28.01.2012

من أوراق الموريسكي


podcast
 
 
 
:"بمناسبة صدور ديوانه "من أوراق المريسكي
حميد سعيد: عمدت إلى رمز الموريسكي  فيما يعنيه من بعد عن فضاء الروح، الوطن والبيت 




 سلبم النجار
 
لا يكف الشاعر حميد سعيد عن تجديد بنى قصيدته، حتى ليوحي لمن تابع عمله الشعري على امتداد ما يزيد على أربعة عقود، بأنّه لا يتوقف عند مرحلة مرَّت، فيغادرها، وكأنه في كل جديده يتمرد على ما سبقه ويشاكسه.لماذا لا يعترف حميد سعيد بأية حدود أو فواصل بين الأنواع الأدبية، فيمعن في التنقل بينها ومزجها في آن، ويقتنص منها جميعاً ما يغني نصَّه الشعري. وإذا حسبنا أنه كان ، وما زال، مولعاً بإشعال حرائق التجريب، فيلتقط ما تألق من جمرها في جميع بُنى النص، فاللغة التي لا حدود لحركتها تتّسع وتتشكَّل في كل مرحلة يمثّلها ديوان جديد، حتى كأنه الديوان الأول ـ
وهنا أحاوره عن ديوانه الجديد "من أوراق الموريسكي" الذي صدر مع إطلالة العام 2012  في عمان عن دار دجلة للنشر، وهو ديوانه الثاني عشر، علماً بان ديوانه الأول" شواطئ لم تعرف الدفء " قد صدرت طبعته الأولى في العام 1968م ـ
 
في ديوانك الشعري الجديد "من أوراق الموريسكي"، تواصل اشتغالك على صعيد اللغة، حتى كأنها أكثر بنى القصيدة أهميةً عندك؟
ليس من نصٍّ إبداعي متميز، إلاّ ويقترن بلغة متميزة وثرية، بل ليس من مبدع متميّز، إلاّ وكانت لغته متميزة وثرية. والثراء اللغوي ليس التقاطاً شكلياً من بطون المعاجم، إنما هو تمثُّلٌ عميق فيما قرأ المبدع وما سمع، يوحِّد بين المعنى واللغة، فلا تفيض فتغمر المعنى، ولا تقصر فيبدو المعنى باهتاً. لذا فإن البنية اللغوية تأخذ أهميتها من تشكُّلها داخل بنى النص الأخرى وفيما تحقق من إغناء النص، وليس من حضورها الكثيف على هامش النص ـ
 
المكان في عدد من قصائد "من أوراق الموريسكي" هو بغداد، وكأنها تتوزّع على أكثر من زمان. كيف كانت المزاوجة في القصيدة بين المكان والزمان ؟
 عمدت إلى رمز الموريسكي تحديداً فيما يعني من بعد عن فضاء الروح، الوطن والبيت، وكلّ ما يشكِّل الذاكرة مكاناً وأناساً وأحداثاً وشواخص. وبغداد هي فضاء الروح الذي يختصر كل هذه المفردات التي أشرت إليها. وإذا كان الموريسكي القديم قد أبعد عن الفضاء الأندلسي، فإن الموريسكي في قصائد الديوان هو الذي اضطر إلى أن يكون بعيداً عن الفضاء البغدادي، وهو ليس بغداد المدينة المعاصرة فحسب، بل هو الماضي والحاضر، وهو المستقبل. لقد كانت بغداد في جميع منعطفات التراجع في التاريخ العربي هي المستقبل، وهي وعد التجاوز. وفي هذه المفردة الإشكالية - بغداد - تجتمع عصورٌ وأمجادٌ وانتصارات وهزائم، ويلتقي شعراء وأبطال وفلاسفة وصعاليك، مؤرخون وموسيقيون وصوفيون وفقهاء وملاحدة.. و.. و..ـ
لذا، لا بدّ من أن تتوزّع على أكثر من زمان وأن تكون الشاهد على كل زمان، وهي التي علّمت القصيدة كيف تكون المزاوجة بين الزمان والمكان ـ
 
لكن بإمكاني القول إنّ الإحساس بالغربة من سمات قصائدك في هذا الديوان؟
 ربما؛ لكنّها ليست غربة مكانية، وإن كانت تسكن الذاكرة في تجلياتها الواقعية والمتخيَّلة، وهي تستحضر ما كان، فهي غربة بفعل حال. وحين تقول الروائية البريطانية إيريس ميردوخ، حين وصل بها الحال إلى عدم القدرة على الكتابة: "أنا في مكان أحاول الخروج منه"، فهي تعني الحال الذي هي فيه وليس المكان ـ
إنّ حال بغداد الذي تكرّس في ظل الإحتلال الامريكي وحلفائه من رموز جاهلية الجهلاء، وهو حال يتجاوز المعقول كما يتجاوز المتوقع والمتخيّل، وهو الذي يشكّل حال الغربة التي أحسست بها في قصائدي. إنها غربة وجودية  تتشكّل في محيط سلبي، أواجهه بوعي إيجابي، حيث أحاول الخروج منها إلى أفق إنساني كريم ـ
 
شخصيات "من أوراق الموريسكي" مغامرة، وعنيدة، ومتصدية، ومثقفة، وتتّسم بالجمال الروحي، أليست هذه شخصيات مثالية؟
 ولمَ لا؟ لقد كنت باستمرار أحاول أن أذهب إلى أقصى ما تنفتح عليه الشخصية المثالية، لكن هذه المحاولة، غير معنية بقيود ثنائية المادي والمثالي، إذ لطالما كنت ضدَّ جميع القيود، خاصة حين تكون نظرية. إن جميع الشخصيات التي أحببناها وتمثلنا مواقفها  كانت مثالية، حيث يكون عطاؤها بلا حدود ومن دون مقابل وبلا حسابات، وعلى سبيل المثال ألم يكن أبو ذر الغفاري مثالياً؟ ومن أمثلة عصرنا ألم يكن جيفارا مثالياً؟
بل أستطيع القول إن جميع المناضلين والشهداء والمقاتلين الشجعان مثاليّون، بهذا القدر أو ذاك. لذا من الطبيعي أن تتمثل شخصية الموريسكي هذا الجمال المثالي ـ
 
وهي شخصيات منفتحة لا تعيش في دائرة مغلقة؟
 هو وعيٌ يلازمني عيشاً وكتابةً، وينأى بي وبما أكتب عن الأحادية والانغلاق. ومن الطبيعي أن يكون الانفتاح من سمات شخصيات قصائدي. إن الإبداع في انفتاحه هو فعل مواجهة المركزية في تشددها وانغلاقها، أية مركزية، سلطوية كانت أم فكرية. وليس من الوهم أن نقول: إن جميع محاولات إلحاق الإبداع بالمركزية فشلت،إما بانفتاح النص ومواصلة المشاكسة والبحث عن الإضافة والتجريب، أو بضموره واستكانته في ظلِّ رضا بائس وتكرار مُملّ ـ
 
الآن وبعد صدور ديوانك الجديد, وهو الديوان الثاني عشر في مسيرتك الشعرية, إلى أين؟
 أنصرف للقراءة والتأمل والمراجعة، كما أفعل بعد كل ديوان شعر أنتهي من كتابته وينشر، فأنقطع عن كتابة الشعر.  ومثل هذا الانقطاع بين آخر قصيدة في الديوان الذي ينشر وأول فصيدة أدشّن بها ما أخطط له كديوان جديد، قد يمتد إلى سنة او أكثر. أشتغل خلالها على ما يمكن أن أضيف، بحيث لا أكرر ما سبق لي أن انتهيت منه، ليس على صعيد الموضوع، بل في جملة بنى القصيدة، ليشكل الجديد إضافة إلى ما سبقه. وأطول مدة انقطاع عرفتها بين ديوانين كانت بين ديوان "حرائق الحضور" وديوان "طفولة الماء" حيث امتدت إلى خمس سنوات. في بدايات هذه الانقطاعات كنت أقلق ويذهب بي الظنّ إلى أن الشعر قد جفاني إلى غير رجعة، ثمَّ تآلفت معها، وصارت أفقاً مفتوحاً على ما يطوِّر قصيدتي ويغنيها ـ
 
ــــــــــــــــــــــــــ

23:31 |  Facebook

25.01.2012

marilyn hacker


podcast

 

 

 

الأمريكية مارلين هاكر تفوز بجائزة الأركانة العالمية للشعر

 

ظلَّت قصائدها مُضمرةً لمحبّة الحياة والإقبالِ عليها حتّى في نصوص الموت الذي عالجتهmarilyn.jpg

 

   إنتدبَ بيت الشعر في المغرب أعضاء لجنة تحكيم جائزة الأركانة، التي تكوّنت من مارغريت أوبانك رئيسة، وسعدي يوسف، عبد الرحمان طنكول، حسن نجمي، بنعيسى بوحمالة، أعضاء. وقد تلاقت إرادة أعضاء اللجنة في تتويج الشاعرة الأمريكية مارلين هاكر بجائزة الأركانة العالمية لعام 2011، في دورتها السادسة.

   إحتكمت اللجنة في هذا التتويج إلى حيويّة التجربة الشعرية لمارلين هاكر، التي تقومُ على رصْد تفاصيل اليومي وفتحها على أبعادٍ إنسانية رَحْبة. فغالباً ما تلتقِط الشاعرة جزئياتٍ حياتية قبل أن تستجليَ منها دلالاتٍ عميقة و تفتَحها على آفاقٍ تتجاوزُ الجزئي إلى قضايا إنسانية وأسئلة وجودية.

   التجربة الشعرية لمارلين هاكر مُخترَقة بالذاتي الذي عرفتْ كيف تنحازُ به جهة الفرح، سواء في جسارتها الأيروسية التي تزعج أحياناً، أو في صراعٍ، إنساني جمالي شعري ووجودي، قويّ مع الموت. فعلى الرغم من الحضور اللافت لثيمة الموت في نصوصها، على إثر داء السرطان الذي واجهَتْه، فإنّ هذا الحضور ظلَّ مُسيَّجاً بما يُضعفُ الهلع المُتولِّد منه، إذ ظلَّت قصائدُ الشاعرة، حتى في نصوص الموت، مُضمرةً لمحبّة الحياة والإقبالِ عليها، وهو ما شكّلَ، رؤية ثاوية وراء كتابتها الشعرية، على نحو يخترقُ ما هو ذاتي ويتجاوزُه. ذلك ما يتجلّى في نبذِ نصوصها لكلِّ أشكال الموت، سواء اقترن بالعنف في اليومي أو باستشراء الحروب في التوترات التي يشهدها العالمُ الرّاهن.

   إنّ معرفة مارلين هاكر بالشعريات العالمية، وفي مقدّمتها الشعرية الأمريكية والإنجليزية والفرنسية، أتاحَ لها أن تُنتِجَ نصوصاً بوّأتها مكانة عالية في الشعرية الأمريكية المعاصرة. فقد اغتذى شعرُها بروافدَ متنوّعة جعلت مُنجَزَها حواراً مُتفاعلاً مع نصوصٍ مُتحدّرة مِنْ ثقافاتٍ عديدة.

   يندرجُ تتويجُ مارلين هاكر بجائزة الأركانة العالمية، في دورتِها السادسة،أيضا, ضمن حرص بيت الشعر في المغرب على ترسيخ انفتاح اختياراته على جغرافياتٍ شعرية مُتباينة، انخراطاً منه في الحوار الذي تخوضُه الشعرية المغربية المعاصرة مع العالَم، ومع الآفاق الكتابية المُختلفة راهناً.

وُلدت مارلين هاكرعام 1942. بدأت النشر منذ سبعينيات القرن الماضي. ظهَرَ عملها الشعري الأوّل عام 1974. تعيش، منذ عام1985، بين نيويورك وباريس.

   إلى جانب تجربتِها في النشر وفي رئاسة المجلة الأدبية Kenyon Review، تُدرِّسُ الأدب الفرنسي في الجامعة بالولايات المُتحدة الأمريكية. أمّا نشاطُها بباريس فيتوزّع بين الترجمة والمشاركة في هيأة تحرير مجلة "القرن 21". لها إلمام عالٍ بالأدب الأمريكي والإنجليزي والفرنسي. نالت جوائز أدبية وشعرية رفيعة. عُيِّنت عام 2008 مستشارة أكاديمية الشعراء الأمريكيين.

   من أعمالها الشعرية: "فراق"، 1976، "افتراضات"، 1985، "الحبّ، الموت، وتقلُّبات الفصول"، 1986، "العودة إلى النهر"، 1990، "أرقام الشتاء"، "باحات وميادين"، 2000، "أسماء"، 2009.  

 

      

 

قصائد مارلين هاكر

ترجمة أحمد أحمد

 

 

سلوى للراشدين

 

 

 

 

أُسَلّمُ: الألفةُ تفرّخُ

 

الالتباسَ؛ التّماسك المغلف بالتّحفّظ أكثر نجاعةً.

 

قد تصبحُ عرضةً للفوضى؛ سيَلحق بي (وبها) الأذى.

 

في الاحتفاظِ بمسافةٍ ثمة أمانٌ وراحة بال، هو قولُ العاقلِ.

 

 

 

تحت السّترة الأكاديمية

 

المقلّمة، فوق كنـزة الصّوف المستَعمَلة،

 

رداءٌ قطنيّ وقميصٌ داخليّ،

 

تُرحِّبُ يدُك العارية بنهديّ العاريين.

 

 

 

 أغنيةامرأة فنلنديّة

 

"أنت بالغة الحكمة،" قالتِ الرّنّةُ، " باستطاعتكِ أن تُقيِّدي

 

رياحَ الدّنيا إلى شاطئٍ أوحدَ."

 

هـ . س. أندرسون، من: "مليكة الثلج"

 

 

 

كان بوسعها أن أن تقيِّدَ رياحَ الدّنيا إلى شاطئٍ أوحدَ.

 

كان بوسعها أن تجدَ كلماتِ الدّنيا في ريحٍ تُنْشِدُ.

 

كان بوسعها أن تُقدِّمَ إرادةً سحريّةً ليدٍ مُرَقَّشَةٍ.

 

كان بوسعها أن تتسللَ لِتُدِيْرَ كلمةَ الإرادةِ في ذهنٍ مضطرب.

 

 

 

كان بوسعها أن ترودَ الغابات العذراء على متنِ غزالة.

 

كان بوسعها أن تسبرَ النَّبع بصولجانٍ من شجر الغبيراء.

 

كان بوسعها أن تلفَّ جروحَ الذئبِ برباطِ القماط.

 

كان بوسعها أن تُحيطَ كتاباً مُحرّماً بِقرْبَةٍ من حرير.

 

 

 

كان بوسعها أن تعيشَ حرباً عالميةً على أرضٍ مُجتاحة.

 

كان بوسعها أن تجرشَ الجذورَ الجافّةَ لتصنعَ منها نوعاً من خبز.

 

كان بوسعها أن أن تُقيْتَ مُعَبِّديّ الطرق على طعامٍ من ابتكارِها.

 

كان بوسعها أن أن تجدَ قطع الغيار ممَّا لا حياةَ فيه.

 

 

 

كان بوسعها أن أن تجدَ أطرافاً من حجرٍ في سِقْطِ الرمال.

 

كان بوسعها أن تتحمّلَ الحفرة يعتريها البردُ، برئةٍ تالفة.

 

كان بوسعها أن تناوِرَ بالتورياتِ البذيئةِ بالعاميّةِ التي اكتسبَتْها.

 

كان بوسعها أن تناغيَ اللقطاءَ بلغةِ أمهاتهم.

 

 

 

كان بوسعها أن تضفرَ شعرَ طفلٍ بمشطٍ من حسك الأسماك.

 

كان بوسعها أن ترعى اشتعال الجمرِ وسطَ الرّيحِ القُطبيّة.

 

كان بوسعها أن أن تُصلحَ مُحرّكاً بدبّوسِ خياطة.

 

كان بوسعها أن تُدفِئَ قدماً علاها السّوادُ لِرَجُلٍ يحتضر.

 

 

 

كان بوسعها أن ترتشفَ حساء الحصى من بئرٍ مُريبة.

 

كان بوسعها أن تتنفّسَ ريحَ الخراء الأخضر من خندق المراحيض.

 

كان بوسعها أن تشربَ حصّةَ ملكةٍ من نبيذٍ فاخر.

 

كان بوسعها أن تتأمّلَ في بضعةِ أشياء لن تُعلنَها.

 

 

 

كان بوسعها أن تتعلّمَ رموزَ الأناملِ التي يستخدمها الأبكمُ والأعمى.

 

كان بوسعها أن تصلَ إلى المفاتيح الحديديةِ للملكةِ المتجمّدة.

 

كان بوسعها أن تجولَ المُرْتَفَعَ برفقة صديقٍ سكرانْ.

 

كان بوسعها أن أن تقيِّدَ رياحَ الدّنيا إلى شاطئٍ أوحدَ.

 

 

 

 أواخر آب / أغسطس

 

 

 

تتغيّر أحوالُ الطقسُ. يتدرّجُ المناخُ الجبلي

 

     المعتدل

 

إلى الخريفيّ.

 

ثمة صوتٌ كثيف في خشخشة أوراقِ شجرة التين

 

وتجولُ في بالي صورةُ المدن،

 

مع ذلك فإنّ الإثمارَ الثاني، المَبْيَضِيَّ]، الأرجواني، يتفتّقُ حتى ليبدو القرمزيّ

 

جاهزاً للقطف.

 

يسيّج العلّيقُ الدّورَ القرنفليّة التي ابتدأتْ أنساقُها من الطريق المعبّدة

 

مبرعماً بالتوت

 

لينضج أسودَ، حافلاً بالبذار، حلواً، لا يتجشم الفرنسيون التقاطه،

 

لكنني أقطفه أحياناً،

 

مصطحبةً كيساُ بلاستيكياً في جيبي الخلفيّ، في طريقي من السّوق.

 

رغبتي أقلُّ من ذي قبل بأن أتعرّى من قميصي صباحاً أثناء العمل على المصطبة.

 

شراشف السرير وسخة ومجعلكة، لكن لماذا يجب أن نعتلَ

 

إلى المصبغة المكْلفة

 

ما قد نحتاجه ليومين فقط؟ فكلّ أحاديثنا

 

تشي بالفراق.

 

 

 

 Languedocienne 

 

 

 

هذا الصباح أقبلتِ الرّيحُ، تهزّ شجرةَ السّفرجل،

 

مُسبِّبَةً الفوضى في فناء الدجاج.

 

 

 

انخلع بابُ السّقيفة على وسعه، انصفقتْ ضلفاتُ النوافذ،

 

انزلقت الدفاتر والمظاريف عن طاولة مكتبي.

 

 

 

انحنى الحور الذي يفصل بين الدوالي هامساً

 

على الزيتون والخزامى، وهما مسحتان من صيف قائظ.

 

 

 

تُثيرُ الريحُ توقاً في رأسي. أصبو إلى

 

سطوح الماء، خفيفةً على أربع ضفافِ أنهرٍ مختلفة،

 

 

 

ثمة ارتعاشٌ فضيٌّ عند حافّة الضّفّة، شلال

 

يطلعُ مني حين أهبطُ فوقَك.

 

 

 

باكراً إلى محطة القطار؛ حافلة بطيئة تعودُ عبر بلداتٍ أغلقتْ مصاريعَها يوم الإثنين؛

 

الدرّاق تحت الحور، الرّيحُ في شجرة السفرجل.

 

 

 

 مقهى الهاربين I

 

 

 

ناديت سيارةَ أجرة خارج حانةٍ مُترفةٍ

 

عصيّة عن الوصف على شارع لِكزينغتون لكي

 

تمضي إلى مركز المدينة. عناقٌ؛ عناقٌ: هذه المرّة مسحتُ بشفتيَّ

 

سطحَ شفتيك، وثمة نار

 

تأججتْ أسفلي في شهرِ شباط هذا. آهٍ تباركَ وتَبَّ

 

ما تيقّظَ فيَّ إذ لم يُبْدِ ما يكفي من الرزانة.

 

لن أمضي إلى الفراش معك لأنني

 

أريدُ الأقصى. إن يكن فيما أريدُ انحرافاً،

 

فلتكن، كما ستخمّنين، انحرافاتٍ ستستهويني:

 

املأ الفجوة: مرةً؛ اثنتين؛ ثلاثاً؛ أربع...

 

فعَلْتُ، مضتْ سيارة الأجرة. بينما لم تأتِ حافلتي المتأخّرة،

 

وتَكَّتِ الرّغبةُ مثل بندولِ الإيقاع.

 

بالنسبة إليك، كان هناك مَن ينتظرك في البيت.

 

بالنسبة إليّ، كنتُ سأتجرّأ على المزيد لو كان هناك مَن ينتظرني.

 

 

 

 مقهى الهاربين II

 

 

 

لمرة واحدة، بالكادِ انتبهتُ إلى ما أكلتُه

 

(سلمون وبروكولي ونبيذ سانت ڤيرا).

 

رفَّ مرفقي مثل حبّات فاصولياء تتقافز؛ انسربَ العرَقُ

 

داخلَ كُمَّيّ قميصي. هل يسعني أن أُركِّزَ انتباهي

 

على أيّ شيء إلا ساقيك مقابل ساقيّ

 

تحت الطّاولة؟ كان ذلك عسيراً،

 

لكنني اتخذتُ وضعيّةَ الرّاشدِ

 

وأنا أتطلّع إليك، وأبادلك قرع كأس النبيذ.

 

الآن إذ يريدُ كلانا أن يعرفَ ما نُريد،

 

الآن إذ يريدُ كلانا أن يعرف ما نعرفُ،

 

يبقى حريّاً بنا أن نعلمَ ما خطوتُنا التالية:

 

أن نكون يقظَين، نكون سخيَّين، نكون جريئَين،

 

نكون صادقّين، نكون سويّةً، ونتصرّف.

 

على الأقلّ لم أصب مرقةً بيضاء أسفلَ مقدمتي.

 

 

 

 رُهاب الطيران

 

 

 

لن أهبطَ في اللظى ما لم يكن هبوطي

 

عليكِ. لن أهبطَ على أيّة حال،

 

إلا في ألسنة لهبكِ. سأقولُ، ابقي

 

معي الليلةَ. لن أقولَ لا. قد انتهيتُ

 

من النظر إليكِ عبر ثقب الباب وأنتِ تتخطّرين مثل Shane.

 

إذا أفقتُ ساعةَ الذئبِ، دَغْفَلاً، وبي رغبة

 

بأن أمصَّ أصابعي التي لها مذاق فرْجِكِ،

 

وبنعومة أُخَلِّلُ العُرْفَ المتشابكَ

 

حولَ وجهكِ النّؤوم، وأَشُدُّكِ وأُداعبُكِ

 

وألعقُكِ متيقّظةً ما يكفي لأن

 

أُعِيْدَ الكرّةَ. غير أنّ ثمّةَ تحذيراً عن تغيُّرِ الرياح يكفي

 

لأنْ نقرِّرَ أفضل اتّجاهٍ نفترقُ

 

عندَه، في سيّارتيّ أجرة منتصفَ الليلِ، مع الدعابةِ المعهودة:

 

"ليلة سعيدة، يا ملاكي- اتّصلي بي لاحقاً في الصّباح."

 

 

 

 Le Départ

 

 

 

أودُّ أن أفيقَ وألقي بنفسي فوق باريس،

 

أتمشى من مارياس نحو مونبارناس

 

قبل العاشرة من صباح اليوم

 

الذي سأغادر فيه، تفيضُ العينان في الريح، مُربكةً

 

نفسي وأصحاب المتاجر بهذا الفيضِ

 

من الأحاسيس. سنرحلُ الليلةَ. غير أنني أتّجه الآن

 

نحو طاولةٍ ما (لا تزال إيڤا في السرير)

 

وأكشفُ عنواني الدائمَ،

 

الكرتون الذي يغلّف المكان الذي أعيش

 

فيه معكِ. أنامُ ملء جفوني. لا أحلمُ

 

بكِ، إلا أنني أستيقظ

 

وأنا إلى جوارك، أستحمُّ معكِ، أَنطلقُ، أنزلُ الأدراجَ

 

لكي أحظى بقهوتي الخالية من الكْريم (أما أنتِ فتشربين الشّاي)،

 

مبصرةً هذا الضوءَ الأشقرَ في شعركِ الصّباحيّ.

