهمّهم بوجمعة العوفي، إسماعيل أزيات، عبد السلام دخان ومحسن أخريف. يكتب عبد السلم دخان: "بمحاذاة أزقّة مفتوحة العينين/ وأرصفة لا تشبه خطى الأطفال/ على إسفلت لا يذكر صهيل الخيل/ تمضي الأجساد نحو غيّها بلا ندم/ لأنها مجبولة على الألم/ العقارب في الساعات تلدغ أصحابها/ الواحد تلو الآخر في الممر الطويل/ نحو مخالب الواحة". 

ومنهم من يلهج بالحبّ والأمل في إعادة صياغة الحياة والتحرُّر من القيود، أو التّوْق لتحقيق التوحُّد مع المطلق، إذ تتنقّل الأنا الشعرية عبر تحوُّلاتها الحسّية أو الميتافيزيقية في الزمان والمكان، وعبر غنائيّة تطفح بالحبّ والحكمة والحلم، تعيد إنتاج مدلولاتها، كما لدى رجاء الطالبي، صباح الدبي، نجاة الزباير، رشيد خديري. تكتب صباح الدبي: "يا مطراً في سمواتِ عينيه/ هل ضاقتِ الأرضُ/ حتى تظلَّ معلَّقَةً قطراتُكَ لا تشتهِي أرضَهَا/ كم من الغيمِ يكفيكَ حتى تفُورَ/ عيونُ السَّمَاءِ التي رفعتكَ/ وحتَّى يمورَ الأديمُ الذي أنزَلَكْ/ هل تدثَّرتَ بالبحرِ حتَّى تعانقَ فيكَ النوارسُ صبحاً/ وتشربَ أنخابهَا/ هل تسلَّلْتَ منْ جسدِي الزِّئْبَقِي/ حين أورثكَ الطِّينُ بعضَ تقاسيمهِ وانتَثَرْ". 

وثمّة من يلوذ بذاكرة الطفولة والمكان الآبد في مواجهة الزمن المتفلّت وعذابات الحاضر، ما يطبع الأنا الشعرية بدلالات تجد متنفّسها الرمزي في فضاء الموت والصمت والغياب، كما لدى جمال أزراغيد، أحمد الدمناتي وحليمة الإسماعيلي. ففي شعرهم تتكشّف استقالة الذات من الواقع، ونفض اليد عن إلزاماته الضاغطة، كما لدى سعيد الباز، إدريس علوش، حسن ملهبي ومصطفى الرادقي. يكتب ملهبي: "أردت أن أرتّب دولاب غرائزي وأن أمنح للقسوة مبررًا أخلاقيًا، حتى ينبت عشبٌ من فكرة ذهابك. أستقبل الألم في أرض محايدة، في ذلك نوع من الخداع.. حتى لا يكون الألم سلطة أو تدميرًا ذاتيًا، وتكوني أنت فقط دون فائض في المشاعر". 

هناك من نذر شعره لفضح الحضارة المادية المعاصرة، إذ لا يكفّ عن نقدها والسخرية منها، من داخل مفردات هذه الحضارة نفسها، ولا سيّما التقنيّة التي أغرقت الجوهريّ والإنساني في عصر الأتمتة، كما لدى أبو بكر متاقي، طه عدنان، يونس الحيول، نور الدين بازين ونجيب مبارك. يقول متاقي: "أنا على الأقلّ أصارح السواري بحقيقتها :/ "حَمَّالَةُ الملل بدلاً عن الآخرين"/ هل حملت أنت أثقال غيرك؟/ اسمعي ما يقوله الطبل:/ "الجهات تكرهني/ كل خبطة مدية في جسد الصمت/ وكالرقصة تأبيد لآلامي/ لست طبلاً، أنا منجم صداع"./ أخيراً/ أريد منك تفسيراً لمعنى الشكّ/ وتفسيراً آخر للخط الأبيض وراء السفن". 

بموازاة ذلك، نقف على شعريّة الاقتراب من اليومي والعابر والتفاصيل والأشياء العادية، البسيطة لكن العميقة، بشكلٍ يشفُّ عن علم جمال اليومي، عبر تصويره وشخصنته والهزء منه على نحوٍ لَوْذعيّ، كما لدى عزيز أزغاي، عبد الجواد العوفير، نعيمة فنو وعبد العالي دمياني. ونجد عند بعضهم معرفة لافتة بطرائق شعرنة اللغة داخل النثر، في استخدام اللغة الشعرية بشفافية عالية وتكثيف مجازي لافت، كما لدى حسن الوزاني، محمود عبد الغني، محمّد أحمد بنيس، نبيل منصر، كمال أخلاقي وعبد الجواد الخنيفي. يكتب منصر: "أنا اليوم أوهى من نملة تجرّ الحياة كجرادةٍ أكبر من بيتها. أقلّ ما يُشاع عني أني خسرتُ في الرهان ثورا مجنّحًا، ومالت في بحيرتي ظلالٌ بلا أجساد تمشي على الأرض./ في لحظات العطالة/ أكسر فخّار الأيام الأولى/ لأصنع طمْياً/ يصلح لعبث اليدَيْن". 

ونجد لدى آخرين انفتاحاً على أسلوب السرد وحوارات، ما يطلق طاقات اللغة التعبيرية في أناشيد حبّ أو قصائد توقيعات تقترب من القصيدة الرومانسية، أو قصيدة الومضة، أو الهايكو، أو الحكاية الرمزية، كما لدى عبد الرحيم الخصّار، إيمان الخطابي وعبد الله المتقي. يكتب عبد الرحيم الخصّار: "أنا نؤوم وذو همّة خاملة، لكني سألتقيك يومًا ما في قطار باليابان، سأجلس هادئًا في المقصورة وأرهف حواسي لألمح طائر البكاسين يرتفع خارجاً من قصيدة شيكو ولأسمع الأجراس تهز معبد أساكوسا وراء ضباب زهور الكرز". 

التفعيليون أيضا 

لكن، ثمّة أيضَا تطوير دؤوب لجماليات شعر التفعيلة: الطاقة الإيقاعية الخلاقة التي تعكسها المرونة في الشكل والانتقال بين كتله الإيقاعية، عبر استثمار آليّات التقفية والتدوير والترجيع، كما لدى محمّد شيكي، محمّد بشكار، مصطفى ملح، محمّد عريج وأحمد الحريشي. يكتب عريج: "أجفُّ/ كَعِطْرٍ سرى في الهواءِ./ ولم يختبئْ في زوايا رئَةْ/ كضوءِ مَرايا بلا زائرينَ/ تنادي على أعينٍ مُطْفَأةْ/ كحرفٍ يتيمٍ على دِفْتَرٍ/ أبتْ إصبعُ الطّفل أن تقرأهْ/ كمعنى الشّتاء لبنتٍ تنامُ/ وتحرسُ أحلامها مِدْفأةْ/ كقلبي:/ هوى كسعال المناديل أرضاً/ ولم تَلْتَقِطْهُ امرأةْ..!". ويكتب مصطفى ملح: "العِباراتُ لَمْ تَكْفِني لأَقولَ أُحِبُّكِ. تَلْزَمُني لُغَةٌ غَيْرُ مَحْروثَةٍ ولِسانٌ بِسَبْعِ لُغاتٍ.. وأَذْكُرُ / يَوْمَ الْتَقَيْنا بِبابِ المُدَرَّجِ في حِصَّةِ الأَدَبِ العَرَبِيِّ، وكَيْفَ نَسيتُ يَدي تَتَسَلَّلُ نَحْوَ يَدَيْكِ، / وكانَ الرِّفاقُ بِمُنْتَصَفِ السّاحَةِ المُسْتَطيلَةِ يَشْتَعِلونَ ويَنْطَفِئُونَ، وحينَ نَعودُ إلى الحَيِّ / أَنْسى بِثَوْبِكِ قَلْبي، وفي السَّكَنِ الجامِعِيِّ أَزورُكِ؛ أَبْني سَماءً وتَبْنينَ هاوِيَةً. ومَضَتْ / سَنَواتٌ.. مَشَيْتِ بَعيداً مَشَيْتُ بَعيداً.. ولَكِنَّ قَلْبيَ لَمْ أَسْتَرِدَّهُ بَعْدُ. سَتَلْزَمُني لُغَةٌ غَيْرُ/ مَحْروثَةٍ لأَقولَ: حَزِنْتُ كَثيراً، سَهِرَتُ كَثيراً، بكَيْتُ كَثيراً.. وقَسَّمْتُ عُمْري مُناصَفَةً: / للقَصيدَةِ شَطْرٌ، وشَطْرٌ لآخِرِ حُبّْ..". 

