16.05.2012

حوار

 

الوراري في حوار لجريدة (القدس العربي):

!الشعر هو الأرض الموعودة وليست قصيدة النثر

حاوره عبد الهادي روضي:

raw.jpg

 

قلة قليلة من الأسماء الشعرية المغربية من تمارس الشعر بوعي نقدي، رغم كل الضجيج والمكاسب المادية والمعنوية، وعندما نتأمل تجربة الشاعر عبداللطيف الوراري نعثر على الاستثناء والفروق، الاستثناء في التعاطي مع أسئلة الشعر باعتباره كتابة تقتضي وعياً بأدواته وممكناته، والفروق في عمق التجربة وانفتاح أفقها الشعري والإنساني، ومراهنته على الحفر في أرض مجهولة. تجربة عبد اللطيف الوراري تجترح راهن معيشها بحثاً عن مكمن الماء القابع في أغوار ذاته وذاتنا طبعاً، مؤمنةبقدرها، بل بقدر الشعر والشعراء الحقيقيين المنذورين للهامش القصي، لذلك كلّه تملكتنا رغبة في مفاتحة عبد اللطيف بغية الاهتداء إلى عوالمه، وفك شفرات بعض مايكتنه ذاته الشاعرة، فكان الحوار التالي:

الشعر من الهامش:
-
هل لازال ندى الدفلى يسكرك فترقص وارثاً صمت الجهات؟
لقد ذكّرتَني بشذرةٍ من قصيدة كتبتُها، أوحاها إليّ خاطِرٌ من زمنٍ عصيٍّ في تجربتي داخل الكتابة. نعم، لا يزال هذا النّدى. يَعودني في أوّل الليل، وإذا تأخّر إلى الصباح نهضتُ مع حجيجٍ عابرين إلى الشّعر، حيث لا أحدٌ هناك إلّا آخري. أمّا الدّفْلى فإنّها ما فتئت تتلوّن بأصداء التراب، وتتراقص والريح على الأجناب، وليست من حيث هي كذلك. مشروع، لا وجود ولا عدم.

-
يقول أحد الشعراء المغاربة الثمانيّين: (إن الكتابات التي توالتْ بعد الثمانينيات تفتقد لكثيرٍ من الخيال). إلى أي حد يمكن اعتبار هذا الحكم منسجماً مع تجربة الكتابة الجديدة الذي أنت أحد أسمائها؟. ثم ألا تعتبر مثل هذه الأحكام قاصر في رؤيته إذا ما أدركنا نصوصاً غير مفكر فيها تكتبها أسماء شعرية تحتمي بالهامش؟

مثل هذا الحكم هو حُكم قيمة، بلا شكّ. حكم متعسّف وظالم، يكشف أحد الوجوه السلبية في ثقافتنا التي يسودها عزف الكورال المنفرد، وتنتشر فيها آليات الإقصاء والنبذ المانعة لكلّ أصيل وجديد نشاز. هناك دائماً رغبة في أن تبقى السُّلط المنتفعة على ميدانها، وتُبْقي على انسجامها الخاص مع ماضيها وخطابها. في أكثر من مناسبة، أكّدتُ أنّ التجربة الشعرية الجديدة في المغرب فجّرت جماليّات كتابيةج ديدة، وعكست فهماً جديداً لآليّات تدبُّر الكيان الشعري، ممّا يمكن للمهتم أن يتتبّعه ويتأمله في دواوين شعرائها، التي شرعت في الظهور منذ أواخر التسعينيّات،ونُشرت على نفقتهم الخاصة بسبب غياب الدعم والعماء الذي وُوجهوا به، أو في إطار سلسلة 'الإصدار الأول' الذي أطلقته، على علّاته، وزارة الثقافة فيما بعد. وداخل سنوات التجربة هاته، نكتشف أنّ العلاقة التي كانت تحكم سابقاً المركز (الممثّلب المحور الدارالبيضاء ـ الرباط ـ فاس) بالهامش (الممثّل بأطراف كثيرة في الشمال والوسط والجنوب)، قد تلاشت فعلاً، بل صار الهامش مركزاً، وغدت حساسيّات الفعل الشعري تقدم إلينا من مدنٍ مثل وجدة وتطوان ومراكش وطاطا وآسفي وسواها. صرنا اليوم نتعرّف على شعراء مهمّين أنضجوا تجاربهم في الهامش وخارج بهرجة الأضواء التي يُناوربها الإعلام الحزبي والرسمي من حين إلى آخر.

-
هذا الحراك شعري الذي تشهده الهوامش مقابل تراجع المراكز التقليدية ممثلة في المؤسسات الثقافية الرسمية. ألايمكن أن يمس هذا الحراك بالبعدين الفكري والجمالي للقصيدة الجديدة فيالمغرب؟ (...) تتمّة الحوار على الرابط التالي:

 

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today%5C15qpt895....

Fernando Pessoa

أغاني فيرناندو بيسوا: لا أعرف ما سيأتي به الغد لي!

عبد اللّطيف الوراري
 pessoa.jpg

يعدّ "ديوان الأغاني" واحداً من أهمّ أعمال الشاعر البرتغالي ذائع الصّيت فيرناندو بيسوا (1888ـ 1935)، والموقَّعة باسمه الحقيقي؛ وقد ظلّ بيسوا على مرّ سنوات يُغذّيه بالقصائد تلو القصائد، أغلبها موزون ومقفّى، وزاد عليها مترجمها الشاعر المغربي المهدي أخريف "قصائد أخرى" من الأعمال المنسوبة للشاعر بيسوا نفسه، من ذلك "هوامش على قصيدة درامية من فاوست" و"مطر مائل" و"فصول عن المومياء"، عدا مسرحيّته من فصل واحد "البحّار". وإذا كان العمل يؤّرخ قصائد بيسوا الثلاثينية الّتي طبعتْها السوداويّة وقوّة التعبير، فإنّ حواريّته "البحّار" المكتوبة عام 1913، مثّلت في الواقع بدايةً حقيقيّة ومدهشة لحداثته المتفردة، الّتي انطلقت شراراتها الكبرى ابتداءً من 8 مارس 1914، حين شهد ذلك اليوم التاريخي والاستثنائي ميلاد أنداد بيسوا أجمعهم في جلسة واحدة طويلة، كاييرو وريكاردو رييس وألبارو دي كامبوس وهم يؤلِّفون، بالتوالي، قصائد "راعي القطيع" و"أناشيد" ثم ّ "نشيد الظفر". لكنّ مجلة "أورفي"، ذات العدديْن اليتيمين، الّتي نُشِرت بها معظم هذه القصائد، وقصائد مُجايليْه ماريو ساكارنيرو وألمادا نيغريروس هي الّتي عرّفت بنتاج بيسوا وأنداده، بقدرما فجّرت الحداثة الشّعرية البرتغالية، حتّى وإنْ أثارت ردّات فعلٍ عنيفة في الصحافة من قبل مجتمع الأدب المحافظ والرسمي، إلى حدّ أنْ نُعِت ما تنشره المجلّة ب "أدب مستشفى المجانين" و"أحطّ درجات الانحطاط الشعري".

بيد أنّ بيسوا، بعد معاناته تقلُّباتٍ وأحداثاً عصفت بحياته وتركت نُدوبها اللّامعة في نصوصه، وسنواتٍ من الصمت في أشعاره وأشعار بعض أنداده، سوف يعثر في النهاية على مُخاطبين، متأخراً جدّاً كما هي العادة، بعد أن التأم جماعة من النقّاد الجدد للتعريف بأدبه في مجلة "حضور"، ابتداءً من عام 1927. ولم تتفتّق موهبة بيسوا وتنْشُط مخيّلة عن أقصاها إلّا في سنوات عمره الستّ الأخيرة، لمّا دفع بنتاجه الشّعري إلى ذروته، واقترح مشاريع كتابيّة لا تزال مثار جدالٍ حتّى اليوم، بما في ذلك "كتاب اللّاطمأنينة" المنسوب إلى برنارد سوارش. ولا أعرف إن كان بيسوا يتوقّع كلّ المجد الّذي حازه مشروعه الشّعري، وبزّ به كثيراً من شعراء الأرض الأفذاذ، وهو يكتب بيْتاً شعرياً له قبل يوم واحد من وفاته 30 نوفمبر 1935: لا أعرف ما سيأتي به الغد لي!
إنّ المتأمّل في "ديوان الأغاني" يكتشف خصوصيّة الكون الشّعري عند بيسوا، ودرجة تعبيره المتوتّرة والصادمة عن رؤيا شعريّة تستبطن ذات الشّاعر بطباعها المتقلّبة، والعالم بأشيائه ومفارقاته المتنوّعة، الّتي يصدع بها في شذراتٍ يُنادي فيها الشعر على التأمُّل والوساوس الميتافيزيقية، بمقدارنا ما تؤذينا كثافتها المضيئة في الصميم. على قصائد الأغاني تطغى لهجةٌ حادّة وضدّية وشكّاكة كأنّ لا هوية لها. في دليلها الأبيض، تسبح بلا نهاية، ولا مرجع يدمغ شهادتها إلّا رَجْع من صدى العدم. إلى ذلك، نعثرعلى شعورٍ فاجعٍ يهجع في المتخيَّل الّذي يتكلّم السآمة والضجر واللّعنة، ثمّ يترك الشذرات تستسلم من تلقاء بنائها لميتافيزيقا الغياب، الّتي تسندها هشاشة الذّات التي تُداري خيباتها بسخريّة سوداء، وبفائض معنى جريح يستدعي ذواتاً وأقنعة مختلفة لا تُحدث في الأغاني بحمولتها الرومانسية إلّا تكريساً لمنطق الهذيان والجنون والانتشاء ب"دوران الرّيح".
لم يفت الشّاعر المغربي المهدي أخريف، الّذي اعتكف منذ عقْدٍ ونصف على ترجمة شعر بيسوا وأنداده بصبر المحبّ وأريحيّته، أن يحرص على تقديم القصائد الّتي تعتبر، في نظره، الأجود والأكثر تمثيليّة لعوالم الشاعر البرتغالي السراديبيّة بتنويعاتها الفارهة والخصبة، مُذيِّلاً إيّاها بملحقيْن ضمّ أولهما رسالتيْن من بيسوا إلى محرِّر مجلة "حضور" الّتي ردّت الاعتبار له أدبيّاً، وثانيهما مختاراتٍ واسعة من قراءة مطوَّلة كتبها ألبار ودي كامبوس عن أستاذه ومعلِّم الأنداد كلّهم ألبرطو كاييرو. مثلما لم يفت المترجم للتحرّي في ما يترجمه أن يرجع إلى الأصول البرتغالية الّتي لديه، وأن يعتمد شروح الباحثين الّذين اختصّوا أدب في بيسوا من البرتغاليّين والإسبان، لأنّ من أحبّ أحداً أفنى عمره من أجله.

 

مختارات من ديوان بيسوا:

 

طحلب


في الليل الساكنِ
 يهبُّ صمتُ النسيم…
 أشياء غير واضحة
تحدث لي في الرّوح…

 بابٌ مُوارَب
ابتسامة متشكّكة
قلقٌ لا يتواءَمُ
مع ما يحدُث.

يحلُم، يتشكَّك، أرفَعه
 إلى من أظنُّني إيّاه.
فيحتكُّ صوْتُه الذي من دخان
 بالنُّعاس الذي بداخلي.

 يدٌ مباغتة لشبح خفيّ
تهزُّني فيما أحلامي تخترقُ الليل،
تهزُّني فأصحو؛ لكن، مُغمى عليَّ.
 لا أجِد في الليل أيَّ شبح أو علامة.

 لكن رعباً قديماً لم يدفن،
أحمله في القلب، كما لو نازلاً
من عرش، يؤكِّده إلا هي
بلا أوامر، بلا إشارة ولا شتيمة.

 وأنا أحسٌ فجأة حياتي
مشدودة بحَبْل لا وعْيٍ ما
 إلى يَدٍ ليليّة هي دليلي

لا أحسُّني أحداً
عَدا ظلّ شبح لا أراه يُفْزعني
 وأنا موجود لأجل لا شيْءٍ
مثْلَ ضبابٍ بارد.

[صص.27 ـ 29، ديوان الأغاني]

 

 

هكذا

 

عندما كنتُ شابّاً، كنت أقولُ لنفسي:
كيف تمْضي الأيّام، يوماً بعد يوم،
بدونِ أنْ تَحصُل على شيء أو تُحاول
الحصول على شيء!
لكنّني، وأنا كبير، بنفس الغيْظ أقول:
كيْف، يوماً بعد يوم، لم يفْعل الجَميع
شيْئاً، ولا شيء يُنْوى فعله.
 هكذا، طبعا، وأنا شَيُخٌ، سأقول
 بنفْس الصوت ونفس المَعْنى:
ذات يوم سيَأتي اليوم
الذي لن أقول فيه شَيْئا.
من لم يكن شيئاً ولا هو بشيء
لن يقول أي شيء.

[ص.31، ديوان الأغاني]

زمن بعيد

 

أيَّتها الموسيقى الفقِيرة القديمة!
لا أدري أيّ فرح
يملأُ نظري العاطل بالدموع!
 أتذكَّر استماعاً آخرَ لكِ.
 لا أدري إنْ كنت سمعتُك
 في الطفولةِ التي
 تُذكِّرنِي بك.
بأيِّ الْتِياع مُغْتاظٍ
أهوى ذلك الزمن البعيد!
 هل كنْتُ سعيداً؟ لا أعلم:
في زمنٍ قدِيم كنْتُ الآن.

[ص.32، ديوان الأغاني]

 

 

في غضون ذلك


خَرير مياهٍ أريدُ،
خرير مياه وحسْبُ،
جنْبَ نومةٍ،
أحمل نُعاساً، أحزاناً
أحملُ معي ما لا أريد.

وكما لم أحبَّ شيئاً
ولا فعلتُ شيئاً،
كذلك أبغي أن أستريح من لا شيء
 غداً سأكون سعيداً
 إن وُجِد طريقٌ غداً

في غضون ذلك، في نُزْل
عَدم انشغالي بي،
سيجعلني النسيم أستمتع
 بأزهار بستانٍ آخر.
في غضون ذلك، في غضون ذلك،
في غضون ذلك لا أعرف ما..
مسكينة يا روحي، تبكين بلا دموع
وتسمعين كمَنْ يرى.

[ص.73ـ74، ديوان الأغاني]

 

 

مُذْ ولدت

 

منبوذٌ أنا
 في ذاتي حبسوني مُذْ ولدتُ
آه، لكنّني لُذْتُ بالفرار.

 إنْ كان الواحد يضجر
من المكان ذاته
 فكيف له من كونه واحدا ً
ألّا يضجر؟

 روحي تبحثُ عنّي
لأنني
أسير كمثل أمير
ليتها لا تعثُر أبداً عليَّ

كوني واحداً قَيْدٌ
كوني أناي عدَمُ كينونة
هارباً سأحْيا
لكن حيّاً بذلك سأكون.

[ص.99ـ100، ديوان الأغاني]

  

من جهة الجبل
 
تقول لي أغنية آتية
 من جهة الجبل، أنّ الروح
مهما امتلكَتْ،
 ستبقى تعِسة دائماً

 هذا العالم ليس بيْتَها
وكلُّ ما يقدِّمه لها
هي أشياء تقدَّم لمنْ
لا يرغبُ فيها.

 أتقول ذلك لي؟ لا موسيقى ولا صوت
 يصل إلى النافذة المفتوحة
حيث أسْرح ُوحيداً
مثل سطوع نجمة
[ص.99ـ100، ديوان الأغاني]

 

 

بإشارات نبيلة

منْ أعماق نهايات العالم
 أتوني سائلين:
أيّ رغبة عميقة في الحياة
 دفعتني إلى البكاء؟!

قلتُ أنا: ما حاول الشُّعراء تقديمه
في أعمال لا مكتملة على الدوام
 فيها وَضَعوا كينونتهم

هكذا بإشارة نبيلة،
أجَبْتُ مَنْ لَسْتُ أدري

 

فرناندو بيسوا، ديوان الأغاني وقصائد أخرى، ترجمة وتقديم: المهدي أخريف،منشورات وزارة الثقافة، مطبعة دار المناهل،ط، 2007.

 

أمجد ناصر في قصائد جديدة له

طوّحنا يا هوى.. طوحنا!

                                 أمجد ناصر

 

 

 

amjad.jpg

شاب يلمِّع شعره بالبرل كريم


مِنْ بين كلِّ الوجوه التي أحببتَها أو كرهتَها، يطلُّ عليك وجهُه كلما سمعتَ هذه الأغنية. تحاولُ أحياناً تَذَكّرَ اسم التي لها غمازتان وذيل فرسٍ فتفشلُ، وتحاول تَذَكُّر وجهَ الولدِ البدويِّ الذي سكب تنكة كازٍ على ثيابه وأشعل النار بنفسه لأنهم لم يزوجوه حبيبة قلبه فتفشل، وتحاولُ تذكّر يديّ والدك يقرصُ بواحدةٍ أذنك ويكتمُ بالثانية صوت المغني المصريّ في راديو ذي هيكلٍ عظميٍّ كبيرٍ فتفشل. وحده وجه ذلك المهلهل خِلقةً وثياباً، يطلُّ عليك في لقطةٍ ثابتةٍ، عندماسمعتما هذه الأغنية من راديو ترانزستور يتخطرُ به شابٌ يلمعُ شَعره بـ 'البرل كريم' في بلدةٍ تعلِّقُ الغبارَ على مشاجب العمالقة.
المغني المصريُّ الذي كنتما تتطوحان مع أغانيه متخيلين حبيباتٍ بالبكيني على شواطىء الاسكندرية مات بالبلهارسيا، صاحبك المهلهل خِلقةً وثياباً سقط من سقالةٍ مضحكةٍ في الصحراء ومات،وأنت هجرتَ بيتَ العائلة باكراً، لتثني على الحديد الثقيل في مصانعَ للصُلب لمترها، وظلت الأغنيةُ تتقافزُ بأربع أقدامٍ حافيةٍ على لظى سكةِ حديدٍ هجرَتْهاالقطارات:
طوحنا
يا هوى
طوحنا..

رفيق الطفولة المعذبة!