 

 

 

 صباح السبت

 

 

 

نائمة وقد أخذ بك البراندي، يا حلوتي،

 

استطاعتْ يدي أن تجد طريقها إلى الموضعِ

 

الذي تعرفه الآنَ حقَّ المعرفة. رغمَ أنّ وجهكِ

 

قد استدار إلى الجهة الأخرى مني، نائمةً حتى الظهيرة،

 

تتقلبين لُصقي. بعد أن فرغْنا

 

من الكلام (من ثمّ البراندي) حتى الرابعة

 

فجراً، عزفتِ لي، في العتمة، ثلاث أغنياتٍ

 

حتى أخذتني إغفاءةٌ- مُنهَكَةً لم أصلِ الرّعشةَ

 

التي حاولتِ أن توصليني إليها. لذلك اقتعدتِّ الأرضَ

 

ومعك الغيتار، إلى جواري، تعزفين أغنية تروبادور،

 

وبعدها، عاريةً، أيقظتِني، شددتِني

 

لأهبطَ على فمِكِ، شددتِ الفمَ إليكِ واحتويتِني

 

في الفجرِ الرّماديّ، الذي في إشراقته كان اسمُكِ

 

مثل البراندي في فمي والرّعشةُ تأتيني ثم تأتيني.

 

 

 

 Bloomingdale’s

 

 

 

"لو لم أكن أعملُ، لنمتُ إلى جواركِ

 

ساعةً أو ساعتين إضافيتين. ثم لَقُدْنا السيّارة

 

لبعضِ الوقتِ، خارج مانهاتن، باتّجاه

 

أحد متاجر بلومينغديل في وستشِستر.

 

ولو رأينا ما نرغبُ به، لكنّا اشتريناه!

 

جرّبنا مقاسَه، أولاً، في حجرة قياسٍ واحدة.

 

ولبذلتِ وسعَكِ لكي تحتفظي بهدوئكِ

 

حين جثوتُ وملأتُ أصابعي

 

بكِ، أطبقتُ فمي عليكِ، مستندة إلى الجدار.

 

شددتِ شعريَ َعَضَضْتِ على لسانك.

 

أمسكتُ مؤخّرتَك وبذلك لن تقعي.

 

ثمّ، سنذهب في نزهةٍ مطمئنة على امتداد

 

الممراتِ، تاركَتَين لأيدينا أن تجسَّ، كلما سنحتْ

 

الفرصة، ما وراء حمالة الثديين وما تحت السّراويل.

 

 

 

 

 

رياضُ الأكاديمية

 

 

 

مرّتِ السّاعةُ ببطء، وكانتْ حاجتي مُلحّة

 

للقهوة؛ ما حرّضَ سوءَ الطبعِ بي.

 

سألتُ طلبةَ كتابة الشّعرِ،

 

"أخبروني عن طبيعة الشعر الذي تقرأونه."

 

كان ثمّة لَوكٌ للشَّعرِ وعضٌّ للأظافر.

 

الثّلجُ تراكمَ حول الجامعة.

 

"أنا مقتنعٌ بأدب الخيال العلميّ."

 

"لا أقرأُ الكثير- القراءة تُضعِفُ تركيزي.

 

ولا أريدُ أن أسمحَ بمؤثّرٍ على أسلوبي."

 

"سجّلنا قصائد صوتية لصالح إذاعة الجامعة."

 

"حين أقومُ بالإلقاء، هل يجب أن أعتني بأسلوب الخطابة؟"

 

"هل صحيح أنه ليس ثمة شعراء

 

معاصرون ذوو شأنٍ يستخدمون القافية؟"

 

"هل تظنين أنها إضاعةٌ للوقت

 

أن أرسلَ قصائدي إلى Vanity Fair؟"

 

ما أعنيه- هل ثمة ما يربطهم بما أنا من أجله هناك؟

 

 

 

 خاتـمُها

 

 

 

خاتمها حُفِظَ في خزانةٍ حديدية

 

إلى جانب أوراقِ المئة دولار والوصايا وصكوك المُلكية.

 

اعتدتِّ أن تخبّئي رسائلي جنباً إلى جنب مع شهادات

 

الأسهم، أن تفتحي قفل الحُجرة لتقرأي

 

أفكار الليلِ تلك التي في صندوق حديدي تحت المصرف

 

حيث ننـزلُ في هذه الظهيرة: لأجلِ قَرضٍ يسير

 

من مالٍ تعطينيه نقداً، الذي أشكرك

 

من أجله، لكن وأنا أرتجف. كبعضِ مزحةٍ، نوقّعُ

 

سند أمانةٍ على صفحة ورقة

 

مفردة: رائع أن أرى اسمك مكتوباً مع اسمي.

 

تطوينها، تحفظينها في مصنّف بلاستيكي،

 

ثم تنقّبين في التُّحَفِ لكي تجدي

 

وتريَني ما ورثتِ: خاتم أمِّكِ الألماسيّ البرجميّ،

 

كموشور عتيق في حشيّةٍ من الأطلس.

 

تستعرضينه. ألمحُ يدَك ترتعش.

 

تسألينني إن كنتُ أودُّ أن أجرّبَه على إصبعي

 

لكنني لن ألبسَ ذلك الألماس في يدي.

 

ذات يوم، أعطيتُكِ خاتماً. أعرتِني خاتماً.

 

ما استعرتُه ذلك اليوم قد رُدَّ إليكِ.

 

 

 

 

 

 أيّام من سنة 1999

 

 

 

في إحدى ظهيرات شهر آب

 

المشرقة، في عودتي من حديقة ورودٍ

 

متوارية خلف شارع ڤيلاردوان،

 

فكّرتُ، طليقةً، مأخوذةً، فيما لو تسنّى لي أن أعيشَ وحيدةً

 

لكان باستطاعتي البقاء هنا

 

                  ثم أشحتُ الفكرةَ عنّي

 

بنفس الحدّةِ والاستهجان لفكرةِ " ثمة احتمالٌ

 

 لمطرٍ قادم" لأنني أردتُّ فقط أن يكون لي الخيار،

 

وقد اخترتُ، أكثر من مجرَّد حصىً

 

وعرائش، أكثر من مجرّد بَرَكَةِ

 

رائحة الأرغفة الطّريّة التي تنبعثُ من المخبز،

 

بَرَكَة الوردة البيضاء التي تفتحتْ للتوّ،

 

أكثر من مجرّد الصفحة الخاوية لسماء بلا غيوم،

 

لكي أفيَ الخيارَ حقَّه، مُتَمَلِّيَةً فيه كلّ يوم

 

مع أن الفكرة تقلّصتْ إلى

 

فوحِ خبزٍ ساخن ودعابة أولادٍ

 

في عطلة من دونِ وظائف بيتية

 

خيارلم أتخذه قطّ قد اتُّخِذَ نيابةً عني

 

في ذهنٍ آخرَ، بلادٍ أخرى-

 

حسبتُ أنّ ثمةَ حقّاً لي فيها، ما أدركتُ

 

 أنه لم يحدث أبداً، كأنّ تلك الموجة الدافئة أتاحتْ لي الانجرافَ

 

دونما مرفأٍ في الأفق.

 

يغسلُ رذاذُ الربيع حديقة الورود المتوارية؛

 

خبزُ المساء ينتفخُ في الفرن:

 

كلمةُ ما بعد الظهيرةِ تُردِّدُ صدى "وحيدة"

 

كسماءٍ، يتيمة

 

في محنتها اليوميّة الكئيبةِ

 

تفشي أسئلةَ المطرِ المكرورة.

 

 ــــــــ

 

 

 

18:29 |  Facebook

23.01.2012

في ذكرى السياب

 

 
:في ذكرى بدر شاكر السياب
         ذاكرة شعرية تحل بإبادة اليأس
 
عبدالكريم كاظم

 

assyab.jpg

أتذكر السياب حين أصابُ بالحمَّى وأهذي: إخوتي كانوا يُعدون العَشاءَ لجيش هولاكو، ولا خدمٌ سواهم إخوتي! محمود درويش

1
لا منأى للشاعر، في هذه الأرض، عن الأذى هذه العبارة التي تغوص عميقاً في سؤال الألم تتقاطع مع ما قاله الشنفرى بلاميته المشهورة (وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى) وعليه يمكن للشاعر أن يبكي أو يتشبث بموته، بطريقة محمد الماغوط وهو يخاطب صديقه السياب (تشبث بموتك أيها المغفل، دافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب، فما الذي تريد أن تراه؟)، وهو يرى منظومة القبح والخداع وهي تحتضن الظلام والتدليس والموت، ومن المؤكد أن هذا الشغف بالموت لم يكن عابراً، بل كان مجانياً ودلالياً في آن قصد منه تحقيق الأذى والبؤس والتخريب بين هواجس شخصياته وتجليات الطبيعة الدموية الموروثة، يمكن أن نضيف توقاً بدا واضحاً لدى هذه المنظومات وهو: شهوة القتل، ولكن خيار الموت، عند الشاعر، دفاعاً عن الحياة هو موقف فلسفي وأخلاقي ويندر، على مرّ الأجيال، أن نشهد موتاً من دون تضحية. هذا الكلام قديم كقدم البشرية منذ أن انتقلت من عهود البربرية إلى عصور الحضارة، لكنه اليوم في هذا العراق ليس حديث الماضي والمستقبل فحسب، بل حديث اللحظة الراهنة الشرسة أيضاً، من هنا يبدو السؤال التالي غريباً: هل أصبح الموت اليومي للعراقيين قدراً ومشيئة والحياة نوعا من التطفل ـ 

2
أكره أن أكتب عنه في ذكراه، ربما لكثرة ما تتقاسمه الذكرى مع الآخرين ولذا صنعت له ضريحاً كبيراً في روحي لا علاقة له بما يكتب عنه هنا أو هناك، ضريحاً يكبر معي سنة بعد أخرى وإذا به في غيابه أو حضوره أكبر مما حولي من أحياء، ولعل الاحساس بالوفاء هو الذي يدفعنا، جميعاً، للكتابة عنه وإطرائه بالاوصاف والمزايا المستحقة، بعد أن أصبحت هذه الحياة ذات دلالات ومعانٍ موحية لنا أكثر من أي حياة أخرى، لقد انعكست تفاصيل هذه الحياة، حياته، على مفرداته وألفاظه فصارت القصيدة تتسلّل من بين أصابعه لتستقر في ثنايا جمله وصياغاته اللفظية، وغدت في فترة الشقاء والمرض والجوع منبهاً لدوائه ومعالجة الروح والجسد مما اعتراهما من مخاضات السنين . هذه هي قصيدة السياب، أكاد لا أجتاز مطلعها حتى أشعر بأنني أغادر عالماً وأدخل آخر، ففي كل كلمة من كلمات القصيدة، كنت أشعر بأنني أمام معجزة البقاء على قيد الحياة وأعجب أيضاً لأن قلب الشاعر مازال نابضاً رغم تسارع دقات الموت والخراب والخوف والجوع والمطر. أنا الذي خبرت عناوين القصائد جميعها، أعرف أن السياب لا يقيم إلا في النصوص الباذخة، أتأمله وكأنني أبحث فيه عن سبب يبرر كل هذا الجنون العراقي الذي أصابنا، وعن الهدنة القلقة مع الحياة والفرح المؤجل، لذلك أدرك شاعرنا أنه من دون ملامسة الموت لا توجد القصيدة الشاهقة بما فيه الكفاية لتسمى شعراً . لقد صنع السياب لحظة حاسمة في مسار حياته وجعل هذه اللحظة مفتاح عالم القصيدة، والشاعر يدرك ذلك أيضاً بعد أن يتوغل في الشعر، فيرى الجهد الذي بذله كيما يصنع تلك اللحظة وتلك القصائد، لقد اختار الشعر طلباً للشعر لا غير، لأنه الوحيد الذي لا يخذل صاحبه، والذي يستطيع اللجوء إليه في جميع الأحوال والفصول، إنها لحظته الشعرية/الحياتية التي تقاطعت في بؤرتها تجارب وحيوات مديدة وحارة وصاخبة، لحظة تصفية الحساب، اللحظة الأخيرة له في الحياة، حاضراً ومستقبلاً وماضياً، التي تغطي ما ينوف على الجزء الأول من مساحة حياته وصولاً إلى الموت ـ
يكاد الشعر، بالنسبة إليه، أن يكون المهمة اللغوية الوحيدة بلبوسها الرومانتيكي طوراً وبوشاحها الرمزي طوراً آخر، أما عذاباتها، التي هي عذاباته، فتحتل فيها المركز الروحي تلك النقطة التي امتدت حتى القبر، وهذه النقطة تنبثق منها أصوات لا حصر لها، يذهب بعضها بعيداً في فضاء العراق وبعضها أدنى بكثير أو قليل في فضاء الشاعر، إن هذه الأصوات مهما نأت عن النقطة/الروح تظل مشدودة إليه كما انها تؤوب إليه دوماً، إنها مرتبة الألم الأولى بامتياز. ما لا نراه في شعره أكثر مما نراه. هذا ما يجب أن نعترف به دائماً، وإذا ما كان الشاعر في معظم نصوصه يبني تأريخه على أساس الاتصال والتواصل من جهة، وعلى أساس التجاوز من جهة أخرى، الأمر الذي يعني أن محاولاته تتصل ببعضها، فإن الشعر كلياً، قد شيد تأريخه على أساس التجاوز، ذلك أن أي تجاوز فني، جمالي وشعري لا بد أن يقاوم في نقطة انبثاق التحول الحياتي ـ الشعري الذي سبقه، ولذلك فإن ما نعرفه عن السياب وشعره أقل بكثير مما لا نعرفه، هذه هي نقطة المفاضلة لو تمعنا جيداً في النظر إلى نقطة التجاوزات الفنية الكبرى، فالشاعر لا يؤرخ إلا لشعره  ـ

3
يقوم السياب من خلال نصوصه الشعرية بتحييد الحياة وهو بهذا يلتقي مع الفرنسي آرثر رامبو حين قال (ان الحياة الحقة في مكان آخر) وهو يعني الحياة في الشعر، غير أن السياب يتماهى مع النص لا بسبب موهبته، حسب، بل بسبب العلاقة الحميمة التي جعلته متماهياً مع النص حتى بعد أن أصبح هو والنص حالة واحدة غير قابلة للفصل، حالة مأخوذة بين ما هو شعري وإنساني، واقعي وأسطوري وما يمكنني قوله الآن أننا نخطئ حين نقرأ السياب من دون أن نكتشف سر هذا التماهي وهذا التجاوز، إنه اقتراح ليس إلا، وعليه لا نتمكن من تحصين أرواحنا إلا بالحزن والمرارة، وهكذا نحن الآن مصابون بحنين جارف لقراءة السياب باسلوب جديد كي نحصن أنفسنا ،أيضاً، من الخراب، من هذا الكم الهائل من الأسوار المهدمة، التي ستتهدم ومن التساؤلات التي أطلقها الشاعر فوزي كريم في هذا المقطع من قصيدته المعنونة (إلى بدر شاكر السياب) التي تحمل في طياتها تشعباً مذهلاً للأفكار والتداعيات الوجدانية وفق أسلوب لغوي أخاذ وتحديداً في هذا المقطع الذي يقول فيه : ـ
،أأنا شاعرٌ
وإذا كنتُ، من يختبر قدرتي
في احتمال الخسارة واليأس؟
تضحيتي حفنةٌ من قصائد أندبُ موتاي فيها
وعلى كاهلي يقفُ النسرُ أحدبَ
أوهنه الطيرانُ بلا هدفٍ
ولذا، أي سورٍ سيهدمُ يا بدرُ؟
لقد جرى تهديم الأسوار فكيف سنسعى إلى نوع من التوفيق والمهادنة ما بين القصيدة الشعرية من جهة، التي هي واقع قائم وصريح، وبين الخراب، لاشك في أن الشاعر فوزي ينطلق من بديهية يعتني بإبرازها أو التنويه بها بصيغة سؤال وهو يقول بتشاؤم لا تشوبه أي شائبة: أي سورٍ سيهدمُ يا بدرُ؟ وهو أمر لا بد أنه حصل وسيحصل . رغم مرضه العُضال وما جرَّ عليه من مآسٍ وهموم بقيّ السياب ذاكرة شعرية تحلم دائماً بإبادة اليأس مثلما هي ذاكرة تستأنس بهطول المطر، وإنها أيضاً ذاكرة مستعادة تنوس بين الحلم والضوء، الحزن والأمل . ترى أين تمتد ذاكرة السياب الذي قدَّم للعراق المظلم أسطع القصائد؟ هذا هو السياب الذي لا ينفصل حبله الشعري عن العراق، هذا هو السياب الذي يتساءل: ـ
إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسانٌ بلاده؟

:الهوامش

 الفرح ليس مهنتي ـ شعرمحمد الماغوط /الاعمال الشعرية الكاملة /دار العودة
 لا تعتذر عما فعلت ـ شعر محمود درويش /دار الريس الطبعة الثانية 2004
 آخر الغجر ـ شعر فوزي كريم /دار المدى الطبعة الاولى 2005
 آرثر رامبو ـ فصل في الجحيم

22:03 |  Facebook

21.01.2012

فشل المثقّفين

 :في حوارٍ معه بجريدة (الخليج)الإماراتية 

سيد البحراوي: المثقفون فشلوا في تقديم صياغات سياسية للثورة العربية

 

bahrawi.jpg

لا يحصر الناقد المصري د .سيد البحراوي  أستاذ الأدب والنقد الحديث في جامعة القاهرة  نفسه في زاوية معينة من التخصص الثقافي والأدبي، فهو ناقد وكاتب روائي يتناول قضايا ثقافية وحضارية وإنسانية في كتابته . وأصدر البحراوي أكثر من ثلاثين كتاباً نقدياً منها: المدخل الاجتماعي للأدب، محتوى الشكل في الرواية العربية، البحث المنهجي في النقد العربي الحديث، الأنواع النثرية في الأدب العربي الحديث . كما أصدر عدداً من الروايات منها: ليل مدريد، هضاب ووديان، شجرة أمي، صباح وشتاء .

 لماذا أصدرت الآن كتابك “الإيقاع في شعر السياب” وقد كان أطروحتك للدكتوراه التي حصلت عليها عام 1984؟

 

 وجدت أن كثيرين لم يطلعوا على هذا الكتاب وأن المنهج الذي قدمته لدراسة الإيقاع في الشعر العربي مطبقاً على بدر شاكر السياب مازال منهجاً جديداً لم يضف إليه احد في الدراسات الحديثة .

 ما ملامح هذا التجديد؟

 قدمت معرفة علمية بالتراث العروضي العربي بمعنى أن الكتاب يدرس عروض الخليل بن أحمد الفراهيدي من خلال المصادر التاريخية المختلفة من حيث كيفية إنشائه والمصادر التي استقى منها واستفاد منها في وضع هذا العروض، ثم الوصول الفلسفي إلى هذا العروض، وبالتالي بعد هذه الدراسة نصل إلى ايجابيات العروض الخليلي وسلبياته، والجانب الايجابي الأساسي أن الخليل أشار عبر التفعيلات إلى واحد فقط من الأسس الإيقاعية للشعر العربي، وهو الأساس المقطعي أو الكمي، ومن هنا وجبت الاستفادة من الدراسة الصوتية الحديثة لتضيف إلى هذا الجانب الكمي عنصرين آخرين هما: النبر والتنغيم، والأهم من ذلك أن العروض بصفة عامة لم يهتم بالجانب الأكثر أهمية في دراسة الإيقاع وهو وظيفة الإيقاع، أي علاقته بالمعنى في القصيدة وهذا ما حاولنا التنظير له وتطبيقه من خلال شعرية بدر شاكر السياب، وكان هذا هو الجانب الأصعب في الدراسة .

 ما تفسيرك للعزلة التي كان يعيشها السياب؟

 السياب كان شخصاً انطوائياً لكنه في فترة من حياته اندمج في الحزب الشيوعي العراقي، وبالتالي أصبح مرتبطاً بالحياة والناس، حدث هذا في المرحلة الوسطى من حياته وبعد ذلك استقال وانفصل عن الحزب الشيوعي وعاد إلى عزلته مرة أخرى ووضع حواجز بينه وبين الناس، وهذا انعكس على شعره .

 كيف حقق السياب نشيد أسطورته الشخصية؟

 السياب كان شاعراً موهوباً صاحب طاقة شعرية هائلة وثقافة واسعة، واطلع على كنوز وروائع الأدب الانجليزي، وكان يقرأ بالانجليزية جيداً، وتعرف إلى أهم مفردات الشعر العالمي، إضافة إلى معرفته بالشعر العربي القديم والحديث، سواء في العراق أو خارج العراق، وبالتالي فقد امتلك الرؤية الشعرية والأدوات التي تمكن منها تمكيناً جيداً، وكان يشعر بنبض العصر الذي عاش فيه رغم أن شكل الشعر الحر ظهر قبله بعشرين عاماً لدى شعراء أبوللو المصريين .

 لمن الريادة في الشعر الحر . . للسياب أم لنازك الملائكة؟

الريادة في الشعر الحر ترجع إلى مدرسة أبوللو للشعراء المصريين في أوائل الثلاثينيات برئاسة أحمد زكي أبو شادي، وصالح جودت، وصالح الشرنوبي، وخليل شيبوب، ثم بعد ذلك لويس عوض في ديوانه “بلوتو لاند” .

لكن من الناحية الشعرية كان السياب هو الأقوى بغض النظر عمن نشر قبل الآخر، ومن حيث الطاقة الشعرية كان السياب الرائد، وبالتالي كان تأثيره أقوى من غيره، وبالتالي أصبح الشعر الحر على لسانه أكثر إقناعاً وإثارة للقراء والشعراء الجدد .

 يلاحظ أن حضورك كناقد طغى على حضورك كمبدع، هل هناك علاقة جدلية بين النقد والإبداع الروائي؟

 لم أنشر إبداعاً إلا متأخراً بالرغم من أن رحلتي مع الإبداع بدأت منذ أوائل الستينات، لكنني لم انشر إبداعي إلا في أوائل التسعينات، وبالتالي كان المعروف عني أنني أستاذ جامعي وناقد .

 كيف وفقت في تجربتك الإبداعية بين نوعين من الإبداع الروائي؟

بصفة عامة لا يمكن للإنسان أن ينقسم على نفسه بحيث يكون مبدعاً في وقت وناقداً في وقت آخر لكنني حرصت ربما بقصد أو من دون قصد على أن أكون مخلصاً للكتابة الإبداعية من دون تدخل مباشر ومقصود للخبرة النقدية، هذا طبعاً في المرحلة الأولى من الكتابة، لكنني بعد ذلك حين اقرأ ما كتبته مرة أخرى سواء أنا أو أصدقائي حيث أكون حريصاً على اطلاع أصدقائي المقربين على ما كتبت قبل النشر . . وسوف أبوح لك بسر أن روايتي الثانية التي كتبتها لم أنشرها حتى الآن لأن بعض أصدقائي وأنا أيضاً رأوا أنها تحتاج إلى مزيد من التعميق والتوسع، فلم أنشرها حتى الآن .

 كيف ترى دور المثقفين العرب على خريطة الثورات العربية؟

 للأسف المثقفون العرب اشتركوا في هذه الثورات بالتأكيد، لا كمثقفين وإنما مثل غيرهم من الأفراد وبالتالي لم يقدموا حتى الآن الصياغات الثقافية لهذه الثورات سواء على مستوى التنظير السياسي أو على مستوى الأشكال الإبداعية، ربما يدركون حجم التناقضات التي تكمن في هذه الثورات . 