وهناك من سعى إلى استثمار عناصر الإيقاع، عبر إيجاد صيغ إيقاعية أخرى لا تقوم بديلًا للتفعيلة، بل تنشأ إمّا بالمزج بين الوزن والنثر(محمّد أنوار، محمّد وجمال الموساوي) أو تنبع من صميم البناء النثري وعفويّته كالتكرار والتوازي (أمل الأخضر ومحمّد العربي غجو). ثمّة كتابة أشبه بالهمس يصاحبها نزوعٌ إلى اقتصاد اللغة وتبئير أبعادها الدلالية، كما لدى سعد سرحان، سعيد السوقايلي، لبنى المانوزي ونزار كربوط. يكتب السوقايلي: "لقد مرّوا يا أبي، مرّوا بمحافظ ثخينة، ولم ألحق بهم، مرّوا خفافًا وصاروا جنرالات ومجرمين...كلّ ما في الأمر يا أبي، أني بقيت هناك، إذ ثمّة سلحفاة لم تعبر بعد إلى الضفة الأخرى". 

وثمّة عند آخرين انشغالٌ بالبعد الصوفي أو الروحي في الشعر من خلال التناصّ مع الآيات القرآنية وأقوال المتصوفة، كما لدى لطيفة المسكيني، جمال بوطيب، الزبير خياط وأمجد مجدوب رشيد. فعبر إشراقات السكر وخدره اللذيذ، تكتب لطيفة المسكيني: "من سكري ما صحوتُ/ جنّتني ريشة الصراخ صمتُّ/ جنّني ريح الصمت صرخت/ جنّني وصف الصوت حضرت في المعاني وغبّ/ جنتني الرؤيا شفعتها في وانصرفت/ يا رضا الصراخ في الصمت". 

نجد لدى الشاعرات اهتمامٌ بالجسد وافتتانٌ بالأنثوي والهشّ بلا ابتذالٍ أو إسفاف، داخل صيغ أسلوبية تتأرجح بين الإشراقي والرومانسي والذِّهني، كما لدى وداد بنموسى، فاطمة الزهراء بنّيس، إكرام عبدي، ريم نجمي، مليكة معطاوي. تكتب بنموسى: "خَذَلَتْني قُواي/ سقطتُ على/ رغوة حُبٍّ/ أوّاهُ من نُوره/ لفرطه/ أبصرتُني/ ملء/ عماي". وتكتب فاطمة الزهراء بنيس: "لِهَوْلِ ما رشفْتُ/ تَجمّرتْ شفتايَ/ هبني يا قِبْلة الروح/ ليلة قمراء/ أنغمسُ فيها/ حدّ التجلِّي/ كيف أَبْقى/ في ضوء/ خذلَ أُنْثايَ؟". وتقول علية الإدريسي البوزيدي: "إن لم يكن عندي نبيذ/ فعندك حانتي/ لتمارس/ إذن/ غيبوبتك". 

وأخيرًا لا بدّ من زيارة طائفة الشعراء التي ارتبط "وجودها الشعري" بالفيسبوك، التي لا مرجع لها في الكتابة إلا الذّات فقط. الذّات المتشظّية، لكن المنفعلة والمركّبة التي تشي بهشاشتها، وتطفح بصوتها الحميم وتنزع نحو اللا مرئي والمجهول، وقد ولّت ظهرها للمعضلات الكبرى مثل عبد الرحيم الصايل، سكينة حبيب الله، محمّد بنميلود، سناء عادل ونادية العناية. تكتب سناء عادل: "في النّهار أشتغل حفّارة قبور للأخطاء/ وفي الليل مربّية متفانية لليأس/ أُرضِع القلق وأهدهد الأرق/ لا هذا يشبع ولا ذاك يغفو/ وأخطائي لا تجيد شيئاً غير التّكاثر". ويكتب عبد الرحيم الصايل: "أعملُ/ خريفًا/ يدرس الأزهار/ التي تمّ انتقاؤها/ أن أجمل الأزهار/ قد ماتت/ وأن الغابة الواقفة هناك/ هي صلاة جنازة أُقيمت من أجلها". 

فهذه الجماليات المغربية الجديدة متنوّعة، ومركّبة، ومتقاطعة تشمل الشكل والمحتوى؛ هي لا تخصّ قصيدة النثر التي استحوذت على أغلب شعراء الحساسية الجديدة، بل تنعكس في شعر التفعيلة التي لاحت وكأنّها تودّع طوراً وتستقبل آخر يعبّر عن رغبتها في التجديد.

20:22 |  Facebook | |

09/11/2014

توظيف التراث شعريّاً

ما معنى أن تعود إلى التراث؟

عبد اللطيف الوراري

tourath 1.jpg 

   لنتّفقْ أوّلاً أن أيّ كاتب لا ينطلق من فراغ، إنّه نتاج تجربة في معطى ثقافي ما. وإذا قبلنا بذلك، فلنا أن نتخيّل الأثر الذي يصدر عنه أو الأفق الذي يتشابك معه. ففي اعتقادي، لا وجود لكاتب حقيقي غير مُطّلع على تراث أُمّته وعارف بأسرار كتابتها ومُصْغٍ لرؤيتها للعالم، في الشرق كما الغرب: المتنبي، دانتي، شكسبير، موليير، تشيخوف، سوينغا، ناظم حكمت، نيرودا، لوركا، كافكا، إلخ.

  وإذا قصرنا الأمر على الشعر العربي الحديث، فإنّنا نجد أن أهمّ رواده وممثّليه قد غرفوا من تراث الأمة الثقافي والشعري والجمالي بصيغ وأشكال مُجدّدة، بمن فيهم صلاح عبد الصبور الذي كان يتصوّر التراث باعتباره "هو جذور الفنان الممتدة في الأرض والفنان الّذي يعرف تراثه يقف معلقا بين السّماء والأرض، التراث عنده هو ما يجد فيه غذاء روحه ونبع إلهامه وما يتأثر به من النماذج "، وهو ما كان يدعوهم ليس فقط إلى توظيف التراث واستخدامه آليّاً، بل إلى استثماره وابتكاره وتخييل هويّة جديدة له بوصفه مُعطى حضاريّاً وشكلاً فنّياً في بناء العملية الشعرية، حافلاً بحياة من النصوص التي لا تكفّ عن المناداة والإغواء، لا كتلة جامدة في معتقد متكلس ونموذج فجّ.