يراك مرةً كلَّ خمسِ، ستِ سنين، أنت الذي ما إن يعود إلى البيتالأول حتى يحزم حقائبه من جديد. تكون تروسُ الأيام ومُسَنَّناتُها (التي لا تصدأُ أبداً) قد طحنتْ عظاماً، هرستْ لحماً، تجشأتْ أحلاماً حامضةً في وجه أعتى المتفائلين. حروبٌ اندلعت وخبت، بلادٌ تفتَّتتْ، بورصاتٌ وعملاتٌ صعبةٌ طلعت ونزلت، وتكون قد أحببتَ كذا مرة واكتشفتَ أنه لم يكن حبَّاً بل رغبةً بنت كلب تعرف طريقها جيداً في أكثر ممرات نفسك وعورةً، ويكون الشيبُ قد اشتدَّ عزمه لزحزحتك عن العشرينات التي تتشبثُ بها على نحو أخرق، وهو كما هو بضحكته البلهاء الطيبة وريالته التي تسيل ما إن ينطق جملتين وراء بعضهما، يبادرك كأنَّ شيئاً لم يحصل، زمناً لميمرّ، بنفس الكليشيه التي لا بد أنه التقطها من فيلمٍ هنديٍّ أو مصريٍّ أيام الفرارمن المدرسة: يا رفيق الطفولة المعذبة! ويذكرك بحادثةٍ واحدةٍ لا تتذكرها البتة ولا تعلم مدى صحتها، ولكنها نابضةٌ في ذهنه كسمكةٍ انتشلت من الماء تواً، أمرته فيها(بصفتك زعيم شارع لا يعرفُ الرحمة!) بقطع أذن قطٍ سائبٍ كطلب انتسابٍ عاجلٍ لمملكة الأقوياء التي كنتَ (في رأيه) متوَّجاً على عرشها الشرير. المدهش في الأمر أنَّه،حسب روايته، قد فعل ذلك.

كان رفيق طفولتك فعلاً، الحافية حرفياً، لكن ليس المعذبة، إلاَّ إذا اعتبرت ألف صفعة من يد أبيك الكبيرة، ألف ركلة من بسطاره العسكري كذلك. انتهت، فجأة، طفولتكما، ككومبارس في عرضٍ مسرحيٍّ مرتجلٍ لتجدا أمامكما أدواراً لم تُحسنا أداءها: هو صار جندياً لم يطلق رصاصةً واحدةً، وأنت رحتَتطلقُ رصاصاً فارغاً ( كما بدا لاحقاً) على معاقل العالم القديم وترقصُ مع الكلمات في ظلمةٍ دامسة.

لا يكفي الظنُ أن للموت عملاً أكثر تعقيداً من اصطياد ضحكة طيبة كي يبقى 'رفيق الطفولة المعذبة' يروي بَعدك، بلا زيادة أو نقصان، حادثةالقط السائب مقطوع الأذن، فقد تركها لك لترويها وربما لتصدقها أيضاً. فالذين ماتوا،حتى الآن، وكنتَ مقتنعاً أن دورك قبلهم يتكدَّسون في رأسك حتى إنك صرت تتخلص منهم بمادةٍ أقوى من النسيان.

بريد الخفقات

لم تصدِّق، يوماً، أنَّ للمسمَّيات نصيباً من أسمائها (وإلا لما شَقِيَت جبالٌ بأسرها) ناهيك أن تكون مسؤولةً عن أقدارٍ تصنعها الصدفةُ وتنساها، مثلما لا تحمِّل هذه التلَّة وزرَ حجارةٍ بودلت بعملةٍ فاسدة. لكنَّ الأسماء في هذي النواحي تعني شيئاً، كذلك ينشط مقتفو الأثر في تعقّب المصائر الضالة.
أنت لم تأمَلْ شيئاً من هذا النُزل الذي يصلح اسمه عنواناً مثالياً لكتاب الرحالة الأجنبي الذي رأيته هناك، ولا فكَّر تَوأنت تصعدُ إلى غرفتك على سلمٍ حجريٍّ أبيضَ أن ينبضَ تحت الشرشف شيءٌ آخرُ سوى جسدك الذي أنهكه الترحال. حسنتُك الوحيدةُ التي تكافأ عليها أيها المهاجرُ الذي يحلُّ ضيفاً على ذاكرته أنك تؤمن بالصدفة. إنها رمية النرد التي طالما انتظرْتَ أنتُ سَوِّي حسابك مع وعودٍ كلما اقتربَت طلعَتْ خُلَّباً. غير أنك تفاءلت بالجاز،بتلك الحشرجات الطويلة، المتقطّعة، في شرفةٍ مطلَّةٍ على مدينةٍ تنقشُ اسم الجلالة،بامتنانٍ كاذبٍ، على أنصابها الحجرية. الأمرُ الوحيد الذي فعلته لاستدراج الصدفة العنيدة تلك اللمسة العارضة، قل الماكرة، على كتف المغنية القادمة من المدرج الكبير فيما ظلت الأغنية التي تتندر على حبٍّ ضائعٍ في الاسكندرية تُرسِّبُ أكثر من احتمالٍ في قرارة الكأس. جازٌ في مفازة الخبز والشاي وأقنعةٌ تخفي عيوناً تصطادُالعلامات في مهدها. لكن الوردة التي تركَتْها على الطاولة يدٌ عابرةٌ هي التي أوصلت بريد الخفقات.

13.05.2012

حوار مع رولان بارت

كيف يتأتّى لكلامي أن يذهب إلى ماوراء كتابتي؟

                                         حوار غير منشور مع الناقد الفرنسي رولان بارت

BARTHES.jpg

 

ترجمة وتقديم: بنعيسى بوحمالة

 
أفردت شهرية "الماغازين ليتيرير" الفرنسية الذّائعة الصيت عددها (482)، لشهر يناير 2009، للناقد الفرنسي الراحل رولان بارت (12 نونبر 1915 ? 26 مارس 1980)، إحدى القامات الفارهة في المشهد النقدي و الثقافي، الفرنسي و العالمي، للقرن العشرين. فإلى جانب ميشيل فوكو و حفرياته العميقة، و المستفزّة في آن معا، في أنساق السلطة والمعرفة في البنية القيميّة و الثقافية الغربية.. كلود ليفي ستراوس واستكشافاته المذهلة للمعقلن، الدّال، و الغائي في أنظمة حياة ما تعوّدت الأدبيات الاستعمارية الغربية، المتمركزة والمتعالية، على نعتهم بالبدائيين.. بفضل هذا الثالوث الفكري المتشامخ أمكن لفرنسا أن تعثر ثانية على نكهتها الثقافية الجاذبة خصوصا مع غياب أسماء كبرى أخرى من عيار أندري مالرو، جان بول سارتر، وسان جون بّيرس.. وإذا ما نحن استأنسنا بالمثل السائر، المسكوك.. لربّ نقمة في طيّها نعمة.. لقلنا لولا أن كان رولان بارت ابتلي،في سني شبابه، بمرض سيلزمه السرير، لمدة طويلة، في أحد المستشفيات لما كان قرأ، على سبيل طرد الملل و تبديد القنوط الذي عادة ما ترخيه أيّما قعدة مديدة في فضاء استشفائي، مصنّفين أساسيين سيكون لهما أثر حاسم في مشروعه النقدي، ألا و هما "محاضرات في علم اللغة العام" لعالم اللسانيات السويسري فرديناند دي سوسور و"ما الأدب ؟ " للفيلسوف الوجودي جان بول سارتر. و هو يقرأ الكتابين و يتمعّن في افتراضاتهما وخلاصاتهما كانت حينها تتبلور، وئيدا، بذرة تفكيره في ماهيات اللغة و الكتابة، الأسلوب، المجتمع، و الالتزام..؛ ويتخلّق الإبدال النظري الفارق الذي سيعرف أجرأته القوية و الواعدة في كتابه الباكر و التّأسيسي "درجة الصفر في الكتابة"، وحيث يتبدّى، من جهة أولى، وعيه الغائر بجسامة اللغة كأداة فائقة التنسيق بأثر من جوهرها العلائقي الذي لا محلّ فيه للعشوائية أو المصادفة، الشيء الذي يفيده تشبيه دي سوسور فضاء اللغة برقعة شطرنج، فضلا عن تحبيذه لانفتاح علم السيميولوجيا على نتائج علم اللغة نظرا إلى الفوائد القصوى التي يمكن أن يجتنيها من الدرس اللساني، و ذلك ضدّا على أمل صاحب "محاضرات في علم اللغة العام" في أن يدرك هذا الدرس أقصى نجاعته النظرية و العملية اطّرادا مع تنامي استمداده لتقنيات علم السيميولوجيا و إنجازاته النّوعية، و من جهة ثانية اعتناقه الفطن ، الذي سينحدرإليه من الأطروحة النّيتشوية في هذا الصدد، بأن معترك الكتابة ليوجد، أوّلا وأخيرا، في صميم اللغة لا خارجها و، بالتالي، فلا التزام بالمعنى السّارتري، و لا موالاة لتطلّعات مستضعفي الأرض و المجتمع و التاريخ و الإيديولوجيا.. بالمعنى الماركسي، يجريان خارج حدود المعجم و التوليف و التّخييل، و لا مجابهة للسلطة السياسية، و معها السلطة الاستهلاكية بما هي أداة دوران الرأسمال و تجبّره ، إلاّفي القلب من اللغة بوصفها الآلة الرمزية الجهنّمية لفبركة السلطات المرئية واللاّمرئية، السلطات برمّتها.

من شرارة قراءته المسلّية تلك، تخفّفا من ألمالمرض و برحائه، سينبثق صرح فكري تأخذ أعمدته وطبقاته برقاب بعضها البعض و تشرع لغة نقدية أخرى، طريّة و مغوية، في السريان في مجال نقدي فرنسي، و غربي، سمته المحافظة والانغلاق و ذلك بأثر من رضوخه، كلّيا أو يكاد، لردح من الزمن لإملاءات المدرسة اللاّنسونية (نسبة إلى الناقد غوستاف لانسون) المنشدّة إلى اعتبارات بيوغرافيا المؤلّف و التاريخ و أحوال المجتمع و المواضعات الأخلاقية.. في التّعاطي مع النصالأدبي وتقييم معياريّته و وظيفته في آن معا. كذا سيزرع رولان بارت في ثلّة منالفتية النّجباء و المفعمين حيوية نقدية وإيديولوجية، ممّن التمّوا حوله في ستينيات القرن الماضي، روح وضع طابوهات الدرس الأدبي الفرنسي، ذي المرجعية اللاّنسونية الآخذة في الترهّل، موضع مساءلة و تفنيد، والتّجاسر على اجتراح بدائل مستجدة لمقاربة البعبع المنيع و المخيف الذي نتواطأ على نعته بالنص الأدبي، جاعلا من نفسه قدوة في هذا المضمار المجازف و هو يصدر كتابه "نقد وحقيقة" الذي هو بمثابة ضربة قاصمة أو، بالحريّ، تشييع نافد للاّنسونية، فكانت الموجة البنيوية الفرنسية الكاسحة التي ستراكم، و قد تقوّضت القلعة اللاّنسونية إلاّ ما كان من احتضار ماتبقّى من بعض مشايعيها المعاندين، كريمون بّيكار، أرصدة ثمينة، سواء من خلال حلقة "تيل كيل Tel Quel" أو مجلتي "نقد critique" و "عقل Esprit"، في التّشييد المصطلحي والتحليل والتوصيف و النّمذجة.. ستصل آثارها الفاعلة سريعا إلى المحافل الأكاديمية و الثقافية و الإعلامية في أكثر من جهة في العالم، و منها العالم العربي، بفضل ذكاء و مثابرة أولئك الفتية الذين ستصبح لهم، مع توالي السنين وتواتر الإصدارات، أسماء اعتبارية مفحمة من قبيل فيليب سوليرس وجيرار جنيت والفرنسيين من أصل بلغاري تزفيتان تودوروف وجوليا كريستيفا.

إنه، وبامتياز، العابر الهائل، تيمّنا، إن شئنا، بالصفة التقريظيّة التي انغدقت، استحقاقا، على مواطنه الشاعر البوهيمي آرثور رامبو. لم يكن لفرنسا، على بذخها و مغرياتها، أن تعتقله أوتصادر منه حق المعاينة الحميمة والمستبصرة لجغرافيات و ثقافات و متخيّلات مغايرة،لذلك فهو لن يتورّع عن الإقامة، لفترات لا يستهان بها، في بلدان كمصر و المغرب ورومانيا بصفته مدرّسا ألمعيّا تتلمذت على يدي فكره الثاقب أسماء سيكون لها شأنها الوازن في ثقافاتها، مثلما لن يتقاعس عن السفر إلى أقصى تخوم آسيا و حيث سيزور الصين، و بخاصة اليابان التي سوف يثمر منها كتابه الساحر "إمبراطورية العلامات".. العظة السيميولوجية الفذّة، التي لا يمكن أن يتبرّع بها أحد سواه، في استكناه متخيّل ثقافي ضارب في عتاقته و روحيّته. و بالمثل فإن شغفه باللغة، و ضمنيا بالأدبالذي هو حقل تحقّقها الماكر و الملتوي، لن يثنيه عن الارتحال العاشق، لكن اليقظ، في الأفضية المترامية، الملتبسة، للأجساد و الأشكال والمعاني والرّمزيات.. و من ثمّ انكبابه على الطبيعة والزّي النسوي والصورة الفوتوغرافية وبلاغة الإشهار وتقليعات الموضة و الثقافة الشعبية والتشكيل والسينما والرسائل الغرامية..؛ تماما كما انكبّ، من غير ما مفاضلة، على الشعر والرواية و القصة القصيرة و السيرة الذاتية و المسرح و التاريخ..؛ مستثمرا الأجهزة التصوّرية والأدائية للبنيوية والتحليل النفسي و علم الاجتماع و السيميولوجيا.. انتهاء إلى اختياره، في الطور الأخير من مساره الفكري و النقدي، مباشرة قراءة النصوص، الأدبية وغير الأدبية،قراءة متنصّلة من أيّما عدّة منهجية أو مصطلحية، قراءة حرّة، مبدعة، عاشقة كمايسمّيها، تصبّ، أوّلا و أخيرا، في الحساب الجسدي و الروحي الشخصي للناقد - القارئ أكثر ممّا تتماهى مع صرامة المنهج ووقاره النظري و الإجرائي، وهو ما يتلامح فيبعض من كتبه المائزة، مثل "متعة النص" و "الغرفة المضاءة" و "مقاطع من خطاب عاشق"،التي أعقبت مؤلفاته التي تمخّض عنها الطور الأول من مساره ذاك، مثل "درجة الصفر في الكتابة" و "نقد و حقيقة" و"مقالات نقدية" و "س.ز" و "حول راسين" و"نسق الموضة" و "درس السيميولوجيا" و "ساد، فوريي، لويولا".. وفي خضمّ هذا و ذاك فما من علامة،عظم أو تضاءل حجمها و محمولها، تتلابس و ماهيات المعرفة، الأدب، اللغة، الكتابة،الحداثة، الطليعة، التاريخ، الإيديولوجيا، السلطة، التيكنولوجيا، الصّرعات الاستهلاكية.. إلاّ وشاكسها بذهنه النّابه و حساسيّته المبهرة متحرّيا، بلغتهالسهلة الممتنعة، بتلويناته و تخريجاته التأويلية الأخّاذة، عن الجوهر الذي يجعل من المشهد الحضاري الغربي الحديث محض استعادة بهرجية، ليس أكثر، للاوعي ميثولوجي سحيق تغدو معه لا كبريات العلامات المستحدثة و لا مستدقّاتها مجرد قرائن لمعيش لا يفرق عن ذاك الذي اكتنف الأزمنة القديمة سوى في الشكل و النكهة اللذين أضفتهما عليه الطبقة البرجوازية واستراتيجياتها المادية والثقافية.

للأسف أنه غادر الحياة في سنّ كانت قد توهّجت أثناءها في مخيّلته العديد من الالتماعات التي كان سيحوّلها،كما دأبه، إلى كتب قيّمة تنضاف إلى تراثه التأليفي الحافل و المتعدّد. لقد كانت الكلمة الفصل في انصرام أجله، ومعه حضوره الفكري و النقدي، لشاحنة عمياء تخبط خبط عشواء ذات صباح من شهر مارس 1980 في أحد شوارع باريس مهيّئة له، بينما هو يذرع طريقه راجلا إلى حيث ينتظره طلبته في قاعة الدرس، مصرعه المأساوي، بله العبثي،مصادرة، هكذا، من فرنسا هذا الاسم الاستثنائي، و لعل قمّة العبث أو، بالأولى،المفارقة أن لم يدر السّائق الجاني، العاثر الطّالع، بماذا ابتلي و هو يرى حشود السّاسة والإعلاميين والمفكرين والكتّاب والطلاّب.. يتدافعون بالمناكب حوالي جسد رولان بارت، هو من كتب عن الجسد على نحو لم يطاوله فيه أحد وقوّله بنبرة مستجدّة و صميمة، المضرّج بدمائه الفائرة.. إذ لم يكن يعرف، و كيف له ذلك و هو المواطن النّمطي الصالح، أنه قد حرم، بفعلته غير المنتواة، الثقافة الفرنسية والعالمية من أحد أهمّ نشطائها تفكيرا و إبداعية. وإذن كنوع من تحيّة رمزية لأيقونة الثقافة الفرنسية و ذاكرته، كاستعادة لمنجزه و أدواره المختلفة و المتراكبة في هذه الثقافة جاء هذا الملف الذي يضم دراسات ومقالات وتغطيّات وحوارات منالغنى و التكامل بمكان و ينتظمه عنوان شامل ودالّ ألا و هو "بارت يبعث بإشارة ثانية". و من بين موادّ الملفّ حوار أجري مع رولان بارت منذ ما يقرب من أربعين سنة لكنه ينشر لأول مرة، و إذا ما أردفنا هذا المعطى إلى أهمية ما يرد فيه من أفكار ورؤى وتحليلات أمكننا اعتباره، أي الحوار، وثيقة ذات فائدة قصوى في سيرة بارت،إنسانا و كاتبا، خصوصا و أنه يقتادنا إلى ضفاف فترة باكرة في سيرته كانت تتشكّل خلالها النّواة الصلبة لما أسميناه، قبل حين، صرحا فكريا و ذلك بكل ما في الكلمة من معنى. فالحوار يركّز على الكتاب-المفتاح "درجة الصفر في الكتابة"، على خلفياته، إوالياته، وأطروحاته الأساسية.. على ثنائية الكلام و الكتابة.. أي على نقطة انطلاق مشوار فكري و نقدي سيتمفصل عناوين ورهانات وفتوحات ستبصم، و لا شك، وعي أطياف مختلفة من المشتغلين بالأدب و النقد.