 ــــــــــــــــــــ

06:48 |  Facebook

17.01.2012

رواقٌ شعريٌّ

gj.jpg
رواق الشُّعراء المغاربة
 
 
عبد اللطيف الوراري
 
 
كَما الْقَوارب مِنْ صَمْغٍ
على حجَرٍ يذُوبُ
وارفةَ الأنْقاضِ في خَببٍ
،غِناؤُها ليْس يبْلى
يجْدفُون هُنا الأوراقَ مِنْ لحْمهِمْ
مغْمُوسةً أبَداً في الرّيح
،تُصْغي إلى الأنْفاس
،ثُمّ هُناكَ حيْثُ لا ندمٌ يأْتي أقلَّ
.وَلا يسْقي أَظالِعَهُم غَيْمٌ هُنالِك
لَوْ أشْواقُها
بِدَمِ تُصْغي إلى دَمِنا
.تِلْك التّلالُ
:أحُوزُ ههُنا الْوَرْد طيّ الْبال ثمّ أرى
كَمْ راكِباً صهْوةً في الرّيح
كَمْ عَدَماً يحْيا بعيْنَيْن
كَمْ حُرّاً بِقافِيةٍ
كَمْ نازِلاً بَلَد الْأيتامِ
.كَمْ فرِحاً بِما أتَاه حَصادٌ في غَدٍ
:وأَرى
كَمْ مُتْلِفاً شَجَر الأنْسابِ
كَمْ أحَداً في الْحَشْد يخْطُب
كَمْ حشْداً بِلا أحَدٍ
.كَمْ واشِياً بِدَم الدّفْلى وإِخْوَتِـــــه الْمَرْضى حِداداً
...................
...........................

،أُصيخُ السّمْعَ إنْ عَبرتْ روحٌ
،وأخْلُدُ لِلْأحلامِ إنْ عَبرتْ
،وأَخْفِضُ النّاي حتّى الْعَظْم إنْ عَبرتْ
مَنْ يعْبرُ الآنَ في ليْل الْقَصيدة منْ؟
.تسّاءلُ الْجِنُّ بيْن الْعَدْوتيْن
ومِنْ فاسَ الشّريدة
حتّى (سُوس) تُسْمِعُها (دُكّالة) الرّيحَ
مِنْ مرّاكش احْتَسبتْ لِله باباً إلى تِطْوان
خاصَرَها المَجْذوبُ أجْمعَها في جُمْلتَيْن
دمٌ أقْصى
وصَهْدٌ
ومِلْحٌ تالِفٌ
وصَدىً للرّوح
في طُرقٍ عمْياء
سَوْف نَرى
هلْ كانَ حقّاً
هَوى الْمَجذوبِ
يوْمَ سَــرى
ويوْمَ ماتَ
وأيّامَ اسْتَوى حَجَرا
ـــــ

19:49 |  Facebook

06.01.2012

بنسالم الدمناتي، شاعر النسيان

،في ذكرى رحيله الثالثة

بنسالم الدمناتي، شاعر النسيان الذي ظلّ بمنأى عن الأضواء متمسّكاً بخجل الناسك     

LastScank.jpg

قبل ثلاث سنواتٍ، رحل الشّاعر المغربي بنسالم الدمناتي عن عمر يناهز الرابعة والسبعين، قضى معظمها مُكبّاً على قصيدته يرعاها بزيتٍ من روحه، وماءٍ من جسده، مصغياً إلى عصره المضطرب في عبور الأزمنة والإيديولوجيات والحساسيّات. مرّ رحيله بعيداً إلّا من مكناسة الّتي أحبّها، ووحيداً مستوحداً في عزلته وفي مرضه الّذي كان يأكل من لحمه، في صمت ـ 
  كان الشّاعر بنسالم
الدمناتي، الّذي ولد بمدينة مكناس عام 1935، ودرس بجامعة القرويين العريقة،
قبل أن يزاول التدريس بتفاني المحبّ لسنواتٍ طوال منذ عام 1963 حتّى تقاعده، من الرعيل الأوّل الذي نهض بمهمّة التحديث الشعري داخل القصيدة المغربيّة بدءاً من ستينيّات القرن العشرين، وأرسى حساسيّة مغايرة للنمط الشعري الّذي كان سائدٍ وقتئذ، منفتحاً على الإبدالات الحديثة الّتي شرع فيها الخطاب الشّعري الوافد من المشرق العربي، على مستوى الشّكل والبناء والمتخيّل. لكنّ كثيراً من أبناء هذا الجيل، برغم قيمتهم وروحهم التجديديّة، عاش مغترباً داخل أجيال الشّعر الجديدة، ومظلوماً من منجز الشّعرية المغربية الّتي كانت توجِّهها، في الغالب، مقاصد غير ذات بالٍ في ميزان النّقْد، دوغمائية ومتعالية. وإذا كان الشاعر محمد بنيس قد لفت النّظر إلى الشاعر وأبناء جيله في أطروحته الأكاديميّة ـ "ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب"، إلّا أنّ ذلك لم يكن في الاعتبار إلّا تصفية حساب رمزيّة، عندما نعت ذلك الجيل ـ إيديولوجيّاً ـ بجيل "السقوط والانتظار"، لحساب الجيل اللّاحق الّذي انتمى إليه. وقد اجتهد الشعراء، بعد ذلك، في إخفاء حقيقة الدَيْن الذي في ذمّتهم لصالح جيل الستّينيات، وكثيرٌ منهم لم يفهموا أنّه كانت لهذا الجيل استراتيجيّة استجابت، كتابيّاً وتخييليّاً، لشرائط سوسيوثقافيّة عميقة، حتّى يقولوا ما وراءهم غير الفراغ والخواء، ويقول بعضهم: طـز لوهْم الأب. وقد تحوّل ذلك التّتابذ بين أجيال القصيدة المغربية قديمها وحديثها، إلى إثيكا تكرّس أوهام المغايرة والانقطاع ومزيّة السّبْق ـ
  وفي اعتقادي أنّ قصيدة الجيل الستّيني، الّتي لم تكتب على سويّة واحدة، قد حقّقت شرطيْن أساسيّين لم يكن عنهما غنىً في سيرورة التحديث الشّعري: الشّرط الأوّل تاريخيّ ـ أجياليّ يتمثّل في أنّ القصيدة شكّلت حلقة وسطى بين ما سبقها من شعر تقليديّ تتخلّله أمشاجٌ من الوعي الوطنيّ والرومانسي، وما تلاها من شعرٍ يشقّ حداثته الراغبة في اجتراح معنىً جديد، بتأثيرٍ واضح من جماليّات القصيدة الحديثة. فيما الشّرط الثاني جماليُّ وفكريٌّ يتمثّل في القطع مع القصيدة العموديّة عبر تكريس قصيدة التّفعيلة كواقعٍ شعريّ يمثّل ـ عدا الهمّ الوطنيّ العامّ ـ الموضوعات الوطنية والإيديولوجية والهواجس الوجودية مثلما التأمّل الميتافيزيقي. ومن المهمّ أن نشير، هنا، إلى أنّ كثيراً من شعراء هذا الجيل ظلّ مساهماً في سيرورة التحديث حتّى اليوم. وإذا كان بعضٌ منهم، أمثال أحمد المجاطي ومحمد الخمار الكنوني وعبد الكريم الطبال ومحمد السرغيني وعبد الرفيع الجواهري، قد نوقشت أشعارهم واهتُمّ بها إلى حدّ ما، لهذا السبب أو ذاك، فإنّ بنسالم الدمناتي كان ممّن ضحّوا بهم، ولم يلتفت إليه المنْجز النّقدي إلى شعره إلّا في مواضع نادرة ومحتشمة، رغم أنّه شرع في نشره منذ عام 1954 بعدد من المنابر الثقافية المغربية، في أزمنة ثقافية متفرّقة عبرها بإصغائه ووعيه، وإن كان لم يُجمع في كتاب إلّا أواسط التسعينيّات بصدور ديوانيه "قفّاز بلا يد" 1992 و"واحة النسيان" 1996، بعد أن فعل زمن الشّعر فيهما فعله، ورُجّت شجرة الشعر المغربي بكثيرٍ من الصّخب، وكَثُـر الشُّعراءـ 
من الحجب والنّسيان عانى، وظلّ بمنأى عن الأضواء، متمسّكاً بخجل الناسك وسابحاً في مملكة الجنّ – على حدّ تعبيره في قصيدة "مأدبة الأفعال" ـ 
وإذا ربطْنا الشعر المغربي بتاريخيّته، فإنّه يحقُّ لنا أن نقول إنّ القصيدة الّتي كتبها الشاعر بنسالم الدمناتي كانت، برغم ذلك الحجب والنسيان، رائدة وذات قيمةٍ فكريّة وجماليّة ظاهرة، وكانت تُضاهي ـ بالنتيجة ـ قصيدة كبار شعراء التّفعيلة في المشرق. وإذا عدنا إلى نتاجه الشّعري وجدنا في قصيدته عمارة إيقاعية أكثر سلاسة ومرونة وتحرّراً من القالب، وشغفاً خاصّاً بالموسيقى الداخلية، وبساطةً في البناء، ورصانة في العبارة الشّعرية يسندها الإيحاء والرمز والقناع، ومعرفةً بالشّعر العربي تأتّت له من مقروئيّته الواسعة للتُّراث الّذي أحبّه. مثلما نجد تنوُّعاً في الموضوعات بين الهمّيْن الوطني والقومي، والتأمّل الذّاتي ـ الوجودي الّذي ينأى بنفسه عن فجاجة التّناول الرومانسي، والاستبطان الصُّوفي الموحي بخبْرته في الحياة ورؤيته إلى الوجود والأشياء. ولنا أن نذكر نصوصه الشعريّة مثل "آلام الحطيئة" و"أحزان كامب ديفيد" و"مقدّمة من مذكرة غربة الحلاج"، وسواها ـ

....

 أيّها العزيز، منذ أن انتقلْتٌ إلى الجنوب للعمل لم أتابع أخبارك، ولا قرأت لك شعراً من عقْدٍ تقريباً، ولكن كنت أسمع من بعض أصدقائي أنّك تمرّ بمحنة صحّية، وأنّك في الوحشة والعراء كما لو كنت مقطوعاً من شجرة، وأنّك غير راضٍ إلى ما سِرْنا إليه في الكتابة والحياة. ثُمّ رحلْتَ، رحلت وفي حلقك غُصّة ممّا يجري حواليك. ولم يكن لديّ ما أرثيك به يا شاعر مكناسة فقط، غير أنّي لم أجد شعراً أكثر عزاءً من القصيدة الّتي رثيْت بها صديقك أحمد المجاطي، أحد أبرز أبناء جيلك الشّعري الكبار. تقول في أبياتٍ منها:ــ 
أَضَاعُـوكَ
لَـمْ تَبْـقَ ذَاتـاً
وَلَـمْ تَبْقَ مَـرْثِيَـةً بِاٌلْقَـوَافِـي
تَؤُوبُ إِلَيْـكَ اٌلطُّيُــورُ
لِتَنْسُـجَ مِنْـكَ نَشِيــدَ اٌلْـوَدَاع

لا تزال أمام عينيّ صورتك. صورة شاعر أنيق الهندام، وئيد الخطوة. لأوّل مرّةٍ كنْتُ أراك، أرى شاعراً يمشي في الشارع العامّ ويُخالط الناس، في مدينة من الهامش لم يكن فيها للشعراء موطئ قدم أكثر ممّا كان لآخرين أقلّ حياءً وأكثر جلبة. كنْتُ أنا المشدوه، وقتئذٍ، بإرث الرومانسيّة لا أتصوّر الشعراء إلّا في أبراج عاجية وبأجنحة من لازورد، حتّى رأيتُك وأصغيْتُ إليك تُنْشد الشعر، وتأخذني إليه. ثُمّ وعيْتُ، مع الوقت، كيف أنّ القصيدة الحرّة تصنع متفرّدين، وأنّ النجوم قد باتت صناعة الأدراج المظلمة ـ 

ـــــــــــــــــــ

21:18 |  Facebook

03.01.2012

حوار مع إدريس الملياني

:في حوار مع الشاعر المغربي إدريس الملياني
الشعر المغربي يشتكي من غياب المرجع المحلي، وعلى الشاعر أن يتخلّى عن الذاتيّة المفرطة ويلتفت إلى "الأرواح" المتعدّدة فيه
maliani.jpg
يتحدث الشاعر المغربي إدريس الملياني في هذا الحوار الذي أجراه معه الزميل الطاهر الحمزاوي، حول تجربته في ترجمة الشعر الروسي، كما يتطرق للحديث عن مدى تمكن الشعر المغربي من التعبير عن روح الانسان المغربي وأسئلته الكونية ـ
 ــ ماهي خفايا ميلك لترجمة الشعر الروسي؟ ماذا وجدت فيه من خصائص؟
 
ولد لديّ هذا الميل لترجمة الشعر الروسي، عندما بدأت أتعلم اللغة الروسية، أول مرة في المركز الثقافي السوفييتي بالرباط، خلال السبعينيات، ثم تعمق في موسكو، خلال الثمانينات، وأخذت أقرأ بها نصوصا أدبية وشعرية كنت قد اطلعت عليها مترجمة إلى العربية. فلاحظت منذئذ أن بعضا من تلك الترجمات العربية تحيد كثيرا عن الأصل الروسي، لتحقق بالفعل مقولة «الترجمة خيانة». ومن ذلك على سبيل المثال أن أحد المترجمين والكتاب العرب لم يميز في إحدى ألأقاصيص أو الأناشيد الرومانتيكية الغوركية، بين كلمة «أوج» الروسية التي تعنى حية غير سامة وبين كلمة «يوج» التي تعني قنفدا، فوقع ضحية هذا الجناس الروسي. وعندئذ تجاسرت على الترجمة، الأدبية، الهاوية والعاشقة، التي كان حبي الأول فيها قصيدة «انتظريني» للشاعر والمراسل الحربي والروائي المعروف عربيا قسطنطين سيمونوف. وهي في شهرتها تضاهي أو تعادل «سجل أنا عربي» لشاعر المقاومة الفلسطينية محمود درويش أو « إذا الشعب يوما أراد الحياة» للشابي. وتعد من عيون الشعر الروسي ولا تزال جارية على كل لسان منذ كتابتها عام 1941 مع بداية الحرب الوطنية العظمى ضد الغزو النازي إلى اليوم. ولا تخلو ترجماتها العربية العديدة من أخطاء. إذ ترجمها أحدهم «انتظرني» بدلا من «انتظريني» لو اطلع على الأصل الروسي. ولا بأس من إعادة هذه الكلمات الواردة مع القصيدة المنشورة في «محكيات» كتابي الصادر حديثا عن منشورات اتحاد كتاب المغرب بعنوان «فتاة الثلج» : «كانت نشيدا للنصر، نداء للنضال، وأغنية للحب تتردد أصداؤها في الغابات مع مواكب الأنصار، وفي الخنادق مع جنود الجيش الأحمر، وفي المستشفيات مع أنين الجرحى. ولم أترجمها عبثا أو لمجرد تدريب على ممارسة اللغة بل كنت أستحضر فيها وجوها كثيرة أليفة لرفاق الدرب والنضال، مغتربين ومنفيين ومغيبين وراء القضبان والبحر، ووجوها أخرى لجنود مجهولين، معفرة برمال الصحراء، مرابطة على الحدود في الخنادق والخيام. وكانت هذه القصيدة بالنسبة إلي بمثابة الحب الأول، ترجمة ونشرا، وبداية القطيعة أيضا مع ستالين عندما علمت أنه قال عنها: لا أرى أن تطبعوا منها غير نسختين فقط: واحدة للشاعر والثانية لحبيبته!».. وبالتالي فإن أبرز خصائص كل النصوص المترجمة والمنشورة في صحف ومجلات مغربية ومشرقية، هي هذا التجاوب مع جميع القضايا التي لا تزال موضوع الحراك المبارك الربيع. وقد صدرت كلها تحت العناوين التالية: ــ
 ـ العمق الرمادي، سيرة ذاتية مبكرة، للشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو، ترجمة وتقديم ،عن دار أزمنة عمان الأردن عام 2005م
 ـ أزهار من بستان الشعر العالمي، عن منشورات بيت الشعر في المغرب عام 2010م
 ـ التراجيديات الصغيرة، لشاعر روسيا الأكبر ألكسندر بوشكين، ترجمة ومقدمة شاملة عن أعماله الدرامية الكاملة، الصادر هذا العام 2011م عن دار التكوين بدمشق، وهذا الإصدار الأخير هو أطروحتي الجامعية التي لم يكتب لها أن تناقش في المعهد الذي أجهز عليه «الرفيق» غورباتشوووف ـ
وأترجم حاليا للشاعر الروسي الحائز على جائزة نوبل بوريس باسترناك : "رسم السيرة الذاتية"ـ
 ــ
في رأيك هل تمكن الشعر المغربي من التعبير عن روح الانسان المغربي وأسئلته الكونية؟ كيف؟ 
  لا، لا أعتقد أن الشعر المغربي استطاع التعبير عن روح الإنسان المغربي. لأن للمغربي عدة «أرواح» في روح واحدة. هو مزيج بهيج من الأمازيغي اليوناني الروماني الوثني اليهودي المسيحي العربي الإسلامي الإفريقي الإيبيري المتوسطي. ربما، المغربي، بطبعه، غير مغامر، كالمشرقي، على سبيل المقارنة. كم عندنا من ابن بطوطة؟ واحد، فقط لا غير. كم من شاعر مغربيمقيم في المهاجر؟ معدودون على أصابع اليد الواحدة. بينما شعراء المشرق في كل أصقاع العالم ومن مختلف أنواع الإبداع الأدبي والفكري والفني. ولا أذكر الآن بالضبط العبارة الواردة في رحلة شارل دو فوكو التي رأى فيها أن المغربي لم يكن يفكر هل يوجد أحد خلف الجبل الذي يسكن فيه. ورغم أن الشعر المغربي عديد الأجيال والتجارب والأشكال واللغات، ومنفتح على محيطه المغاربي والعربي وأفقه الكوني، والإنساني، لم يتمكن بعد من التعبير عن كل تلك «الأرواح» المغربية البهية. قد نجد منها عناصر كثيرة في الشعر المزوغي والشعبي العامي والحساني وحتى العروبي العمودي التقليدي، وأقلّ من ذلك بكثير في شعر التفعيلة والنثر، اللذين يجعلان الذات محور الكون الشعري. ذات يوم كتب المفكر المغربي الأستاذ محمد سبيلا سائلاً ومجيباً عن حضورالأسطورة المغربية في الشعر المغربي، من خلال ديوان «رماد هيسبيريس» للشاعر محمد الخمار الكنوني وديواني «مغارة الريح» الذي حاولت فيه البحث عن هذه الهوية أو الإنية المتعددة «الأرواح»، التي أشار إلى بعضها الناقد الصديق علي آيت أوشن وإلى نبضها الشاعرالصديق عبد اللطيف الوراري في «مغربية» تجربتي المتواضعة. وليعذرني القارئ الكريم على هذه «الذاتية» الغيرية، التي ليس المقصود منها سوى الاعتراف بالفضل لذويه ومبدعيه. وإذا كان الشعر المغربي قليل الالتفات إلى وحدة «أرواحه» المتعددة المرجعيات فإنه كثير «الأسئلة الكونية» التي لا جواب لها في جميع الأطالس والجغرافيات ـ
 كيف تنظر إلى مستقبل الشعر في المغرب والعالم ؟ لماذا؟
 الشعر المغربي، ربما، يحتاج إلى مثل هذا الربيع المبارك من الحراك السياسي، فالثقافي، فالنقدي، فالشعري، لكي يتخلى عن الذاتية، المفرطة، ويتحلى بنكران الذات، ويتجلى فيه المغرب، الذي يحلو لي القول دوماً إنه ذهبي الغروب وبهي الشروق، والطبع المغربي، الفريد، وليد الجبل والبحر والثلج والصحراء وغير ذلك من ألوان العمارة والحضارة والثقافة والفن. لم يتراجع الشعر المغربي كتابة وقراءة، وعلى مستوى البحث العلمي والجامعي، إلا أنه يشتكي من غياب المرجع المحلي، ومن أزمة الطبع والنشر والتوزيع والبرامج والمناهج الإعلامية والتعليمية القاصرة والضامرة، التي تبخسه حقه من الاعتبار والانتشار. الشعر المغربي عبر البحار، ذهاباً وإياباً بشتى المرجعيات، الشرقية والغربية، التي لا ينبغي له أن يحاكيها فحسب، بل عليه أن يتعامل معها برؤية نقدية وندية، وهذا «من دروس الأدب الروسي» على سبيل المثال، الذي استطاع في حيز زمني قصير أن يحافظ على «الطبع الروسي» حسب ما كتب أليكسي تولستوي في قصة شهيرة بهذا العنوان، وأن يستفيد من التراث الإنساني لخلق عبقريته الأدبية والشعرية الكلاسيكية الحديثة والقومية العالمية. وإذا اتفقنا على وجود أزمة فهي عامة، تشمل الشعر المغربي والمشرقي والعالمي، جراء المنافسة والاحتكار، وغياب القضايا الإنسانية الكبرى، وكبارالشعراء، الذين أبدعوا وأمتعوا واستمتعوا بجمال النضال ونضال الجمال، القائل عنه كاتب الجريمة والعقاب والليالي البيضاء وغيرهما من الروائع الروائية دستوييفسكي: إن الجمال وحده ينقذ العالم! ـ

22:59 |  Facebook

مستقبل الثقافة في المغرب

مستقبل الثقافة في المغرب

"حياة بيدين، تساوي أكثر من قلب بأربعة قوائم"
تشيكايا أوتامسي

في ظل الحديث عن مجتمع المعرفة مع ما أفرزته الثورة الكوبرنيكية في مجال الاتصال والمعلومات، حيث أصبحت المعرفة موجهة لمعظم الأنشطة الإنسانية من الاقتصاد إلى القيم والسلوكات، وفي الوقت الذي أضْحت فيه الثقافة محددة للخيارات الإيديولوجية والاجتماعية للشعوب والأمم، وأحد المقاييس الأساسية لمعرفة مدى تقدم المجتمع من تخلفه، ومع ما أصبح للثقافة من دور في تحديد الهويات وبناء منظومة القيم الكونية المشتركة.. يُفجعنا الوضع الذي أصبحت عليه الثقافة سواء في السياسات العمومية أو في حقل التداول العام، ونُصدم أكثر لما ستؤول إليه الأوضاع بعد عقدين من الزمن..ففي تقرير يعود إلى خمس سنوات خلت (يوليوز 2006)، أنجزته المندوبية السامية للتخطيط في إطار مشروعها الواسع "مستقبلية مغرب 2030"، كشفت المندوبية نظرة الشباب المغربي لمغرب 2030، تضمن معطيات خطيرة حول التحول الموجع للمغرب الممكن في العقدين القادمين، إذ كشفت توقعات الشباب المستجوبين أننا سنكون أمام مجتمع لن تعني له الثقافة شيئا، وإناثه أكثر اهتماماً من ذكوره بالحقل الرمزي، فقد احتلت الثقافة في مجال اهتمامات الشباب القائمة الأدنى بنسبة (5.2 في المائة) من قائمة المستجوبين، وارتفعت نسبة الاهتمام عند الإناث بنسبة (57.6 في المائة) مقارنة بالذكور (42.2 في المائة). وبينما ستُحرز السياسة على نسبة مهمة لدى الذكور (62 في المائة) متبوعة بالرياضة (56.7 في المائة)، فإن الثقافة، حسب ذات التقرير، لن تحتل مركز اهتمام الذكور سوى بنسبة هزيلة (4.4 في المائة) وترتفع قليلا عند النساء بنسبة (6 في المائة). وسواء بالنسبة للشباب المنحدر من المدن أو القرى، فإن الثقافة تظل في آخر الترتيب على التوالي (5.1 في المائة) و(6.1 في المائة) بالنسبة للمنحدرين من القرى، أو حسب فرع الدراسة، فحتى الأدبيين لن تأخذ الثقافة بمجال اهتمامهم، إذ احتلت المرتبة الأخيرة (5.7 في المائة) ولدى العلميين بنسبة (7.5 في المائة) ـ