   بالنسبة لي، أعتبر نفسي ممّن يتّصلون بالتراث ويحاورونه، فإنّي أنا أنتمي إلى الشعرية العربية الأعرض التي تضرب بأطنابها في عمق التاريخ واللغة والثقافة، من الشعر الجاهلي حتى أيامنا، والتي لا تزال تجدد آليات عملها الكتابي والتخييلي، وتأويلها الخصيب للذات والعالم. أنتمي إلى النصوص التي تحمي العمق، وتتطور داخل جماليات اللغة العربية. وإنّي أزعم أن الصفحة التي أخط فيها/ عليها شعري هي، سلفا، مسودة بحبر أؤلئك الشعراء من المتبتّلين في محراب العربيّة وهيكل الحبّ، والذين أتقاسم معهم ميراث الغد.

ولعلّ أهمّ آليات محاورتي مع التراث أو اشتغالي عليه، تتمثل في بناء الإيقاع وإعادة استثمار طاقاته الصوتية، واستخدام الشخصيات والرموز التراثية كأقنعة واستعارات معاصرة تتأوّلها طبيعة التجربة الخاصة، وإدماج "معجم قديم" بدلالات وإيحاءات جديدة فتبدو وكأنّها تُبتكر لأول مرة. وهذه الآليات تتشابك بدورها مع آليات الكتابة الجديدة على نحو كيميائي يتجذّر في صميم الممارسة النصية.

   لنقل، بإيجاز، إن توظيف التراث ليس معناه النكوص والارتداد بلا طائل، بل معناه الحوار مع هذا "العقل المكوّن" الذي نسمّيه التراث من أجل التفكير فيه نقداً وإضاءة ومُجاوزةً، وليس من أجل تمجيده وتقديسه. بهذا المعنى، تصير مسألة العودة إلى التراث، المضيء والجريح في آن، ضروريّةً وحيويّةً بالنسبة للمبدع وللثقافة التي يبدع داخلها هنا والآن.

08:01 |  Facebook | |

في ذكرى سميح القاسم

شاعر التواريخ البعيدة

سميح-القاسم.jpg

    تلقّيتُ نباء موت سميح القاسم بحزن بالغ، لأنّ ستفتقد شاعراً كبيراً لم يتخلّ، قيد أنملة، عن واجبه ورسالته كمثقّف ملتزم بقضايا أمّته في صراعه ضد الصهيونية، والديكتاتورية، والتخلف واليأس. لم ألتقِ سميحاً، ولكنّي التقيْتُ روحه العظيمة عبر قصيدته التي قالها كما شعر أو آمن بها ولم يتشبّه بغيره فيها. برحيل سميح القاسم، تكتمل حلقة "شعراء المقاومة" المفقودين، بعد توفيق زياد ومحمود درويش. وإذا كانت الروح المُقاوِمة هي ما يجمع أقنومهم الشعري الخالد الذي يُعبّر، في جزء كبير منه، عن ثقافة كفاح الفلسطينيّين ضدّ الاحتلال الصهيوني، فإنّ لكل واحد من هؤلاء الأٍبعة أسلوبه في الكتابة وطريقة تدبيره لكونه الشِّعري، مع ما كان يترتّب على ذلك من تجديد فنّي وثيماتي. وأعتقد بأنّ ما يُميّز سميح القاسم أنّه كان يكتب في كلّ أشكال الشعر ويمزج بينها بكيفيّة مجدّدة، وأنّ شعره في المقاومة كان يصعب أن تفصل فيه بين الذاتي والجمعي، ولم يكن "شعراً مباشراً وشِعاريّاً"، بل غلّفته رمزيّةً لافتة أنقذت تلقّيه من شرك الآنية. وكان سميح شاعراً مؤمناً متفائلاً بحتمية انتصار الحقّ، مُفكِّراً، ساخراً بمفارقاته الصادمة، ثقّف ملفوظه الشعري طوال مسيرته الإبداعية، وجعله طافحاً بالتناص والاستدعاءات التاريخية والدينية البنّاءة التي يصل بينها إيقاع النص وهو يحفر ينبوعاً كأنه يتدفّق في البراري والتواريخ البعيدة. مع ذلك، لم ينل شعر سميح القاسم ما يستحقّه من اهتمام الدرس النقدي إذا قيس بشعر رفيق دربه محمود درويش.

  لم يغادر سميح أرضه يوماً، أرض فلسطين التي تعلّق بأهدابها مُتحمّلاً في ذلك أذى الحبّ وأذى الكراهية. فعدا أنّه تعرّض للإقامة الجبرية، وللأسر لمرّات كثيرة من قبل سلطات الكيان الصهيوني، بسبب مواقفه السياسية، فقد كان يعكس، بشكل مُفارق، التعبير بقوّةٍ عن حقوق فلسطينيي العام 48، الذين غدوا يمثّلون الأقلّية بين جموع من جاؤوا إليهم من كلّ صقع، مُمثّلاً بصوته الغنائي-الملحمي قيم الحقّ والعدالة.

   لكن، إن مات سميح القاسم، فإنّ شعره باقٍ بيننا ضوء عزاء وتعويذة أمل.

07:57 |  Facebook | |

08/10/2014

Patrick modiano

باتريك موديانو: النسيان هو عمق المشكلة، وليس الذاكرة !

patrick-modiano-par-renc3a9-burri-pour-magnum-photos-2007.jpg

  خلافاً لكل التوقُّعات التي كانت ترشح الأمريكي فيليب روث والياباني هاروكي موراكامي، عادت جائزة نوبل في الآداب لهذا العام إلى الروائي الفرنسي باتريك موديانو Patrick Modiano  (1945)، ليكون بذلك الكاتب الفرنسي الخامس عشر الذي يفوز بمثل هذه الجائزة الأدبية الرفيعة. وفي بيان لها، قالت الأكاديمية السويدية:" إن موديانو كُرِّم بفضل فن الذاكرة الذي عالج من خلاله المصائر الإنسانية الأكثر عصياناً على الفهم، وكشف عالم الاحتلال".

  وبعد سماع فوزه بـالجائزة، وحضوره المؤتمر الذي نظمته غاليمار ناشرة أعماله، بدا باتريك موديانو مضطرباً ومذهولاً لم يفق بعد من نشوة الفو، وخاطب عشرات الصحافيين الذين تحلّقوا حوله  وأمطروه بسيل من الأسئلة، قائلاً: "هذا الفوز يبدو لي غير معقول وأتمنى أن أعرف لماذا حصلت على "نوبل". عليهم أن يوضحوا لي الأسباب التي دفعتهم لاختياري"، ثم أردف بما يشبه دعابة تنفرج عن رضا بالنفس: "لدي قرابة مع السويد لأن حفيدي سويدي الجنسية، وأهديه هذه الجائزة...".

  ومع ذلك، فإنّه يمكن القول إن موديانو استطاع أن يفرض نفسه في ساحة أشبه بأن تكون ساحة معركة وتنافس شرسين، وأن يتبوّأ مكانة مرموقة بين أبرز كتّاب الأدب الفرنسي المعاصر، وذلك منذ روايته الأولى "ساحة النجمة" (1968). ويكفي أن تشاهد الصحف والمجلات الفرنسية كيف تحتفي بكل كتاب يصدره هذا الكاتب لتجعل منه حدثاً ثقافيّاً بامتياز، كأن تنعته جريدة "لوموند" بـ"الساموراي الأخير للأدب الفرنسي". 

حفريات الذاكرة

  بالنظر إلى طفولته القاسية التي حرمته نعيمها وبلبلت إقامته على الأرض منذ البدء، وإلى المحيط الأسري والاجتماعي الذي عاشه أيام الاحتلال لبلده، فقد شكّلت استعادة مرحلة الطفولة نواة معظم روايات باتريك موديانو الذي كرّسها لتخييل حياة أخرى مبتكرة يجمع من أطرافها هويّته أو هويّاته شخصياته الضائعة، إذ سعى بلا انقطاع إلى ضرورة اكتشاف ذاته أو إعادة ابتكارها لمواجهة خطر طالما شعر به يتهدّد كينونته.