لقد تمّ توثيق هذا الحوار بزنقة سيرفادوني في المقاطعة الباريسية السادسة، بمقرّ إقامة رولان بارت، و ذلك يومي 23 و 24 نونبر 1970. كانت أمنية جان جوزي مارشان، المدير، ساعتها، لمصلحة السينما في هيئة البثّ الإذاعي و التلفزي الفرنسية، أن يصوّر شريط حول بارت لفائدة سلسلة "أرشيفات القرن العشرين" فحصل أن كان هناك استعداد لإنجازه. كذا سيهيّئ بارت،الكاتب وعالم السيميولوجيا، نفسه لهذه المأمورية بمنتهى ما تتطلّبه من عناية.. فهو من سيقترح، مثلا، معاودة إجاباته، في اليوم الموالي، عن الأسئلة التي انصبّت على مقالاته المبكّرة. لنقل بأن ما ننشره اليوم يمثّل أقلّ من نسبة % 10 من إجمالي الحوار، و من أجل تدقيق صياغته (تفريغا له من آلة اختزال) كان هناك إزماع على الوفاء، ما أمكن، للغة بارت التي تسلس له القياد على نحو يثير الدهشة فعلا.

:أنظر الحوار مترجماً على الرابط التالي 

02.05.2012

حوار

بمناسبة صدور كتابه الجديد “نقد الإيقاع”.. عبد اللطيف الوراري (للملحق الثقافي) لجريدة الاتحاد الإماراتية: نقد النظرية والكليشيهات التي تتمُّ باسم الإيقاع 

 حاوره: محمد نجيم

ittihad.jpg

يرى الشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري، الذي توّج بجائزة الشارقة للإبداع العربي في دورتها الثانية عشرة 2008 عن بحثه: “تحولات المعنى في الشعر العربي”، أن نقده لنظريّة العروض العربي بهوامشها القديمة والحديثة نقد للكليشيهات التي تتمُّ باسم الإيقاع، ويعتبر الشعر المغربي اليوم غابة لم تُطلق كلَّ أغصانها، كما أن القصيدة العمودية الإماراتية تتعايش مع قصيدة التفعيلة وتستفيد من منجز قصيدة النثر. ويقول إن صعود الشعر النسائي الإماراتي تحقق بسبب ما أظهرته الشاعرات الإماراتيّات من صَوْتٍ جريءٍ ووعيٍ فنيٍّ تكشفه ما تعتمدنه من رؤى وتقنيات كتابيّة.وبمناسبة صدور الكتاب الجديد لعبد اللطيف الوراري “نقد الإيقاع” كان معه الحوار التالي:...طالع الحوار على الرابط التالي: ــ

http://www.alittihad.ae/details.php?id=43487&y=2012 

24.04.2012

إيمي سيزير في ذكرى رحيله

الثقافة هي كلُّ ما ابتكره الإنسان ليجعل الحياة قابلةً لأن تُعاش!

تقديم وترجمة: عبد اللطيف الوراري

 aime-cesaire.jpg

     إيمِي سيزير (1913- 2008م) لم يكن أيقونة المارتينيك الشعرية فحسب، بل والإنسانية في زمنيّتها الكبرى. اِختار لغة فرنسا للتعبير عن أفكاره المناهضة لإرْثها الاستعماري، ومن مخيّلته الباذخة أطلق معنى الزنجيّ وفنّ حياته، وطريقة استبصاره للحياة والعالم، خارج كلّ إحساسٍ بالدّونية التي واجهه بها الرجل الأببض. كان يُنْشد بملء فيه وصمته: زنجيٌّ أنا وزنْجيّاً سأبْقى !كان سيزير شاعراً نسيج وحده ليس في بلده الأصلي فحسب، بل في كلّ البلاد التي كانت تنشد الحرية. لم يقبل أن ينضوي شعره تحت مدرسة شعريّة بما في ذلك السوريالية التي أعجب بِها كاتّجاهٍ فنّي. كان له أسلوبه الخاصّ، ومتخيّله الخاصّ، ومغامرته الخاصّة الّتي كان يُخْصب مفرداتِها في عُبوره مياه الجزر الدافئة وسماواتِها وشموسها وأقمارها وتضاريسها المديدة وهو يصرخ، ويُغنّي، ويرى ويبتكر. بالفعل، كان سيزير مُنْشغلاً باكتشاف جغرافيّته الخصيبة التي وجد الشّعر الذي كان يكتبه الآخر لا يعرفها حتّى وهو يدّعيها؛ كما لا نخطئ في شعره كبرياء الزنْجيّ وطهرانيّته، وأيضاً عصيانه وتوحُّشه. لهذا كلِّه، يستحقّ شعر إيمي سيزير أنْ يُقْرأ ويُكْتشف من جديد، لا لأنّه يخلق في الكلمات الدّهشة وروح معجزة الشعر فحسب، بل  يُعلّمنا من خلالها أن نكون أحراراً وشديدي الانتباه لإنسانيّتنا التي تُقاوم ضحالتَها وتنميطها باستمرار.

   في هذا الحوار الذي نترجمه بتصرُّف عن مجلة (لير) الفرنسية، نستعيد ذكرى هذا الشاعر الذي اجتمع في شخصه الكاتب والمثقّف والسياسي، والذي افتقدت الإنسانية برحيله في مثل هذه الأيام قبل أربع سنوات، واحداً من أهمّ شعراء القرن العشرين الذين زاوجوا بين تجديد الشعر والوفاء به في التعبير عن التجربة الإنسانية الحديثة في صراعها على الوجود والهويّة وإثبات الذات.

ماريز كوندي: إذا نظرنا إلى حالة العالم، هل جاز أن نعتقد أنّ الشعر هو "روح معجزة" تُحطّم الحواجز التي تعيق الحريات؟

إيمي سيزير: لا أعرف إن كانت معجزة...

س. أنت من قال هذا.

   سيزير: بالنسبة لي، الشِّعر هو مهمٌّ للغاية، وأساسيٌّ أيضاً. دائماً ما كنت أعتقد، بحقّ أو بغير حقّ، أن الروح بالنسبة لنا ـ والتي لم نؤمن بها بما يكفي ـ هي الثقافة. لا أقول الحضارة، الكلمة التي ارتبطت أكثر بالقرن التاسع عشر للميلاد. هكذا قُوبل بين الحضارة والتوحُّش؛ لكن علماء الإثنيات والتجربة علّمونا أن ثمّةَ ثقافة. أعرِّف الثقافة بما يلي: إنّها كلُّ ما تخيَّله الناس من أجل أن يشكِّلوا العالم ويرضون به ويجعلون الإنسان جديراً به. وهذا ما أعنيه بالثقافة: إنّها كلُّ ما ابتكره الإنسان ليجعل الحياة قابلةً لأن تُعاش ويواجه الموت. وبصفتي مارتينيكيّاً، ما زلت أعتقد أنّ هناك شيئاً ما لم يُقدّر في المارتينيك والأنتيل حقَّ قدره. هذا ليس عتاباً. يوجد تاريخ، وتوجد حالات. نحن وقعنا تحت هيمنة فكرة العبودية ووجب أن نحاربها. ننتمي إلى عصرها ويجب أن نقبل بأنّ الجمهورية الثالثة اكتشفت المذهب الذي تبنّيناه تماماً، وهو المذهب الذي نسمّيه الاستيعاب(l’assimilation) . وحتّى يكون متحضّراً وليس متوحشاً، فإنّه يكمن في التخلي عن عدد من الأشياء، وفي تبنّي صيغة ما للحياة. كلُّ ذلك كان بالفعل جديراً بالاحترام في القرن التاسع عشر الذي كان يتسارع، وقد سبق أن أدركت، وأنا في الثانوية برفقة شقيقكم أوغست ــ أن ذلك كان محترماً لكنّه لم يعد كافياً. لم يُجِبْ هذا المذهب عن حاجيات القرن العشرين، فيما كان القرن التاسع عشر عصر الرومانسية وأوهام الماضي.

  علينا ألّا ننكر الجميل: بدهيٌّ أن ذلك قد أسدى خدمات جليلة، لكن في العالم الحديث وجب شيء آخر، وهو لماذا استولت عليّ بسرعة الفكرة التي لم يكن لها مكانٌ في سلوكاتنا وفلسفاتنا حتّى وإن كانت غير مجهولة، وهي: الهويّة. عندما قال أهل المارتينيك"استيعاب" طلبوا منّي، وأنا منتخب نائباً، أن أعود من فرنسا بالمارتينيك الواقعة تحت حمايتها كمقاطعة. أعترف بأنّي أُصِبْتُ بارتباك. تردّدتُ. آخيراً، فهمتُ ـ وهو ما آلمني ـ أنّ الاستيعاب كان يعني الاغتراب، الرفض بحدّ ذاته. كان الأمر فظيعاً... لكن فكروا جيّداً في أن شباب فور دوفرانس والضواحي لا يقصدون ذلك بالمرّة. هم لمّا كان ينطقون لفظة "استيعاب" كانوا يعطونها معنى خاصّاً جدّاً. وأنا قبلت الدفاع عن هذه الأطروحة، لأنّني فهمت ـ وهذا بديهيٌّ ـ أنّ هناك كلمات بقدرما ما يثوي خلف الكلمات من معانٍ. في الواقع، كان هناك من الفقراء من يأتيني متعلّقاً بي يسألني "الاستيعاب"، طالما أن المارتينيك صارت مقاطعة فرنسية، مع أنّ ما يريده ليس الاستيعاب، بل المساواة مع الفرنسيّين. أنظر لماذا نحن نستعيض عن ذلك بفكرة التقطيع التي لا تعارض الاستيعاب تعارضاً قويّاً، إذ المقاطعة هي على شاكلة نظام إداري. لكن، بالنسبة لي، التوازي الجوهري لا يتمّ إلا بخصوص الهويّة. من هنا أهمّية الثقافة. أعود إلى سؤالك: لماذا كلمات الشِّعر هي "قوى معجزة"؟ لأنّي اعتقدت بأنّ الخلاص يأتي من هنا، بشكْلٍ مُعْجز. تلك هي المعجزة في نظري.

س. قلتم كذلك إنّه مادام هناك زنجيُّون يحيون في الأرض، فإنّ الزنوجة ستبقى حيّة. هل تعتقد بأنّ الأمر صحيح في كلِّ الأحوال؟

سيزير: نعم، هذا صحيح تماماً، وأؤكّده. ما الذي يعنيه ذلك؟ ثرثرنا كثيراً في هذا الموضوع. بالنسبة لي، تعتبر الزنوجة هي الثقافة والشِّعر. لماذا؟ كثيراً ما أحببت كلَّ ما تعلّمته في السوربون، وأومن به. أنا معجبٌ للغاية باللاتينيّين والإغريق، غير أنّي أعرف أنّ هناك المصريّين، والإغريق والرومان مدينون كثيراً لمصر وأثيوبيا، ولهذا العالم بأسره، ولإفريقيا بالتالي. وعيتُ بهذا الأمر مبكّراً. آخذ بالثقافة، وليس بالثقافة الضيقة أو الكلاسيكية التي توافق عليها الاختبارات والشواهد الأوربية. بالنسبة لي، الأمر مختلف. ما هو الشِّعر؟ ولماذا أتعلّق به؟ لماذا كنتُ شاعراً وسورياليّاً في آن؟ لم يكن منّي ذلك بمحض إرادة وصريح عبارة، ولم يحصل في المدرسة التي التحقت بها. عندما التقيتُ بأندريه بريتون أوضحتُ له أنّي محسوبٌ على السوريالية من غير أن أعرفها في الواقع... لكن ما السبب؟ إنّ ما أثّر في داخل المجتمع الأنتيلي هو المظهر والتكيُّف المرن إلى حدٍّ ما، وهو ما لم أتحمّله من ناحيتي، لكن أدركت أنّه بداخل الإنسان الأنتيلي يوجد شيء آخر غير المظهر، يوجد العمق أكثر من ذلك. والشِّعر هو هذه الحقيقة العميقة التي تتجلّى. تعرفون أنّه حتى الساعة نُكثر البحث في كلِّ ما يوجد أسفل القشرة الأرضية؛ وأمّا الذي أسعى إليه فهو البحث عمّا يوجد تحت القشرة الدنيوية، الأكاديمية. ما الذي يكتشفه الشعر؟ متى شعّتْ بين أيديكم صورة شعريّة تُعملون انتباهكم ! سنقول الآن ـ وأنا لست خبيراً بالجغرافيا ـ إنّ هذا لنبعٌ فوّارٌ من الماء الساخن... إنتبهي إلى الصورة الشعرية، فهي تكشف العالم الأعمق، ثُمّ انظري لماذا الشِّعر هو معجز.

س. هل تعتقد أنّه بفضل الزُّنوجة تغيَّر أهل المارتينيك والغوادلوبيّين؟

سيزير: كلّا، لم أسألهم إن تغيَّروا، لكن أدعهم يعون حقيقتهم العميقة بأنفسهم.

س. ذلك ما فعلوه؟

سيزير: نعم، أعتقد ذلك. وأعتقد بأنّه توجد تطوُّرات. لكن ذلك ليس سهلاً، ليس سهلاً بالمرّة كما تعرفون. أعتقد بأنّ الوعي بالهويّة خلق تقدُّماً عظيماً لدينا.

س. أنظروا إلى إفريقيا اليوم: حروب أهلية، صراعات، أوبئة وهلاك شعوب بأكملها. ماذا يمكن أن تقول لشابٍّ من الأنتيل يؤمن بإفريقيا؟

سيزير: بكلّ بساطة، أعتقد بأن الشابّ هو من عليه أن يبادر إلى ذلك. نحن صنعنا التجربة، وأعي بأنّ دورنا انتهى، وأنّ هناك عالماً آخر في حاجة إلى الكشف. من أجل كشفه، يجب أن يوضع مخطّطٌ لما تمّ ولما يوجد. زمن الإيديولوجيات الاختزالية قد استنفد. يجب أن توجد إفريقيا أخرى، وعالم آخر.

س. من بوسعه أن يُوجِد هذه الــ(إفريقيا) الأخرى؟

سيزير: إنّه هذا الشباب؛ هذا الشباب الجديد. نحن حاربنا من أجل أن نُجْلي الاستعمار، ونستعيد إفريقيا المقسّمة، والقبلية الجديدة. أنظري إلى دول الكونغو، ليبريا والكوت ديفوار، أليس الأمر مؤلماً؟ أتذكّر عندما كنت في الجمعية الوطنية برفقة هوفيت بوانيي: نحن عندما ننتقده غالباً ما ننتقده بِحُبّ. وفي الحقيقة، أقدم هوفيت بوانيي على شيء ما وأعتقد أنّه كان سينجح فيه، ربّما لم تكن لديه الوسائل الكافية ممّا أضعف إدارته الجيّدة. لكن ثمّة تجربة. أراد هوفيت بوانيي أن يجسّد الطابع الإيفواري، وقد استخدم الوسائل الدبلوماسية التي لم تعدم نجاعتها، غير أنّ المشكلة لم تحلّ فيما بعد بسبب ذلك كلِّه. وفي السينغال، أعرف مدى الصعوبات التي واجهت ليوبولد سيدار سنغور.

س. هلّا أجبتم عن السؤال: كيف يمكن أن نحمي الإيمان؟

سيزير: لست أعرف المنهجيّة؛ فإمّا أن يكون لنا إيمانٌ أو لا يكون. لكن أرفض أن نيأس من إفريقيا، لأنّ هذا ببساطة رفضٌ للأمل. هذا أمر راسخ وأساسي. أعرف كلّ التعاسات التي حلّت بنا، ولست أنفيها، وأنا مدرك تماماً لكلّ ذلك، لكنّي أرفض أن نقطع الأمل علينا، لأنّه بقدرما نرفض الأمل نرفض الحياة. يجب حماية الإيمان.

س. في ندوة عن سيزير عُقِدت بنيويورك في دجنبر من عام 2003م، تطرّقتُ إلى موضوع "إيمي سيزير وأمريكا"، وأعترف لك بأنّي تألّمتُ كثيراً. وضّح لنا علاقاتك مع الولايات المتحدة التي توجّهتَ إليها مراراً بعكس ما يُعتقد. في عام 1945م كنت التقيتَ بأندريه بريتون، واكتشفتُ في كتاب باتريس لويس أنّك ذهبت إلى فلوريدا في عام 1946م، ثُمّ عدت إليها في عام 1987م بدعوة من كارلوس مور. ماذا تمثّل لك أمريكا؟

سيزير: لا أملك جواباً... كيف لا يجري التفكير في أمريكا؟ وقد كانت تمثّل العالم المقدّس، القوة، الإرادة والتجربة في الوقت نفسه. لكن لا أخفي عنكم سرّاً بأنّ ما كان يهمُّني في أمريكا، ولا أعرف إن صار متجاوزاً، هو زنوج أمريكا والحركة الزنجيّة بها. كان ذلك بالنسبة لي أساسيّاً، وكلّ ذلك الجيل طبعته عميقاً هذه التجربة. لمّا كنتُ طالباً في الفلسفة كان عليّ أن أشقّ طريقاً أخرى غير التي خبرتها في فرنسا. أمريكا كانت تعني لي الزنجيّ الحديث الذي سيبقى زنجيّاً، وهو لانغستون هوغز، كونتي كولن والنهضة السوداء. بدا لي ذلك تجربة عظيمة للغاية.