أما بالنسبة للمواضيع الأساسية التي ستحرز على نصيب واسع من اهتمام الشباب المغربي عام 2030، حسب دراسة المندوبية السامية للتخطيط، هي المجتمع، السياسة، الاقتصاد التكنولوجيا والرياضة فيما ستحتل الثقافة آخر اهتماماتهم بنسبة 0.8 في المائة. سيصبح اهتمام الشباب أكثر براغماتية موجهاً نحو المجتمع والسياسة والاقتصاد والرياضة.. لكن بدون خلفية ثقافية، لأنها ستحتل المرتبة الأخيرة في سلم القيم والرموز التي سينجذب إليها شباب مغرب 2030 بنسبة (0.8 في المائة) من حقل الاهتمام العام!ـ

إنه لوضع مزر، يجعلنا ندق ناقوس الخطر حول أي موقع اعتباري للثقافة والمثقفين بعد عقدين من الزمن.. لكن إذا عُرف السبب بَطُل العجب، فإذا كان أربعون ألف تلميذ يغادرون المؤسسات التعليمية في إطار ما عرف بالهدر المدرسي، وإذا كانت الاستراتيجية التعليمية والثقافية في المغرب لا تضع في اعتبارها الهوية الثقافية في البلد، فإنه لا يمكن أن ننتظر إلا الأسوء ـ

11:22 |  Facebook

28.12.2011

هايكو الفصول الأربعة

مختارات من شعر "الهايكو" موزعة على الفصول الأربعة

ترجمة بول شاوول

hko.jpg 

الربيع

()
هو صبيحة
العام الجديد ـ أفكر أيضاً
بعصر الآلهة
(موريتاك)

()
أول طلوع للشمس
غيمة
كغيمةٍ في لوحة
(شوسي)

()
الدخان
يرسم الآن
أول سماء في السنة
(إيسا)

()
حتى ظلي
مليء بالنضارة
في أول صباح من الربيع
(إيسا)

()
فجرَ العام الجديد
نهار أمس
ما أبعدَه
(إيشيكو)

()
ذاب الثلج
على كتف
بوذا العظيم
(شيكي)

()
التجاعيد على الماء
أذابت شيئاً فشيئاً
صقيع البحيرة
(شيكي)

()
هنا ماء
وهناك ماء
مياه الربيع
(أونيتسورا)

()
أهو الربيع؟
الهضبة التي بلا إسم
ضاعت في الضباب
(باشو)

()
عندما استدرتُ
كان الرجل الذي التقاني
قد ضاع في الضباب
شيكي
()
فوق البحر
شمس المغيب
في شبكة الضباب
(بوزون)

()
مطر الربيع
كل شيء يجعله
أجمل
(بوزون)

()
آه! سنونوة المساء
قلبي مليء بالمخاوف
بشأن الغد!
(أيسا)

الصيف
()
النسيم المنعش
يملأ السماء الفارغة
بحفيف الصنوبر
(أونيتسورا)

()
القمر في منتصف الليل
كرة
من الطراوة
(تشيسو)

()
أشجار صنوبر على كل جزيرة
صوت الريح
طري
(شيكي)

()
حياتي
كم يتبقى منها؟
الليل قصير
(شيكي)

()
عشرون ألف شخص
بلا مأوى
قمر الصيف
(شيكي)

()
عاصفة
الأوراق البيض على المكتبة
تتطاير كلها
(بوزون)

()
سيول الصيف
امرأة وحيدة
تحلم في النافذة
(كيكاكو)

()
على الجسر المعلق
بطريقة فوضوية
قسماتُ المطر المنعش
(شيكي)
()
تحت أمطار الصيف
اختفت
الدرب
(بوزون)

()
تحت أمطار الصيف
لأوراق أشجار الإجاص
لون الريح الطرية
(سيمارو)

()
عارياً
على حصانٍ عارٍ
تحت المطر الهاطل بغزارة

(إيسا)

()
سيول الصيف
عصافير الدوري في القرية
تتشبث بالأعشاب
(بوزون)

()
الشحاذ
له السماء والأرض
ملابس للصيف
(كيكاكو)

()
معبد بوذا مُطفأ
الغرفة بين أيدي
الدمى
(جيودي)
()
في الضوء الذي نشغله
ظلال الدمى
لكل دمية ظل
(شيكي)

()
يغني الوقواق
الذي بلا أهل
ولا أبناء
(بوزون)

()
إنها الظهيرة
الصفارية تصفر
النهر يجري صامتاً
(إيسا)

()
إنسان
ذبابة
في الغرفة الواسعة
(إيسا)

()
لا شيء يوحي
في غناء الصرصار
بأنه قريب من نهايته
(باشو)

()
الضفدع! كأنما
سيتقيأ
غيمة!
(إيسا)

()
إلى أين يمكن أن تكون ذهبت
في المطر
هذه البزاقة؟
(إيسا)

()
ولا ورقة تتحرك
ما أرعب
غابة الصيف!
(بوزون)

()
على وشك أن تصبح بوذا
تحلم الصنوبرة العتيقة
بكسل
(إيسا)

()
حشرات الصيف
تسقط ميتة
على كتابي
(شيكي)

()
نقاهة ـ
عيناي يرهقهما
تأمل الورود
(شيكي)

()
على البحر البعيد جداً
أين تذهب
الريح الخضراء والضبابية؟

(جوسو)

الخريف
()
البرد قارس
ولا حشرة
تقترب من القنديل
(شيكي)

()
على غصن عارٍ
غراب
في هذا المساء الخريفي.
(باشو)

()
مساء الخريف ـ
غراب يعبر
بلا أي صرخة
(كيشو)

()
الكلب الصغير
الذي لا يعرف أن الخريف جاء
هو بوذا
(إيسا)

()
في الضباب الكثيف
ما الذي يصرخ
من الهضبة الى المركب؟
(كيشو)

()
أنصع من حجارة
الجبل الحجري
ريح الخريف
(باشو)

()
من وقت الى آخر
توفر الغيوم استراحة
للذين يتأملون القمر
(باشو)

()
بعدما تأملت القمر
ظلي وأنا
عدنا الى المنزل
(سودو)

()
قاطفاً الفطر
يصبح صوتي
الريح
(شيكي)

()
مقشراً دراقة
قطرات ناعمة
تسيل على طول السكين
(شيكي)

()
ندى أبيض على العليق
قطرة
على كل شوكة
(بوزون)

( )
"لا أريد أن يكون لي شأن
مع هذا العالم الكريه"
وتنفصل قطرة الندى
(إيسا)

()
في هذا العالم الهش
للفزاعة أيضاً
عينان وأنف
(شيكي)
()
حتى أمام جلالته
لا ترفع الفزاعة
قبعتها المضفورة
(دانسوي)

()
الفزاعة كأنها
إنسان
عندما يبكي
(سيبي)

()
يتقدم الخريف ـ
تغطي الفزاعة
بالأوراق الميتة
(روسيوي)

()
أيتها الأوزة البرية
في رحلتك الأولى
كم كان عمرك؟
(إيسا)

()
الخفاش
طائراً من سروة الى سروة
في حمرة المساء
(كيكاتو)

()
الماء يجري
يُصبح ليل
كل حقل
(بوزون)
الشتاء
()
مدفوعة بريح الغرب
تتجمع الأوراق الميتة
في الشرق
(بوزون)

()
عندما تهب ريح الشمال
تتآخى الأوراق الميتة
في الجنوب
(بوزون)

()
تكنس
ثم تترك
الأوراق الميتة
(تيجي)

()
الشمس تلمع
على حجارة
الأرض الجافة
(بوزون)
()
مطر الشتاء
يتساقط على الاسطبل ـ
ديك يصيح
(باشو)
()
الأوراق التي تتساقط
تتكدس الواحدة على الأخرى
المطر يضرب المطر
(غودي)

()
مطر الشتاء
يظهر ما تراه أعيننا
وكأنه شيء قديم
(بوزون)

()
في العاصفة الباردة
قمر وحيد
يتدحرج عبر السماء
(ميسيتو)

()
تحت قمر الشتاء
ريح النهر
تشحذ صخورها
(كورا)
()
ظلال الأشجار ـ
ظلي يتحرك
تحت قمر الشتاء
(شيكي)
()
أبرد من الثلج
قمر الشتاء
على شعور بيضاء
(جوسو)

()
في هذا النهار الشتاء
الشمس دافئة
ـ لكن باردة
(اونيتسورا)

()
ليلة شتاء ـ
بلا سبب
أصغي الى جاري
(كيكاتو)

()
صوت المنشار
في منتصف هذه الليلة الشتائية ـ
صوت فقر
(بوزون)
()
نار فحم الغابات
أيامنا تنحسر
بالطريقة ذاتها
(إيسا)
()
لم تعد هناك سماء ولا أرض
لا شيء سوى الثلج
الذي يتساقط بلا نهاية
(هايتن)

()
تحت المظلة القديمة
يعيش الخفاش
مختبئاً
(بوزون)
()
الثلج الذي رأينا يتساقط
أهذا ثلج آخر
هذه السنة
(باشو)
()
عصفور يغني
ويصمت ـ
ثلج في الغسق
(آرو)
()
عندما نتوقف
على طريق المساء
يسقط الثلج بمزيد من الإصرار
(كيتو)
()
كرة الثلج
تصبح في النهاية
كبيرة
(أومارو)

()
متأملين الثلج
يختفون الواحد بعد الآخر
في الثلج الذي يتساقط
(كتسوري)

()
والآن
فلنذهب ونتأمل الثلج
حتى نسقط من الإعياء
(باشو)

()
تمضي السنة
خبأت على أبي
شعري الأبيض
(أتسوجين)

()
أسف شتائي ـ
في حوض مائي من المطر
عصافير دوري تتنزه
(تاجي)

()
أسف شتائي
فضلات طافية
في قرار النهر
(أيشيكو)

()
جامدة هي الشعلة
كرة مستديرة
من عزلة شتائية
(ياها)

()
هر تائه
يستريح
في حديقة الشتاء
(شيكي)

()
بينما تتوزع القناديل
في الغرف
صرخة أيل!
(كيوشي)

()
فلأهلك
على هذه الأرض البور من الثلج
وأصبح بوذا من الثلج

()
كواحد منا
يأخذ الهر
الإجازة السنوية
(إيسا)

()
عشب السهول يسقط
تستطيع العين أن ترى
البرد الذي يتضاعف
(إيسا)

()
مشية ليلية
الثلج يتساقط
في وداع العام
(شارا)

()
كأن تزيح بالقدمم ما كان
من دون أن تنظر الى الوراء
يمضي العام
.(سنكاكو)

10:49 |  Facebook

24.12.2011

شذرات في كلّ مكان

:البولوني ستانسلاف جرزي ليك في شذراته

الشعراء كالأطفال عندما يجلسون الى طاولة عملهم لا تلمس أقدامهم الأرض

ستانسلاف جرزي ليك

 

عند إعادة تمثيل الجريمة، لا تتعرف الجثة على قاتلها.
حلمت هذه الليلة بالحقيقة. فأي ارتياح أصابني عندما أفقت.
شرط الخلود الأول، هو الموت.
حتى على العرش، تهترئ الثياب.
تقفز الأفكار كالبراغيت من كائن إنساني الى آخر، لكن من دون أن تعضهم كلهم.
ليس للشعير الرائحة ذاتها للأحصنة، وللعشاق. تجب مضاعفة كمية الأفكار بطريقة لا يعود من يكفي الحراس لمراقبتها.
كذبة جميلة؟ إنتبه! فهو الإبداع.
تسألينني أيتها السيدة الجميلة، كم تستغرق أفكاري لتتفتح. ستة آلاف سنة، يا عزيزتي الغالية.
لا تتكلم بالسوء عن إنسان. فهو يصغي من الأبواب الموجودة فيك.
لو كان فن المحادثة عندنا أرقى، لانخفضت نسبة الولادات.
نقل الدم غالباً ما يتم من الجيب الى الجيب.
هل يا ترى حدث أن سقطت من عين "العناية" دمعة إنسانية؟
ليس سهلاً إطلاقاً العيش بعد الموت، فذلك يتطلب تدمير حياة كاملة.
حتى في صمته كان يرتكب أخطاء في الإملاء.
لا تفتحوا الباب للذين، على كل حال، يفتحونه بدون استئذان.
لا ترووا أحلامكم. فقد يصل الفرويديون يوماً ما الى السلطة.
النفي في بعض البلدان هو الأكثر مرارة؛ وفي بلدان أخرى على المواطنين أن يناضلوا للحصول عليه.
الشيطان في الجحيم هو شخصية إيجابية.
أفكار بعض الأشخاص ضحلة، بحيث لا تصل حتى الى رؤوسهم.
الرياح تعصف بطريقة بالغة الشفافية.
يجب التضحية بكل شيء في سبيل الإنسان. ما عدا الناس الآخرين.
يمكن أن نموت في سانت هيلين من دون أن نكون نابوليون.
لله ما لله، ولقيصر ما لقيصر. وماذا للإنسان؟
الحرائق لا تضيء الظلمات.
لا ندير ظهورنا للحقيقة؛ ولكن ألا تطوقنا الحقيقة من كل الجهات!
حتى العين الزجاج ترى الى أي مدى هي عمياء.
هل يحق لنا الابتعاد عن الحقيقة؟ نعم، إذا كان من أجل دفعها.
تذكرْ يجب خيانة الحقيقة أبداً! يجب خيانة بعض الحقائق.
هو؟ ذو جهل موسوعي.
"الأسلوب هو الشخص". كم يمكن أن تكون الأرض غير مأهولة.
نصيحة الى كُتّاب: في لحظة ما، يجب التوقف عن الكتابة. حتى قبل أن تبدأ.
لا تطلب النجدة أثناء الليل فقد تجازف بإيقاظ الجيران.
يقولون عنا في الشرق أننا من الغرب، ويقولون عنا في الغرب أننا من الشرق.
التفاؤل والتشاؤم لا يختلفان سوى في تاريخ نهاية العالم.
حوار بين نصفي ذكيين شبه بمونولوغ ربع مثقف.
بعض الذين عندهم الفكرة ذاتها في أفواههم، تنتهي بالخروج، عموماً، من مناخيرهم.
عندما قتل قايين هابيل من دون إثارة رد فعل عند هذا الأخير، خلق سابقة: "الضحية الميتة لا تعترض".
عندما يبصق آكل لحوم البشر بقرف ضحية، أتراها مواجهة بالنسبة الى البائس؟
"آه! كم أتمنى أن أصير من جديد عجوزاً" أعلن الميت الشاب.
جدوا لي كاتباً تخلى بملء إرادته عن العبقرية! ليس هناك سواي قد فعلها باكراً. لحظت أنه كانت ينقصني عنصر مهم من الرتابة.
حاول الحصول على الغار. لكن ليس غار الآخرين.
بعض الأشجار تنبتُ بطريقة تجعل ثمارها تسقط على رؤوس الجيران.
والجبال أيضاً منفصلة بهاويات.
لكن النيات الشفافة تصنع ظلاً.
الجروح تلتئم في ندوب، لكن الندوب تكبر معنا.
كل الليالي تنتهي بالفجر.
كان يقال عن ذلك الصقر "يمتلك عقل عصفور"
وجه عدوي يروعني عندما أرى الى أي مدى يشبه وجهي.
تَعلَّموا اللغات. حتى غير الموجودة منها.
الفضل في اكتشاف أميركا لا يعود الى الأميركيين. أي عار!
الغضب العاجر يجترح معجزات.
كيف تعرف الريح من أي جهة ستعصف؟
لا تصنع آلهة على صورتك.
هل تعاني الأسماك التي وقعت في الشباك عقدة دونية.
كونه ميتاً لا يعني أنه قد عاش.
أدخل الى ذاتك من دون أن تقرع!
رهيبة هي نقاط ضعف القوة.
وللخفة أيضاً وزنها الخاص.
وماذا لو لم نكن سوى ذكرى شخص آخر؟
عندما لا يكون للشعب صوت، نلاحظ ذلك عندما يغني الأناشيد.
أحياناً تكون الليالي جد مظلمة بحيث لا نراها.
الزمن جامد. نحن من يتحرك في الاتجاه الخطأ.
هاك كاتباً جريئاً. إنه يضع نقطة على جملة غير مكتوبة.
علينا أن نتحلى بكثير من الصبر لنتعلم كيف نكون صبورين.
"هناك شيء نتن في مملكة الدانمارك" آه ما أوسع الدانمارك!
السيئو الحظ، عندما ينامون، يحلمون بأنهم يتثاءبون.
كلّما صَغُر المواطن كبرت الإمبراطورية.
لا تخصّب العقول العقيمة.
حتى مُغلّف مفضوض يحتوي على سر.
الأمثال تتناقض: هذا بالذات هو الحكمة الشعبية.
عندما نسقط من القمر، لماذا دائماً على هذه الأرض ذاتها؟
يمكننا إغماض عيوننا على الحقيقة لكن ليس على ذكرياتنا.
علينا، بلا انقطاع، البدء من النهاية.
إعرف كيف تتذوّق الكلمات! فكل منها قد تكون، بالنسبة إليك، الأخيرة.
كيف نترجم الآهة بلغة أجنبية؟
الآراء تكون عادة متشاطرة: بين الأقوياء.
يجب أن تترك أصابع الخُدّام خلفها آثار وطوابع الأسياد.
نجاح هايني (الشاعر الألماني)! أن يصبح شاعراً "غير معروف" معروف في العالم أجمع.
رهيب أن يمتلك سيد عدداً كبيراً من العبيد. مع هذا أفكر بأنه ليس أفضل أن يكون لعبد الواحد أسيادٌ عديدون.
الأفكار المثالية ليست للمثاليين.
المحكوم بالإعدام ليس دائماً بعلو المشنقة.
متى نقول أن الهدف نفسه أدرك هدفه؟
هل يحق لآكل لحوم البشر أن يتكلم باسم الذين أكلهم؟
أيجب ربما أن تكون الأيدي النظيفة أطول؟
اللحظة التي يكتشف فيها المرء أنه بلا موهبة، هي التماع عبقرية.
بفكرة عبقرية يمكن أن نلغي كل الكلمات.
سلسلة من الأصفار يمكن بسهولة صنع قيود.
لا تنسوا: الثمن الذي يجب دفعه من أجل الحرية، ينخفض كلما ازداد الطلب.
فلنهدم سجون الباستيل قبل بنائها.
رأيت أقفاصاً طائرة في داخلها نسور.
انتصار المعارف على الإنسان: ملفات البوليس السري.
فلنكن حذرين: لا نسألنّ الناس إذا كانوا يعيشون.
على الممثل أن يكون عنده ما يقوله، حتى ولو لعب دوراً صامتاً.
الممثل الكبير، بفضل الماكياج، وشعره المستعار، وأنفه المزيف، يقدم وجهه الحقيقي.
استغلال الإنسان للإنسان؟ إنها بلا شك إنسانية.
بعدما وَدَّع ممثل من الطراز الأول الخشبة لم يعد يلعب حتى نهاية عمره سوى دوره كإنسان.
قوة الفن: يمكن أن يكون الجبناء أبطالاً.
يترك الممثلون الخشبة بعدما يلعبون أدوارهم. في المسرح.
غالباً، وحدها التراجيديا تستطيع على الخشبة الهزلَ الذي يكون الواقع.
أيها الكُتّاب، ليس بالحبر، وإنما بالدم يُكتب! لكن ليس بدم الآخرين.
كم من تراجيديات رائعة قد تغيرت الى كوميديات بتصفيقة واحدة.
من يولد كلاسيكياً لا يمتْ. ننساه.
غريب: المتفائلون هم أكثر من يخشون "فلسفة اليأس".
أعلن المَيْتُ "لم أكن وجودياً".
إنه فعلاً فن! انّ تحميل الشخصيات كثيراً من الثرثرة بسبب أن ليس عند الكاتب ما يقول.
الطريق الذي يؤدي الى كمال الفن: الحذف. لكن ليس حذف المبدعين.
كن واقعياً: لا تقل الحقيقة.
لا يلعب الإنسان في حياته الخاصة سوى دور صغير بائس.
أحياناً، يتجذَّر الغارُ في الرأس.
كل شيء قد قيل لكن لحسن الحظ لم يُفكَّر كل شيء.
بعض المسرحيات هي من الضعف بحيث أنها تعجز عن ترك الخشبة.
غالباً ما تنتقل السلطة من يد الى يد وليس من رأس الى رأس.
إذا جعلنا "هملتين" يتواجهان: أيهما يمكن أن يكون، وأيهما يمكن ألا يكون.
أتابع تطور هذا الكاتب بكثير من الانتباه ومنذ وقت طويل: منذ هوميرس.
نشهد ربما ولادة فن، يمكن، من دون كلام، وحتى من دون حركة، وبالنظر وحده، أن يفهم كل ما عاشته أمة.
لاحظت أن الناس تحب الأفكار التي لا تحمل على التفكير.
الكاتب الخالد يموت في ورثته.
المشكلات الإنسانية الأرهب هي مشكلات أناس غير موجودين.
الكلمات التي لا نستخدمها تقول أكثر عن عصر من الكلمات التي استخدمت.
آه! ليتنا نستطيع تصنيف ضيق الفكر في خانة صعوبة الوجود!
في بعض ينابيع الإلهام تغسل ربات الشعر أقدامها.
ليس من اتجاهات جديدة، هناك واحد لا غير: من الإنسان الى الإنسان.
عندما تتجسد الكلمة تكفّ عن أن تكون أدباً.
يمكن أن نقلّد العمق باللون.
من يجد صدى يتكرر.
حاول الحصول على غار. لكن ليس غار الآخرين.
فلنزح عن درب العدالة! فهي عمياء.
اقترابنا من الحقيقة يبعدنا عن الواقع.
آه! ليتنا نستطيع رؤية الحياة، وليس المواقف.
الشعراء كالأطفال؛ عندما يجلسون الى طاولة عملهم، لا تلمس أقدامهم الأرض.
حيث تسود القوانين القاسية، يطمح الشعب الى إلغاء كل القوانين.
عندما تسقط الرؤوس، لا تحنِ رأسك.
الحرية منحرفة تستسلم أمام أعدائها.
فكره متعة خالصة. فهي لا تُخصب أحداً.
ممنوع على كل جهة من جهات الرؤية أن تكون عمياء.
كان العصر خصباً بالعباقرة. فلنأمل أن نجد بينها بعض الموهوبين.
أن يُبعث من دون إذن من قتله: أي وقاحة.
حيثما يغن الجميع النغمة ذاتها، تفقد الكلمات معناها.
الظلمة أكثر موهبة؛ إنها تفعل الشيء ذاتها من دون أن تتعب.
كلمة واحدة تكفي: الباقي هذر.
كنت أمسك بالسعادة من ذنبها؛ أفلتت تاركة في يدي ريشة، أكتب بها.
يستمر الزمن في أن يكون آكلاً لحوم البشر.
حلم العبيد: سوق يمكن أن نشتري فيها أسياداً.
نختنق! إفتحوا النوافذ، وليشعر به أيضاً من هم في الخارج.
عندما يفرك عدوك يديه، عليك أن تلعب: أحرص على أن تجعل يديك طليقتين.
بكم من الأصوات يُعَد، أثناء الانتخاب، صوتُ التاريخ؟
لا تصدق الحكايات. فهي حقيقية.
لن أنتحر إطلاقاً. أؤمن في الإنسان؛ لا بد من وجود قاتل مستعد لإسداء هذه المهمة.
أحياناً تنقبض حنجرتنا لتمنع صوت القلب من الصعود نحو الرأس، أو العكس.
لم يكن يشعر الإنسان الأول بالعزلة، لأنه لم يكن يعرف العدّ.
أعذر آكلة اللحوم: "فالناس حيوانات".
في الأوقات الخطرة، لا تدخل الى ذاتك فهناك يمكن إيجادك بسهولة أكثر.
كل عنقاء تنبعث من رمادها لا تعترف بماضيها.
الويل لمن لا يرى النجوم عندما يتلقى لطمة على وجهه.
شخصيات أحلامك تأكل من صحنك.
الغائبون دائماً على خطأ، لكن غالباً ما يبقون أحياء.
عندما تكون في القمة، عندك عذر: لا يمكنك الذهاب أبعد.
الأصفاد لا تحب جذب الانتباه.
إنه فنٌ أنْ تُباع من دون المرور ببائع.
غالباً ما يمنع السقف فوق رؤوس الناس من أن يكبروا.
من يمت من اللذة، فليحذر من أن ينبعث.
نادراً ما يؤدي قلق الأمم الى ولادة جبناء.
كم من الناس يسافرون متجاوزين آفاقهم الخاصة.
لا تثر جلبة بمفاتيح الأسرار!
كم من الطقوس تمتلك اللاإيمان!
عندما لا يكون للأفكار سقف، تجد دائماً مأوى في الإنسان.
هناك عصور، يمكن أن يعلن فيها فيلسوف على سرير موته "من حسن الحظ أنني لم أكن مفهوماً".
أَدركتَ التقنية مستوى رفيعاً من الكمال بحيث يمكن للإنسان أن يستغني عن نفسه.
الإيمان الأعمى ينظر بطريقة مواربة.