  ككاتبٍ إشكاليٍّ يشعر بأزمة حادة في الذات، كانت تلاحق موديانو أسئلة الوجود والهويّة والمكان، فنقّب طويلاً في "سجل القيد العائلي" عن سيرته المتشظية، بموازاة مع ملاحقة "سِير" أولئك المصابين "بثقوب في الذاكرة"، من عمل إلى آخر. ففي كل رواية من رواياته الثلاثين، كان أمام موديانو مهمّة استعادة ماضيه من أجل نسيانه وتجاوزه، وأيّ مهمة مستحيلة مثل هذه المهمة التي لا تتحقّق، لكنّها في حقيقة الأمر مغوية بشكل لا يتعافى منه.

    ولفهم هذا الرهان في علاقته بحياته ومشروعه الروائي- السيري، يقول موديانو: "الأسئلة التي كنتُ أطرحها على نفسي حول والدَيّ وسلوكهما الغريب، حول الأشخاص المريبين الذين كانوا يحيطون بهما، وحول فترة الاحتلال النازي لبلدي التي لم أعشها، لكنها كانت حاضرة بشكلٍ كلّي في حياتي وحياة جيلي؛ جميع هذه الأمور لعبت دوراً كبيراً في تكويني، ولم أسع في رواياتي إلى تفسيرها بقدر ما سعيتُ إلى نقلها إلى مستوى شعري كمادة روائية بامتياز. لا تحمل الأحداث قيمة بذاتها [في الكتابة]، إلا حين نمرّرها بمصفاة الخيال وأحلام اليقظة. الطريقة التي نحلم بها هذه الأحداث ونتخيّلها، وأحياناً نخلطها، تجعلها أكثر إشعاعاً، وتعيد إنتاجها. تُشعرني الكتابة بهذه الطريقة بأنني أكثر اقتراباً من نفسي، من الكتابة من زاوية السيرة الذاتية".

شخصيات قلقة

  ركّز باتريك موديانو نتاجه الروائي على باريس خلال الحرب العالمية الثانية، مع وصف لتداعيات أحداث مأسوية على مصائر أشخاص عاديين يميلون إلى التيه والترحال داخل أنفسهم أو عبر أسئلتهم الخاصة، وهو ما يجعل منهم شخصيات قلقة ومبتورة، وهويتها ناقصة ومشدودة إلى تفاصيل ضائعة في ماض سحيق: "أنت تعرف الاسم الذي أطلقوه عليك، ولكنك لا تعرف الاسم الذي هو لك"، يقول بطل "شارع الحوانيت المظلمة"(1978، جائزة الغونكور)، والذي فقد ذاكرته، وظلّ يتعقّب أشخاصاً مجهولين من شأنهم أن يساعدوه على الاهتداء إلى حكايته.

  وفي روايته الأخيرة "كي لا تتيه في الحي" (دار غاليمار، 2014)، يستخدم موديانو نفس العناصر والتقنيات الكتابية التي تحدّد أسلوبه ومناخ رواياته، وتنقلنا إلى عالمٍ سرّي، كئيب، عالمٍ بديل خارق وغامض. ففي هذه الرواية، نقرأ فيها القصة ذاتها، لكن بأسلوب أكثر ميلاً إلى عوالم الروايات البوليسية. رواية تتضمن أيضاً عناصر كثيرة من سيرته الذاتية، نستشفّها عبر شخصية جون داراغان، وهو كاتب ستيني يعيش في عزلة تامة عن العالم، تأتيه مكالمة هاتفية غير متوقعة من شخص يخبره بأنه عثر على مفكرته بالصدفة وأنه تعرّف إلى شخص في هذه المفكرة يدعى غي تورستيل، وهو رجل غامض متورط في جريمة قديمة ذات وقائع غريبة. وعلى هذه الوتيرة نفسها من الغموض والحنين والفقدان والحيرة والتشرّد والقطيعة والغياب، تجري روايات موديانو، ويتحدّد أسلوبه في الكتابة إلى حدّ أن النقاد نحتوا، منذ عقدين، صفة "موديانيسك" للإحالة على خاصية عوالمه الروائية الموسومة بالغموض والحنين والفقدان المفجع.

   إنّه كاتب التفاصيل الصغيرة، وضع أدبه لصالح التذكّر. يكتب لكي لا ينسى، ولكي يقاوم شروخ الذاكرة وارتجاجاتها. وقد قال في أحد حواراته: "النسيان هو عمق المشكلة، وليس الذاكرة !". بعبارة أخرى، إنّه أركيولوجي الذاكرة الذي لا يمكن أن يكتب إلا عن الماضي، وعن سنوات الأربعين من القرن الماضي تحديداً، في بحث عن الهوية بلا انقطاع، مازجاً بين الرومانسية والرواية البوليسية على نحو خادع. وافتقاده للحنان في طفولته يكاد يطارده من رواية إلى أخرى، لدرجة أنّه يمكننا أن نسأل أنفسنا إن كان كلُّ ما قام به من العمل ليس إلا رسالة طويلة إلى والديه.

19:09 |  Facebook | |

14/09/2014

المعنى في الشعر

من إشكالية الدلالة إلى استشكال تلقّي معنى العالم

عبد اللطيف الوراري

 05qpt899.jpg

المعنى في طُرُق الشعر:

 في تصوُّرهم لماهية الكلام الشعري، سعى الشّاعريون والبلاغيّون، في القديم كما الحديث، إلى الكشف عن السرّ في ذلك السحر الأخّاذ الذي تكتسبه اللغة الشعرية ويميّزها عن لغة النثر والمخاطبات الجارية بين الناس من العامّة.
ومن جملة مساعيهم النظريّة والتصوُّرية في ذلك، انشغلوا بمسألة المعنى في الشّعر، باحثين في خصائصه ومميّزاته وأنماط اشتغاله. وبدا لنا من بحثهم الذي لا يخلو أنّه ينقل مركز الثّقل من مفهوم «معنى الشكل» إلى مفهوم «شكل المعنى»، أومن دائرة الكلام «
Logosphère» إلى فلك الصورة «Vidéosphère» الأكثر ثراءً وتعقيداً.
بدءاً، كانت رُؤْية الإحيائيّين للفظ والمعنى تعكس ذات الرُّؤية البيانيّة القديمة، وهي المقدِّمة المنطقية التي بُنِي عليها مفهوم الشّعر بوجْهٍ عامّ، ومفهوم المعنى بوجه خاصّ. فقد كانت «المعاني» تُشير في كتاباتهم إلى المقاصد أو الدّلالة النثرية للأبيات مجرَّدةً وغير مُبَنْيَنة، ويعكس هذا المفهوم أسبقيّة المعنى وثباته. ومع مجيء  الرُّومانسيين سوف يتعرّض «المعنى» لتحويل ظاهر، إذ صاروا ينظرون إلى المعاني الشّعرية بوصفها خواطر المرء وآراءه وتجاربه وأحوال نفسه وعبارات عواطفه التي ترِد على الوجدان الفرديّ للشاعر، مشترطين «الإبانة عن حركات تلك العواطف». لكن ذلك أدى إلى نوْعٍ من الترهُّل لا يتفق وكثافة اللغة الشعرية.
وشكّل بروز الشّعر الحر، وقصيدة النثر تالياً، مُنْعطفاً لافِتاً في تاريخ الشّعرية العربية، حيث انْهارَ المعمار التّقليدي للقصيدة. فإلى جانب الثورة على الإيقاع التقليدي، وما صاحبها من تغيّرات في البناء النصّي، بدأت علاقة الشاعر باللغة تأخذ مناحيَ وجماليّات جديدة من الصوغ والانْبِناء والتدليل، من خلال الاستخدام الفرديّ لها، وإعادة تشكيلها خارج طبيعتها الراسخة وأوضاعها القاموسية الثّابتة، وهو ما سينعكس، بقوّةٍ، على البنية الدّلالية للقصيدة وسياقها وفاعليّتها في إنتاج المعنى: شعريّة الكتابة لا شعريّة الإنشاد. ويمكن لنا أن نشير إلى أنّه بدأنا ننتقل من بنية العروض حيث هيمنة الوزن وأسبقيّته في تحديد مُكوّن الشعرية داخل النصّ، إلى بنية الدلالة حيث التركيز على المعنى وطرائق تمثيله وتشكيله فنّياً.
ولقد اتّضح أن الشّاعر لم يعد يهتمُّ بتحرير أخيلته من تسلُّط التراث البياني عليها، وربطها بتجربته الجديدة فحسب، بل تعدّى ذلك إلى الدأب على توسيع أفق الصورة نفسها، لتتّسِع لأكبر قدر من الاحتمالات المتَّصلة بأعماق التجربة.
حداثة اللغة وإشكاليّة الدلالة:
لقد بدأ سؤال الحداثة  ضاغِطاً على  نصوص الشعراء وتجاربهم في تمثيل الذات والحقيقة بأكثر أدوات التعبير الشعري أصالةً وجدّةً، مُشارِفين الرّؤيا للشعر والعالم، وغير مُنْصرفين عن هموم الجماعة. وكانت مرحلة التحوُّل هي تلك التي اجتازها الروّاد الأوائل. ورغم أنّ شعر هؤلاء جميعاً لم ينفكّ عن ارتباطهم السياسي المباشر، إلّا أنّه كان على درجةٍ من الصدق الفنّي والنضج الفكري أعلى بكثيرٍ من شعر المرحلة ككلّ، سُرْعان ما آثروا التّحليق في آفاق الرُّؤيا الشعرية الحديثة بعيداً عن الرّؤية الفكرية للواقع والفنّ.
 وفي خضمّ التجربة الجديدة، بات في وسع الشّاعر الحديث أن يسبح « في بحار المعرفة السبعة» بتعبير صلاح عبد الصبور، وأن ينهل من معارف العصر وثقافاته المتنوّعة الواردة من وراء البحر، وأن يدعها تمتزج في نفسه وفكره بثقافته العربيّة، ليستعين بها على تحليل واقعه، والوقوف على المتناقضات والملابسات التي تكتنفه، وإدراكها إدراكاً موضوعيّاً، ومن ثمّة التعبير عن ذلك كلّه بصوته الذاتي المفرد، بشيْءٍ من المعاناة والقلق والسخرية ومراوغة الشكّ والتمرّد على واقع الهزيمة؛ بل إنّ شاعراً مثل البياتي كان يشعر أنّ لغته لغةٌ مصنوعةٌ، وأنّ الأشياء التي يصِفُها موجودة سلفاً، كما فقدت الكلمات الكثير من أصالتها، وأنّ عليه أن يتخطّى، ويحيا العصر وإمكاناته.
وقد أتى هذا الوعي الطارئ بحقوق المفردة وعلاقاتها، الذي يتمّ في حداثة اللُّغة، ردّاً على عجزها عن حمل المعاني، وعدم وفاء طاقتها الدلاليّة بالرّؤى الجديدة الّتي فجّرها شعراء الحداثة، تباعاً. لقد صار ذلك «ابناً شرعيّاً للعقيدة الإبداعية لشعرية الحداثة»، إذ إنها لم تعد تثق في ارتباط الدالّ بالمدلول الواقعي، ولم تعد تثق في مقولة المُحاكاة على مستوياتها المختلفة، إن الذي تثق فيه: إنّ كل مُفْردة تنتج مرجعيّتها دون نظر إلى الواقع الفعلي، وإنما ينحصر نظرها في مستهدفاتها الجماليّة أكثر من الدلاليّة.
   كانت تتفتّح أمام وعي الشاعر وحساسيّته الحديثة، بالفعل، إمكاناتٌ من المعنى وطاقاتٌ للكشف جديدة، ويختبر»أناه المحدثة» في ارْتيادِها و قُدْرتها على الاستجابة لها وتمثُّلها وتطويع دلالاتِها العابرة لمتخيَّل القصيدة، وهو يبتدع طرائق مغايرة في بنينة المعنى وتوصيله عبر استخدام الرموز والأساطير والنّماذج والأقنعة، وتكثيفها كتابيّاً وتخييليّاً، ممّا جعل القصيدة تغدو بِناءً معرفيّاً مُعقّداً فيما هي تطفح بفائض قيمة المعنى. ولعلّ أشهر هذه التجلّيات الّتي صارت قرائن على الأنا المحدثة، واقترنت بسياق النّكبة وما تلاها: رسول المعرفة، وسارق النّار، والفينيق، والمُخلّص الّذي يوحد بين الكلمة والفعل، وإله الخصب، والمصلح الداعية، والمبشر بالمعجزة، والشاهد الذي يكتفي بالنظر، إلخ. وبما أنّها صارت تنأى عن الوضوح المنطقي أو واحديّة المستوى الدلالي التي نألفها في كثير من الشّعر الحديث.
 وما من شكّ في أنّ نوع المصادر الكتابيّة الجديدة الّتي صار شعر الحداثة يغترف منها ويُدْمنها قد ساهم في تكثيف المعنى إلى درجة التّعقيد والغموض. إنّنا أمام إشكاليّة الدلالة، ومن خواصّها:
ـ تكسير الدّلالة الواحدة، وتفجير دلالاتٍ جديدة.
ـ إغناء اللّغة بأشكال من المفارقة والتّجريد والتّرميز والتناصّ.
ـ توسيع مدلول الصُّورة بوصفها طاقة احتماليّة تتغذّى من بلاغة التكثيف والانزياح.
ـ تشظّي البناء النصّي الذّي لا يبين إلّا عن التشتُّت والانتشار والتشذُّر بلا رابطٍ منطقيّ.
وهذه الخواصّ قد نقلت حركة انبثاق المعنى من دائرة الدّلالة المعجميّة إلى دائرة الدلالة السياقية المفتوحة على إمكاناتٍ مهمّة لا تعتقل أجروميّة المعنى المتحرك بقيد معجميّ أوإيقاعي أو تركيبي. فيما نكتشف أنّ القصيدة غيَّرت علاقاتها الخاصة بها كخطابٍ نوعيٍّ ومخصوصٍ، والعلاقات الوظيفيّة بين اللغة والمعنى، الوعي والعالم. لكنّها، بسببٍ من ذلك كله، سوف تتّسم بـ»صدمة التلقّي» التي قد قرنتْها بالغموض.
المعنى الجديد وأزمة تلقّيه:
    مع (البراديغم) الجديد للمعنى داخل الحداثة الشّعرية بوصفها تمثّل شعريّةً مُفارِقةً ومُتحرِّرةً «انفرط العقد الدلالي»، وتمّ بلبلة منظومة المعيار الدلالي الّذي استقرّ في النسيج الشّعري ، وكرّستْه قواعد البلاغة المعروفة. فلم يعد ثمّة مجالٌ للاحتكام إلى السُّلّم التصنيفي المعهود الذي يتّكئ على بلاغة المعيار ذات المرعيّة النظامية، فيما هو يضبط مراسم انتقال اللفظ من مدلول إلى مدلول سواه. لقد فضّ المجاز، مثلاً، قالبه المجرّد الذي يسوغ انتقالاته الدلالية، ليدلّ على «حركة المعنى»، أو على التموُّجات الطارئة على خارطة الدلالة، والمؤثِّرة في شبكة العلاقات القائمة بين  دوالّ اللغة وتجربة الشّاعر المستقطرة لذخيرته في الحياة والقصيدة.
 ولقد وقف كثيرٌ من دراسات الشّعرية على ما يثيره المتن الشعري الحداثي من غموض في ذهن النّاقد والقارئ على السواء، ووجدت في استراتيجيّات التأويل والقراءة التي أشاعتها النظرية الأدبية الحديثة إمكاناتٍ مهمة لفكّ شفرات النص وملء فجواته وسبر أغواره البعيدة، مبتعدةً عن المعنى الذي تقسره القراءات المغرضة والتّفسيرات الإيديولوجية وترغم عليه بنية النصّ. ودائماً ما كانت ثمّة ضرورةٌ للتأويل والعمل بسيرورته لأحد مقولتيْن:»أولاهما غرابة المعنى عن القيم السّائدة، القيم الثقافية والسياسية والفكرية، وثانيتهما بثّ قيمٍ جديدة بتأويل جديدة؛ أي إرجاع الغرابة إلى الألفة، ودسّ الغرابة في الألفة»، بتعبير محمد مفتاح.
ومثل هذه الغرابة في المعنى وتلك القيم الجديدة قد نشأت مع شعر الحداثة واقترنت به، فكان طبيعيّاً أن تُثار موضوعاتٌ مثل «الغموض « و» لغة الغياب» و «إشكالية الدلالة» و»الإبهام» و»غياب المعنى» و»تفجير اللغة»، إلخ. ومن الطبيعيّ أيضاً أن تبحث ذائقة القراءة عن تاريخٍ جديد لها في طرق التّعامل مع النصّ الشّعري وتأويله. لم تكن القراءة القديمة تتحرّك إلّا ضمن نموذجٍ ثقافيّ – جماليّ سائد لا يخرق قوانين اللغة المعيارية، وينفتح على معاني الذّاكرة الجماعية بسلاسةٍ، وبالتالي كان القارئ يتوكّأ عليه للفهم والتذوّق في الغالب. أمّا القراءة الجديدة فإنّها تكسر عمود «المرجعيّة» فيما هي تؤسِّس لسياقٍ مغايرٍ لكلّ نموذج سائد وقارّ، وذلك انسجاماً مع التصور الانقلابي الذي تؤمن به الحداثة الشعرية.
بهذا الاعتبار، صار تلقّي شعرنا اليوم يأخذ وضعيّة أكثر تعقُّداً وهي تجعل من القارئ أن يكون أكثر حضوراً في إنتاج الدلالة وليس في الكشف عنها فحسب، وهذا ما يخرج القراءة عن كونها عملاً استهلاكيّاً يتحرّى فيها القارئ الفهم الحرفي للمعنى المتشبّع، إلى عملٍ يتقصّد إنتاج الدلالة الشعرية بأبعادها الإيحائيّة الكثيفة، بل ومعاناتها إذ تنتقل به في سلسلة من الدوالّ لا تنتهي. إنّ المعنى لا وجود سابقاً له في النص، وقبل تلقّيه بالذّات. فالمعنى ليس شيئاً معطى يستخرج من النصّ، بل يتمُّ تجميعه من إيحاءات نصية، أو بالأحرى يُبْنى بواسطة استراتيجيات القراءة والتأويل؛ ومن يدافع عن معنى سابق كمن يدافع عن «الألقاب العقارية» الذي يبدأ بتقفّي آثار عمليّة الإرث الشرعي عبر القرون. وفي جميع الحالات، يمكن القول إن تأويل المعنى في الشِّعر ليس ترفًا، بل ضرورة لتحرير المعنى بقدرما هو فعل لإنتاج الدلالات الممكنة ليبقى الشعر حيّاً بيننا. والتأويل، هنا، «لا يعني- كما يقول بول ريكو
ر
- البحث في قصْدٍ مُتخفٍّ وراء النص، وإنّما يعني متابعة حركة المعنى نحو المرجع، بمعنى نحو العالم».