س. يبدو على عملكم تأثيرٌ أمريكيّ؟

سيزير: نعم، الموقف بإزاء الحياة، وبإزاء الحضارة. أحسستُ بأنّ الحقيقة توجد هناك، والعمق أيضاً، خارج النزعة الأكاديمية الفرنسية. ما أجمل أن ننادي بــ: حرية، مساواة، أخوّة؛ ولكن لماذا لم نر أبداً أنّ الأخوّة هي لنا؟ نحن لم نظفر بها قطعاً. كانت لنا الحرية كما يحقّ أن تكون للعالم أجمعه، وكان هناك مجهود من أجل المساواة، ولكن الأخوّة أين هي؟ أعتقد بأنّ الأخوَّة لم تكن لنا. إذا أنت لم تتعرّف عليَّ فلماذا تريد منّي أن نكون أخوين؟ أنا أحترمك وأتعرّف عليك، فعليك أنت أيضاً أن تحترمني وتتعرف عليّ؛ وإذّاك، نعانق بعضنا البعض. هذه هي الأخوّة بالنسبة لنا.

س. هل لدى إيمي سيزير وريث؟

سيزير: لم أطرح على نفسي السؤال، وليس لديّ أي ادِّعاء خاص. قلتُ ما أفكِّر فيه، وقلت ما أعتقده، ولا أعرف إن كنت محقّاً أو مخطئاً، بيد أنّي بقيت وفيّاً لذلك ولإفريقيا الأصول. تغيَّر شكلي كثيراً، وتحوّلت، ورُسِمت بشكل ساخر. أنا ببساطة أومن بالإنسان، ولست عنصريّاً بالمرَّة. أحترم الإنسان الأوربي، وأعرف تاريخه. وأحترم الشعب الفرنسي، وأحترم جميع الناس أيّان كانوا؛ ويجب عليهم مثلما أفكّر أن يصنعوا الدرس نفسه، ويقولوا إنّ هذا الإنسان الزنجيّ موجودٌ، ويجب أن يُعامل باحترام. وأنا لمّا أقول "زنوجة"، فلا أقصد بها اللون. ليس هذا هو الأهمّ. إنّما علينا أن نعيد وضع الأشياء في الزمن، وفي التاريخ والظروف. لا تنسوا أنّ الزنوجة عندما وُلِدت، في أوج الحرب العالمية الثانية، كان الاعتقاد السائد بالثانوية والشارع هو أنّها نوع من العنصرية المضمرة. هناك التوحُّش والحضارة. وقد بدا كلّ الناس مسلّمين عند اقتناعهم بأنّه ليس هناك من حضارةٍ إلّا حضارة الأوربيين، وأمّا الآخرون فهم سوى متوحّشين. بطبيعة الحال، من الناس من يكون أقلّ أو أكثر فظاظة أو ذكاء. إقرؤوا غوبينو، حتى عند رينان، أذهل لمّا أجد صفحات خارقة تماماً. طبعاً، الرأي السائد يكون شائهاً ومبذولاً، حتى لدى الزّنوج أنفسهم...

س. هل ترى أنّ هذه العولمة التي نتحدّث عنها كثيراً، ستؤثِّر في الأدب؟ فيما سبق، كما عبّر عن ذلك الشاعر مونشاوشي، لا نعرف من أين تبدأ الكاريبي وأين تنتهي. كيف ستكون، بالنسبة لكم، آثار هذه المنافي وتلك الهجرات؟

سيزير: ذلك ما يدعونا بالذّات لنحمي الإيمان، ونحمي الزُّنوجة. في الوقت الراهن، تبدو علاقة فرنسا بالمارتينيك بين سواها من بلدان العالم أقلّ قرباً من المارتينيك في علاقتها بفرنسا. الفرنسيّون بدؤوا يتفاعلون، وهذا أمرٌ محتَّم. وأنا مقتنعٌ بأنّ الهوية، في سياق العولمة والنمذجة، لن تموت. ستصحو مجدّداً.

س. هل كتبت مذكِّراتك؟

سيزير: مذكّراتي؟ كلّا، عزيزتي ماريز، ليس لديّ وقت... ولم يكن عندي قصدٌ لكتابة مذكّراتي. ليس هذا هو هدفي الأساسي. دائماً ما كنت متفاعلاً بطريقتي. يمكن أيضاً أن أتلفّظ بكلام "بذيء !"؟ هذا كلّ شيء. لا أعتبر القيام بذلك عملاً. كانت هناك أشياء مزعجة وقد بدت لي جوهريّة. ما كنتُ أريد أن أتولّى عمدة فور-دو-فرانس أبداً، إلّا أنّي استجبْتُ لما بدا لي حاجة ومن المتطلّبات. وأنا في عقدي التاسع فقد بلغتُ من العمر عتيّاً، وما أريده هو ألّا يضيع الإيمان. توجد ثمّة تعبيرات أخرى، وإذا نحن انطلقنا من شيء جوهريّ فإنّ هذه الأشياء ستكون مختلفة.

نُشِرت بجريدة (القدس العربي) بتاريخ 20/04/2012

http://horoof.hautetfort.com/media/01/01/607832986.pdf

وأعيد نشرها بموقع (جهة الشعر) :

http://www.jehat.com/Jehaat/ar/Sha3er/23-4-12.htm

21.04.2012

نقد

من أوراق الموريسكي: لحن البكاء وترنيمة النهوض

 moriski.jpg

د. إبراهيم خليل* 

نظراً للفوضى التي تجتاح وسائل النشر من صحف ورقية، وإلكترونية، ومجلات دورية، يكاد القارئ المتابع لا يقع تحت بصره، ولا يقرع مسامعه، شيئٌ من الشعر الحقيقي الذي يجتمع في نسيجه اللفظيّ، والدلاليّ، ومستواهُ الإيقاعيّ، أصالة بينة، وابتكارٌ جيدٌ، إلا القليل النادر الذي يُؤبه له، ولكنْ لا يقاس عليه. من هذا القليل النادر قصائد المجموعة الأخيرة لحميد سعيد الموسومة بعنوان لا يخلو بالطبع من دلالات " من أوراق المورسكي " ونُدرة هذه القصائد نابعة من أنها تتيح للقارئ أن يمتع بصرهُ، وبصيرتهُ، بصور، ومنحوتات شعرية، وملامح تشكيلية غارقة في الظلال تارةً، وتارة غارقة في الأضواء، مذكرة بالشعر الرائق الذي مضى زمنه وولى، منذ أمد غير قصير، بعد أن هيمنت على شياطين الشعر تيارات ما بعد الحداثة، وعدميّة قصيدة النثر. في قصائده هذه يرسم حميد سعيد قوسًا طرفه الأول في الماضي السحيق؛ ماضي الأندلس غبّ السقوط (1491) ، وآخره في حاضر بات مطعوناً باحتلالات لا أحد يعلم متى ستنتهي. في الديوان يظهر المورسكي الذي جرى تعميده قسرا في قشتالة، أو أراغون، من مسلمي الأندلس، وعربها، الذين ظلوا فيها بعد التهجير القسري، هذا المورسكيّ شبْه المُدجّن لا مندوحة له عن التجوال، فهو كالغجري يحمل قيثاره على صدره متنقلا من مدينة لأخرى، عازفًا لحن البكاء الأخير. غير أن حميدًا – في قصائده هذه- لا يكتفي ببكاء المورسكي، بل يبث فيه مقومات النهوض، وعوامل الصمود، مؤكدًا، في غير موقف، وفي أكثر من قصيدة، أنّ المدائن التي تشهدُ جولاته الحرة، وإنْ رانَ عليها الحزن، وخيم عليها الاكتئابُ دهْرًا، ستنهض ثانية نهوض طائر الفينيق من رماده. هكذا إذًا تعلو القدس في " القصيدة المقدسيّة " على كونها ظلال نبوة حسبُ، أو معجزة أولى، أو أخيرة، أو حتى مليكة المدائن، أو نجمة، أو امرأة حَصاناً، رزانا، بتولا، تعلو على ذلك كلهِ، لتغدو مُستقبلا، وانبعاثا، وانتظارًا واثقاً، غير يائس، لهبوبِ العواصف:

انتبذي دونهم وطنا ساحرًا

واصعدي في معارجك، اقتربي باليقين

لا أخالك إلا كما 

ستكونين هادئة 

بانتظار الرياح التي لم تكنْ في الجوار 

إن هذا الوقار 

من سجايا الكبار (ص 18) .

ليست رؤاه الشعرية التي ترى المستقبل المضيء في الحاضر المأساويّ قاصِرةً على " القصيدة المقدسية"  ففي تجليات علي الجندي يواصلُ جوْلاته المورسكية، فتبدو بيروت في مفكرة الغجري الذي لا يفتأ يرتادُ المدائن، متنقلا بحثا عن ما يروي حنينه للقاء من تفرقوا، وابتعدت بهم النوى عن الديار، فالذين تشتتوا أيدي سبأ كثيرون، والسحر الذي كان يميز المدينة غاب عنها، مخلفًا ما هي عليه من كآبة سوداء، ومن حزْن مُقيم، ومع هذا لا يفتأ المورسكي يسعى لمنح هذه المدن الكثير من الألق:

أيها الولد الكسولُ 

الخيميائي المبجّل 

يمنح المدن الكئيبة سحرها الليلي 

يأتي حيث كان البحر 

كيف يكونُ 

ولقد نأتْ بيروتُ بعْد تباعُد الأزْمان 

من ماتوا، ومن قتلوا، 

ومن لمْ تحْمهمْ أوطانْ( ص 24) .

الرحيل - إذًا - هو القاسم المشترك في أوراق المورسكي، ففي الثلاثية المغربية يرسم الشاعر تضاريس هذا المورسكي على وجه المسافر المتعب. من الرباط إلى بابل، ومن بابل إلى منازل المتنبي في حلب، ومن حلب إلى مضارب المهدي بن بركة في باريس، مرورًا بوادي أبي رقراق بين سلا والرباط ، جلّ ذلك يذْرَعه هذا المُسافرُ :

أعود ولستُ مؤهلا للقول 

لكنّي أرى البحر المقيم 

فهل يكون هو الدليلُ 

وهلْ سيَمْنحُني بلادًا 

أم سيُغفلني 

لأبْحَثَ عن مقام؟ (ص39) .

للمدينة في شعر حميد سعيد مذاقٌ آخر غير الذي نجده في قصائد " مدينة بلا قلب " لأحمد عبد المعطي حجازي ، أو المدينة في شعر أدونيس " قبر من أجل نيويورك "، ولا هي كباريس عند البياتي، أو مدينة السياب في " المَعْبد الغريق ". إن لها في أوراق المورسكي مذاقَ الماضي العريق، وعبق التاريخ، وصوت الأسلاف، وتوْق الشاعر إلى جذوره في الشنفرى، وابن خلدون، والمتنبي، والحريري، والهمذاني، وروسو، وبودلير . فليست الشامُ، أو بغداد، أو وهران، أو بيروت، مدنًا مجرَّدة، وشوارع حسْب، لكنها أطيافٌ، ورؤىً، تسكنُ في وعْي هذا الشاعر الذي ورث المعاناة من " قفا نبك " إلى أوْراق المُورسكي:

أيها الشاهدُ 

كلّ معلقة من " قفا نبك " حتى مقالتك الأخيرة

تغدو إلى فتنة غامِضَة 

أدخلتك الكتابة فيما تحبُّ، وما لا تحِبّ،

وفي لحظةٍ عارضة ،

فارقتك الخطايا البريئة 

أو فارقتنا( ص 45) .

على العكس مما توحي به الفكرة التي تقول إنّ الشاعر الحديث يسأم المدينة، بحجّة أنها كمدينة بودلير تشبه جثة متعفّنة، ففي"  بيت مولاي علي " يشاكس المورسكي الذاكرة، مؤكدًا أن ما يراه في المدن شيئاً آخر غير ذلك الذي عرفه فيها من قديم الزمان، وسالف العهد والأوان. فهو – الآن - غريبٌ فيها، وهي غريبة عنه، بما هي عليه من الوحشة، لأن الذين يؤنسون وحدتها غادروا، وتفرقت بهم السبل، لذا يشعر العابرون فيها، والمقيمون، على السواء، بفيض من الإحساس بالوحدة:

لا بحْر هذي المدينة

ولا أصدقاء 

ولا امرأة في انتظاري

ولمْ يدْعُني أحدٌ 

غادر الشعراءُ المقاهي 

وفي غفلة من سكارى عنيدين 

يحترفونَ الضجيجَ 

تقتسمُ السهْرةُ امرأتان، 

وتختلفان 

في اقتسامْ .. 

                   كأس النبيذ الأخيرة ( ص27) . 

غربة المورسكي هي الشيء الذي يلاحظه القارئ وهو يرنو لتلاحق الصور، سواءٌ في اللغة الأولى، أو القصيدة الأولى، أو الحدائق البيض، أو السراب، أو الفردوس، أو مملكة الماء، فهومُطاردٌ في كلّ فضاء يتجه إليه، وكلّ شيء فيما حوله ضائعٌ، وتائه، فقد جدواه: الطلاسمُ، والشجر المراوغ، والماء الذي لا يرْوي ظمأ شجرة، والزمن الضائع الذي لا يرْجعُ، الكلام، والأحلام، والأسرَّة، والشهوات، كلها لم تعد تؤدي وظائفها الطبيعية في غياب المهجَّرين عن الأندلس:

يسأل الموظفُ المجبولُ من طين محاكم التفتيش

من هذا الذي يحمل في إهابه أندلسًا أخرى

المكلّب، الأزرق،  مثل باذنجانة عتيقة

                   يشم ما تبقى من قصائد العشق 

                           كما الأفيون (ص58) .

هي، إذًا، نهاية هذا المُورسْكي، الذي يحيا مطاردًا، ملاحقًا، في مدن كثيرة، لا يجد فيها إلا من يراوغ، أو يحاصر، أو يشي به لأقرب حارس. فالمدنُ التي يبوح إليها بخفيّ أسراره، لم  تعد المدن التي كانت، بل أصبحت مدنا من الأراجيف والمرجفين، مدنًا تئنُّ تحت سقف من الكذب الأسود، مدنًا لا تختلف عن المفازة إلا في أنها مِلْحيّة المَذاق، وبلهاء، ويكون فيها المرجفون قضاةً، وشهودًا:

عاصفة من كذب أسود

أو كالكذب الأسود 

في قيامة عجفاء 

تغدو الأراجيفُ بلادًا 

ويكون المرجفون 

من أولي الأمر قضاةً وشهود (ص 59) .

لذا لا نعجب إذا وجدنا هذا المورسكي يؤدي دور بطل ملحمي، وقد غدا شيخًا بعد أن  خاض ما خاض من تجارب، وعرف ما عرف من حقائق. فبعد فراق الوطن الذي أحبّ، فقدَ كل شيء بما في ذلك اللغة التي بها يعبر، ويصف ما جرى، فقد القدرة على الحلم وعلى أن يخط بالقلم مما اعتاده على صفحة في دفتر، أوْ كتاب. والأشياء الصغيرة تغدو وهي تشرئب بأعناقها من وراء جدران الذاكرة، رموزًا تحيل إلى ماض تتلاشى معالمُه من الذاكرة: اللوحة، والقصائد المخطوطة للحصيري، أشياء أخرى في غرف الضيوف، وفي صالة الجلوس، لمْ  تعد تشارك المورسكيّ مشاعرَهُ:

أحاول أن أتذكر ما كان في البيت

من كتبٍ، ولقىً، وتماثيلَ 

من صورٍ، وخطوط .. ومن شجر 

يوم كانت النخلة البابليّة 

تستبدل الرطب الجَنيّ 

بضحكة جارتها الصاخبة ( ص69- 70) .

هذه الصور تعبُر بالقارئ من فضاء النثر إلى فضاء الشعر الأنيق، الأنيق بموسيقاه، وبلغته المصقولة، ونظمه المنحوت نحتًا في رخام اللغة، بأداء يندرُ شبيهه، ويعزّ نظيره. فأبرز ما يجده الدارس في القصائد شيوع ظاهرة التوازي في التراكيب، مما يُضفي على نسيج القصائد اللفظي وضوحًا في الموسيقى يساند الوضوح في المعاني، وقد يصل الوضوحَ الصوتي فيها درجة التغنّي تحقيقاً لقول من قال: " إن الغناء لهذا الشعر مضمارُ " ففي القصيدة المقدسية يتكرر التوازي في أكثر المقاطع مثلما يتضح في : 

في كل منعطف كوكب / يتغنى

في كل معتركٍ كوكب /يتعثر  (12ص) .

وفي ما يتلو ذلك نجد التراكيب: إنها نجمة، إنها لحظة، إنها لحظة أبدعتها العروبة، وفي المقطع الذي يتبعه نجد التراكيب : ليس هذا الذي في / وليس الذي في الكتاب/ ومما يمت إليها/ ومما يدل عليها/ (ص15) ويستأنف التوازي التركيبي حضوره في: لا أخالك إلا كما كنت ِ / لا أخالك إلا كما ستكونين/ (ص18) إلى جانب هذا التوازي، وهو كثير في القصائد، يعتمد حميد سعيد كثيرًا على توارد الألفاظ تبعاً لجرسها الصوتي، وعلى وفق وزنها الصرفي، مما يؤثر في حظها من التناغم الرشيق: الحصان، الرزان، البتول/ وكذلك البيان الزمان، والأرجوان/ وفلسطين/ وطين/ وجوار، وكبار، ووقار، وسُعار. وفي تجليات علي الجندي تناسب كلمة (مياهُ) كلمة (سواهُ) ومثل ذلك: ندمان، وأوطان، ونحوه: نهار، وعرار، ومداد، ورماد. علاوة على هذا كله يستخدم حميد سعيد الكلمات المثقلة بالدلالات التي تساعدعلى فتح مغاليق الذاكرة، كاشفة عن الوشائج المتينة بين تجارب المورسكي وتجارب الشعراء في الماضي من المنفيين، والمغتربين والمهجّرين. ففي القسم الموسوم بعنوان " لستُ مؤهّلا لأقول " من الثلاثية المغربية ثمّة ما يُذكّرُ القارئ العادي بقصيدة ابن زريق البغدادي(420هـ) الذي ترك بغداد، وارتحل للأندلس، باحثا عن الأمان، فلم يظفر ببغيته، وفوق ذلك فقد قمرًا حبيبًا إليه في الكرخ، وفقد ، علاوة على ذلك ، حياته في نُزُلٍ رخيص:

يا أيها الليل الذي 

أوْدعْتُه قمرًا

وذاكرةً مضيئة

كنت ابتكرتُ له نساء ً

وابتكرت لهنَّ أغنية جريئة

ما عاد لي قمرٌ، وها أنا ذا 

أعود إليه إذ فارقتُ ذاكرتي 

ابتعدتُ( ص 37) .