ـــــــــــــــــ

ترجمة: بول شاوول

22:18 |  Facebook

21.12.2011

الأنواريّون في الإسلام

  تزفيتان تودوروف: الأنوار الأوروبية هبّت من الشرق

نجد آثاراً لروح الأنوار لدى مفكّري الإسلام ومتصوّفته، وفي مجالاتٍ علميّة كالرياضيات والفلك والبصريّات والطبّ   

 

 

todorov.jpg

    عبد اللطيف الوراري 

في كتابه "روح الأنوار" يقدّم تزفيتان تودوروف، الكاتب المؤرّخ والمفكّر الفرنسي من أصولٍ بلغاريّة، مراجعة نقديّة وإبستمولوجيّة لذلك العصر في ضوْء متغيّرات السياق الحضاري، والواقع الغربي الراهن تحديداً، مستدلا على الممارسات السياسية الغربية، من الأنظمة الشمولية إلى الإيديولوجيا الاستعمارية، الّتي أدارت ظهرها لفكر الأنوار، وخذلته بوصفه "مشروعاً". إنّه "بيان نقدي" ينتقد فيه تودوروف التوظيف الغربي المُسيء إلى روح العقلانيّة والاختلاف والتعدّد الّتي أنشأت روح التنوير. من هنا تأتي أهميّة الكتاب وضرورته وهو يفكّر من جديد في "المشروع الأنواري"، ويلفت إلى نزعة الإنسيّة فيه ـ 

يتأمّل تودوروف في الكتاب تيار الحركة الإنسانية في عصر الأنوار باعتباره تياراً فكريّاً، وحساسيّةً ثقافيّة جديدة، وأيْضاً مُنعطفاً أسهم، إلى حدّ كبير، في تشكيل الهويّة الأوروبيّة من خلال نصوص الفلسفة والسياسة والعلوم والفنون والآداب، الّتي قطعتْ مع المنْظور الكلاسيكي للأشياء والعالم، وترافقت مع خطابٍ يقول بـ "موت الإله" وانْهيار اليوطوبيات. يتأمّل ذلك بقدر ما يكون مسْعاه الفهم الأعمق لهذه النّقْلة الجذريّة بدون إغفال مشكلات العصر الّذي نحياه. إنّ الأفكار الكبرى للأنْوار الأوروبيّة، فيما يرى الكاتب، لا تعود إلى القرن الثّامن عشر للميلاد، بل إنّ كثيراً من آثارها رأت النّور في أواخر العصر الوسيط الأوّل، وعصر النّهضة والعصر الكلاسيكي، غير أنّ هذه الأفكار لم تخرج من مظانّ الكتب إلى عالم الواقع إلا بفضْل جهود المفكّرين، الّتي سرعان ما تفرّعت عنْها مدارس فكريّة ما تزال تتصارعُ حتّى اليوم. لهذا، يؤكّد "أنّ عصر الأنْوار كان عصر مُناظرةٍ أكْثر ممّا كان عصْر إجْماع"، ويعترف بأنّه ليس هناك من مانعٍ من الحديث عن مشروع الأنوار الّذي قام على ثلاثة أفْكارٍ أساسيّة لم تنفكّ أنْ تطوّرت، وهي: الاِسْتقلالية، وغائيّة الأفعال الإنْسانية ثمّ الكونيّة الّتي تعني الاِنْتماء إلى الجنْس البشري ـ 

وهو يقيّم عصر الأنوار بعد مئتين وخمسين عاماً، يرى تودوروف أنّ فكر الأنوار اسْتطاع أنْ يحقّق نصْراً، لكنّ الأهداف المأمولة منه لم تتحقّق كاملةً وإلا كيْف نفسّر أنّ النّظام القائم، بوحْيٍ من روح الأنوار، لا يزال محطّ انْتِقاد بعد الّذي شهده القرن العشْرون من مجازر وحربيْن طاحنتيْن وقيام أنْظمةٍ شموليّة في أوروبّا وخارِجها، بالإضافة إلى ما أدّتْ إليه الاِخْتراعات التقنيّة من دمار وتقتيل. يقول: "إنّ هذا القرن بدا كأنّه يُسفِّه نهائياً جميع الآمال المعبّر عنْها في الماضي ممّا دفع الكثيرين إلى الكفّ عن الانتساب إلى الأنوار، وصارت الأفكار الّتي تتضمّنها كلمات من قبيل (إنسية)، (تحرّر)، (تقدّم)، (عمل) و(إرادة حرّة) فاقدة لكلّ اعتبار". وعليْه، يعتبر أنّ كلّ قراءةٍ متفائلةٍ للتّاريخ تفاؤلاً شديداً هي من قبيل الوهم، كذلك الاعتقاد في التقدّم الخطّي واللانهائي لمسيرة الجنْس البشريّ، الّذي أغوى بعض مفكّري الأنوار. من هُنا، يرى ضرورة أنْ يُعاد تأسيس الأنوار إعادةً منْ شأنها أنْ تحافظ على إرث الماضي، ومراجعته "مراجعة نقديّة" من غيْر أن يعني ذلك خيانة الأنوار. فمنذ ظُهوره وفكر الأنوار يُواجَه بالاِنْتقاد والرّفض، بدايةً من اتّهام المحافظين له بالشّطط والتّقصير إلى الاِنْتقادات الّتي وجّهت إليه بأنّه وفّر المستندات الإيديولوجية للاستعمار الأوروبي خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. ولقد كانت السياسة الاستعمارية تتخفّى وراء المثل العليا للأنوار، لكنّها في الواقع كانت تمارَس باسْم المصلحة القومية لهذا البلد أو ذاك. مثلما عِيب على روح الأنوار أنّها نفْسَها أنتجت الأنظمة الشموليّة الّتي جلبت مواكب من الآلام والعذابات والإبادات الجماعية، وأذاقتْها لملايين من البشر. غير أنّه يجب التّمييز بين المواقف الرافضة تماماً للأنوار، وتلك الّتي تمثّل تحويلاتٍ لوجهتها. يعود تودوروف إلى بعضٍ من المناظرات لإثْبات الأمر قبل أن يستنتج أنّ أفكار الأنوار الّتي مثّلها روسو وديدرو وغيرهما أعطت التّجربة والعقل دوْراً أهمّ بالقياس إلى التّقاليد. ويذهب إلى أنّ كلّ المجتمعات الغربيّة المعاصرة تطبّق صيغاً متنوّعة من اللّائكيّة الّتي أصبحت، بدورها، محلّ تساؤل منذ تسعينيّات القرن الماضي. فإلى جانب انْتشار صيغةٍ أصوليّة عن الدّين الإسلامي بعد أن استتبعت، في نظره، أعمالاً إرهابيّة وهيمنةً على النّساء، هُناك شيوع أشكالٍ من رفض هذه اللّائكيّة، وتحويل مقاصدها بالتّبسيط والتّعميم المُخلّ. كما أنّ سيْر الحياة السياسية يتهدّدها خطران هما: الأخلاقويّة والعلمويّة. تهيْمن الأولى عندما يكون الخيْر فوق الحقيقة، وعندما يتمّ التّلاعب بالحقائق. فيما تهيْمن الأخرى عندما تبدو القيم وكأنّها تنْبع من المعرفة، وعندما تتنكّر الاختيارات السياسية في ثوب استنتاجاتٍ علميّة. يقول تزفيتان تودوروف: "فالعلمويّة والأخلاقويّة كلْتاهُما غريبتان عن الرّوح الحقيقية للأنوار. وثمّة خطرٌ ثالِثٌ قائِم أيْضاً، ويتمثّل في نزْع النّجاعة عن مفهوم الحقيقة". لقد حوّل هذان التيّاران مكتسبات الأنوار عن وجْهتها الحقيقيّة من ضمن تيّاراتٍ أخرى من مسمّياتِها الفردانية والدعوة إلى الشّطب الراديكالي للقداسة والقول بفقدان المعنى والنسبيّة المعمّمة. كمِثالٍ على امْتلاك السُّلطة، يستشهد الكاتب بالولايات المتّحدة الّتي تدلّ المَشاهد في حياتِها العامّة على اسْتِخفافٍ جديدٍ بالحقيقة الّتي ما انفكّت تضيقُ بها، وما انْفكّت تقضّ مضجعها مُشيراً إلى طريقة تبريرها السّخيفة للحرْب على العراق بحجّة امْتِلاكه أسلحة الدّمار الشّامل، وإلى معاملتِها الظّالمة لأسرى معتقل غوانتانامو حيْث تُعطى الأولويّة للاِنْتصار السياسي أو العسكري على قوْل الحقيقة الّتي يتمّ التّلاعب بها والكذب عليها ـ 

إنّ ما يلفت الاِنْتباه عند قراءة المؤلَّفات الأوروبية في ذلك العصر رغم تنوّعها من حيْثُ أجْناسها الأدبيّة، ومن حيْث مواطنها أو من حيْث قناعات أصحابها هو كوْنُها تقدّم لنا عالماً طبيعيّاً نرى فيه الكائنات البشريّة في صراع مع قوى معادية هي قوى بشريّة خالصة، ونراها تسعى للوصول إلى حالةٍ من الانْشراح والسّعادة عبر وجودها في الحياة على هذه الأرض، ولكن لا وسيلة تقدر على ضمان بقائِها. ولم تعد السّعادة هدفاً لوجود الفرد فحسب، بل كذلك للحكومة والدّولة الّتي تحت مسؤوليّتها سعادة الأفراد بإزالة العوائق الّتي تحول دون ذلك، إلى أن انتصرت اسْتقلاليّة الفرد فصارت الدّولة موفّر خدمات أكثر منها محطّ آمال. لقد شكّل ذلك انْقِلاباً بحيْث نزل الفعل من علْياء السّماء إلى الأرض، وصار يتجسّد في البشريّة لا في الإله بعْد التخلّص من الغائيّة الربّانية بمحض الحركة والإرادة، وهو ما جعل العصر الّذي نحياه، يقول الكاتب، ينْسى الغايات ويقدّس الوسائل، وبدا النّاس في هذه المجتمعات كأنّ شغلهم الشّاغل هو النجاح على الصّعيد المادّي والحصول على المال الّذي به تُشْترى سائر الملذّات. ولئن كانت حريّة الأفعال محدودة بغائيّتها الإنْسانيّة وجوباً فإنّها تستوجب كذلك الوعي بأنّ جميع النّاس ينتمون إلى النّوع نفْسه، ولهم الحقّ بالتّالي في الكرامة بالدّرجة نفسها، لأنّ ما يجمع بيْن بني الإنْسان هو أكثر ثباتاً ممّا يفرّق بيْنهم. يقول مونتسكيو: "أنا إنْسان بالضّرورة، ولسْتُ فرنسيّاً إلّا بحُكْم الصّدفة"، وإن كنّا نجد أنّ المفكّرين الّذين تشرَّبوا روح الأنْوار كانوا أكثر اعتزازاً بانْتِمائهم إلى بلدهم. وفي الوقت الّذي نجد فيه إجْماعاً على عالميّة حقوق الإنسان فإنّه لا تزال هناك ممارسات حاطّة بالكرامة الإنسانية مثل عقوبة الإعدام والتّعذيب، وهو ما يشكّل رفْضاً للكونيّة الّتي تنتسب إليْها الأنوار. إنّ الكونيّة لا تبرّر اسْتعمال القوّة خارج كلّ إطارٍ قانونيّ، ولكن احْتِرام كلّ إنْسان لا يعني بالمقابل أنّ القيم المشتركة لا حقّ لها في الوجود. أمّا المُساواة في الحقوق فهي مسألة غيْر قابِلة للتّفاوض أصْلاً، مثلما أنّ الاِعْتراف بالتعدّدية ضمن النّوع البشري لا يدفعنا إلى التخلّي عن بشريّتنا المشتركة ـ 

يعترف تزفيتان تودوروف أنّ روح الأنوار نجد مكوّناتها حاضِرةً على مدى عصورٍ متنوّعةٍ في كلّ حضارات العالم الكبْرى (الهند، الإسلام، الصّين). في حضارة الإسلام نجد آثار هذه الرّوح لدى "المفكّرين الأحرار" مثل الطّبيب الرازي الّذي دافع عن المعرفة الّتي يسْندها العقل والتّجربة، وغيره ممّن أحرزوا تقدُّماً في مجالاتٍ علميّة من قبيل الرياضيات والفلك والبصريّات والطبّ، إلى جانب المتصوّفة. لكن سرعان ما تمّ قمعهم بشدّة منذ القرن العاشر للميلاد. غَيْر أنّ هذه الرّوح لم تتمكّن من فرض نفسها إلا بداية من لحظة معيّنة هي لحظة القرن الثّامن عشر للميلاد في أوروبا الغربيّة. تتمثّل خاصية الأنوار الأوروبية في كوْنها هيّأت الاِنْبثاق المتزامن للمفهوميْن التاليين: فرْدٌ وديمقراطيّة داخل أوربوّا الواحدة والمتعدّدة في الوقت نفسه. تكون لمسألة التعدّدية نتائج إيجابيّة في الفضاء السياسي باعْتِبار أنّ آراء المواطنين واخْتِياراتِهم الّتي تتكوّن منها هي، بصفة عامّة، شديدة التنوّع ـ 

إنّ درس الأنوار يتمثّل في القول إنّ التعدّدية يمكن أن تُفْضي إلى وحدة جديدة من خلال الحثّ على التّسامح، وتنمية الفكر النّقدي الحرّ والتجرّد عن الذّات بما يسمح بالانْدماج مع الآخر. وعليْه، فإنّ هويّة أوروبا وتبعاً لـ "إرادتها العامّة" يمكن أن تقْوى عبْر القدرة على دمْج الاِخْتلافات دون القضاء عليها؛ وإنّ ذلك هو ما يميّز أوروبّا عن غيْرها من المجموعات السياسيّة العالمية الكبرى حيْث الأفراد على أقصى درجة من التنوّع، ولكنّهم مُجْبرون على الاِنْتماء إلى أمّة واحدة. فأوروبّا لا تعترف بحقوق الأفراد فحسب، بل كذلك بحقوق الجماعات الّتي تتمتّع كلّ واحدة منها بتاريخٍ وثقافةٍ وسياسةٍ مشتركة، أي الدّول الأعضاء في الاتّحاد الأوربي ـ 

إنّ الأنوار الأوروبيّة ليست إرثاً من الماضي بلْ أيْضاً راهنيّة يعنيها المستقبل بقدرما تُعاني من أجله. من هُنا، نفهم لماذا يشدّد الكاتب على روح الأنْوار أكثر من فكرها. الرّوح الّتي اسْتوحاها وتعرّف عليْها بشكل أفضل من الكتّاب والعلماء والرسّامين والموسيقيّين والشّعراء. وهي لا تمضي، لكنْ تتجدّد فيما هي تُحيل، في آخر التّحليل، على موقفٍ من العالم لا على "مذهبٍ فكري" حتّى تبقى حيّةً بالكدّ والعلم. يقول: "فالأنوار مازالت معاصرةً لنا ومردّ ذلك إلى عاملٍ مزْدوج، فنحن جميعاً أبناء الأنوار حتّى عندما نُهاجمها" ـ

07:22 |  Facebook

11.12.2011

طنجة.. وقت الغلس

ريح طنجـــة

عبد اللطيف الوراري

tanger.jpg

في كَثيرٍ مِن الطَّيْر    
مالتْ عَليَّ يدُ البَحْر        
في بَاب طَنْجَة      
تقْطِفُ نَوْمَ ابْن بطّوطة الْبَجَعاتُ                
وإنْ كانَ وقْعُ السّناجِب،  
مِنْ جِهة الشّرْق،                                         
عَطْفاً على قُبّة الْبَيْت،                              
شاهِدةً ترْشدُ الْعابِرين                            
إلى قَمَر الأَنْدلُسْ                                       
مرَّ أجْمعُهُمْ مِنْ هُنا:   
الْواقِفونَ على الْخَبَبِ، الْواعِدونَ الْحُفاةُ،      
                  الْبَعيدونَ قَاسُوا الْغَمامَ علَى دَمِهِنّ  
                      يَفُتُّونَ وعْدَ الأَسِرّةِ       
                      في الرّيح  
                      لَكِنّما الذّئْبُ لَمْ يأْتِ في وَقْتِهِ              
والْمُلاءَاتُ دُولابُ بَلْقيس. 
لَوْ تَتعافى الْخُطَى                                
حِينَ يذْكُرُ شَطُّ الْملَالة .                        
هَلْ لِلْملالَةِ شَطٌّ بِغَيْر حَفيفٍ علَى الشُّرفاتِ؟  
يَصيحُ بِيَ الطّارقُ النّجْمَ في سَرْدِ ناسُوتِهِ:  
دُلَّني يا غَريبُ على قَدَمي،
واسْقِني صُوَرَ الْحَرْب في عَصْفِ بَحْر الْبَسيط  
إذا شاءَتِ الإِسْتِعارةُ   قَتْلي على ذِمّةِ الْحُبِّ
ما لَمْ تُدبِّجْ يَداك،
بِمرْأى الأَخادِيد، 
         باردتَيْن       
دَمَ الْغُرَباء
رُبـىً لِلْغَدِ
تَعْبُرُها في قَوارِبَ
  مِنْ حَجَرٍ
رِيــحُ طَنْجة            
وقْــتَ الْغَلَسْ

....................

20:50 |  Facebook

01.12.2011

شعريّة السيمولاكر

ـ "ذاهبٌ لاصطياد النّدى" لعلي جعفر العلاق:

  شعريّة السيمولاكر أو الشعر عارياً إلّا من وهمه

عبداللّطيف الوراري

allaq.jpg

1. مصير مُضاعف:

 في ديوانه الجديد "ذاهب لاصطياد الندى"1، لا يزال الشاعر العراقي علي جعفر العلاّق ينحت كتابة قصيدته الخاصّة، بقدرما يُعمّق ملامحها الشعرية التي لا نُخطئ بحّة الحزن الإنساني الرفيع فيها؛ وهي القصيدة التي تظلُّ، بهذا المعنى، بالغة الكثافة ومُتطلَّبةً لذلك باستمرار؛ فما قيمة الشعري خارج التجربة الإنسانية وزمنيّتها الكبرى التي ينغمر الشاعر في مياه دبيبها ويحجُّ إلى أطياف ضوئها. ونتساءل معه: ما الذي يبقى للشاعر في شعره بعد أن تهجره المياه وتهجم عليه اليابسة؟

هنا والآن، عبر نصوص الدّيوان، تحتشد الأسئلة القصوى للإنسان في مواجهة مصيره وسط موجات الخوف والظلم والابتعاد القسري، وهي تلك التي يحلم الشعر، في كلّ لحظة يفرح بها، أن يعكسها ويُجلّيها بتوقيته هو، لأنّ هذا هو دوره الحقيقي، وبه يُعيد إليه شهوة أطرافه التي ينقص منها ضعاف الموهبة، وتُسيء إليها مُنغّصاتهم. مصير الشعر من مصير الإنسان، مصير مُضاعف تسلك مغامرته ذاتُ الشاعر ضمن الحركة المتبدّلة ـ المتبادلة في الزّمن والمكان، وتظلُّ تُقاتل في دربها حتّى يبقى لها الحقّ، الحقّ بأسره، في الخيال والتذكُّر والاختلاف.

2. التّذاوُت والإقامة في الما بين:

 من البدء، نتلقّى رفيف المغامرة من الدروب الغائمة التي تسلكها ذات الشاعر، وهي تتعاطى مع أشياء العالم وتُفكّر فيها بمنطقٍ تلتبس فيه الحدود التي يُقيمها الدليل وثنائيّاته، بشكلٍ يجعل الأخيرة عاطلة عن أن تعمل، ويُحلّ محلَّها منطق الكتابة، الغائم والمُشعّ، داخل تجربة الما بين التي بها يختطُّ المعنى مساره، ويُنْشئ فعاليّته في غفلةٍ من الحدود، ومن الذّات نفسها. نكتشف هذا الالتباس الحيويّ بين الإقامة والسفر ابتداءً من المقتبس الذي صدّر به الشاعر عمله: (حين ناولني سلّة الخوصِ/ ريّانةً، قال لي:/ لك هذا العذابُ،/ وهذا التشهّي، لك اسمٌ/ شبيهٌ بأوّل هذي البلادِ/ أعني: السفر..) ص5.

 في خضمّ عبورات العمل وترحيلاته، نتلقّى صيغاً أخرى من التباس الحدود التي تتماهى مع بعضها الآخر سواء بين الموت والحياة، المجاز والحقيقة، النشوة والعذاب، الدم والحبر، الجسد والذكرى، القرب والبعد، الحضور والغياب، الأسطورة والواقع. يتمُّ ذلك، من جهة أولى، داخل سيرورة المعنى الذي تجترحه الأنا الشعرية في علاقتها بالمكان المتهاوي الذي يُعاد تشكيله باستمرار، وبموازاة مع السفر (في لا إلى) ليلاً حيث العلاقة المجروحة بالأثر تُصعّد مكبوتها الهاجع في الروح والذاكرة، والقابل لأن يُعاش مرّة أخرى وبصيغٍ تطفح بالحياة والرغبة فيها بتسميةٍ جديدة:

(وحيداً،/ ليس لي ليْلٌ لنمضي/ ليلنا سويّةً../ لا قوْسَ/ لانُشّابْ/ إلّا صحارايَ التي يكسرها الوهمُ إلى نصفَيْن:/ أيّ امرأةٍ تفوح من أصابعي/ الآنَ، وأيّ حيرةٍ/ تشعّ في الأكوابْ..؟) ص14.

 وترتيباً على ذلك، يتمُّ داخل الوهم الذي يغرف شعريّته المتوتّرة من روح الإنسان التي يسكن الشاعر ويسير معه جنباً إلى جنب، فيشطر ذاته، ويُفجّز دخائله عبر تقنية المرآة التي يصطنعها ويتّخذ منها ذريعة الشبيه (السيمولاكر) الذي يُحاوره ويوجّه إليه الكلام، لأنّ مثله في منفاه لا يملك من سلاح إلّا حيرته البيضاء وحزنه الصافي خارجاً للصيد، أو مواجهاً البحر، أو مُصغياً لِلّيل، أو مستدرّاً غيوم الذكرى والجسد:

(كان كلانا يُغذّي حزنَ/ صاحبه منذ التقينا بلا قصدٍ../ ومذ/ كُسِرتْ/ أيامنا كالمرايا/ ذات كارثةٍ../ ومذ/ تناااااءتْ،/ وغامت بيننا../ الطرقُ../ ندنو،/ ونفترقُ..) ص 16-17.