10:18 |  Facebook | |

01/09/2014

الشعري والسياسي

حول إشكالية الشِّعري والسياسي: من شرط الالتزام إلى رهان المغامرة

عبد اللطيف الوراري

22qpt990.jpg 

   دائماً ما كان سؤال الشِّعر سُؤالاً إشْكاليّاً، في قديم الثّقافة العربية وراهِنها. ما المحدِّدات المائزة له؟ وما هو الوعي الّذي يشرطه، ويمثّله في كلّ ثقافةٍ، وعصْرٍ؟ وما هو الدّور الّذي يضطلع به في المجتمع، وعلاقاته بأطرافه؟ هذه بعض الأسئلة الأساسيّة ضمن أخرى تضَعُنا في قلب الإشكاليّة، لكنّنا لا ننشغل، هنا، إلّا بواحد من مناحي النّظر، الّذي ظلّ معتماً ومحتجباً في الخطاب الثّقافي رغم قيمته الرفيعة، وهو وضْعُ الشّاعر في/ من زمنه، ومحيطه الاجتماعي، وهويّة قصيدته الثّقافية، وأخلاقيّاتُها، ورؤيتُها للذّات والعالم، من غير أن نغفل، في زخم ذلك، عن التبدُّلات السوسيوثقافيّة الّتي طبعت مفهومات الشّعر والشّاعر، وأوضاع الكتابة. وإذا أخذنا بتعريف إدوارد سعيد لمفهوم المثقف في كتابه «تمثيلات المثقف»(1993)، بأنّه الشخص الذي «يُواجه القوّة بخطاب الحقّ»، فالشاعر هو هذا المثقّف، وقوّته من قوّة الشعر، بدلاً من قُوته؛ لأنّ لخطابه دوراً طليعيّاً لا ينفصل عن أخلاقيّات كتابته.

تمثيلات الشعري

من عصر إلى آخر، لم يكفّ الشاعر صوغ سياسات قصيدته، حتى في لحظات وهنها وصمتها. داخل خطابها المُفْرد والنّوعيّ، باعتبارها ممارسةً نوعيّةً وتاريخيّة، كانت القصيدة لا تحمل تاريخها فحسب، بل مكانها وعبورها في الأزمنة والثّقافات مع ما تقتضيه أوضاع الكتابة ومعايير الجنس الأدبي أو خارجها.  في عصرنا الحديث، لم يتأخر أصحاب الشعر الحُرّ عن أن يُمثّلوا في أشعارهم صور العلاقة المتفاعلة بين نصوصهم وبين محيطهم الذي عملوا، بدرجاتٍ، على نقده نقداً مباشراً حيناً، وتطهيره والسموّ به في الرّمْز والأسطورة حيناً آخر. ولم يكن ينفصل ذلك عن مشكلات السياق السياسي والاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية وعام النّكبة، الذي ساهم في ولادة وَعْيٍ شعريٍّ مُغاير في تصوُّر عمل القصيدة وسياساتها، وفي بناء الموقف النقدي وأطروحات الرّؤية ضمن فضاء الكتابة. وكان يتفاعل داخل الوعي الرّافض للسائد والمتفاعل مع ما يجري حوله مشروع الشاعر النّاقد والمُثقّف الّذي أخذ من الفلسفات والمعارف والنظريات الأدبية بنصيبٍ مُؤثّر، وساعدته ثقافة الالتزام الرّائجة، وقتئذٍ، في بلورة أفكاره في مواجهة المجتمع والمدينة والحياة والكون.