وغير عصيّ على القارئ العادي أنْ يلمح في الأبيات ظلالَ العاشق البغدادي ابن زُريق، وشعره القديم، المتجدّد على لسان المورسكي ( أستودع الله في بغداد... ) وهو في القصيدة الحديثة يستبدل الليل ببغْداد والكرْخ، وذلك ضربٌ من التغيير الذي يضفي على الأبيات، أو على الصورة، بكلمة أدقّ، لمسة من التمويه، واللبس، الضروري؛ لأن الشاعر الحديث – في رأينا- حين يقتبسُ شيئا من الشعر القديم ينبغي له أنْ يُضفي على ما يقتبسهُ تغييرًا يفرضه السياقُ، ويتطلبُه المعنى. وإلا كانت القصيدة ترقيعًا في ترقيع. وحميد سعيد لا يريد لقصيدته أن تكون كالبرْدِ المُرقع، بدلاً من أنْ يكون موشىً بالحرير وبالقصب. يتكرر هذا اللون من الأداء الشعريّ في قصيدة "الباهي". فبلسان المتكلم ينبّه حميد سعيد مشيرًا لعذابات الشاعر الذي يمثل الشعر لديه هاجسًا، وبلبالا يؤرّقه، ومعاناةً، لا ترفًا، ولا تسلية كالتي نجدها عند الآخرين:

أيها الشاهد 

كلّ معلقة من " قفا نبك ِ " حتى مقالتك الأخيرة

تغدو إلى فتنة غامضة

أدخلتك الكتابة في ما تحبّ .. وما لا تحب

وفي لحظةٍ عارضة

فارقتك الخطايا البريئة. (ص44) .

ولوْ وقع هذا النص بين يدي ناقدٍ ممّن يُحْسنون، أو لا يُحْسنون، استخدام المصطلحات الجديدة، لألقى الأضواء على النص من زاوية التناصّ. غير أننا لا نرى في هذا ضربًا من التناصّ، وإنما هو ضرْبٌ من الاختلاف يتمخّض عنه موقف الشاعر من معلقة امرئ القيس " قفا نبك "، فالشعر عنده ليس كالشعر عند الملك الضليل، وليس ترفًا، ولا غزلا بعنيْزَة، أو فاطمة التي ترشُق العاشقَ بالنظرات القاتلةِ كالنّبال، وإنما الشعرُ عنْده معاناة، تولج الشاعرَ في ما يحبّ، وفي ما يكره، في الخطايا التي يشترط أنْ تكون "خطايا بريئة" لا كخطايا العُصاة، وفي ذلك أيضا ضربٌ من التناقض الظاهري، ومن الاختلاف؛ فخطايا الشعر كثيرة، لكنها على وجه اليقين ليست آثمة لما تنكؤه من جراح، ولا هي بالآثمة بما تجترحه من تحريض، ومن حثّ على الصمود، وعلى النهوض من الكبْوة، وعلى الرفض، والثورة. وقد يلجأ الشاعرُ في هذه القصائد للتكرار في مسعى منه لتسليط الضوء على تركيب معين بهدف التغريض، مثلما كرَّر التعبير " أشاكسُ ذاكرتي "(ص46، 47) جاعلا منه، بذلك التكرار، بؤرة للقصيدة تحتلّ موقع المركز من الدائرة، فيما تحتل باقي العناصر موقع المحيط، غير أنه في المقطع الأخير من القصيدة، أي: في الذروة منها، يتخذ وضعا مقلوبا فتبدو الذاتُ، والذاكرةُ، متصالحيتين لا متشاكستين:

اصالح ذاكرتي

وأقولْ 

في المدينة بيتٌ يعيد لها البحر 

يمنحها من سجاياهُ 

فيضًا 

إذا أقبل الفجرُ 

تبدو البلاد معوَّذةً بالمثاني 

فندخلها آمنين(ص 50-51) .

صفوة القول أنّ هذه القصائد باختلافها عن سائر ما يُنشرُ منْ ركيك الشعر هذه الأيام، تعيدُ للقارئ الشوق القديم، وتوقظ فيه حنينه الدائم للشعر الرائق المُصفّى، والأدب الرفيع، إنْ كان ذلك على مستوى الخطاب الذي تعبر عنْه القصائد تعبيرًا غير مباشر، أوْ على مستوى النسيج اللفظي، والخيارات الأسلوبيّة المتعدّدة، التي يلجأ الشاعر إليها باعتدال تارَة، وبغزارة تارَة أخرى: كالتوازي، والتكرار، والتداعي الصوتي، والتناغم الرشيق، والاقتباس، الذي يُوظف توظيفًا جديدًا يُتيح للشاعر التعبير عن الفردي، والذاتي، بألفاظٍ، وكلماتٍ، صاغها الآخرون، مؤكدًا بذلك تضافرَ الأصالة، والمعاصرة.

*ناقد وأكاديمي من الأردن، والمقال فصل من كتاب يصدر لاحقاً بعنوان " أصوات الشعر ومجازات القراءة".

 

16.04.2012

قصيدة

ربيع باريس 2012

منصف الوهايبي

horoof10.jpg

إلى الشاعر التونسي عمّار منصور..ليس هذا رثاء

.نحن في تونسَ الآنَ نخرجُ من قفصٍ كان فينا(تُرى نحن نخرجُ منهُ؟) إلى قفصٍ نحن نُحشر فيه
..سأغلق بابي عليّ.. أنا الآن عينان شاخصتان إلى الأفْق..لوْ
..كنتُ صوّبتُ نحو السماء حجارةَ مقلاعيَ الطفلِ
..كنتُ رميتك أنت به
أبدا لن أصيبك.. أعرف أنّك لست هناك
وأنّك لم تكُ قطّ فتسمعَني
***
..ذكرياتي الأخيرة شيء من الرمل والتمر
..بعض دم يتيبّسُ في السجن
أذكرهم واحدا واحدا:محمد بن جنات..أحمد بن عثمان..نورالدين بن خذ
حلمنا كان يا صاحبي
أن نرى زرقة لا سماءْ
(لا أحبّ السماء التي ليس تصغي لغير الغيوم)
طيورا وقد نزعت ريشها وهي تنزو وتتبع أقوسها في الهواءْ
..غابةً تتعايش أشجارها
ربّما تتصايح في صمتها
والصدى ضوء هذا النهارْ
***
..ليس هذا وقوفا على طللٍ
أنا أعرف من زمن أنّ ثمّة ضحكةَ سيّدة في
‘قفا نبك’..ضحكة ‘أمّ الحويرث’.. يسمعها العاشقونْ
ضحكةً كشميم العرارْ
***
ربّما هم يعودون ليلا إلى البيتِ
لا أحدٌ يفتح الباب للميّتينْ
نحن نسمع أنفاسهم إذ يطوفون حتى الهزيع الأخير من الليلِ
ثمّ ينامون مثل الأجنّة في نومنا
أتُرى نحن نحلمُ في حلمهمْ
أم همُ الحالمونْ؟
***
..الأساطير موجودة أبدا
وسُدًى أنت تبحث عنها..سُدًى
تعرفُ الكلماتُ التي نحن نكتبُ،عنّا الذي ليس نعرفه
نحن كتّابَها الذاهِلِينْ
***
..أصدقاءٌ كثيرون لي
لست أعرفهم
حصانُ أبي الطيب المتنبّي يطوّح في شِعب بوّانَ.. أو
..هو يجتسُّ عبر الثلوج التي لبستْ ذات فجر عليه مسالك لبنانَ
تلك الثلوج التي وهي تبيضّ..تسودُّ
ذئب الحطيئة يعوي على حجر
ويمدّ لسانا من النار لي
حيّة الشنفرى
أصدقاءٌ كثيرون..لي
همْ معي.. وأنا كنت أبحث عنهم سُدًى.. كلّ هذي السنينْ
***
حجرٌ باردٌ
ثمّ قطّ صغير بعمر الحليب..نظيف ككلّ القططْ
أتى يتعثّرُ حذوي..هنا في حديقة بيتي
أتى ليموت
ربّما ليشهّد كالمسلمين ..فقطْ
***
قلتَ:كن يقظا..قد يجيئون..سوف أنامْ
..قليلا..ولا تنس أن تشعل الضوء لحظة يأخذني النومُ
لكنّني نمتُ
لم أدرِ كيف.. ولم أشعل الضوءَ..قلتُ لعلّك لمّا تزل يقظا
ربّما أنت تستيقظ الآن..تسأل عنّي.. وتسأل أين أنا؟
ولماذا إذنْ كلّ هذا الظلام؟
***
وأنا سأقول لماذا إذنْ كلّ هذا الشجنْ؟
ألأنّي التقيتُ بأكثرَ من ‘منصفٍ’ فيّ هذا المساءْ؟
ليكن
سأسمّي إذن موتنا زمنا في الزمنْ
***
كنتَ أوّل من يفتح الباب للأصدقاء
كنت آخر من يغلق البابَ..تذكرُ؟
..أغلقته مرّة.. ثملا.. ونسيناك خارجه
..وحين أفقنا افتقدناك
كنت تنامُ على العتبهْ
***
..كان حلمك أبيض..أسود..مثلي.. ولا شيءَ
:أسمع صوت الرفاق البعيدين
سوف نحلّ مشاكلهم كلّها
غير أنّ الفراغ الذي سنعانيه بعد العملْ
..مشكل الكادحين الذي لا يُحلْ
ليكن
سنعلّمهم متعة الرسم والعزف والصيد..بل
سنلقّنهم حقّهم في الكسلْ
***
يخرج التونسيّون والتونسيّات منّا صباحَ مساء
طوابير عند مخابز مغلقة مثل أقفاصهم..يقفونْ
***
هذه الأرض وهي تدور بنا وبهمْ
كيف لم يتفطّن إلى كرويّتها المسلمونْ
كلّ رأس هنا كرةٌ تتقاذفها منذ موت النبيّ الأساطيرُ والكلمات
***
..نحن نطرق أبواب أقفاصهم منذ وقت بعيد
ولم يفتحوا
كان لابدّ أن يفتحوا
هي تُفتح من داخلٍ.. مثل كلّ السجونْ
***

أتذكّرُ بارا قديما أواخر 69 يفضي بنا سلّم حجريّ إليه.. أتذكُرُهُ؟
عند قارعة المتوسّط.. إذ كانت المنحةُ الجامعيّة تكفي أواخر كلّ ثلاثيّة..لنؤمّ الضواحي.. أتَذكُرُهُ؟ معتم أبدا
غير مائدة بانتظارك..حيث الظلال معتّقة كالنبيذ.. به..هي نفس الظلال.. ومن كوّة.. أتذكّرُ.. في سقفه الخشبيّ المشقّق..تدخل شمس.. وتشعل ظلا هنا أو هنالك….وهي تضيء أصابعنا..والنبيذ الذي كان يحمضُّ..يخضرّ أحمرهُ..ويطيبُ لنا..ثمّ تسحب ظلا وتمضي.. كذا مهنة الشمس منذ الأبدْ
..وفي الليل حيث يشفّ الهواء ويخضرُّ
أخضر كان الهواءْ
يحمل الماءُ رائحة العشب والملح..يحمل رائحة من بنفسج عطر الإيود لنا
..نتنفّس بحرا بأكمله
ثمّ تأتي الزهورُ تضيء لنا عتْمة المائدهْ
***
لأقلْ لون ما حولنا لم يزل
مثل هذي الجرار التي دون لون.. أتذكرها
وهي تجلس هانئة في رذاذ المطر؟ْ
***
جسد كان يسبقني..جسدي
وأنا’أمُّ’هذا الجسدْ
كنت أحنو عليه كما الأمّ تحنو
ولم أكُ أدركهُ
وهو لا يتلفت نحوي ولا للوراء
***
لا تفكّر إذن في الشتاء
..ثمّ برد قديم..صدًى من صدًى يتردّد فينا وينغل في العظم منّا
وقد يتسرّب في برد هذي القصيدهْ
إذن سمّه برد روحك إن شئت.. أو سمّه ما تشاء
وأنت تقفّي.. إذن سمّه البرحاءْ
***
لنلذْ دونما ندم بخسارتنا
ولتكن ضحكات الصبيّ الذي يتكلّم فينا إذن
ملح أدمعنا
***
الغصون التي قطعوها عظام الشجر
***
نحن نكبر وسْط النباتات
أجسادنا مثلها ..غير أنّ النباتْ
..لا يبوح بأسراره أبدا
لا يعلّمنا كيف نخضرّ عبر الفصول
وكيف يكون لنا جلده
***
لأقلْ مثلما قلت لي مرّة :ليس ثمّة عمْر طويل
ليس ثمّة عمر قصير
كثيرون عاشوا طويلا ولكنّهم لم يعيشوا
كثيرون عاشوا قليلا
وكالريح يستوطنون الأبدْ
***
كلّ ما يفعل الموت:يفصلنا عن ظلال لنا
ولا شيء غير رفيف الغياب
***
يتنابحُ كلبان أبعد.. من بيت صاحبنا ‘برونو دوساي’ هنا في
19eme Arrondiement
..في شارع كريماي حيث أسهر وجها لوجه
وأبعدَ في الطين والرمل تخفق ريح..أطلّ على الليل من غرفتي
..وكأنّي أرى نجمة تتهيّأ للانصراف
أنا الآن في البيت وحديَ
إذن ما الذي أنت تنتظر الآن؟ مني أنا؟
نجمة من نجوم ثواقب تسقط في برد عشب الحديقهْ؟
***
..'لكأنّ الفراش النهاريّ يأتي بألوانه القزحيّةِ.. نتبعه.. هو ذا النهر.. يمضي به'السين
أشعر أنّي أجنّح.. هل صار لي بعض ريش وبعض شراع؟
***
نحن نأتي بلا كلمات ونمضي بلا كلمات
ولا أحدٌ سوف يأتي ليقتادنا نحو باب الخروج
وقد وهن العظم واشتعل الرأس أبيض.. لكنّ تونس خضراء هذا الربيع

14.04.2012

الشِّعر الياباني

haiku1bk.jpg

   الكتابة حتّى الصمت
 
ـ "الثلج يسقط ! هكذا قيل للتّوِّ تحت جنح الصمت'' سيزاي مورو 1943
 
 
 