 في عالم من مرايا تقترب وتنأى، تسكن الذات آخرها وتفوّض أمرها إليه، ولا يكون هذا الآخر إلا بمدى بُعد الذات عن نفسها، وبما يجعلها، في اختلافها، شبيهةً بالآخر بمقدار ما هي تتجلى وتتوارى، وتقترب وتنأى في آن. وفي هذا المعنى المستأنف باستمرار، فإنّ هذا العالم يحكمه العود الأبدي الذي لا وجود فيه للشيء إلا في عودته، خارج خطّية الزمان وتقدُّمه. وباستيهامه، يصير هذا العود الأبدي ـ  كما يشير إلى ذلك جيل دولوز2 ـ  كإيمان بالمستقبل؛ وليس مثل الذات في الشعر من يُقيم فيه على حوافّ المغامرة والخطر:

 (هو واللّيلُ/ كانا معاً يسهرانْ/ ويُطيلان عمرهما/ بالسهرْ../ ثُمّ يذهبُ كلٌّ إلى وجْهةٍ:/ يذهب الليل للنّوْمِ،/ والريح تُمْضي بقيّة ليلتها/ في أعالي الشجرْ..) ص26.

فذات الشاعر عندما تجترحُ شبيهَها المختلف، فإنّ ذلك ما يفتأ يُظْهر كينونتها غير قارّة، بل تتجاوز نفسها باستمرار. يتجسّد لنا ذلك في أكثر من معنى داخل نصوص بعينها مثل "غبطة الحجر"، و"هذه القصيدة"، و"يرفو ثياب قصيدته"، و"ربّما.."، و"ما بين وهم وآخر". من معنى أن تتحقّق الذات بالوهم وتعبر في الما بين، ومعنى الاستمراريّة في الحياة المحلوم بها في المجهول، إلى معنى أن يكون الشاعر هو آخره في طريقٍ لم يختَرْها أو فاتَتْه لسببٍ قاهر. وفي قصيدةٍ لا تكتمل، يتصادى صوت الأنا مع أصواتٍ جريحة قادمة من القديم والحديث، ومن الشرق والغرب. امرؤ القيس، أبو العلاء المعري، السياب، محمد عفيفي مطر، سركون بولص، باث، رامبو، خيمينيث، جنباً إلى جنب. تذاوُتٌ يحفر في جينيالوجيا النصوص ويتمُّ كترجيع ودوار لا ينتهي. لكن يبقى صوت أبي العلاء الأضوأ والأبرز للبحّة العطشى التي فيه، حيث يتجسّد فيه بعد الشبيه، ويُستدعى كقناعٍ في آخر العمل، فيبني عليه الشاعر رؤيته المُفارقة التي تسأل، وتُواجه وتتّهم عالماً من القتل والخراب. لا يعود القناع قناعاً، إنّما هو الآخر يتحوّل من راءٍ قد "انتفضت في حناياه شمسٌ من الشكّ" إلى مجرّد شاهد تعطّلت رؤياه وعجزت عن الفعل والاستبصار:

(قالت الرّيحُ:/ مرّ النبي/ على هذه الأرض ثانيةً/ فرأى كلّ طاغيةٍ/ وثناً، يترنّح بين ضحاياه/ مُنتشياً، ومدى ما ترى العينُ/ شمسٌ مُخضّبةٌ/ أو قتيلْ..) ص95.

ولستُ أعرف إن كان أبو العلاء يوقظ الشاعر من وهمه، غير أنّه ـ بالأيقونة التي يظهر بها ويتطهّر فيها أيضاً ـ يزيد وعي الشاعر حدّةً وانتباهاً، ويُطلق معانيه في رياح الشكّ والحيرة من جديد، حتّى لا يتكلّس كـ "معتقد جماليّ" ويسترخي بالاطمئنان إلى الوهم نفسه.

 في المقابل، تخترق بنية اللغة علاقة جدليّة نلمحها على الدوام، تُعيد التوازن لما يتمّ داخلها من توتُّرٍ واختراق. هي علاقة الأنا ووعيها المُبتهج بجسدها- جسد الأنثى حيث يثوي موطن كينونتها الذي يعطر ويتوهّج. فعلى "تقاسيم" الجسد وصنائع الأنثى العجيبة التي تُحيي الميت وتسكر الغافل، يُفلسف الشاعر الحبّ وأهواءه حيت تصير المرأة معادلاً للانطلاق إلى الحياة، كما يشدّ خطابها اللافح إلى الموت متوتّراً بين نشوة العذاب وليل الماء اللا متناهي: (فلا ليْلَ لهذا اللّيْل/ إلّا ليلها النّديانُ/ يبعثُ في دمي رُسُلَهْ..) ص82. فالجسد يصير شبيهاً، أنا ـ آخر؛ فهو ذات الشاعر ومرآته في آن، ممّا يجعل من الجسد حَقْلاً مثيراً يستضيءُ برمزيّة الماء واستعارات اللغة:

(قال لها:/ يداكِ ما أشهاهما/ حين تمرّان على حُلْمي،/ هذا الأشيبُ القاحلُ،/ أو حين تجرّان قطيعاً من غيوم الله للغرفة../ ما أدراكِ ما الغرفةُ؟/ محضُ صخرةٍ/ عاريةٍ من دونما اثنيْنِ/ يُضيئانِ على السريرِ، أو يفوحان/ على السريرْ..) ص79.

وفي سياقٍ مُوازٍ ومنبثقٍ عنه، تتجاوز ذات الشاعر ما هو فرديّ ـ شخصانيٌّ فيها إلى ما هو جمعيٌّ يستدعي الوطن مُشْبعاً بمفردات التاريخ والأسطورة مثلما في نصوص "لغةٌ للقطا والحمام"، وعندئذٍ يكون لملفوظ الذّات طعم الصعق. فالشاعر، وهو ابن واسط الخصيبة، بقدرما يذكر للوطن نعمته التي لولاها لم يكن شيئاً، ويتذكّر ما كان يفعله ماء دجلة في الجسد والأرض من عنفوان به يرتوي نسغ الحياة وترتقي آداب الحبّ والحكمة فيها، بقدرما يتحسّر على ما آل إليه الوطن في "مهرجان الكراهة" بعد الاحتلال وما صاحبه من مأساة حقيقيّة، كأنّ أرضه طُويت "طيّ السجلّ"، ويُناديه من قاع خوفه لكي لا يفقد الأمل في حيرته العالية الناجمة عن الشعور بالاغتراب والحنين إلى الوطن المفقود والمحلوم به:

(كَمْ كنتُ أحميك منّي:/ أمشّط أيامك البيضَ،/ أغمر أحزانها بالحُليّ، أعلّقها/ عالياً، فوق نهْرٍ صغيرٍ/ صغيرْ/ وطناً قاسياً/ كالحريرْ..) ص64.

ولكن "عبثاً ينصبون كمائنهم للنّدى.. عبثاً يسرقون أسامي الينابيع.." (ص66). ذلك ما يجعل الشاعر، في متاعه الشحيح، يبحث عن "قمر ذابل فوق أوروك"، ويجعل روحه الحائرة تطفح بالأمل عبر صيررورة ـ ذاته في المعنى الذي يتطلّب واجب التذكُّر والحنين لمواجهة العزلة والنسيان، ومقاومة الشعور بالخوف واليأس وسط أكوام الخراب، وهو ما نجده يكثّف سيرورته في "مديح الرمل"، عندما يصرخ من بطن الحوت وينتفض، مثل اللديغ، ضدّ "الطغاة، القساة، الجناة، الغزاة، الذئاب.." (ص71). ووراء هذا الانفعال الذي يصطرع بداخل الذّات ويصبغ رؤيتها الوجودية المحفوزة بسخاء الأمل، ما يقوّي وهم الشاعر ويجعله مستأنفاً باستمرار، فيصير كضرورة عندما يستضيء بلغة الشاعر الخاصّة جدّاً، وهي اللغة نسلها من بابل وربّاها بالماء وعطّرها بدم الأضحيات:

(نحن شتّانَ:/ لي لغتي،/ ولكم لغةٌ../ أنتمُ ذهبُ الرمْلِ،/ أو فضّةُ/ القاع باردةً،/ وأنا ابن العذابْ..) ص72.

3. شعرنة الوهم.. دفاعاً عن الشعر:

من ذات إلى ذات- آخر، تُكرّس نصوص ديوان (ذاهب لاصطياد الندى) جهدها الجماليّ والتيماتي دفاعاً عن الوهم وتعمل على شعرنته متوتّراً، في لحظة حادّة من الوعي، بين الحضور والغياب؛ فما الوهم إلّا وجه الحقيقة الغائبة التي يذهب إليها الشعر ويلوذ بها، مثلما تذهب أنا القصيدة وآخرها القرين، باستمرار: (كم حاولتُ أن أستدرج النّدى/ لكي يسيل من شجرةٍ/ توشك أن تلفظ خضرتها/ الأخيرةْ..) ص88.

 النّدى هو نسغ الوهم. ذلك الذي لا يزال يرفُّ عالقاً  بالذاكرة، والمكان، والجسد، والكتابة. إنّه ما يجعل الشاعر يواصل البحث في أسئلة كينونته كأنّه يُصغي إلى "بطْنٍ حُبْلى"، ويُحرّض شعره على الغناء والبوح بما يُبْقي الأمل لديه حيّاً. فالعنوان نفسه يقيم، أيقونيّاً واستعاريّاً، في هذه اللحظة المُفارقة من بحث الذات لكينونتها وزمنها العصيّ والمتفلّت باستمرار، وهو ما يجعلها تشتبك بآخرها، وتعود بقصيدتها إلى زمن البدايات الأولى في صفائها والاندهاش بها.

وبهذا المعنى، يجب أن نفهم لماذا يلحُّ علي جعفر العلاق ـ بوعيه الشعري والنقدي معاً ـ على أنّه يكتب قصيدته الخاصّة به، القصيدة الصافية. فهي لا تنتمي إلا له، ولا تُذكّر إلا به، عبر لغته هو فحسب. في فضاء الصفحة المُشظّاة والمدبوغة بحبر دمه ورفيف أنفاسه، يُمارس تصوُّره الخاصّ للغة، وبالتالي للشعر، كنداء حيث تسرح متوالياتها كسرب ظباء جافلات يُسمع لها صوت، وحشرجة، وإيقاع خافت؛ وحيث يتناوب المعلوم والمجهول، المقول واللّا مقول، الثابت والصدفوي. وهذه الصفحة، المتعدّدة بخطّيتها، تُعطي للبيت  إمكاناتٍ/ تشكُّلاتِ لا حصر لها من التوقيع الذّاتي الذي تخترقه القوافي، والتوازيات، والبياضات، وأشكال التكرار والترقيم والتفقير والتقطيع ضمن عمل اللغة وأساليبها المشدودة إلى حركة المعنى، مثلما إلى علاقات التناظر والترجيع والتدوير الناشئة عن أعاريض البحور البسيطة (المتدارك أوّلاً، ثم الرجز فالرمل والوافر) والبحور المركبة (البسيط تحديداً). وإذا كانت قصائد الديوان تنتظم في سياق شعر التفعيلة ـ باستثناء قصيدة نثر بعنوان "ما بين وهم وآخر"ـ إلّا أنّها تُعقِّد الوضعية الوزنية للبيت الحر، وتخرق نظام الوحدات الثلاث (العروضية، النظمية والدلالية)، وتُعيد بناء القافية وترتيب ثنائية المكتوب والشفاهي داخل القصيدة برمّتها. فنحن، بهذا المعنى، أمام إيقاعٍ نوعيٍّ، لاواعٍ، متقطّع ومُدْرك بشكْلٍ يُظهر حالات الذّات داخل اللغة التي لا تُختزل، هنا، إلى التواصل والإعلام الذين لا يهتمّان سوى بتجريد الذّات المتكلمة. هكذا، يبحث الشاعر أفكاره لا عن طريق العقل، بل عبر فضيلة الإيقاع السليم الذي ينتظر معجزة الكلمات إذ تقع كما يجب، سواء أكانت طولاً أو جرساً أو معنىً، وفيما بعد، تحت مسحة الحزن، يجد العاطفة الوارفة التي تُطلق الأفكار جميعاً.

إنّ القصيدة ـ كما يتصوّرها العلاق ـ أهمّ من أن تكون أغنية، ولن تكون حكايةً ولا كانت إعلاناً في الصفحة الرابعة. إنّما هي عملٌ فنيٌّ خاصّ، غائمٌ ومُشعٌّ في آن. ولهذا، فهي تتطلّبُ منّا ـ كقرّاء ومؤوّلين ـ إصغاءً من نوع خاصّ يصلنا إلى نقطة التماسّ حيث مكمن الضوء، والماء والسريرة، عبر طرق الوهم الجميل التي نسلكها. لا أن نكون ـ كما في حكاية يرويها الشاعر الأمريكي ألن تيت3 ـ مثل ذلك الرجل العابر الذي يفزع الصيّاد المستغرق في وهم جميل أمام نهر صغير يتخيّله طافحاً بهدير الأمواج وفضّة الزبد، بعد أن يخبره بأن لا شيء في النهر، فيفسد عليه وهمه ويطرد من مياه مخيّلته الأسماك والنوارس وأجراس القاع الدافقة إلى الأبد.

 إنّ هذا الوهم الذي تقدحه ذات الشاعر، وتحرسه مخيّلته مشبوباً بمياه اللغة والإيقاع، لهو رديف الأمل الذي ينادينا عبر العصور والأزمنة، من نقطة التماسّ تلك، عند شعراء صنعوا من وهمهم الجميل ضرورة أن يكون الشعر بيننا، لأجل أن نتطلّع باستمرار إلى الحياة، وتظلَّ قلوبنا قادرةً على الانفعال بها؛ وبالتالي، يسهم الشعر في إضاءة جوهر الحياة ويُهيّىء لنا تراثاً لمستقبل لم يأت بعد.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

  1 ـ علي جعفر العلاق، ذاهب لاصطيادالندى، دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2011م.

2 - Deleuze, Gilles, Logique du sens,éd. minuit, coll 10/18, 1969, p.360.

3ـ ينقلها عنه علي جعفر العلاق في كتابه: هاهي الغابة فأين الأشجار، دار أزمنة، عمان، ط1، 2007م، ص 11- 12.

ـــــــــــــــــــ

نشرت المقالة بجريدة (القدس العربي) في تاريخ 01 ديسمبر/ كانون الأول 2011م

http://81.144.208.20:9090/pdf/2011/11/11-30/qad.pdf

21:28 |  Facebook

24.11.2011

العربيّة ملك لكلّ الناطقين بها

الباحث المغربي في السيميائيات سعيد بنكراد: العربيّة مِلْكٌ لكلّ الناطقين بها استناداً إلى انتماء ثقافي وليس إلى هويّة عرقية عربية مزعومة، و20 فبراير حركة ساذجة!ـ

  bengrade.jpgيرى سعيد بنكراد، في هذا الحوار الذي أجراه معه المصطفى مرادا، أنه ليس هناك ما يسمى الهوية الخاصة، كما أن مفهوم الثقافة، في نظره، عامّ وفضفاض وليست هناك سلطة للمشرق على المغرب ولا للمغرب على المشرق إلا من حيث الإنتاج المعرفي وقيمته. وفي قراءته السيميائية لحركة 20 فبراير، قال بنكراد إن الكثير من تحركات الحركة وشعاراتها لم تستطع خلق النقلة النوعية المرجوة في النضال الاجتماعي والسياسي، كما حدث في مصر وتونس واليمن ـ  

هناك من يدافع عن وجود ثقافة مغربية لها هوية متميزة، إلى أي حد يمكن لهذه المقولة أن تصمد أمام رياح الثقافة المشرقية التي تهبّ منذ عقود ثم أمام إعصار العولمة؟

 أولا، لا أعرف بالضبط ما المقصود بـ«الهوية الخاصة» في ميدان الثقافة وغيرها.. ولكنّي أعرف أن كل فرد هو في الأصل واحد في ذاته، إذا نُظر إليه من زاوية «أناه» المباشرة، التي يحضر من خلالها في الفضاء الاجتماعي، دون أن يعنيّ ذلك أن هذه الأنا موجودة خارج الـ«نحن»، الكلية، التي تشير إلى مجموع المحددات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تشتغل كضابط للسلوك وكمُوجِّه له. لذلك، فإن الأمر لا يتعلق في هذا المجال بحقيقة موضوعية يمكن تلمُّس وجودها في كل أشكال تمثيل الفضاء الإنساني، بعناصره الثقافية المخصوصة، بل يتعلق بموقف يحاول الفصل والتمييز، تأكيدا لاختيار إيديولوجي مسبق. فأنا لا أشرط مضمون ما أقرؤه بانتمائه الجغرافي أو العرقي، فأداتي إلى المتعة الفنية هي اللغة وطريقتها في التمثيل الإبداعي، أما الفضاء الموصوف فعرَضي أو يكاد يكون كذلك. لذلك قد أستمتع بقصائد درويش، دون أن يمنعني ذلك من أن أستمتع بقصائد عبد الله راجع وعلال الحجام ومحمد بنطلحة وغيرهم من شعراء المغرب. ومن جهة أخرى، فإن مفهوم الثقافة عامّ وفضفاض ويُغطّي الكثير من الحقائق، حقائق السلوك الاجتماعي وطقوسه وحقائق اللغة وحقائق الإنتاج المعرفي. فالأشياء ناطقة ضمن سجل ثقافي، أما خارجه فإنها لا تختلف عن مجموع مواد الطبيعة. لذلك قد يختلف المغاربة عن غيرهم في كل هذه الواجهات، وهو أمر طبيعي، تماما كما تختلف مناطق المغرب عن بعضها البعض في اللهجة وفي تحضير «الكسكس» و«الحريرة» وفي طقوس الاحتفال. ولكن التراكم في ميدان الثقافة لا يتمّ من خلال رصد هذه الاختلافات والاحتفاء بها كحقيقة مطلقة، بل هو «نوعي» يتم من خلال الصيغ الثقافية الجديدة في ميدان المعرفة وميدان السلوك، وهي صيّغ تبلورها كل «المناطق» في خصوصياتها، وهي وحدها ما يُمكّننا من رصد التحولات وبروز الأنواع الإبداعية الجديدة ـ 

 لكنْ، كيف نرد على من ينظرون إلى الثقافة العربية على أنها امتداد لهيمنة تاريخية وثقافية للمشرق على المغرب؟

 ليس للمشرق سلطة على المغرب ولا للمغرب سلطة على المشرق إلا من حيث إمكانية إسهامهما، كل بطريقته، في تطوير المنتج المعرفي، كما يتحقق في الفضاء الثقافي بالتعبير العربي، بعيدا عن كل الاستقطابات الأخرى. وهذا ما جعل العربية ملكا لكل الناطقين بها، استنادا إلى انتماء ثقافي وليس إلى هوية عرقية عربية مزعومة، يتساوى في ذلك العرب والأمازيغ والأكراد والفرس وغيرهم من الأقوام الذين بنوا مجد العربية وثقافتها، كما بنت أقوام كثيرة مجد الفرنسة وأثْرت تراثها الثقافي. ونحن الآن في المغرب نبني «خصوصية» في الإنتاج الفكري، ولكنها خصوصية لا تفصل ولا تقصي، بل تؤكد حضورنا وإسهامنا المتميز في هذا الفضاء، وليس خارجه. وحال العولمة ليس نقيضا لما قلناه، فالعولمة الوحيدة الممكنة هي عولمة تستوعب الاختلافات وليس عولمة تحتفي بالتطابق. إننا نتعرف على الآخرين في اختلافهم، لا في ما يجمعنا بهم. لذلك، فإن الدفاع عن هوية مغلقة في وجه الآخر، المَشرق أو العالَم كله، معناه التخلي عن كل «المكتسبات» الفكرية والإبداعية التي أنجزت ضمن الفضاء الثقافي الذي تمت صياغته في العربية، وهو أمر شبيه بأن تقول لشاعر أو روائي مغربي: انس كل شيء، المشرق والعالَم، واكتب رواية أو قصيدة لا تشبه أحدا سواك ولا يقرؤها إلا المغربي... إن الداعي إلى غير ذلك شبيه بذاك الذي يؤكد لنفسه، بكل منطق اللغة العربية في البرهنة والحجاج والسجال، أن اللغة العربية «غير منطقية» ـ

 بصفتك متخصصا في البحث السيميائي، كيف يمكن قراءة شعارات حركة 20 فبراير؟ وهل هناك مسكوت عنه ينبغي الانتباه إليه لتحصيل المزيد من الفهم الصائب لدوافع هذه الحركة؟
 لا أحد يجادل في مشروعية هذه الحركة وفي ضرورتها، فهي جزء من «حراك» شعبي واسع استشعر، في لحظة من اللحظات، ضرورة الانتفاض على واقع البؤس والتهميش و»الحكرة» والفساد الذي ينخر كل شيء وسيظل كذلك فترة أخرى، لا محالة، رغم كل ما يُبشّر به «تنزيل» الدستور الجديد، بفصوله الجديدة وبوعوده التي كذّبتْها منذ البدء تحالفات سياسية هجينة تؤكد أن «دار» الطبقات السياسية ما تزال على حالها وستظل كذلك، في المدى المنظور على الأقل. ومن هذه الزاوية، أسهمت هذه الحركة في خلق «حالة رعب» ليس من حيث حجمها، فهي كانت بسيطة منذ البداية ولم تهدد في أي لحظة أسس النظام السياسي في المغرب، ولكنْ من حيث النماذج التي تُذكّر بها ومن حيث إثارتها انتباه عيون «الفضائيات» وشبكات الأنترنت، التي لا تنقل دائما الحقائق وفق حجمها الحقيقي، ولكنها قادرة على «التشويش» على «الاستقرار السياسي». ومع ذلك، فهذه الحركة كانت «ساذجة» في الكثير من تحركاتها وشعاراتها ولم تستطع خلق النقلة النوعية المرجوة في النضال الاجتماعي والسياسي، كما حدث في مصر وتونس واليمن ( ويبدو أن الاستحقاقات الأخيرة في تونس والآتية في مصر ستفرغ كل شيء من مضمونه). فالنضال الذي لا يراكم من أجل التحول النوعي يدخل ضمن «المألوف»، الذي ينتهي إلى «النضال» من أجل كل شيء دون أن يحقق أي شيء... قد يكون سبب ذلك أن هذه الحركة كانت «ملغمة» منذ البداية من طرف الحركات المتطرفة، يمينا ويسارا، ولم تستطع التقاط الجوهري والمضي به إلى مداه الأقصى، وهو ما فعلته بعض الأحزاب السياسية، التي اختفت وراء شبيبة منعتها دائما من الكلام خارج ما يقوله «الكبار» (في السن) المتشبثون بكراسيهم، مثلهم مثل الحكام الذين يناضلون ضدهم. وقد يكون مرد ذلك، أيضا، إلى ضعف التكوين السياسي عند شبيبتنا، التي حُرِمت من التأطير السياسي لفترة طويلة (تلاشي دور الاتحاد الوطني لطلبة المغرب) ـ 

 وكيف تجلى ذلك في الواقع اليومي؟

 لقد تجلى كل ذلك في عجز 20 فبراير عن بلورة شعار واحد يمكن أن تردده كل الحناجر، وليس من الضروري أن يكون «الشعب يريد إسقاط النظام».. فقد اختلطت في هذا «الحراك» كل الأصوات، بين من ينادون بـ«ثورة شعبية لا تبقي ولا تذر» ويهددون بالصعود إلى الجبال، وبين من يرددون «أناشيد دينية» لا أحد يعلم مغزاها... ومن يرفعون علَم «دولة مفترضة» وينادون بـ«تصحيح التاريخ وفصل الأعراق عن بعضها البعض». بل إن مقترحات الحركة وصلت حدا من السذاجة اشترطت معه ألا يتجاوز عمر الوزير الأول 40 سنة. والحال أن القذافي وصل السلطة وهو في الـ27 عمره ولم يمنعنه ذلك من أن يؤسس أكبر الدكتاتوريات في العالم المعاصر وأكثرَها عبثية. إن للمسألة علاقة ببنية ذهنية وحالة حضارية تتسم بتخلف تاريخي لا مثيل له، لا بكم عمري معدود (تولى فرنسوا ميتران الرئاسة وهو في حوالي السبعين من عمره ولم يمنعه ذلك من أن يصون ثوابت بلاده ويحميها من عبث اليمين المتطرف). وهو أمر يتجلى أيضا في «اليقين» الإيديولوجي التبسيطي، وهو يقين مُستمَدّ من «الافتراض» العنكبوتي، الذي يناقش القضايا الاجتماعية «عن بعد». فما بين ما تعد به «البلازما» الباردة وبين تفاصيل الحضور في الفضاء الاجتماعي بون واسع. وهذه «اليقينية» ذاتها هي التي جعلتها تتصرف بما يشبه «فئة عرقية» أو «إثنية» لها مطالب ومشاغل لا تخص سوى من هم دون الأربعين، في حين أن ما وقع في تونس ومصر واليمن وليبيا قادته الشعوب، بشبابها ونسائها وشيوخها، ورفعت مطالب تخص الحياة الكريمة لكل الفئات العمرية. وربما هذا ما حوّلها، في الأيام الأخيرة، من المطالبة بـ«إسقاط الحكومة وحل البرلمان»، إلى حركة تعتصم أمام مستشفى رفض منح شبان شهادة طبية.. أوالاحتجاج على فاتورة الماء والكهرباء.. دون أن ننسى، بطبيعة الحال، محاولات بعض الأطراف في السلطة تمييع كل عمل نضالي جاد من خلال خلق حشود من الجمعيات التي «اكتشفت»، فجأة، محاسن النضال ضمن أحضان السلطة وحمايتها وضمن خطوطها، البيضاء والحمراء، على حد سواء ـ 