  في هذا السياق، برز الشعراء التمُّوزيّون والواقعيُّون الذين لم ينفصل تحديثهم للشّكْل الشعري عن الاهتمام بالمضمون السياسي والاجتماعي الرّافض، فدعوا إلى الالتزام بـ«المبادئ الوطنية والقومية والإنسانية»، وبـ«تحرير الأوطان من الاستعمار والتخلف الحضاري»، وبـ«الدّعوة إلى نهضتها ووحدتها ورفاه أبنائها»، بقدرما هم يتطلّعون إلى غدٍ أمثل تسود فيه الحريّة والعدالة الاجتماعية. وكثيرٌ من هؤلاء الشّعراء كان تجمعهم بمؤسّسات سياسيّة وإيديولوجية علاقات انتماء أو تعاطف كانت صالحة للطّرفين معاً، ومنهم من تأثّر بهذه العلاقة حتّى صارت نصوصه مواقف اجتماعية مُؤدلجة بحكم الواقع السياسي الضّاغط وتأثير النقد الإيديولوجي، لكنّها انتهت وذابت في الماضي فيما تبدأ كلّ لحظةٍ تلك النّصوص المنذورة، كتابيّاً وجماليّاً، للمستقبل وتأويلاته.

ظلّ شعراء هذه المرحلة يشخّصون الصراع، المعلن وغير المعلن، بين السياسي والثّقافي في الشعر العربي الحديث، ومثّلت الموضوعات القوميّة والاجتماعيّة، مثل الموضوع الفلسطيني والصراع الطّبقي والاغتراب النفسي والموت والانبعاث، ضغطاً متصاعداً على نصوصهم الشّعرية. هكذا، أدمنت الذّائقة على التعامل معهم بوصفهم الصّوْت السياسي للثّورة العربيّة من أجل التغيير والتقدّم والرّفاه، وإنْ كان قد رهن رؤى الشّعراء ومواقفهم بالقضيّة وتبعاتها وتداعياتها سياسيّاً واجتماعيّاً، أي رهن «الشّعري» بـ«الأيديولوجي» داخل حُمّى الاهتمام بجماليّات الأدب الواقعيّ، وكانت هذه العلاقة المزدوجة بين ما هو اجتماعيّ وجماليّ سوف تتسبّب، بلا شكّ، في خلق العديد من مشكلات الشّعر.

الرعب في المدينة وخفوت صوت الشّعر

عندما حدثت النّكْسة لم تكن أقلّ من صاعقة ومدوّية.كانت، في نظر الكثير، زلزالاً لم يسبق له مثيلٌ في الوعي الثقافي الحديث، بحيث لم يَسْلم من آثارها أحدٌ، وباتت قطاعاتٌ واسعة من نخب الثقافة والأدب والفنّ تُعيد، تحت هَوْل ما حدث، النّظر في حقول الفكر والرّؤية والحساسيّة. لكنّ أخطر ما حصل هو انهيار الأيقونات الماديّة والرّمزية التي حملَتْها القصيدة واطمأنّ إلَيْها جمهورها، وأعني بها الرّموز والإيحاءات والأساطير الّتي كان يوحي بها الشّعراء إلى نهوض الحضارة وانبعاثها بعد انحطاط وموت. إرْثٌ كبيرٌ من الآمال تبخّر، ومن التطلّعات خاب، كما أجهضت الأحلام بالتّغيير والرّفاه والعدالة الإجتماعيّة في المدينة العربية. من هذه اللّحظة بدأ الشّعر في الانحسار، وسقطت القصيدة من الصفحة الأولى في عدد من الجرائد القوميّة إلى صفحات داخلية، بعد أن غدت الشقّة تتوسّع بينها وبين الجمهور الذي أحسّ بأنّ الشّعراء باعوه الزّيف والكذب، وأنّ ما وعدوا به لم يجلب إلّا المأساة، كما أحسّ الشّعراء أنفسهم بالخيبة واللّاجدوى والشّعور بالفاجعة من آثار الزّلزال المدّمرة.وأخذ وعي الشاعر الحديث يتغيّر في علاقته بذاته ورؤيته وظيفته من جهة، وفي علاقته بفنّه ومفهوماته ومراجعه وأدوات عمله من جهة ثانية، وفي علاقته، ترتيباً على ذلك، بالقارئ والمجتمع بأكمله. وقد كشفت هذه العلاقات عن المكانة المتميزة التي أصبح يحتلُّها الوعي التّنْظيري والجمالي لديه في سياق الحداثة النّاشئة باستمرار.

وإذا استثنَيْنا الشّاعر محمد الماغوط الذي استطاع، بغنائيّته الخاصّة والمتحرّرة من أعباء المعايير الناجزة، أن يُضيء مسارح المدينة من معذَّبيه ومهزوميه ومغتربيه، وينقلنا، بغير قليلٍ من الاحتجاج والسّأم والقسوة والسّخرية السوداء، إلى المنافي والسّجون والغرف المغلقة والعواصم الباردة التي تذوب في التّاريخ، فإنّ شعراء الحداثة من ممثّلي قصيدة النّثر سوف يشرعون، داخل جماليّات شكلها، في كتابة نصّ العصيان مستأنساً بعزلته، وراضياً بمنفاه الاختياري ضدّ «المعيار»، وضدّ «الذّاكرة». الشّاعر الفرد المعزول لا الشّاعر العرّاف والنبيّ. لم تعد الحرّية تعني لديهم الالتزام العضوي بقضايا المجتمع، بقدرما ما باتت تعني أن يخلق كلّ فرْد عالمه ومداه، لكي يظهر إبداعه ويمارس حضوره المفترض. لهذا السبب، تحوّلوا، في رؤيا الشّعر، إلى شعراء نرجسيّين ومستقلّين وبالغي الهشاشة، يبحث كلّ منهم عن حرّيته بمعزل عن العالم، وعن سلطته الخاصة داخل كوكبةٍ من الرّموز الفالتة من كلّ عقال. صارت الذّات إحدى أهمّ شذرات الحداثة الشّعرية الأساسية لصالح أن يكون الشّاعر بمفهوم الفرد المعزول، والقصيدة «ليس لها هاجس سوى وجودها الذّاتي»، بتعبير أدونيس. وراح الشّاعر الحديث يتعالى على المتلقي وينفيه «من معادلة العمل الفنيّ ليصير النتاج الشّعريّ نتاجاً في ذاته ولذاته». لا وجود للآخر. الأنا مغتربة في المدينة. وحدها هي الموجودة. هي العالم. ‏