إنّ المشكل بخصوص الشعر الياباني يمكن أن ينطرح كالتالي: كيف أمكن لشعر قوامه الفصاحة والخطاب ( السردي، والفلسفي، والوصفي) أن يحقق تثاقفا في ظل تقاليد يابانية تُعلي (في ما يبدو) من شأن المسكوت عنه والصمت؟ لنلاحظ بدءا أن هذا النوع من الأسئلة كان قد طُرح، بشكل معكوس، وبالاستعجال نفسه بفرنسا في سنوات ما بعد الحرب: كيف يمكن أن يتحقق ثقافيا شعر يعتمد الإيجاز والشذرة والهدف، داخل تقليد يفضل (في ما يبدو) الدفق الذاتي والغزارة؟ مع العلم أنه يجب ألاَّ يغيب عنا عَوضُ هذا الذي يذَكِّرنا به جون ماري غلايز في خلاصة مساهمته ذات ندوة حول '' الهايكو والشكل الوجيز في الشعر الفرنسي''، أي ما مفاده أن اختيار الشكل لا يمكن أن يكون محض حركة تقنية محايدة، بل هو دائما على الأرجح أداة ناقدة، سلاح حاسم. وإذا كان كل اختيار شكلي هو في البدء أيديولوجي و تصويري، فإن آثار الصراعات، التي أدت إلى ظهور أشكال من الشعر جديدة باليابان، كان لابد أن تُدرَك في ثنايا القصائد الوليدة. وكان لابد أن تنبعث هنا وهناك بقايا التقاليد، بعيدا عن التأثيرات الخارجية والثورات الداخلية. وإذا كان من المؤكد، كما نشير إليه مرارا في هذا المقام، أن التقليد الشعري الياباني توسل بجميع الأساليب الممكنة حذف، تلميح، تعليق المعنى، فصل، تركيز الصورة لبلوغ تواصل غير لفظي؛ وإذا كان صحيحا أيضا أنه فضَّل عبر ترتيل مقاطعه الصوتية القليلة إرساء نوع من الكثافة ونوع من الصمت، فأَلاَ يستمر في بعض المقاطع من الشعر الحر المعاصر، ''الغربي''، ما يشبه أثرا ممكنا دائما لرفض معين للغة ولارتياب منها ومن خطاباتها، ما يشبه تَوْقا دفينا إلى الصمت؟ لكن في البداية، وبالنسبة للجيلين أو الثلاثة أجيال التي ابتليت بالحرب، وحسب الاعتبارات الخاصة بالعمر الذي كانت فيه في موقع الضحايا، قد يكون من الأجدر التخلص من عقبة حذَر من الكلام اجتماعي وسياسي أكثر مما هو متوارث. ورغم ذلك ألا يلتقي النوعان من الارتياب، أحدهما وجودي وميتافيزيقي، والآخر تاريخي ظرفي؟ وقد تكون هذه الحال في قصيدة '' لنا نحن الكلمات'' للشاعر كويشي ليجيما ( المزداد سنة 1930) التي نورد منها هنا بعضا من المقاطع ترجمها جان بيرول(إلى الفرنسية)، في العدد 25 من مجلة أكسيون بويتيك سنة 1964 ، أي أربع سنوات بعد صدور الصيغة الأولى للقصيدة: ــ
لم نتعود بعدُ
أن نُحَيِّي أمواتا
لم نعرف بعدُ كيف نستسيغ
الرعب
لا نعرف كيف نقيس
.المدى الذي تعضده كلماتنا
ذاكرتنا تَعلَق بأشياء منكسرة
.وكلماتنا لا تلتقط إلا انكسارا وشظايانَعَمْ، هذه القصيدة تعكس ذهنية إنسان قد يكون عاش سنوات مراهقته في فوضى الحرب وأوهام البناء بعد الحرب. لكن وكما كان يشير، عشرين سنة بعد ذلك، تاكاشي هيراييد، وهو شاعر أصغر سنا ومن مواليد 1950 هذا الشعور بخطر محدق وداهم ليس خاصا فقط بطور معين من شعرية ليجيما: إنه يسم كذلك شعر، بل فن، الحقبة المعاصرة برمتها. ألم يستسلم تاكايوكي كيوكا (1922 2006) أحيانا لغواية العودة إلى الإيجاز الشعري، وهو الذي تأثر بالشعر الفرنسي وخاصة برامبو، الذي ترجم له؛ أو بالسريالية، والذي كان أيضا ضليعا في الموسيقى الكلاسيكية الغربية؟ هذا ما نستشفه من هذه القصيدة، '' من أعماق الأذن''، المفتلذة من ديوان رباعيات بعنوان "اسكيتشات الفصول الأربعة'' والمنشورة سنة 1966 : ــ
،لَمّا قلبُك يشعر ببؤسه الغامر، تَجَنَّب الموسيقى
،ونحو مكان من هواء وماء وحجر فحسب
إذهب لتتزود بهدوء من معين الصمت! فمن بعيد
.يصَّعَّد حينئذ صدى الكلمات التي تجعلك تَحْيَى
ومهما قال عن ذلك الشاعرُ نفسُه فإن شعرية يابانية تقليدية ترشح من قِصَر هذه المقاطع، حتى أن التعليق عليها يمكن أن يستعير تقريبا ما قاله إيف بونفوا عن الهايكو: '' نقترب فيه على كل حال، داخل الكلام نفسه، من حالة صمت لا تتأخر عن الإعلان عن نفسها منبعا''. ومن جهة أخرى، فإن قصيدة كيوكا هذه لا تخلو كذلك من إشارات إلى غيوفيتش في كتابه ''الفن الشعري'' الصادر سنة 1989 : ــ
كَمَا بعضُ الموسيقى
،تستطرب القصيدةُ الصمتَ
وتُفضي إلى ملامسة
،صمت آخر
.أكثر صمتاً
وبطريقة لا تخلو من سخرية ومفارقة، وفي قصيدة من سنة 1968 بعنوان ''سور من رصاص''، يدافع هيروشي كاوازاكي (من مواليد 1930) باستماتة عن هذه الكلمات التي لا تني تتلقى الضربات القاتلة من الناس ومن الشعراء: ــ
الكلمات
.كان من الأفضل ألا تُولَد كلماتٍ
هذا
ما تفكر فيه بما هي كلمات
كانت ستَودُّ لو وُلدت شرفةً لسور من رصاص
هذا ما تفكر فيه
ثم
بعد ذلك
.تُصدر زفرة لم تعد من الكلمات في شيء
وهنا أيضا لا يسع المرء إلا أن يتذكر غيوفيتش وفنه الشعري الأخير في كتابه ''الآن'' (1993). بيد أن الفرق شاسع بين الشاعر الياباني، الذي يضع نفسه موضع الكلمات، والشاعر البروتاني (من مقاطعة بروتانيا الفرنسية) الذي يريد الانقضاض والاستحواذ عليها بتواطىء من بعضها! ـ
.لكل كلمة أجرافها
عَلَيّ بدءا
.أن أواجه جدرانها
أكتشف أحشاءها
أو أقتحمها
.بتواطىء من كلمات أخرى
،وعندما أكون بداخلها
.فأنا والكلمة نتناجى
تساعدني هي، لكي أشعر
.بالعالَم كيف يستوي
وفي قصيدة طويلة نوعا ما، نُشِرَت سنة 1963 تحت عنوان ''كلمات، كلمات''، يعلن ماكوتوأووكا (من مواليد1931) أنه سليل راهب بوذي من القرن الثاني عشر لم يعد/لم يعد له سوى جسد من كلمات لأنه عَمَّر ثمانمائة سنة. لكن ألا يَقْتَرِن هذا البقاء رغم ذلك بلعنة مأساوية؟
يبقى حيا في الكلمات
ولن يستطيع أن يموت
ما دامت فوق البسيطة كلمات
:والحال أن اللعنة تبدو أكبر في حالة الشاعر المعاصر، المريد البعيد، في المنتصف الثاني من القرن العشرين
بحثت عن كلمات على مكتبي
لكن ما من واحدة كانت هناك
ولا في الغرفة كلها
ولا في الطرقات، ولا على شفا الإطارات، ولا في خيوط الكهرباء
ولا في الفم ولا في الأصابع
.وكُلُّنا، مبهورين، أصبحنا أعمدة من حجر
يبقى فقط، كما عند تاكايوكي كيوكا، الإنصات للصمت والبحث عن الخلاص الممكن في أصوات الطبيعة عَلَّها تُحررنا من تفاهة العلامات. إنه الشعر المقترن بالموسيقى والذي يُنَصِّبُه شونتارو تانيكاوا(من مواليد1931) عمادا لكل ثقافة، كما كتب ذلك في تصدير قصيدة نثرية بعنوان '' عمود كلمات''(1962): ''لقد بنى جان سيباستيان باخ في الفراغ معبدَ أصوات، لكني، أنا، أشَيِّد في الفراغ عمودا من كلمات" ـ
وفي مقابل كل من أوكاوا وَتانيكاوا، الأبوين المؤسسين لشعر معاصر كان يدعي أنه متحرر من ندوب ما بعد الحرب، انبرى جيل جديد اختار، عوض الصراع مع الكلمات، أن يستسلم لها. وهذا ما أعلن عنه يوجي أراكاوا (من مواليد 1949) سنة 1985: '' يجب أن نعيد الكلمات إلى بحر النسبية اللامتناهي''. وهذا الموج الهادر من الكلمات، من كلمات تحررت أخيرا من الضمير، من استبداد الشاعر المعاصر ومن أحكامه المسبقة المطلقة، أيكون ضربا آخر من الصمت؟ أيسمح بإضمار الفراغ، بتحَمل الفراغ؟
ــــــــــ
ترجمة محمد خماسي
عن مقال إيف_ ماري أَليو، مجلة لوماغازين ليتيرير الفرنسية، العدد 517، مارس 2012، الصفحتان 84-85

13.04.2012

غراس يقول لا تحب إسرائيل سماعه

ما يجب أن يُقال

 غونتر غراس

grass.jpg

،لماذا أصمتُ، لماذا لا أقول طيلة هذا الوقت
،ما هو معروف وأجريت عليه الاختبارات
.لنبقى بعد نهايتها في أحسن الأحوال مجرد هوامش

،ألكلام هنا عن الحق في الإقدام على الضربة الأولى
التي قد تفني الشعب الأيراني الذي يضطهده بطل المزايدات
ويرغمه على الاحتفالات المنظمة، هذا الشعب
الذي قد يُسحق بسبب مجرد الشك
.في صناعة قنبلة ذرية واحدة فوق أراضيه

،لماذا لا اسمح لنفسي بذكر اسم الدولة الأخرى
هذا البلد الذي يملك منذ سنوات ولو تحت غطاء السرية
ترسانة نووية متعاظمة ولكن دون أي رقابة لأن فحصها
والوصول اليها غير وارد؟

الصمت الشامل على هذه الحقيقة الذي
،يندرج في اسفل إطاره صمتي
أشعر أنه كذبة تعذبني
وكشيء مفروض علي يسفر تجاهله عن
عقوبة محتملة...عقوبة الاتهام
.باللاسامية وما أكثر المرات التي توجه فيها هذه التهمةا

ولكن الآن ولأن بلادي، حيث نفذت جرائم غير قابلة
.للمقارنة في بربريتها ولا نخفيها عن أحد
بلدي هذا يقوم بصفقة مدعيا بلسان لجوج
تقديم تعويض في قالب غواصة أخرى لإسرائيل
غواصة متخصصة بتوجيه رؤوس نووية
قادرة على تحطيم الأخضر واليابس إلى حيث لم يُثبت
بعد أمر وجود قنبلة ذرية واحدة
ولأنني أخشى قوة هذا الإثبات سأقول
.ما يجب أن يُقال

لماذا أصمت حتى الآن؟
لأنني اعتقدت أن أصولي
المشوهة بمعالم لا يمكن إزالتها
تمنعني عن قول الحقيقة لإسرائيل
.هذا البلد الذي اغبطه وساظل مرتبطا به

لماذا سأقول الحقيقة كلها الآن
في هذا العمر المتأخر
:وبآخر حبري
إسرائيل تملك ترسانة نووية تهدد بها
السلام العالمي المتأرجح أصلا ؟!
حان الأوان أن يُقال
ما قد يكون قد فات أوانه غدا
ولأننا ـ كألمان نحمل ما فيه الكفاية من أثقال ـ 
لأننا قد نصبح من مصدري الجريمة المتوقعة
وعندئذ لن نستطيع بالحُجج الواهنة والدارجة أن
.تخلص من كاهل تحمل حصتنا من المسؤولية

أعترف أيضاً لن استمر في صمتي
لأنني لم أعد أتحمل رياء الغرب
وآملا ان يتحرر الكثير من الآخرين من الصمت
على مطالبة مسبب الخطر الداهم بالكف عن
استعمال العنف والإصرار على رقابة دولية مستمرة
وغير متعثرة للترسانة النووية الإسرائيلية
وللإنشاءات النووية الأيرانية وأن تسمح حكومتا
.لبلدين بذلك

فقط هكذا يمكن تقديم يد العون للإسرائيليين والفلسطينيين
ولكل الناس الذين يعيشون في منطقة يحتلها الجنون
والعداء المكثف
.ي نهاية المطاف سنقدم لأنفسنا يد العون


ترجمها: حكم عبد الهادي

03.04.2012

حوار

عبد اللطيف الوراري يتحدث لـ(الزمان) عن مكانة القصيدة المغربية في المشهد العرب 

       حاوره ــ عبد الهادي روضي

 

mo.jpgتجربة عبد اللطيف الوراري تجترح راهن معيشها بحثاً عن مكمن الماء القابع في أغوار ذاته وذاتنا طبعاً، مؤمنة بقدرها، بل بقدر الشعر والشعراء الحقيقيين المنذورين للهامش القصي، لذلك كله تملكتنا رغبة في مفاتحة عبد اللطيف بغية الاهتداء إلي عوالمه، وفك شفرات بعض ما يكتنه ذاته الشاعرة، فكان الحوار التالي:ـ
ــ هل لازال ندى الدفلي يسكرك فترقص وارثاً صمت الجهات؟
لقد ذكّرتَني بشذرةٍ من قصيدة كتبتُها، أوحاها إليّ خاطِرٌ من زمنٍ عصيٍّ في تجربتي داخل الكتابة. نعم، لا يزال هذا النّدي. يَعودني في أوّل الليل، وإذا تأخّر إلي الصباح نهضتُ مع حجيجٍ عابرين إلي الشّعر، حيث لا أحدٌ هناك إلّا آخري. أمّا الدّفْلي فإنّها ما فتئت تتلوّن بأصداء التراب، وتتراقص والريح علي الأجناب، وليست من حيث هي كذلك. مشروع، لا وجود ولا عدم ـ

:

 

 

تتمّة الحوار بجريدة (الزمان) اللندنية بتاريخ 24/03/2012م على الرابط

p9.pdf ......................  

في ذكرى منير بولعيش

!الشّاعر المغربي الذي مات بيننا وجاء خبر نعيه من المشرق

 

    عبد اللطيف الوراري

عندما أتتني مكالمةٌ هاتفيّة من الصديق الشاعر عبد السلام دخان، مساء الإثنين 22 مارس، ليخبرني بأنّ منير بولعيش قد مات، كانت يداي ترتجفان، وحلقي يشرق بغصّة كنصل حادّ. بدت أمام عيني صورة ذلك الشاعر الشابّ، ابن الثانية والثلاثين ربيعاً، والأكثر حيويّة بين جيلنا، تتداعى وهي مُسجّاة بالبرد والغياب. كان ذلك قبل عامين، بعد أن لم يُمْهله داء السرطان الذي أهزل جسمه وأتلف شعره في أيّام عصيبةٍ من حياته، عاشها لوحده وبين قلّة من أصدقائه في مدينته طنجة التي أحبّها وظلّ يتفيّأ ظلالها حتّى مات. لم يمت إلّا كما مات أبناء سلالته القدامى الذين عاشوا في صمت للشعر والحياة، ولم يستَهْوِهم المال والسلطة، فماتوا منذورين لريح بعيدة. لم تهتمّ المؤسسة الثقافية المغربية المنشغلة بــ(طواحين الهواء) بموت منير، أو هي لا يعنيها من الشعراء من هم على طينة منير، فجاء خبر نعيه من المشرق، من (إيلاف) أوّلاً، ثُمّ من مجلة (الغاوون) البيروتية التي أفردت لرحيله ملفّاً خاصّاً هو بمثابة "وردة على قبره المبكّر.. أنظر بقيّة المقال على الرابط التالي: ــ"

http://horoof.hautetfort.com/media/02/01/2372628327.pdfـ

نشر المقال بجريدة (المساء) المغربية بتاريخ 20/03/2012م

ترجمات شعرية

يَدٌ تُنادي المجهول

قصائد من الشعر الفرنسي المعاصر

art000438.jpg

تقديم وترجمة: عبد اللطيف الوراري

1.      في معنى الواجب..في معنى أن تكون الترجمة مِحكّاً:

   لطالما فكّرْتُ، وأنا أقرأ الشّعر مُترجَماً أو بصدد ترجمته عن الفرنسية، في ما رآهالجاحظ، وهو يقول إنّ "الشعر لا يُستطاع أن يُترْجَم، ولا يجوزُ عليه النقل، ومتى حُوّلتقطَّع نظْمُه، وبَطُل وزْنُه، وذهبَ حسْنُه، وسقطَ موْضعُ التعجُّب، لا كالكلام المنثور". الشعر لا كالنثر. قد يجوز الأمر في النثر، الواضح والمعقول والعادي. أمّا في الشعر، الغامض والهشّ، فإنّه يصعب من وُجوهٍ كثيرة، حتّى يستحيل الأمر خيانةً، بله خسارة. لا يضيع المعنى فحسب، بل الأسلوب وإيقاع الكلمات وجرسها العابر للذّات وخطابها المفرد والخاص. هذا واقعٌ لسوء حظّ الشعر. لكن، أليس بالإمكان ترجمة الشعر؟ بلى. لا أنسى، هنا، رأياً ثانياً للشاعر الفرنسي بيير ليريس، وهو يرشدنا إلى أنّ "ترجمةالشعر أمْرٌ مستحيل، مثلما الامتناع عن ترجمته أمرٌ مستحيل". في زمننا، صار لترجمة الشّعر معنى الواجب.

أنظر التتمّة على الرابط التالي:

http://horoof.hautetfort.com/media/02/00/2790776040.pdf

نشر الترجمات في إطار ملفّ بمجلة (الجسرة الثقافية) القطرية، العدد 23و24، 2011م

19.03.2012

بمناسبة اليوم العالمي للشعر

podcast

 

!الشِّعر ضرورة، وآه لو عرفْتُ لماذا

قوّة الشّعر في هشاشته الّتي لا تُزهرُ إلاّ في العتمة، وترقص على حوافّ الكارثة وتنبت في الشّقوق، وتدبّ بين تصدّعات الرّوح