19:12 |  Facebook

20.11.2011

طرفة بن الوردة

الشاعر البحريني قاسم حداد
ينجز 'مشروع حياته' 'طرفة بن الوردة': سيرة بين شاعرين
qassem.jpgtarafa.gif

 

المنامة ـ 'القدس العربي': ـ ربما لأن قاسم مظلة للجميع.. ـ بالتأكيد هو كذلك.. هكذا كانت تدور الحوارات خارج أروقة معرض 'طرفة بن الوردة' الذي قدّمه الشاعر البحريني قاسم حداد مساء الأحد الماضي في صالة 'الرواق' الفنية، بمعية ولده الموسيقي محمد حداد، وابنته الفوتوغرافية طفول حداد.
وقدم فيه مجموعة من الأعمال الفنية المتنوعة بخط وتشكيل قاسم حداد نفسه، إضافة إلى كتاب مطبوع بخط اليد للكتاب 'طرفة بن الوردة' الصادر مؤخراً للشاعر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، والذي يحكي فيه الشاعر سيرة الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد بصورة شعرية مختلفة، أو كما وصفها حداد نفسه بأنها سيرة تحكي قصة طرفة من وجهة نظر الشاعر نفسه لا من وجهة نظر أساطير الأولين.
وربما تكون هي المرة الأولى التي يجتمع فيها المثقفون البحرينيون بعد أن كانت رؤاهم السياسية حول ثورتهم قد فرّقتهم مؤخراً، ولذلك فإن أول ما يحسب لهذا المعرض، هو قدرته على تخطي السياسة في الوضع العربي الراهن الذي تعيش فيه البلدان العربية في ظل ربيعها، لكن هذه القدرة على تخطي السياسة ربما تدخل الجميع في السياسة مرة أخرى، حين نجد حداد يتكلم عن هذه التجربة فيفصل في وصف الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد بالشاعر 'المتمرد'.
ولدى حديثه عن التجربة يؤكد حداد على أنه أنجز 'مشروع حياته'، مضيفاً أنه لا يعطي بذلك قيمة نقدية فنية أو أدبية للنص الشعري الذي أنجزه، أو للنص البصري في المعرض، لكنه يتحدث عن تجربة رافقته طوال حياته، معتبراً أن إنجازه لهذا المشروع خلال إقامته في برلين ضمن منحة خاصة لمدة عام أتاحت له الفرصة لإنجاز النص، وأن تبرّع عضو مجلس الشورى البحريني جمال فخرو بالتكفل بإنتاج المعرض الفني للعمل، أتاح له المضي قدماً في المعرض.
ويتحدث حداد عن ان الشاعر طرفة بالقول: 'لم تقنعني القصة التي تدور بين الشاعر طرفة والحاكم عمرو بن هند' ويصفها قاسم بـ'أساطير الأولين' مضيفاً أنه لذلك اخترع سيرة أخرى للشاعر في هذه التجربة، لتسرد القصة من وجهة نظر الشاعر لا من وجهة نظر الأسطورة.
وخلال تقديمه للأمسية يؤكد الشاعر والإعلامي البحريني حسن كمال على هذا المعنى بالقول ان قاسم حداد يريد إعادة صياغة سيرة الشاعر الجاهلي، معتبراً أنه بدأ ذلك منذ الاسم فاختار للشاعر الجاهلي اسماً جديداً هو طرفة بن الوردة، أولاً لتكريم المرأة التي ربت الشاعر الجاهلي، ثم بعد ذلك ليسقط هذا على نساء أخريات في حياة قاسم حداد، من بينهن زوجته، ويصف كمال هذا الديوان الذي أصدره حداد مؤخراً بـ'السفر' معتبراً أنه ديوان مغاير إن من ناحية الموضوع وإن من ناحية اللغة، مضيفاً: 'ومن يقع بين يديه الديوان.. سيعرف أنه الديوان الذي يقرأ مرات ومرات'.

المعرض.. من الموسيقى حتى الضوء

في المعرض يقدم حداد مجموعة من اللوحات الفنية التي أنجزها بنفسه، مستخدماً الورق دائماً والأحبار، متعلقاً بذلك بهويته الأساسية ككاتب وشاعر، ومؤكداً عليها، ولذلك جاء المعرض غالباً مزيجاً بين اللونين الاسود والأبيض، كما أنه لم يبتعد كثيراً عن الحرف في كل حالاته التشكيلية، فكان قاسم يطوي الورق أحياناً، أو يلفه، يفرده أو يثنيه، يقصه ويشكله كيفما يريد، لكنه دائماً يعبّر عن احترامه لهذه المادة، فخرجت اللوحات جميعها، وكذلك الكتاب المطبوع للتعبير عن هذه العلاقة بين الورقة والحبر والشاعر، ربما لأن ذلك هو الأساس الذي تقوم عليه التجربة كلها، شاعر قرأ ولمس حياة شاعر آخر عبر الورق، عبر الحبر والكتابة.
أعمال قاسم في المعرض كانت تؤكد على هذه المسألة، حتى ليشعر زائر المعرض أنه في مكتبة قديمة، أو حانوت لطباعة الكتب، وبما أن حداد ليس تشكيلياً في الأساس، فهو شاعر قبل كل شيء، فقد جاء معرضه تأكيداً على ذلك لا نفياً له.
ترافق حداد في معرضه صور له شخصياً خلال إنجاز العمل، التقطتها ابنته طفول، وتؤكد هذه الصور على ذلك الحب الذي رافق حداد خلال إنجازه المعرض، هذا الحب الموجه إما للشاعر طرفة أو لعملية الكتابة نفسها حيث إنجاز النص الشعري، أو لعملية الكتابة التقنية التي تتبدى في الإمساك بالقلم والإحساس بالاحتكاك السحري بين الورقة والقلم.
رافق هذا موسيقى محمد حداد التي عبّرت بصدق عن 'بحرانية' منفذي التجربة جميعهم، منذ الشاعر الجاهلي، للشاعر المعاصر، للفوتوغرافية، للموسيقي، وحفر حداد الموسيقي في تراثه الشعبي لينجز موسيقاه، غير أنه غلّف هذا الحفر بحداثة العصر الجديد للموسيقى الكلاسيكية، مقدماً تجربة قد تكون من بين أميز ما قدمه هذا المعرض ـ

:لقراءة الكتاب في نسخته الالكترونية أنقر على الرابط التالي

http://www.tarafaibnalwardah.com/ebook/Full-Book/index.htmlـ 

10:18 |  Facebook

12.11.2011

!منير بولعيش، هذا الشاعر

!في ذكراه: منير بولعيش.. الشّاعر الذي انتهى تمثالاً في متحف الشّمْع

عبد اللطيف الوراري
 lich.jpg

عن مرضٍ عُضال ألمّ به، وَدّعنا منير بولعيش. ودّعنا من طنجة العالية التي أحبّها وظلّ يتفيّأ حرائقها حتّى مات. في هذه الساعات الثقيلة التي يُحتفى فيها بالشعر تحت أليافٍ إصطناعيّة، وفي غرف العناية المركّزة يرحل عنّا منير، بصمت. من هنا مرّ، وألقى بحُبٍّ، في هذه البركة الغامقة، قصائده التي طالعها قرّاؤه من محبّي الشعر، والفضوليّون أيضاً. كان لا يهتمّ لمجاملة هنا، ولا لشتيمة هناك. كان يبدو في قصائده ممسوساً بطعم مغامرته، متشوّفاً إلى كلمةٍ يقولها هو على لسان حريّته التي لا يُداري أحداً من أجلها، ومتعفِّفاً لا يتلطّخ نسيج بلاغته بسوء الطويّة. في عزلته ظلّ، يرعى سريرته الزرقاء، فلا يعرفه إلّا أصفياؤه من أبناء مدينته التي لم يغادرها إلّا لماماً ـ

كان منير ينتمي إلى جيلنا الذي وُلِد في بحر أيّام القحط، ويعبّر عن روح خيبتنا في دروب الحياة التي وجدنا أنفسنا نخطوها، ونتألم عليها بلا ألوية، ولاأساطير ولا زعيق أوهام. ولهذا كنتُ مشدوداً إلى رؤيا اليُتْم في قصيدته، وعرائها من الأوهام البرّاقة، وسخريّتها من وبال الأيديولوجيا وخشيشها المؤذي. كانت قصيدته تلك تتقدّم صافيةً يرجُّها إيقاع الصعق، كأنّ الذّات ـ ذاته هو تعبر أزمنة الغياب، وتخرج من نفق إلى آخر من تجربة وجودٍ لم يكفّ عن الإصغاء إليها ومعاناتها. لهذا السبب، كنت أطمع في أن أكتب ما كان يكتبه منير بتقشُّف ورفعة. وكنت حريصاً في أكثر من مناسبة أن أذكر اسمه شأن آخرين ممّن لم يهتمّوا بشيْءٍ إلّا بما يكتبون خارج التصنيف، والمؤسسة والجهل بمعرفة الشعر ـ

لم تكن بيني وبين منير صداقة إلّا صداقة الشعر ونداؤه من بعيد. كان يقرأ لي وأقرأ له في حوارٍ خفيّ متوتّر نتبادله دون أن يعي أحدنا بوجود الآخر إلّا ما بمقدار ما نكون ونتهجّى التسمية ـ

لم تكن كتابته الشعرية تنفصل عمّا كان يعبّر عنه من انشغالاته المعرفية التي تنتمي إلى زمنه، في قراءاته المركَّزة لدواوين شعراء مغاربة وعرب، عن هشاشة الشعر وهامشية الشاعر واشتراطات اليومي ووخز الموت ونداء المتاهات ـ

لا أعرف ما إذا كان منير قد شعر في أيامه الأخيرة بقرب أجله، وذلك عندما عجّل بنشر مجموعته الشعرية اليتيمة "لن أصدقك أيتها المدينة"، وانقطع إلى نفسه. كان نزول خبر صدور مجموعته يترافق ونزوله مصحّة خاصة لتلقّي العلاج بعد تدهور صحّته واعتلال جسمه. بدل أن يفرح بنصوصه بين دفّتي كتاب في واضحة النهار، كان يتقلّب بين ليل سريرته وغائلة سريره. كلمة الإهداء التي خطّها بيده إليّ، ليست ببعيدة عن هذا الإيحاء. خطّ بركاني مهزوز لا تبين حروفه إلّا بالكاد. هل كان شبح الموت يخطُّ بدله؟ ـ

bolich.jpg

في مقتبل العمر حزم حقائبه التي لم يجمعها أصلاً، ورحل ـ

عزاؤنا في شعرك، يا منير. كان الشعر بالنسبة لك أغنيةً لمن وصلوا بعد الأوان، وتميمةً في عنق الحقيقة تُحاكم رائياً يعمى عن حبّاتها تتناثر في دروب الحياة. إنـّـك… في صُـلب المغامرة هذا اليوم ! ـ

:قال الشاعر

"الشّاعر الذي أنفق ثلاثين سنة وهو يصرخ بالسّفن من فوق رصيف الميناء: (أريد أن أخرج من هذا الغيتو)، تفاجأ أنّ (le journal de tanger) لم يتحدّث عنه هذا الأسبوع، لكنّه فرح ـ كالعادة ـ بصفحة الأبراج "برج الحريّة تحديداً" الذي ظلّ لعُمْرٍ كاملٍ يهمسُ له:" إنـّـك… في صُـلب المغامرة هذا اليوم!!) ـ


:وقال أيضاً

الشّاعر

الذي أدركَ

قمة الجَبل الكبِير

أدركَـــــــتــْــــــهُ
ال
هَـ
ا
و
يَ
ة

 

أيّها الشّاعر، إنّي أُصلّي. لأجـلك أُصلّي أيّها الشّاعر الذي انتهى… انتهى تِمثالَ شمع. قُلْتَ لنا ذلك مراراً، ورحلت ـ

07:57 |  Facebook

الشعراء المغاربة الجدد

الشعراء المغاربة الجدد... جيل المشيتَين
منير بولعيش
boul3ich.jpg

هو ليس مجرّد ظاهرة لافتة فحسب، أو صوت جديد يؤثّث بانوراما المشهد الشعري المغربي، بل هو تمثيل حقيقي لانعطافة متميّزة ونقلة جديدة لهذا الشعر؛ النقلة التي يشيدها قصيدةً قصيدةً في طريقه للبحث عن صوته الخاص، وركضه الحثيث من أجل موقع ثابت له وأسلوب متفرّد يوقّع به نشيده الخارج على رداءة السياق العام. الجيل الجديد من الشعراء المغاربة، جيل الاحتفاء بالهامش والتفاصيل الصغيرة والتمرّد والرفض، جيل الصبر والدرب الوعر والتنفس من أعناق الزجاج، الذي ارتأينا أن نقترب قليلاً من تجربته لنقدّم بعض أصواته ونسبر رؤيتها الخاصة لخارطة الشعر المغربي الحديث، وموقعها (كجيل جديد) داخل هذه البانوراما الشعرية الفسيفسائية، والصعوبات التي تعترضها في خلق مساراتها الجمالية الخاصة.

 

عبد السلام دخان: الانفتاح على أجناس أخرى doukhan.jpg

عرف المتن الشعري المغربي متغيّرات عدّة، وذلك عبر مراحل مهمّة من تطوّر هذا الشعر، وإذا كان راهن الشعر المغربي في حاجة إلى دراسات عميقة ودقيقة لهذا المتن الجديد؛ دراسات ترصد مظاهر التحوّل في سيرته، وذلك انطلاقاً من مكوّناته الفنية والجمالية، وانطلاقاً من سياقاته المختلفة، فإنه في الآن نفسه في حاجة إلى الإنصات إلى التجربة الشعرية الجديدة المتسمة بالتعدّد والتنوّع، ولعلّ المثير للانتباه، ونحن نتحدّث عن هذه التجربة التي تسمّى، في بعض الأحيان، بتجربة الشعراء الشباب، وأحياناً بالحساسية الجديدة، أننا نجد أنفسنا إزاء إشكاليات متشابكة ومعقّدة إلى حدّ كبير، ابتداء من إشكال التسمية ووصولاً إلى منجزها الإبداعي. وهي الإشكاليات التي لم تستقرّ على رؤى واضحة منذ سبعينيات القرن الماضي. لقد بلورت التجربة الشعرية الجديدة مستوى جديداً من الكتابة الشعرية على مستوى الرؤية الشعرية المغايرة لما ساد وهيمن في المراحل السابقة، وعلى مستوى النوع الأدبي الذي اختاره هؤلاء عن عمد وسبق إصرار، وهو اختيار يجب تأمّله بعمق، لأنه يعطي الانطباع لأول وهلة بالسهولة، غير أننا بنوع من التأمّل الفلسفي ندرك أنه مختلف طالما أن هذه التجربة قد حاولت الاقتراب من اليومي ومن التفاصيل الدقيقة والأشياء العادية، البسيطة ظاهرياً والعميقة داخلياً، وإذا كان من حقّ الأصوات أن تنمّ عن منظور مختلف للشعر ولوظيفتها، فإنه من حقّ النقد كذلك احترام هذا الاختيار، وذلك بعدم مصادرة هذه التجربة بأحكام جاهزة وسابقة، ولا يعني هذا الكلام القول إننا مع، أو ضدّ، هذه التجربة التي لها أسبابها الجمالية الجديرة بالاحترام النقديّ، لكنه يعني أن الشعر المغربي أصبح مُلزماً بإدراك التحوّلات البنائية والجمالية التي لحقت به. وما يلفت الانتباه، ونحن نتحدّث عن هذه التجربة، فقرها المعجمي والأسلوبي؛ الشيء الذي أدّى بها إلى الانفتاح على أجناس أخرى مثل الرواية والمسرح، وهذه الندرة أدّت إلى فقد المعجم الشعري لطلاوته وجدّته وسموقه الفني. ومن هنا أصبحت العديد من القصائد تتسم بالغرابة والغموض، ما جعل التجربة الشعرية الجديدة تُوسم بكونها ضعيفة الصلة بالذاكرة والمتلقّي، فعلى شعراء التجربة الشعرية الجديدة أن يتأهّبوا للحروب المقبلة، لأن الحرائق تمتدّ من أبواب الروح إلى تخوم الحلم، وجداول الماء بعيدة عن الأرض؛ أرض الجدل المضاءة بالحروب السرّية أحياناً، والمعلنة أحياناً أخرى.

 

عبد الرحيم الخصار: أساتذة الجامعة!

khassar.jpg

لم يكن قدر الجيل الجديد في المغرب أكثر سوءاً من سابقيه، فمجموعة "على درج المياه العميقة" للشاعر مبارك وساط، التي تعتبر من عيون الشعر المغربي، لم تحظَ بكرم النقاد، الأمر نفسه ينطبق على محمد بنطلحة الذي يكفي نصّه المعنون "بيان حقيقة" للتدليل على المكانة الرفيعة للرجل، إلا أن الإعلام المغربي والمؤسسات الثقافية في هذا البلد لهما وجهات نظر مختلفة، وعلى الأرجح لهما قصر نظر ذريع، فالثقافة الجيّدة يحتفي بها أهلها القلائل في المقاهي والجلسات الصغيرة، بينما تحتفي المؤسسات الكبرى، كعادتها، بالفلكلور والأشياء العابرة والرديئة. ربما لهذا السبب جاء ردّ الشعراء الشباب معتمداً على القدرات الذاتية المحدودة لمواجهة ما يمكن تسميته بالثقافة الرسمية التي لا تعترف بمن يوجد خارج خيمتها، لذلك صدرت خلال التسعينيات مجلات ثقافية يديرها شعراء شباب، لكنها توقفت بشكل مباغت: "أصوات معاصرة"، "البحور الألف"، "إسراف 2000"...، وكانت تحمل الخطاب نفسه بصيغ متعددة: التمرّد على الشعريات القديمة، ذلك أن ما عرفه المشرق - خصوصاً لبنان - في مرحلة مبكرة من احتدام المواقف بخصوص قصيدة النثر سيعرفه المغرب فقط خلال تسعينيات القرن الماضي، ويبدو ألاّ أحد صار يهتمّ لهذا الأمر في المغرب الثقافي الراهن، سوى بعض أساتذة الجامعة الذين يعيشون بعيداً عن متغيرات الحركة الأدبية، حيث لم يعد أحد يملك الوقت، أو المزاج، ليقوم بتقطيع عروضيّ لنصوص لا حصر لها تُنشر في جرائد ومواقع يعجز الناقد أو القارئ عن الإخلاص في متابعتها، وسيبدو للمتتبّع بشكل واضح أن التجربة الشعرية التي عرفها المغرب خلال التسعينيات أهمّ وأقوى مما يعيشه اليوم.

 

فاطمة الزهراء بنّيس: المشهد ككلّ

bennis.jpg

خارطة الشعر المغربي الحديث هي جزء من خارطة الشعر العربي، كما أنها لا تنفصل أيضاً عن خارطة الشعر العالمي، وما يعرفه المشهد الشعري المغربي من تحوّلات جوهرية على جميع المستويات هو نتيجة لانصهار روح الشاعر المغربي في جسد الشعر الكوني. من خلال هذه البانوراما الشعرية يبرز بقوة موقع الشعراء الشباب، فقد صار من الصعب جداً الحديث عن الشعر المغربي المعاصر دون الأخذ بالاعتبار الحركة الشعرية الحديثة، وما أفرزته من أصوات تميّزت ليس فقط على المستوى المغربي، بل حتى على المستوى العربي، أما بالنسبة إلى الصعوبات التي تعترض الشعراء الشباب في بداية مشوارهم الإبداعي، لجهة امتناع بعض المنابر الثقافية عن نشر إنتاجهم، وعدم تشجيعهم على الطبع، فربما تكون إيجابية بالنسبة إلى البعض وسلبية بالنسبة إلى البعض الآخر. شخصياً أرى أن إرادة المبدع الحقيقي أقوى من أي صعوبات كيفما كان نوعها.

 

مصطفى ملح: نشر المجاميع والسراويل!

malah.png

الكتابة الشعرية عملية خلق عسيرة يشترك فيها العقل والحواس واللاشعور، وتكون مدعمة بمقصدية تتسم بالحدّ الأدنى من الوضوح، إضافة إلى معرفة غير قليلة بأسرار الخلق الفني؛ فإلى أي حدّ أحدث الشعر الحديث (التسعينيّ نموذجاً) قطيعة معرفية وجمالية مع المنجز الشعري للأجيال السابقة؟ وإذا حصل هذا، فما هي المرتكزات التي يركن إليها في بناء اختلافه؟

شخصياً، أرى أننا نعيش عصر انحطاط شعري في المعنيَين؛ التاريخي والفنّي. ربما يبدو هذا الكلام صادماً بالنسبة إلى الذين يسرّهم أن يتحدّثوا عن قارّات وهمية فتحها الشعر الحديث، شعر العشريتين: الأخيرة من القرن العشرين والأولى من القرن الواحد والعشرين. شعر جامد لا إحساس فيه. لا شكّ أن كثيراً من الناس تأثّروا بالرمزية والسوريالية ومزالق التجريد ووهم التغريب، فانعكس ذلك على كتاباتهم بصورة مشوّهة؛ فلا همّ كتبوا نصاً عربياً محمّلاً برائحة التراب وريح الصحراء، ولا هم كتبوا نصاً حديثاً يستجيب لروح العصر؛ هم مثل طاووس الذي أراد تقليد مشية الحمامة فنسي المشيتَيْن معاً.

في شعر الشباب: تكرار، الرؤية ضيّقة، ورشة العمل فقيرة، المهندس المعماري - اللغوي تعوزه الخبرة والمراس، المختبر الشعري غير مجهّز بالأدوات الكيمياشعورية الكافية، المنظار المستعمَل لا يستطيع استشراف الكائنات المجهرية، اللغة مصابة بالحمّى، العلاقة بالتراث النحوي والبلاغي هشّة إن لم تكن منعدمة... وكي يتضح هذا الكلام أكثر، يمكن تصفّح المجاميع الشعرية التي ينشرها البعض باستمرار، وبلا خجل، كما ينشرون سراويلهم في الريح!

الحساسية الجديدة غالباً ما تقوم على الوعي بأسرار المنتوج الشعري الذي سبقها؛ الوعي بأسئلته ورهاناته، الوعي أيضاً بشروط انكتابه الداخلية والخارجية: فهل هذا متحقّق في شعر الشباب؟ إن معظمهم - سامحهم الله - لا يعرفون ما حدث شعرياً في السبعينيات! فكي تبني "قارّتك" الشعرية الخاصة ستكون ملزماً بأن تدرك عميقاً جوهر الأسئلة التي سبقتك.