تحرير الذّات، تحرير الدالّ

لقد أسهم ذلك في التّركيز على الدالّ، وشعريّة الدالّ، ودالّ الذات أساساً، وفيها تعكس الذّات، غير ما مرّة، القيم التي تؤسسها وهي تتبدّل في خطابها المفرد والنّوعي، أي خطاب القصيدة الّتي يكتبها شاعرٌ بمرجعيّة الرُّؤيا والكشف حيناً، والعبث والعدميّة حيناً آخر، في شكل نصّ كلّياني ومُتعالٍ ومُفارق للواقع الإنساني. التّرحال في اليوتوبيا، وما من يوتوبيا إلا داخل الذّات.
شكّل صعودُ الذات وتحوُّلها إحدى أهمّ عناصر فعّالية القصيدة الجديدة، وأكثر آليّات تعريف حداثتها. فقد انصرف أغلب الشّعراء المعاصرين عن المعضلات التّاريخيّة والسياسيّة، وعكفوا بدل ذلك على اليوميّ والآنيّ والعابر في ما يعجّ من تفاصيل وتيمات مادّية وحيوات بسيطة وقريبة، مرتفعين بأجسادهم وانفعالاتهم واستيهاماتهم وعلاقاتهم وسيرهم البيوغرافيّة إلى درجة الغائيّة الّتي بدت كأنّها «التزامٌ جديدٌ» داخل استراتيجيّة تصوُّرهم للقول الشعري في كتابة جديدة تُراهن على جماليّات معارضة تشي بالتنوُّع والتعارض. وعليه، لن نكون بصدد رؤى اجتماعيّة وأيديولوجيّة وشعاريّة، بل أمام رؤى بديلة بين نوستالجيّة وإشراقيّة وشبقيّة وعدميّة ونسوانيّة في الأغلب. هكذا تكشف النصوص الشّعرية لهؤلاء عن صوت الذّات الكاتبة، ونزوعها إلى المجهول وهي تختبر هشاشة العالم والأشياء، وتعيد، في ضوء ذلك، تأمّل أوضاعها المركّبة والمتشذّرة في الحياة والكتابة. لم يعد السياسي المباشر والماورائي والشمولي شرط الكتابة، بل الجماليّ اليوميّ والمادّي ذاته. ولا الصّوت ذو الإيقاع الحادّ بل الصّمت ذو التّكثيف الضّوْئي. ما كان متخفيّاً سوف يصير أكثر حضوراً في سيرورة التحديث الشِّعري.

طُرِح السّؤال ثانية: هل نشهد تراجعاً في دور الشعر، ومن ثمّ الشعراء؟ هل يعني الأمر انسحابهم من المتن الى الهامش، واستقالتهم من اختلاطات الحياة اليوميّة؟، وتساوق الأمر مع أوهام الحداثة، ولاسيّما فيما يتعلّق بتصوُّر الشّعر ووظيفته، حتّى بدا الادّعاء بأنّ الشّعر «كائن لا اجتماعي» مغرياً للكثير، حتّى بالنّسبة للشعراء المنشغلين بـ«الموضات» الرّائجة. لا يمكن لنا، والحالة هذه، أن ننكر اجتماعيّة القصيدة حتى ولو امتلكت قدراً ما من الاستقلالية والتفرّد، لأن كتابتها لا تتحقق إلاّ بعملية إدماج بين الشّخصي واللّا شخصي، بين الفردي والاجتماعي، وأنّ العلاقة بين رؤيا الشاعر والوسط الاجتماعي ليست علاقة انعكاس آليّ، كما زعموا.

لقد تمّ اللّجوء إلى الوعي أو المفهوم الفردانيّ للشّاعر بطريقةٍ تُفْرغه من حديّتها غير المسموح بها، بما يُشْبه مُناورة أو أيديولوجيا أكثر من أنّه تحليلٌ تاريخيّ، وهو ما يُعيق عمل اللّغة والذّات في الفنّ. في الواقع، يمثّل الفنُّ المَرْصد والمختبر الذي يُظْهر أكثر من أيّ ممارسة اجتماعيّة أنّه داخل الفنّ يتحقّق الذّاتي بقدرما يتحقّق الجمعيّ. ولا يمكن لنا، بهذا المعنى، أن نخوض في حداثة القصيدة، أنّى كانت، بمنأى عن الأخلاقيات والتاريخ، وذلك حتّى في استغراق اهتمامها بالذّاتي. إنّ كتابة القصيدة حتّى في الهامش تظهر سياسيّة أكثر من المتن، وفي نصّ العصيان أكثر من المُجْمع عليه.

سياسات لا تنتهي

دائماً، ثمّة سياسة مّا في القصيدة، متحوّلة سرعان ما تنهض من الرّكام أو الفراغ في عمل التّأويل. تلك السياسة التي بمثابة الحركة الّتي تهجع في رحم القصيدة، وتحملها على أن تكون الراهنيّة الدائمة للغة الخاصّة، المهدّدة أكثر، والحيويّة أكثر. وهي، ككلّ عمل أدبي، ليست القصيدة سوى نوع من اليوتوبيا، من خلالها نرغب في أن نبني عالماً بديلاً يطفح بالحبّ والأمل، ويرشد إلى عدالة أكبر.

ليس المهم أن نقسم الأدب إلى أنواع ومدارس، وإلى قضايا والتزامات، المهمّ أن نرشد أقدامنا إلى هذه اليوتوبيا في ليل القصيدة، القصيدة الأكثر تقشُّفاً، وتخفُّفاً من المحسّنات وصيغ البلاغة، وتخيُّلاً ما فتئ يُنادي على الأقاصي. من هذه القصيدة يقدم هؤلاء الشّعراء وغيرهم، ويصنعون عبورهم الخاصّ داخل الذّاتيات، وفي لحظة انْشِغالهم باليوتوبيا، تقدم قصيدة الحدث من العمق حيث الذّاتي أكثر إدْراكاً للجمعيّ.

لا تُخْطئ القصيدة، على الأقلّ تلك التي كتبها روّادها ومُرْتادو سياساتِها في مراحل دالّة من تاريخها الحديث، من أمثال محمد الماغوط، أدونيس، محمود درويش، سعدي يوسف، أنسي الحاج، قاسم حداد، سركون بولص، إدريس الملياني، علي جعفر العلاق، وديع سعادة وأمجد ناصر؛ كما آخرون بما في ذلك المحتمُون برؤى عبثيّة أو عدميّة أو لا تاريخيّة، قوّة إصغائها للجمعيّ عبر علاقاتها المتوتّرة بالذات التاريخيّة داخل الضّوْء الخافت المُتبقّي بعد عهود الانحطاط. كلّ شاعرٍ، هنا، هو سياسيٌّ بالمعنى العميق الّذي يفيد ابتكاره لأبعاد وفضاءات ممكنة يأخذ فيها التّاريخ معنى الهاجس الأساسيّ الّذي يورّط تاريخ الفرد بالتاريخ الجمعيّ، ولا سيما تاريخ الهامش الذي تسِمُه بلاغة المقموعين.
هكذا هُمُ الشُّعراء، أنّى توجّهت ركائبُهم، يبدعون تصوُّرهم الخاص بالشّعر في زمنهم، وعبر ذاتيّاتهم. يصنع ذلك حيويّة الشّعر العربي الّذي يواصل، بجراحات خطابه، البحث عن المعنى الّذي لن يكون ضياعه، أليغوريّاً، إلّا ضياع معنى الحياة، التّاريخ والثّقافة. ولأنّ زمننا منذورٌ للتّباريح والعذابات فإنّ الأزمة هي الشرط نفسه للمعنى وهو يتخلّق باستمرار، إنْ ذاتياً أو جمعياً. وعندما يتوقّف المعنى يصير الشّعر ملفوظاً منتهياً.

إذا كان الأمر يتعلّق، هنا، بالقصيدة، بسياسات القصيدة، فلأنّ ثمّة ما يُظهر أنّ المغامرة الشعريّة والمغامرة الذاتية متداخلتان تقتسمان التّاريخ نفسه، والعمل نفسه. ويأخذ الشعريّ في سياسات القصيدة صفة غير المكتمل نظريّاً، لأنّ الأخيرة تتضامن والخطاب في أن تظلّ القصيدة تطفح بالأدلّة دائماً. بهذا المعنى، تعرض علاقات القصيدة، بطريقتها المُميّزة، الرّهان الابستيمولوجي للشّعر كـ»عمل فنّي مفتوح» على المجهول. وعليه، فليس الرّهان شعريّاً فحسب، بل هو سياسيٌّ أيضاً.

08:45 |  Facebook | |