من أبرز نقاط التشابه في شعر الشباب، الاتفاق الجماعي اللاواعي على جملة من المرتكزات: تمجيد الخراب والشكّ، المضي غير الواثق والمتسرّع نحو تحطيم وثنية اليقين والضوء، البحث في العبثي والفوضوي والمعتم. شخصياً، حين أتوجّه صوب الكتابة، لا أبتغي زرع الحرائق وإطلاق الرصاص على أعداء وهميين، لأن اصطناع المعارك الوهمية لعبة خاسرة أساساً، وهي دليل على تيه الذات وعدم استقرارها. الكتابة انطلاق من نقطة ضوء واضحة، من نظام وجوديّ محدّد، من يقين فلسفي ومعرفي واضح. لذلك يجب على شعر الشباب أن ينتبه إلى الآتي: على القصيدة أن تكون تعويضاً جوهرياً عن كل شيء ضاع منذ العصور الحجرية الأولى، فهي في هذا المعنى نوع من التسامي والتعويض وخلق التوازن السيكولوجي العميق داخل عالم تحكمه الفوضى. القصيدة في نظري مديح عالٍ للجمال والحرية والخلود. إنها بناء لواقع شعري آخر متماس مع الواقع المرفوض. القصيدة ترمّم ما فسد وتنقّح ما غلط. من واجبات القصيدة الجديدة اقتراح معنى جديد للأيديولوجيا، وتحضرني هنا قولة هنكلف: "ليس من الضروري أن يكون الالتزام ارتباطاً سياسياً فحسب، فكل كاتب ملتزم، بمعنى أن كتابته تبحث عن قيمة في عالم عديم القيم".

 

«الغاوون»، العدد 1، 1 آذار 2008

07:30 |  Facebook

التجربة الشعرية الجديدة

:عن (التجربة الشعرية الجديدة) في المغرب

يحقُّ لنا، في العقد الأول من الألفية الثالثة، أن نتكلّم عن ألفيّةٍ شعرية مغربية جديدة بما للزمن من استحقاقات

 

الدار البيضاء ـ احتفاءً بالتجربة الشعرية الجديدة في المغرب، نظّم بيت الشعر المغربي بمدينة الدارالبيضاء لقاءً شعريّاً ونقديّاً لتقديم الشعراء المغاربة: عبداللطيف الوراري، عبدالرحيم الخصار، نزار كربوط. وقدّم الشاعر محمد بوجبيري هذا اللقاء. هنا، نص الشهادة التي قدّمها عبداللطيف الوراري، وهي تضيئ تجربته الشعرية وتجربة الجيل الذي ينتمي إليه ـ

:في ضيافة القصيدة

التجربة الشعرية الجديدةما أذكر عن لقائي بالشِّعر أنّه تمَّ في لحظة متوتِّرة من وعيي بالحياة وشرطها الإنساني. لنقُلْ كان نداءً هامساً وحاسماً من عبوري ذلك الوعي بما يشترطه من انتقال وجدانيّ ـ ذهني بين الأمكنة المتعيّنة والمحلوم بها، في لحظة من زمنٍ مشدود بسؤال الكينونة. لم يكن التعليم وطرق تدريسه العقيمة والجافّة للأدب يُحيطني بهذا الوعي أو يُرشدني إليه، لولا انفتاحي على خارجه حيث كتب الشعر اليتيمة تٌناديني، من أمكنةٍ أخرى، على صبواتي الوليدة من الحبّ إلى معاناته بما في ذلك معاناة صوغه لغويّاً. لقد بدأ تاريخ كتابتي للشعر في هذه اللحظة التي أحسسْتُ فيها برغبة عارمة وغامضة في التعبير كأيّ شاعر وجد نفسه في حياة صعبة أعزل إلا من لواعج سريرته. لا أقول إن المصادفة هي التي قادتني إلى القصيدة، بل الضرورة التي تتغذّى على شرطنا الإنساني، وأفكر في جان كوكتو وهو يصرخ: "الشعر ضرورةٌ، وآه لو أعرف لماذا! ". في هذه الضرورة وجدت نفسي متورّطاً في ضيافة القصيدة، أقترب منها وأُعانيها. أذكر الآن كيف كانت تلك الأيام الأولى لكتابة القصيدة تتقاسم معي عمري الجميل والصعب في آن، والتي كان عليّ أن أتعلّم آداب ضيافتها منذ تلك اللحظة ـ

كانت قراءاتي للشعر العربي تتنوَّع بين القديم والحديث، فتعرّفتُ على سحر الجاهلية، وحداثات المتنبي وأبي تمام والمعري العابرة للأزمنة، ورقّة شعراء الغزل في نسج رؤاهم للحبّ ومعاناته، وفيما بعد ـ تحت شعورٍ بالعجب والصدمة ـ تعرّفتُ على حيويّة الشعر الحر في عبوره إلى العصر وحداثته ونهوضه بمتخيّل شعريٍّ جديد، وعلى مفارقات محمد الماغوط وأمل دنقل ومظفر النواب وأحمد مطر الساخرة في نقد الواقع السياسي والاجتماعي، وعلى شعريّات محمود درويش وسعدي يوسف وأدونيس وقاسم حداد وأنسي الحاج وسركون بولص العابرة بالشعر العربي إلى الكونيّ. كذلك تأثّرت باختيارات الشاعر من أصول فلسطينية وجيه فهمي صلاح والشاعر محمد بنعمارة في برنامجيهما الإذاعيين "مع ناشئة الأدب" و"حدائق الشعر"، حيث يُلقى الشعر شفويّاً، ويتصادى مع صوتي اليتيم. وأمّا حظّي من الشعر المغربي فكان ضئيلاً، إلّا ما وقع بين يديّ ممّا كان يُنشر متفرّقاً من شعر شعراء غذّوا في نفسي شعوراً بهويّتي الجريحة، من أمثال محمد الحلوي ومحمد بن إبراهيم وأحمد المجاطي، وإن كانت أشعار فنّي "العيطة" و"الملحون" الأصيلين أبلغ في وجداني؛ ثمّ سرعان ما انفتحتُ على الشعر الفرنسي وسواه من أشعار العالم مترجمةً إلى العربية، ولاسيما في مجلّتي "لوتس" و"الكرمل"ـ  

:جيلٌ بين قرنين

لم يكن عُكوفي على الشعر، قارئاً وكاتباً، يتمّ خارج وعيي بعصري بقدر فهمي لمعطياته وأحداثه وهزّاته وزلازله في نهايات القرن العشرين، التي كانت تُقدّم، بالنسبة لي، علاماتٍ مضطربة ومحكيّات يائسة: أحداث 1984م و1990 الاجتماعية بالدارالبيضاء وفاس، التي فجّرها واقع الفقر والاضطهاد بالمغرب. صمت المثقفين المطبق أو استقالتهم أو استخذاؤهم بعد "سنوات الرصاص". جنازة العاهل الحسن الثاني المهيبة التي أعقبها كشف حقائق مريعة. مآسي القضية الفلسطينية بعد أوسلو. الحرب على العراق وحصاره. المنايا المتقاربة لكلّ من عبدالله راجع وأحمد الجوماري وأحمد المجاطي وأحمد بركات، وانتحار كريم حوماري الفاجع. دويّ قصيدة النثر في المشرق والمغرب. منفى اللغة العربية. تراجع دور الأدب في المجتمع. صعود الأصوليّات من كلّ نوع. زحف العولمة في ظلّ انطلاق التكنولوجيات الجديدة التي بدّدت النزعة الإنسية، وحطّمت أطراً في الفكر والثقافة، ممّا ترتّب عنه ظهور أجيالٍ أدبية وفنّية جديدة لها صيغ أخرى في التفكير والرؤية والإحساس، وإن كان كثيراً لم يسلم من مثالب التهافت والسرعة والتجهيل، ومن صرعات "قتل الأب". ولقد بات الكثير مقتنعاً، قبيل ساعة من رحيله، بجنازات نهاية القرن العشرين ومآتمها وزلازلها، عكس تفاؤل البداية والصورة الطليعية التي ارتبطت به. ولم تكن بداية الألفية الجديدة إلّا نتاجاُ طبيعيّاً لمقدّمات قرن قيامي كالح، وإذا أوحت إلينا بشيء، فها هو مدبوغاً على ورقنا الذي نتنفّسه حزناً وإيلاماً. لذلك، لا يُخطئ القارئ أن يكتشف هذا المناخ من اليأس والاغتراب حيناً، ومن السوداوية والشعور بالعبث حيناً آخر، ذلك الذي يطبع شعر الجيل الذي أنتمي إليه، والمولود في بحر السبعينيّات ـ

في هذا المناخ، هناك الذّات فقط. الذّات المتشظّية، لكن المنفعلة والمركّبة التي تشي بهشاشتها، وتطفح بغيارات صوتها الحميم، وتنزع نحو المجهول، وقد ولّت ظهرها للمعضلات الكبرى، وعكفت بدل ذلك على ما يعجّ به اليومي والعابر والهامشيّ والخاصّ من تباريح ونقائض وتفاصيل وإيحاءات، مرتفعةً بانفعالاتها واستيهاماتها وعلاقاتها وحيواتها إلى مستوى أسطرتها، وبالتالي شخصنة متخيّلها الشعري. ونتيجةً لذلك، برزت رؤى شعرية جديدة في نصوص هذا الجيل والجيل الذي سبقه، تعكس في مجملها إمّا وضع الاغتراب واليأس والحزن التي تتملّك الذات، أو استقالة الذات من الواقع ونفض اليد عن إلزاماته وحاجياته، أو الرغبة الطافحة بالحب والأمل في إعادة صياغة الحياة والتحرُّر من القيود، أو التوق لتحقيق التوحُّد مع المطلق. لكنّ قليلاً من أفراده من عبر إيقاع التحوّلات وفكّر في ذاتيّته خارج الخطاطات المعروضة، فخرج ظافراً بقصيدته، وأكثريّتهم حاصرت نفسها في ضرب من التنميط عديم الموهبة والجهد الفني، فتشابهت تشابه الرمل ـ

لقد فجّرت "التجربة الشعرية الجديدة" في المغرب جماليّاتٍ كتابيّة جديدة، وعكست فهماً جديداً لآليّات تدبُّر الكيان الشعري، ممّا يمكن للمهتمّ أن يتتبّعه ويتقرّاه في دواوين شعرائها، التي شرعت في الظهور منذ أواخر التسعينيّات، ونُشرت على نفقتهم الخاصة بسبب غياب الدعم والعماء الذي ووجهوا به، أو في إطار سلسلة "الإصدار الأول" الذي أطلقته وزارة الثقافة بعد ردح من القهر. من تلك الجماليّات: ــ

ــ العزوف عن المعضلات كبرى والهواجس التاريخية والسياسية الحرّى، والعكوف الانهمام بالذات في صوتها الخافت والحميم، وهي تواجه بهشاشتها وتصدُّعها الأشياء، العالم والمجهول ـ

ــ النزوع المستمرّ، في إطار قصيدة النثر، إلى بساطة القول الشعري، الانفتاح على السرد وجماليّاته البانية، كما الاعتناء بالكتابة الشذرية ـ

ــ إدخال اللغة الشعرية في شبكة علائق معجمية وتخييلية جديدة قلبت نظم بناء الدلالة ـ

ــ الاهتمام بهوامش الجسد وفضّ مسمياته المختلفة، بهذا البعد أو ذاك ـ

لكن نصوص التجربة في كثيرٍ من هوامشها لم تسلم من تشوُّهاتٍ في الخلقة والنموّ لا تزال تُعاني منها حتّى اليوم، طالما أنّها كانت معرضة للإهمال والنسيان والصمت بسببٍ من أنّ النقد انصرف عنها إلى شعر الروّاد بأسلوب اطمأنّ إليه من المجاملة والمحاباة، وإذا التفت إليها ظلمها ودفع في اتّجاه تأويلها تحت هذه اليافطة أو تلك، بنيّة النبذ والسخرية. أما الأنطولوجيات التي كانت توضع، من حينٍ إلى آخر، فقد صارت موضة تكرّس ما هو مكرس. وإذا أردنا أن نحصر لانحةً أولى ـ تمثيلاً لا حصراً ـ لجيل "التجربة الشعرية الجديدة" بالمغرب، أمكننا أن نذكر: كمال أخلاقي، رشيد منيري، يونس الحيول، منير الإدريسي، محمد مسعاد، نبيل منصر، منير بولعيش، الكنتاوي لبكم، محمد أحمد بنيس، محمد المسعودي، وداد بنموسى، عبدالسلام دخان، سعيد ياسف، محسن أخريف، عبدالحق ميفراني، نجاة الزباير، عبدالغني فوزي، مزوار الإدريسي، حسن الوزاني، أحمد العمراوي، أمل الأخضر، مصطفى غلمان، أحمد الدمناتي، عبدالرحيم الخصار، طه عدنان، علي العلوي، محمد بشكار، جمال الموساوي، أبوبكر متاقي، ياسين عدنان، عبدالرحيم كنوان، صباح الدبي، فؤاد أفراس، محمد أنوار محمد، إبراهيم قهوايجي، عبدالإله الصالحي، لطيفة المسكيني، احساين بنزبير، جمال بدومة، نفيس مسناوي، رشيد منسوم، عبدالهادي روضي، فاطمة الزهراء بنيس، عبدالجواد العوفير، المعتمد الخراز، محمد العناز، لبنى المانوزي ـ

وأيّاً كان، يحقُّ لنا، في العقد الأول من الألفية الثالثة، أن نتكلّم عن ألفيّةٍ شعرية مغربية جديدة بما للزمن من استحقاقاتٍ، تأتي عبر ما تراكم في مجال النّوع الشعري والإضافات التي شهدتها القصيدة العربية المعاصرة ـ

:عبورٌ في تجربتي

بصدد تجربتي الشعرية، فهي لا تزال فتيّة لا تذّخر جهداً للتعلّم والإصغاء إلى زمنها، كيما تبقى متيقّظة وحيّة. ولعلّ الروافد التي شكّلت تلك أقانيم تجربتي، فيما أرى، متنوّعة ومتجاذبة، منها ما يعود إلى التراث الشعري العربي، ومنها ما يمتح من اتّجاهات الشعر الحديث والمعاصر. وعلى العموم، أنا أنتمي إلى شجرة الشعرية العربية الأعرض التي تضرب بأطنابها في عمق التاريخ واللغة والثقافة، وما طفقت تجدّد آليات عملها الكتابي والتخييلي، وتأويلها الخصيب للذات والعالم. أنتمي إلى النصوص التي تحمي العمق، وتتطور داخل جماليات اللغة العربية. وهكذا، أزعم أن الصفحة التي أخط فيها شعري هي، سلفا، مسودّة بحبر أولئك الشعراء الذين أتقاسم معهم ميراثاً عظيماً من الحبّ والمسؤولية. وداخل هذا الانتماء الأعرض، أتعلّم كيف أنصت إلى ثقافتي المحلّية التي هي جزء أساسي ومختلف داخل الثقافة العربية الإسلامية. من ثقافتي المغربية، بجذورها الأمازيغية والإفريقية والأندلسية، أسترفد متخيّلاً مصطخباً يدلّني على التنوّع الذي يُلهمنا الحياة التي نتوجّه إليها، ويجعل الهويّة التي نتكلّمها أو نحلم بالعبور إليها دائمة التحوّل. من هنا، يهمّني التعبير عن روحيّة الشعر المغربي وروائحه وأمكنته ورموزه وهواجسه. ولا أفهم شاعراً مغربيّاً لا يعبّر عن ذلك، ويظلّ مغترباً في الأشباح بحثاً عن حداثةٍ مزعومة أو خلاصٍ كاذب. ومن الدالّ أن أذكر، هنا، أنّ أوّل قصيدة دشّنت بها ديواني"لماذا أشهدت عليّ وعد السحاب؟"، موسومة ب"مرآة أبودا وما فاض عنها في اللغة الأمازيغية"، ولم يكن هذا الديوان باكورتي الأولى، فقد سبقته بواكير أخرى كانت مسودّات ضمّت أخطائي الأولى، ووحيي الأول، ولغة عبوري الأولى، وقد مزجت أمشاجاً من الرومانسي والواقعي وأشكالاً من العمودي والرباعية والموشح والتفعيلة، لكنّها ضاعت منّي لكثرة تنقُّلي بين الأمكنة ـ 

  في ديواني"لماذا أشهدتِ عليّ وعد السحاب؟"، والديوانين التاليين "ما يُشبه ناياً على آثارها" و"ترياق"، أحاول قدر الإمكان أن أطوّر تجربتي، بدءاً من الغنائية التي أعمل عليها باستمرار بجذريْها العاطفي والرمزي، وانتهاءً برفْد المتخيّل الذي يدفع بالذّات إلى أقصاها في مخاطبة المطلق عبر وجوهٍ وحيواتٍ وعوالم متعدّدة، بهذا الشكل أو ذاك. فلا يعنيني في الأشكال التي اُكبّ عليها بقدر عنايتي بإيقاع الذات والعمل عليه داخل البناء النصّي الذي ترفده موسيقى هامسة من الإيقاع، ويسهم فيه تنويع التراكيب، مثلما عنايتي بالتصوير الشعري وإدارته في إطار من الحوار الخارجي الذي يستبطن الحالات الشعرية المختلفة، وهي تشفّ عن ذاتيّتي وشرطها الثقافي والوجودي ـ 

 لنقل هي تجربة تتنامى في عبورها الخاص، وفي انتباهها الخاص، منحازةً أكثر إلى كتابة تشفُّ عن ذاتٍ تعاني عزلتها، وتواجه هشاشتها، فيما هي تطفح بالحب والغناء والأمل في إعادة صياغة الحياة والتحرُّر من القيود والأوهام. بهذا المعنى، لا أنسى أن أحتفظ بقدر من التفاؤل الذي لا يُعمي الرؤية، ويترك الوعد بلغة الحياة مستأنَفاً، على الدوام ـ

:منشور بـ (يدل إيست أون لاين) على الرابط التالي

http://middle-east-online.com/?id=100802

:وبـ(جهة الشعر) على الرابط التالي

http://www.jehat.com/Jehaat/ar/ShahadatShe3reya/shahadat/...

07:07 |  Facebook

28.10.2011

هنري ميشونيك يتأمل ثنائية النثر والشعر

النَّثْر، الشِّعْر والهويّة الملتبسة للإيقاع

يرى ميشونيك أنّ التباس الشعرية مع البلاغة والأسلوبيّة يدلُّ على فراغ النظريّة، وهو فراغ العلاقة نفسها بين الإيقاع والمعنى

meschonnic.jpg

هنري ميشونيك 

ترجمة: عبد اللطيف الوراري

إنَ الخُطاطة القديمة للدَليل، التي تُقيم نظريّة الإيقاع التقليدية، تحكم التَعارض العقلاني من النثر إلى الشعر مدعوماً من قبل النزعة الوضعية. وبقدر ما يتمّ شعرنة الشعر يجري تأكيد هذه الخطاطة التي سلبت من النثر والشعر تاريخهما، ليصنع منها حديث خرافة. لن يؤخذ الإيقاع كتاريخيّةٍ للغة والذات إلا بتحديد النثر والشعر تاريخيّاً، في تعدُّدهما. وتُعدّ إيديولوجيات اللسان كما الممارسات الأدبية، في هذا الاتجاه، كاشفة . ولا نبغي من وراء دراسة بعض المجالات الأجنبية شعريّةً عامة بمعنى النحو العام، ولا عقد مقارنات، ولكن موجزاً للشعرية التاريخية، الذي يعيد التعميمات إلى مكانها. بما في ذلك أثر الشًعر على نظرية اللغة، وأثر النظرية على الممارسات، حتّى تُردّ لكُلّ منهما مغامرته... تتمة المقال علي: ــــ

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today%5C27qpt892....

17:46 |  Facebook

24.10.2011

في رثاء الطاغية

الجنرال فرانكو في الجحيم
بابلو نيرودا

 gusaibat.jpg

 

 

(1)

أيها المسكين
أراك مُمدّداً في الغرفةِ الباردة على الفراش
الغرفةِ التي هي
عند أبواب جهنم
وأرى أناسا حولك كانوا في انتظارك
هم الآن ينظرون إليك
أتسأل من هم؟
إنهم آباء وأبناء من قتلتَ
أولئك الضحايا الذين ارتوت الأرض الطيبة بدمائهم الطاهرة

(2)

أيها الملعون
لا النار ولا ذلك الخل الساخن في وكر ساحرات النار
ولا الثلج المبدد في الفراغ
لا هذا ولا السلحفاة المتعفنة التي تئن وتبكي
بصوت امرأة ميتة
تنبش بطنك بأظافرها
تبحث عن خاتم عرسها
وعن لعبةِ طفلتها التي ذبحتَ ذات يوم
كل ذلك لن يعني لك شيئًا
سوى باب أسود محطم من أبواب الجحيم
قل لي
من جهنم الأولى إلى جهنم الأخرى
أيّ فرق ترى الآن؟
هناك حيث تطاردك ولولات وصرخات كتائبك المسعورة
وهي تهتف باسمك

(3)

أيها الجنرال
إني أراك
هناك في الجحيم
وأرى حاجبيك التعيسين،
والذين هما كريش دجاجات تخرج من روث الأرض
والغارقة في النخامة
يا له من وجه
وجه الخيانة ذلك الذي لن يمحوه الدم
قل لي من أنت؟
ألم تكن مجرد ورقة ذائبة من ملح الزمن
ألم تكن غير كلب ضال
ولد من شحوب ظلٍّ هزيل؟

(4)

اللهبُ هناك يتراجع دون أن يترك رمادا
إنه عطش الجحيم
دوائر الألم تتضاءل حينا
أيها الملعون
لعل الناس يطاردونك
حتى هناك في نار جهنم التي لا تموت فيها ولا تحيي،
حيث الخلود الأبدي
وحيث لا البرد يدركك
ولا الزبد
لا شيئ غير النار
إنها جهنم أيها المسكين

(5)
ها أنت وحدك في الجحيم
حيث تتجمع الدموع جميعها من أجل الأيدي الميتة
إلى الأبد
الأيدي التي تمسح الجفون المفعمة بالروث
أراك وحدك في حفرة الجحيم
تأكل القيح وتشرب الدم
في تلك الأبدية الموحشة
أبدية اللعنة والشقاء

(6)
هناك لا تستطيع النوم
أيها الجنرال
ستظل عيناك مفتوحتين مثبتتين بدبابيس
تظل مفتوحتين كي ترى شريط جرائمك
لتنظر إلى جثت الأمهات المتحللة التي قتلتها كتائبك
لترى كل الأطفال الحزانى المقطعين إربا
الأطفال بوجوههم المتفحمة من قنابلك
ستظل عيناك مفتوحتين لكي ترى
أدمغة الأطفال الحمراء تخرج من جماجمها
نعم أيها الملعون في قلب الجحيم
سوف ترى كل ذلك

(7)

سوف ترى وجوه الصغار مبتسمة
لكن تلك الابتسامات شوهها الدم
وأفسدتها قنابل كتائبك
هؤلاء كانوا أطفالنا
هم فلذة أكبادنا
كانوا بهجة حياتنا وصحتنا
وكانوا بحرا يبعث لنا الخير ويحمل الهواء النقي إلى رئتينا
كانوا يبعثون في قلوبنا الراحة والطمأنينة
هم الآن تحت الأرض
تحولوا إلى بذور تحي تلك الأرض الجرداء
فتنمو الزهور إلى قمة السماء

إنهم ينامون الآن في هدوء على أية حال
فيما تبق أنت في ذلك الجحيم الأبدي لا تعرف النوم
هناك لا تحي ولا تموت

(8)

لأن الخوف والحزن الكبير شرعا يتركان قلوبنا
عندما رأيناك ممدا في الغرفة الباردة عند أبواب جهنم
فإني الآن أراك
أيها الملعون في قلب الجحيم
تشعر بالوحشة
عيناك مفتوحتين على كل الأموات
وأرى السماء تقذف الدم الذي يسقط عليك كأنه المطر
من فوقك الدم
ومن تحتك حفرة مفعمة بالعيون المخيفة
التي تنظر إليك
هناك
في جحيمك الأبدي

***

ترجمة: محمد قصيبات

 

20:20 |  Facebook