عبداللّطيف الوراري


ihtemalat.jpg


دائماً ما كان يُطْرح سؤال الجدوى من الشّعر، لكنّه يطرح اليوم بحدّة واطّراد شديديْن في ثقافتنا المعاصرة، لسببيْن: الأوّل، لكون الشّعر يشغل حيّزاً مهمّاً من شواهد إرثنا الثقافي والجمالي الضارب بأطنابه في أعماق التاريخ والحضارة، والهاجع في اللاوعي الجمعي. والثّاني، جرّاء الخوْف من التّقنيّة الّتي تسبّب للشعر مغْصاً عسيراً، وللشّعراء تيهاً في المجهول، وللذّائقة اغتراباً متصاعداً. بالكاد، داخل الثّرثرة الكونيّة الّتي تروّجها وسائط الميديا المختلفة والضاجّة، يصل صوت الشّعر الأجشّ والمبحوح، حتّى اعتقد الكثير، بمن فيهم الشّعراء أنفسهم، أنّ زمن الشّعر ولّى، وأنّ الوظائف التّقليديّة الّتي ارتبطت به وتقول بخلاص الكائن صارت مضحكة، وأنّ قوله بات ضرباً من العبث، وأنّ جماله يائسٌ لا طائل منه. لكن يبدو لي، اليوم، أنّ المشكل الحقيقي للشّعر هو مشكل تاريخيّته الّذي لا يمكن أن يُطرح بهذه الصيغة من الاختزال والتّبسيط، فليست تاريخيّة الشّعر اختزال الشّعر إلى تاريخه، بل الحركة الّتي تحمل على أن يكون نفسه الرّاهنية الدّائمة للُغته الخاصّة الّتي تعِدُ بالمعنى، وتستأنفه. من هُنا، يرتبط السّؤال بسؤال القيمة والأثر، أي بالمستقبل الّذي يتمّ فيه فهمنا للشّعر كخطابٍ نوعيٍّ تغدو فيه القصيدة والذّات وفعّالية المعنى عناصر متحوِّلة، باستمرار ـ
‘إنّ الوضعيّة الّتي يمرّ منها/ بها الشّعر راهناً تحتاج إلى شيء من الرويّة، وإلى إعادة وضع سؤال الجدوى في سياق التحوّلات المتسارعة، ومشاغل الكائن الجديدة بدل أن نسأل هل تراجع دور الشّعر في حياتنا، يجب أن نعرف هل هناك شعرٌ أم لا؟ كما يجب أن نعرف هل أدرك الشّعراء سياسات القصيدة في زمنها، بمعنى هل انتبهت إلى الحاجات الرّوحيّة والجماليّة للإنسان المعاصر؟ وهل ذهبوا هُمْ أنفسهم إلى أمكنة أخرى لبحث الشّعر ومقاربته؟ نطرح هذه الأسئلة من ضمن أخرى متشعّبة لنؤكّد ضرورة الشّعر، وكتابتَه الّتي تتوجّه إلى المستقبل وتُصغي إليه، وأهمّية أن يستبدل الشعراء مفاهيم وآليّات عمل الشّعر وترهينه. ثمّة مستقبل للشّعر يصير بين شرائط ثقافيّة جديدة وعابرة للذّوات والخطابات والأزمنة، بما في ذلك غير الشّعرية الّتي تُشيعها وسائط العولمة. يفرض علينا الفضاء الاتصاليّ المعولم الوعي بلحظتنا الرّاهنة، من حيث التعاطي مع معادلات وسائطية ومفاهيمية جديدة كالفضاءات الافتراضيّة، والنشر الإلكتروني، والأقراص الممغنطة، الّتي يقابلها اهتمامُ الذّائقة الجديدة بالنصوص الإبداعية المتعالقة ومن ضمنها النصّ الشعري ـ
في الظّروف الراهنة، من عديم الجدوى أن يبحث الشّعر عن دوْرٍ جماهيريّ، أو بالأحرى يُبْحث له عن مثل هذا الدّور، ولا وهم التّمثيل والمحاكاة، ولا عن خطاباتٍ تعزّز الإجماع الكاذب. إنّ’الّذين يرْبطون الشّعر بحالة الطمأنينة، وببلوغ الخلاص إنّما يتحاملون على الشّعر، ويكرّسون فهْم العامّة له كشيْء ساذج وعديم الجدوى. قوّة الشّعر في هشاشته الّتي لا تُزهرُ إلاّ في العتمة، وترقص على حوافّ الكارثة وتنبت في الشّقوق، وتدبّ بين تصدّعات الرّوح. إنّه لا أقلّ من هذا السّفر العابر في الجوهريّ، وفي الشعائر الهامسة، وفي طقوس الحبّ والجمال والغناء ولحظات التأمّل والإصغاء وسخاء الطّبيعة، وفي تنْبيه النّاس إلى عدم الانتقاص من الشعريّة المتناثرة في الحياة أنّى كانت، وفي حفظه لغة الحلم والمجاز والعمق الّتي تنعش في الإنسان قوّة الذّاكرة ورهافة الإصغاء وسماحة التّأويل، وفي بثّه المعاني الوجودية الأساسيّة ـ
هو ذا مستقبل الشّعر الّذي تُراقبه سياسات القصيدة. نقصد بسياسات القصيدة معنى الاستراتيجيّة الّتي تترك القيمة والأثر في حالة اشتغالٍ وانْدفاعٍ وتيقُّظ، وهي قويّة الإصغاء لما حولها، ومتحوّلة في داخلها. أمّا إيقاعها، إيقاع ذاتِها فإنّه يهجع في لاوعيها حيث يحفُز الشعراء، ويرعى اليائسين منهم، متوتّراً بين القول بـ’فضل قول الشاعر وصدعه بالحكمة فيما يقوله’ والاعتقاد بـ’أن الشّعر نقص وسفاهة’. كما أخبرنا بذلك حازم القرطاجني في زمنٍ من الشّعر سحيق. ولنا أن نُشير، وسط الضّجيج حتّى باسم الشّعر، إلى أنّ هناك نماذجَ قويّة ولافتة داخل الشعريّة العربيّة المعاصرة تصنع عبورها الخاصّ، وتقدِّم للمستقبل شهادات حياةٍ، وعلامات عافيةٍ وصحّةٍ روحيّةٍ تليق بالجوهريّ في الإنسان وعداه، حتى وإنْ طغى على الرّاهن سمات العزلة واليأس والخراب. إذا كان الأمر يتعلّق، هنا، بالقصيدة، بسياسات القصيدة، فلأنّ ثمّة ما يُظهر أنّ المغامرة الشعريّة والمغامرة الذّاتية متداخلتان تقتسمان التّاريخ نفسه، والعمل نفسه. ويأخذ الشعريّ في سياسات القصيدة صفة غير المكتمل نظريّاً، لأنّ الأخيرة تتضامن والخطاب في أن تظلّ القصيدة تطفح بالأدلّة دائماً. بهذا المعنى، تعرض علاقات القصيدة، بطريقتها المميّزة، الرّهان الابستيمولوجي للشّعر كـ’عمل فنّي مفتوح’ على المجهول. وعليه، فليس الرّهان شعريّاً فحسب، بل أيضاً سياسيّ، من معنى إلى معنى . فافْهَمْ! ـ

بمناسبة اليوم العالمي للشعر، ما يُعزّز اقتناعنا بقيمة الشعر وضرورته في عالمٍ صار يقلّ فيه ضوء الشعر، وتقلّ معه فرص الحياة الجميلة والمحلوم بها على حوافّ عالم يُغرقها في ماديّته الشرهة. وبالمناسبة نفسها، ما يدعونا للكشف والخلق والحوار وتبادل حرّ للأفكار والأحلام عن طريق الكلمة، بقدرما ما يدعونا إلى التأمل في مكامن قوّة اللغة وإلى الإصغاء لتفتُّح الملكات الإبداعية لكلّ  الذوات وهي تبتهج وتتوهّج في الشعر وبه. من ذات إلى ذات، من برعم إلى شجرة، نصغي إلى حياتنا المغدورة في الشعر، إلى هؤلاء المحبّين الصاعدين في معارج الحلم والخيال، والمتنزّهين في غابة اللغة متنزّهين عن سفاسف الكلام، ومؤمنين بجدوى الشعر وضرورته، ومردّدين مع الشاعر الفرنسي جان كوكتو: الشعر ضرورة، وآهٍ لو عرفت لماذا؟

نشر بجريدة (القدس العربي) بتاريخ 28/03/2012م

http://alquds.co.uk/index.asp?fname=data%5C2012%5C03%5C03...

15.03.2012

شوقي بزيع في مدن الآخرين

مدن الآخرين: الشّاعر شوقي بزيع ضيفاً على الصّمت
 
modon.jpg
في ديوانه الجديد «مدن الآخرين»، (دار الآداب)، يدخل بنا الشاعر شوقي بزيع تلك المنطقة اللاهبة في أرض الشّعر، ليرجّ الكتابة بكفّين جسورين، ويطلق أسئلته الجارحة. ربّما كان هذا الدّخول محاولة للتّماسك أمام عماء اسمه الكتابة، فسحة للتّأمّل في حضرة الجمال الذي يتهدّم، والحياة القليلة الآفلة. ثمّة تشابه عظيم بين الحياة والكتابة، وثمّة افتراق جوهري بينهما: الحياة هي سيرة الشّخص في المكان. الكتابة هي سيرة الشاعر في اللغة. الحياة تتبدّد وتنتهي بانتهاء الشّخص. الكتابة تتجدّد في غياب الشّاعر، وتفوز بالخلود. الحياة ركام أيّام، سنوات ملولة تتدحرج. الكتابة لحظات قصيرة مُقتطَعة من الزّمن، ولكنّها لحظات مقطّرة وعميقة، وهي شبيهة بلحظّة المتصوّف التي هي لحظة مضغوطة تكفي لأن يجوس من خلالها الآفاق. هنا لا معنى للحياة التي يعيشها الشاعر خارج الكتابة، لا معنى لتاريخه الشّخصيّ، لمسرّاته وأحزانه، لتسكّعه ومجونه، فحياته كلّها قائمة في النّص الذي يكتبه. في أحد الحوارات التي أجريت مع الشاعر محمود درويش في آخر الثمانينات، سألته إحدى الصّحافيّات: والآن أين يقيم الشاعر محمود درويش؟ فردّ عليها: أنا أقيم في اللغة، غير أنّ المحاوِرة لم تفهم الإجابة، وعلّقت قائلةً بشيء من الدهشة: هل يعني ذلك أنّ الشاعر محمود درويش يقيم في القاموس!ـ

شوقي بزيع يتتبّع حياته الأخرى هذه، حياته القائمة في النّصّ. أمّا النّصّ فأرض الرّمال المتحرّكة، أرض الحيرة الكبرى. ليس هناك ما يضيء شعابها، أو ما يدلّ على أوّل الطّريق، أو وجود الطّريق أصلاً! ليس سوى العماء الذي يتلاطم في تلك الأمداء الشاسعة. في قصيدته الأولى التي افتتح بها الديوان «كيف تنصبُ فخّاً لِما لا يُرى»، يقارب الشّاعر هذه الحالة، ويقول: «ليس ثمّة إلا عماءٌ/ يهيئ للشّعر شكلاً وينفيه/ حيثُ البداياتُ ممحوّةٌ/ والقصيدةُ غمغمةٌ/ مبهمة/ لا طريق هنا واضح/ كي تسمّي الغبار بيوتاً/ وتأنس في ظلّها» ـ

مواجهة القصيدة

في ظلّ هذا الارتباك الأوّلي في مواجهة القصيدة، حيث المكان يغرق في الصّمت، وغيمة الحبر ثكلى وسوداء فوق الفراغ المحلّق، تبدو مسألة الولوج في القصيدة أمراً في غاية الصّعوبة والتّعقيد، وممّا يعزّز تلك الصّعوبة هو الخوف الكامن في النّتائج غير المحسومة! فلا أحد يشرع في الكتابة، ويضمن النتيجة مسبقاً! فالقصيدة يمكنها أن تُنجَز، ويمكن ألا تُنجَز. فجأةً، وعلى حين غرّة تضيء الكلمات، وتفيض الأخيلة بين يدي الشاعر: «لا أفق إلا وينحلّ في غسق الأبجديّة/ لا نظرةٌ أقفرت مثل صحراء/ إلا ويستلّها المسُّ/ من جوف أحلامها الغائرة». هنا يحسّ الشاعر في أعماقه أنّ ثمّة قوى غامضة تتدخّل لتنقذه في اللحظة الحرجة، وأنّ الذي يكتب القصيدة شخص آخر سواه. على رغم هذا الانهمار الشّعري الذي حدث، وهو ما يمكن أن يخلق نوعاً من الاغتباط لدى الشّاعر، إلا أنّ القصيدة تنتهي بذلك المقطع المتوجّس، الذي يقول فيه الشاعر: «وأنتَ/ غريباً كعيني نبيٍّ/ وهشّاً كمخدع أنثى/ ومغرورقاً مثل نبعٍ حديث الولادةِ/ بالشّعر/ تمضي بلا عودةٍ/ في عراء الكتابة». لكأنّ الشاعر من خلال هذا المقطع، يريد أن يشير إلى ذلك العذاب المضمر في روح الكتابة، وكأنّ الكتابة نفسها ليست سوى محطّات من الغربة التي تتكرر، حيث ينتقل خلالها الشاعر من محطة إلى أخرى ـ

في القصيدة التالية، التي تحمل عنوان الديوان «مدن الآخرين»، يضعنا الشاعر وجهاً لوجه مع ذلك الطراز العجيب من المدن، ذلك الطراز المخترَع والمدّعى، الذي لا يبالي بعذابات الناس، والذي يعمل على الإساءة للإنسان وتحطيم روحه: «... مدنٍ لا تصدّقنا حين نكشطُ أصباغها/ مثلما تفعل المومساتُ صباحاً/ أمام المرايا/ مدنٍ لا تمدّ لصرختنا حين نسقطُ غرقى/ يداً للنّجاة». وبسبب كل هذا الجحود والنكران الذي تبديه هذه المدن تجاه ساكنيها فقد سمّاها الشاعر مدن الآخرين! وتلك هي قمّة الاغتراب. في مقطع آخر من القصيدة يفاجئنا بزيع باكتشاف آخر مروّع، حين يتأمّل القصيدة التي يكتبها الشعراء، فيرى أنّها تستقلّ عمّن كتبها، لتخلد هي، دون شعرائها: «ولكنّها وهي تمخر ليل المعاني/ التي لا سبيل إلى فكّ ألغازها أبداً/ لا تؤاخي على طرقات الخلود/ سوى نفسها/ غير آبهةٍ بمصائر كتّابها الرّاحلين». في هذا المقطع ربّما تكون هناك إشارة مواربة إلى قضيّة موت المؤلّف التي تحدّث عنها بارت، حيث تلفت أنظارنا المفارقة الآتية: القصيدة الخالدة والشاعر الراحل، أو بتعبير آخر، الجمال المقيم والحياة الآفلة. مثل هذه المفارقة الصّادمة ستتكرّر في معظم قصائد الديوان، وفي كلّ مرّة سيكتشف الشاعر بمزيد من الأسى الجانب العبثي للوجود، حيث الحياة التي تضمحل رويداً رويداً والكائن الذي يتهدّم. وخلال ذلك سيميط الشاعر اللثام عن المصير التراجيدي الذي يؤول إليه الشعراء. في قصيدته «تهويدة لأحلام الشعراء الموتى» يُبرِز الشاعر الأثر العظيم الذي يتركه الشعراء على الأرض: «لولاهم/ لم تكن الأرضُ وقد أرهقها الدّورانُ/ سوى كرةٍ تتعثّرُ/ عرجاءَ وخاويةً/ بعظام ضحاياها»، وهم أي الشعراء: «بأقلّ الشّبهات وضوحاً/ سبروا أغوار المعنى/ وافتضّوا ما استُغْلِقَ/ في أحشاء مجاهلِهِ العذراء/ من الشّبق الملغِز»، لكنّهم آخر الأمر لا يملكون غير أن ينكفئوا إلى عزلتهم، وأن يتركوا في كنف النقصان عناوين إقامتهم. طبعاً سنلاحظ في هذه القصيدة التقاطعات التي أقامها الشاعر مع فيلم «جمعيّة الشّعراء الموتى» للمخرج بيتر وير الذي أخرجه عام 1989، والذي استخدم فيه تقنية الصّدمة الشعرية من أجل أن يغيّر الأنماط القديمة للشخصيّات، بأنماط جديدة ذات رؤى وأنفاس مختلفة. على أيّ حال فنحن نلاحظ في كلّ من القصيدة والفيلم كيف تتكئ الحياة على جهود الشعراء، بينما الشعراء أنفسهم منذورون للغياب والنسيان ـ

النبع الجاف

يعمّق شوقي بزيع حالة الأسى هذه التي تطوّق حياة الشاعر، حين يتحدّث من خلال قصيدته «صورة النّبع في جفافه» عن ذلك النبع الذي جفّ، فأصبح مثل عين عمياء، أو مثل ثدي مترهّل، حيث هجرته الطيور، والنساء الجميلات اللواتي ارتمين على صــدره ذات يوم. وإذا ما حدّقنا جيّداً في النّبع، لوجدنا أنّ ذلك النبع ما هو إلا إشــارة رمزية إلى نبع الكتابة، وإلى الشاعر، الذي وجد نفسه مركوناً إلى العزلة، وسط تلك الأجواء الكاسحة من تصحّر الرّوح، إلى انطفاء الحب والرغبات. في قصيدة أخرى له بعنوان «مقهى تصريف الأعمار»، يرصد الشاعر شوقي بزيع المآل الذي انتهى إليه مقهى كافي دو باري في شارع الحمراء في بيروت، فبعد أن كان ذلك المقهى يعجّ بحركة الروّاد، والعناقات اللاهبة، أصبح مجرّد مبنى مسنّ يتسقّط ذكريات الماضي البعيدة، وصدى الضحكات الغابرة بين جوانبه. هذه النهايات المفزعة التي انتهى إليها المقهى سنجد لها نهاية شبيهة في قصيدة «زهور العطش» التي أهداها الشاعر إلى صديقه الكاتب والصحافي بومدين الساحلي، فقد وصل هذا الصديق الذي امتاز برحلاته المثيرة وشغفه بالتّجوال، إلى نهاية المشوار: «أما وقد صرتَ كهلاً/ فإنّك لن تدركَ النّهرَ/ مهما فعلتَ/ ولن تتفتّحَ بين أصابعكَ الخمسِ/ إلا زهور العطش». تتفاقم حالة التراجيديا هذه، التي تطاول الشخصيّات والأمكنة الواردة في القصائد، لتصل ذروتها في قصيدة «لا مرثاة لائقة بعجزك عن قراءتها»، وهي القصيدة التي رثا بها بزيع الشاعر محمود درويش. ففي هذه القصيدة التقط بزيع البنية الوجودية التي يتأسس عليها الشعر، الشعر الذي لم يعد مجرّد صور تزيّن الواقع، بمقدار ما أصبح هجساً بمتاهة الوجود التي يتردّد بين جنباتها الإنسان الحائر المأزوم: «الآن ندركُ أنّ كلّ كتابةٍ/ عقدٌ نوقّعه مع الشيطان أحياءً/ وننجزه بحبر الموت/ كلَّ قصيدةٍ صدعٌ نرمّمه/ بلحم حضورنا الفاني/ فنرجع قانطين إلى متاهتنا/ وقد فرغ الإناءُ من الكلام» ـ

أمام كلّ ما سبق من حالات الألم والغربة التي تطفح بها القصائد، تقف قصيدة الشاعر «أنا سليل اشتهاءاتي»، في الواجهة كمعادل موضوعي لكل ذلك الخراب القائم، كي تؤكّد جسارة الشاعر على اقتحام الصعاب التي تعترضه. في هذه القصيدة يبرز الحب كنقيض للموت، وتبرز المرأة كمحرّض عظيم على الحياة. لكأنّ الشاعر من خلال هذه القصيدة أراد أن يقلب قواعد اللعبة، ويعيد الاعتبار مرّةً أخرى إلى الشاعر، باعتباره خالقاً فذّاً للجمال، وباعتبار الشعر الذي يكتبه النسغ الحيّ للوجود. لا بدّ من الإشارة إلى أنّ «مدن الآخرين»، هو من الدواوين القليلة على مستوى الكتابة الشعرية العربية، التي يتمّ فيها الالتفات إلى هذه الرؤى الجديدة أعني بها الرؤى الوجودية، والتي هي مطروحة هنا مطعّمة بروح الشّعر وموسيقاه وغوايته: «أيّ منفى/ سيمنحنا فسحةً للإقامةِ؟/ نحن الذين سنبقى/ إلى أبد الآبدين/ ضيوفاً على الصّمتِ» ـ

10.03.2012

في الكتابة بالشّذرة، الكتابة الشّذرية

الشَّذرة كمحاولة لكتابة الصمت

 

"كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"
النفري

عبد العزيز كوكاس

koukas.jpgتمنحنا الدلالة المعجمية للشَّذرة مفاتيح سحرية لولوج عوالمها، إذ نعثر في "لسان العرب على دلالات باذخة لجذر"شذر"، منها: الشذر واحدة شذرة: قِطَع من الذهب يُلتقط من المعدن من غير إذابة الحجارة، ومما يُصاغ من الذهب، فرائد يُفصل بها اللؤلؤ والجوهر، وهو أيضا صغار اللؤلؤ، أو قطع صغيرة كرؤوس النمل من الذهب، أو خُرَز يُفصل به النظم. وشذَّر النظم: فصّله، والتشذر: النشاط والسرعة في الأمر، وهو الحركة المعبرة عن الفرح، تقول تشذّرَت الناقة: إذا رأت رَعِيَّا يسرها فحركت رأسها مرحاً وفرحاً. والتشذر هو التفرق والذهاب في كل وجه مذاهب شتى.. شذر مذر. الشذرة إذن قطع ذهب، فرائد لؤلؤ وجواهر، معادن كريمة من أنفاس حرى، لا ما تساقط في سلة مهملات الروح ،هي مرآة الكينونة، تشظي المرآة احتجاجا على رؤية نفس الوجوه والصور على صفحة وجودها.. هي القدرة على اقْتناص التَّفاصيل العَلَنية وكتابتها بحِبْر سري، الْتِماعة السهو أو صوت ما بعد منتصف ليل الروح.. للشذرة طقوس تستقطبها من أقاصي مملكة الأناشيد، وتحتاج دوما إلى قرابين استثنائية تُماثلها في التَّفرُّد، وقليلون من يستطيعون إنقاذ الشذرة من تعب الاستهلاك العام ـ

الشذرة تخلِّي الطير عن الضروري من ريشه دون أن يموت بردا.. امتلاك السبيل نحو الجغرافيا السرية للذات دون الوقوف أمام العتبة وانتظار حُسْن الضيافة، هي امتلاك ما نكتبه قدرا كبيرا من الوقاحة ليُعَرِّي مُؤخِّرته في وجه الوصايا والموانع والآراء المسبَّقة، وكل هُزال الأمخاخ الذي أَوْرَثَنا أن نكون صالحين في أَعْين المؤسسة، لأن الشذرة محاولة (Versuch) لهتك "حرمة الخطاب والإجماع القائم" بتعبير هايدغر..لذلك يعتبر اللعب والتشويش رهانها الذاتي، خاصة حين تتناول الهامشي والمنسي ، هي نسغ الكلام ولبُّه.. مدُّ وجزر الكينونة، وتَلَقِّيها يفرض امتلاك فن السخرية والتهكُّم لنُدوخ العالم حسب الساحر موريس بلانشو الذي وسم الشذرة بفن الخلود واعتبرها ف.شليغل خطاب المستقبل! ليس في الشذرة قدرة على إعادة التَّصويب والإضافة والمحو، لأن المعنى الأول الذي وُلدت به واللِّباس الذي اتشحت به مُتَستِّرة عن أَعْين اليقظة، هو مبلغ التَّمام في اللاوعي.. وأي محاولة للتصويب هي هَدْم كلي للمنتوج الأصلي.. لكن الشذرة سليلة المحو وبراعة البستاني لتشذيب أزهار الحقل، دون قتل الحياة في الوردة، في ثناياها تتحول الذاكرة إلى مجرد ظلال للأطلال، مقبرة لا تصلح إلا لتسَكُّع الموتى!
الشذرة لآلئ الحقيقة التي تنفلت من طي النسيان وظلال الظلمات، كَسَطْوة الريح حين يُسقط كل الأوراق الزائدة أو يُشَطِّب الشوارع من رمال تائهة أو زوائد عالقة دون حاجة إلى عُمَّال النظافة أو حطَّابي الأشجار.. أقصد النقاد! لأن الشذرة، بتعبير جيل دولوز، هي: "بمثابة آلة حربية وقوة رحالة يتعذر تفكيك سننها من قبل القانون والنقد والمؤسسة". إنها سليلة الحذف المضاعف، قوة الإيمان بإزالة ما عشقناه وهو مجرد فُضْلة.. لأن فضيلة الشذرة، تَنْقية وتطهير العبارات من الفُضْلات.. زُهْد اللغة وتقشُّفها الزائد الذي يمنح الوضوح الأعمق للكلمات، هي الدليل على أننا انتقلنا من تقويم شكل العبارة إلى تَشْذيب عمق اللغة، في الشذرة لم نَعُد نَبْحث عن المعنى الصحيح، بل عن الكلام السليم الذي يُسَايِرُ إيقاع دهاليز الروح ـ
ليست الكتابة الشذرية مجرد تجل "للاقتصاد اللغوي" أو هوى التجديد والخروج عن المألوف، لأنها جوهر لا هامش، جغرافيا اللفظ تبدو أحيانا أقوى من تاريخ الفكرة، لأن التشظي فن التفرد بامتياز خارج أي فكر نسقي، لذلك سيحار جينيت الباحث في جينيالوجيا الأجناس الأدبية وكريستيفا الباحثة عن تلاوين " علم النص"، وباختين المفتون ضمنيا بالأصوات المتعددة ..سيحارون في تحديد معنى الشذرة، ببساطة لأنهم كانوا يبحثون في أنواع الكلام، والشذرة تنتمي إلى فضيلة الإشارة لا فُضلة الكلام، ولأنها لا تُقيم إلا فيما يُعتبر خروجا عن الأجناس، لأنها أم الأجناس، فيما هي سليلة لها.. فالشذرة هي فن الصراخ الصامت ضد الأنساق والتفكير الكلي.
الخروج عن استبداد النظام، وإجماع النقاد وثبوتية الواقع هو ما يجعل الشذرة فن التشظي سمة الوجود.. الهوية الواضحة مثل تعيين داعرة وسط نساء، هو ما تلفظه الشذرة، لأنها ضد التعيين، لا تقيم في زمان ومكان محددين، التحديد ليس من خصائصها الجوهرية.. لأنها أشبه بمنفي يظل متشبثا باعتقاده أنه البدر الذي يحتاجه السراة في الليلة الظلماء.. ظلمة الكتابة ـ
الكتابة الشذرية تعصف بالنسق وتجعل نظام الكتابة مثل الفراش المبتوت، تحتفي بالبياض وبهجة الفراغ، وجدل التفكك والانفصال.. هي اكتناز درر الحياة في لمحة أو ومضة، لها جاذبية الانزياح، ذلك الترميز الأنيق المليء بدهشة المعنى البكر، والتقطيع المتمرد على فكر الوحدة والتجميع والنظام والنسق.. لا مجال للتصنيف في الشذرة بين الأدب الصغير والأدب الكبير، بين الأدب الرفيع والأدب السوقي. اللغة كهوية، كنسق للوجود سابق على الدلالة، تتحول في الشذرة إلى ذلك التكثيف الأسمى لبوح المعنى، لا ثبات في أسس الشذرة، المتغير والمتحول والمتبدل هو ما يجعلها ذلك النثر الراقي الذي لا يأبه بتلوينات القواعد المُحنطة للشعر..هو ما يزرع الحيرة في أدوات النقاد الكسالى الباحثين عن الجاهز في قلب المعنى الثابت ـ
الشذرة كُمْشة من نجم الكلام، واللغة الشذرية مثل سفينة في مهب الأمواج العاتية تتخلص مما زاد من سقط المتاع الذي بدا لنا ضرورياً للرحلة ونحن في مرفأ الأمان.. فهي تنتمي لفضيلة النقصان لا لتَبَجُّح الكمال، تستمع للصمت الكبير لتقول الكلام الأقل، ولا يهمها ضجيج العالم المفتون بما يجري على السطح! هي رقصة الجسد متحرراً من شظايا الوصايا التي تميل إلى السكون، أو ما أسماه نيتشه "برنَّة الجسد" التي قال عنها بمرح طفولي: "لم تستطع لغة أَلْبتة أن تُعبِّر قبلي عن هذه السعادة الزُّمردية وهذا الحنان الإلاهي"، لأن الشذرة عدوة الثبات، كما أنها ضد زيف التحول بدعوى مواكبة العصر، انفلات من أسر اللغة المسكوكة والمعنى المكتمل والدليل الجاهز.. سليلة الهباء هي، لا تحنُّ إلى ماض ولا تبني حاضراً ولا تستطلع مستقبلا، لأنها تلتقط الثابت والعميق من قلب الزمن المتحول ـ
الشذرة هي الكثافة اللازمة للكتابة، فرح الدال وغبطته بانفلاته من سلطة ميتافيزيقا الدليل، هي الالتفات الدقيق للهامشي واللامعقول.. ضد الحضور لأنها سليلة الغياب، لذلك تميل إلى سطوة الأبيض على الأسود، عبر تضييق مساحاته والرقص الحر على حلبته!  هي مقاومة تصدع العالم بالنَّزر القليل من الكلام على شاكلة شطحات الصوفية، تُزلزل ثرثرة الأشياء ذات الجلبة على السطح، لأنها تغوص بعيداً في خلجان عميقة للتاريخ، للإنسان، للطبيعة، للعالم.. ولما لا يُصاغ في لغة مسكوكة هَرِمة، لذلك ترتسم اللغة الشذرية على شكل متاهة تُماثل انعراجات الروح، لتضبط "التعقيد الموجود أصلا في روح العصر" حسب ت.س. إليوت، فهي واضحة ووقحة لدرجة الغموض، "إذ كيف نطلب مَنْ يسير في ظلمات النفس أن يكون واضحاً؟!" يتعجب الشاعر ييتس ـ

الشذرة مشاكسة، لعب وهزء وشغب جميل، ذلك أن "ولادة الأطفال هي موت للآباء" (هيجل)، تسير على "هامش المقول الذي يبقى دائما قابلا لأن يُقال من أجل الكشف عن الكلام الذي لم يُقل بعد" (فوكو)، فتنطلق مثل رصاصة واحدة في الماسورة.. إما أن تُصيب أو تخيب، لذلك تمتلئ الكتابة المتشظية (Aphoristique) بالشعرية المكثفة وتلجأ إلى الحِمْية للتخلص من الذاكرة وتحافظ على رشاقتها بالدلالات المفتوحة..فيما تنفتح على السرد واللقطة والومضة في الصورة السينمائية، تخلق إيقاع الشعر في نثر الحياة اليومية.. تحاول أن تلامس ما وصفه إليوت بـ "النظرة الأصلية في طبيعة الإنسان"، وليس تعقيدها شكليا أو محض ترف لإبراز كفاءة معجمية أو فحولة لغوية، بل هو أداة ومضمون لزَلْزلة الذوق الفني ـ

الشذرة هي اختبار الفيافي البعيدة، مثل فاتح عظيم يريد أن يكتشف منبع الشمس أو مكان اختبائها في المغيب ثم يكتشف أوهامه الكبرى، لذلك لا تصلح الشذرة للإلقاء، ليس فقط لأنها لا تحتاج للجمهور ولا تصلح مطية للدعاوة السياسية والمنبرية الخطابية، بل لأنها نرجسية.. أقصد جد فردية، وهي أيضا سليلة الرؤية لا الإنشاد فـ "الشيء المقدس والذي يريد أن يظل مقدسا يتجلَّل بالسر" كما يعلمنا ملارميه ..في الشذرة لا نموذج يُحتذى، لأن الكتابة تشبه فعل اغتيال، "هدم المعبد قبل بنائه نقيا" (بلا نشو) ليقترب الأديب من حريته.. إدخال النص إلى عتمة لا يُرى فيها إلا اللا شيء، اللا نهائي.. هي الكتابة المؤجلة، المتشظية، والمضادة لفعلها، والتي لا تتحقق إلا بالإعدام الرمزي للأب.. كاتبها! الشذرة دليل ارتماء في الحديقة الخلفية للحلم، استخراج الهدوء من قلب الضجيج، "ارتقاءٌ" بالمعنى الذي يُشير إليه بودلير في ديوان "أزهار الشر": من فوق الغدران ومن فوق الأودية
وفوق الجبال والبحار والغابات
ومن فوق الشمس والسماوات
ووراء حدود الآفاق الفلكية

الشذرة قفز حر نحو الغياهب، بتوجيه قليل لمؤشر الروح نحو المرايا التي لا تسكن بيوت الحقيقة، لأنها ضد النسخ والمثيل وصنو الشبه..لها شكل الزُّمردة متعددة الأضلاع، مثل "ضربة نرد" ملارميه، تخرج من مسام جلد الروح، لغة الصمت، وجود العدم، صدى الفراغ حين يكون مبحوحاً ووحدة التعدد! الشذرة تضع إيقاع خطوها خارج الأرجل الخشبية للوزن والقافية، لأنَّها تحاكي أسئلة الوجود وعتمة الروح في عالم متحول، شائك.. لا تسعى إلى ملء أي ثقب في طمأنينة الكتاب المدرسيين أو النقاد والبلاغيين الذين يتصدون لتفسير كل شيء باسم المسؤولية الثقافية وبعض الهزال في أمخاخ المؤسسات التي توزع السلط من الحزب إلى الدولة ومن الإعلام إلى دور النشر والتوزيع، وقراء المواسم في مهرجانات بليدة. الشذرة رشاقة الرمز حين تنبت له أجنحة كثيرة فيصير سرباً لوحده في شرفات المعنى وسلالم الإيقاع ومقصورات الحلم، وذخائر الصور وإحساس المرايا بالحاجة إلى نسيان الوجوه المخبأة في حرير زجاجها بلا وجع في الذاكرة.. كتابة مُعَتقة اختمرت قبل ميلاد الوعي بالكتابة في الوجدان. لا شذرة تُكتب في حضرة الوعي أو بتأمل العلاقات بين الأشياء في حدود تمظهرها الخادع، في الشذرة ننطلق مما حولنا، لكن شيئا خفيّا وعميقا فينا هو الذي يحدد العلاقات الملتبسة بين الأشياء بوضوح جلي في لمحة بصر، ثم يذوب في الغموض.. يصبح الصوت صورة مجلوة، لأننا في الشذرة ننجذب لغواية المكتوب لا للكلام المقول، حيث يتحول الحرف إلى قوس قزح متعدد الدلالات وحمَّال أوجه لأنه مشتت المعاني.. فيه تسقط الذاكرة ويمَّحي مخزونها، لأن الشذرة وليدة الذات الإنسانية العميقة فينا.. لا شذرة بلا تأمل عاصف وحرقة في القلب.. كتابة متشنجة شرسة، قلقة.. تُشبه ما وصف به فيليب سولرز كتاب "الأشعار" للفتى المرعب لوتريامون "الكتاب الجليل، الهادئ، العنيف، الجاف، الرحب، الطريف،الرصين، السافر، الكثيف، الهائم، المختصر، اللامع، الأسود والشديد الوضوح حتى ليبدو مُبهما". حاشى أن تكون الشذرة لعبا ولهوا، زينة وتكاثرا.. هي المرآة الصقيلة في بهاء غموضها، لا تُستعار ولا تُقترض ولا يمكن القول إنها فن دخيل، علينا تأمل التوحيدي والنفري وإبن عربي وحكم إبن العطاء بكل ثرائها الدلالي واقتصادها اللغوي.. للشذرة إيحاء الشعر، تأمل الفلسفة، هي التماع لا يغرق في الشرح والتفسير.. اختزان الجرح في خط الكلمة، ماء اللغة القليل في يد التائه في الصحراء.. هي الاقتضاب الذي يفسره بن منظور بالانتزاع والاقتطاع ومنه القضيب، كل نبت من الأغصان يُقضب أو يُقتطع.. والقضب السهام الدقاق، والاقتضاب أن يركب المرء الدابة قبل أن تُراض وتُساس، حيث يأتي كلامك على غير سابق قول..ـ 

  الشذرة كالسهم، هي اللغة التي تشبه جموح الخيول قبل ميلاد السراج والشكيمة أو اللجام، وقبل السياسة والترويض.. الأثر  غير موجود في الكتابة المتشظية..لأننا لا نعثر فيها على أثر للسابق أو اللاحق. في الشذرة نُجري امتحانا للْعَدْو لكل الكلمات والعبارات والأفكار التي التصقت بذاكرتنا، ولا يستحق التَّتويج منها في حضرة الغموض وفي المكان المناسب، إلا ذو النَّفَس العميق والغريب والعجيب والمتفرد والمتعذر لمسه، الساكن في مدارج قصية معتمة! للشذرة طقوس وتحولات وقرابين لأنها صنو المنفلت حيث در الحليب ينهمر، كنوز دفينة، كل الكتمان الأبدي، الصورة الأصلية للكون، ملكوت الأسرار التي نذهب إليها سابحين، بحر البشرية الأول.. بحر غامض طليق متوثب! الشذرة صديق حميم للروح حيث تذوب الملاحم والوصايا، ووشم للجسد حيث بهجة الأشياء، سحر الدهشة الأولى وطعم العشق الأول، مرايا صافية للكينونة.. هنا حيث: "تتجاوب الأنغام والألوان والعطور، أصداء مديدة امتزجت من مكان بعيد/ في وحدة غامضة/ واسعة كالغياهب، رحبة كالنور". (بودلير)ـ

03.03.2012

تكريم الشاعر إدريس الملياني


podcast

أكادير تحتفي بشعرائها وتكرّم الشاعر المغربي إدريس الملياني

poetry.jpgبمناسبة اليوم العالمي للشعر، وتحفيزاً للمواهب من تلاميذها على الكتابة والبوح والرقيّ بذائقتهم الفنية، تنظّم الثانوية التأهيلية الأميرة للا مريم بأكادير يوماً إحتفائيّاً بالشعر، تحت شعار: ربيع الشعر في اليوم العالمي للشعر، وذلك طيلة يومه الأربعاء 21 مارس 2012م، بفضاء مكتبة الثانوية. فإلى جانب تنظيم ورشات وموائد مستديرة في الكتابة والإلقاء الشعري لفائدة التلاميذ المشاركين في المسابقة الشعرية، يتمّ الاحتفاء بالشاعر إدريس الملياني الذي سيكون له حوارٌ مفتوح مع أساتذة الثانوية وتلاميذها ينشّطه الكاتب والناقد رشيد يحياوي، بعد أن يقارب عبد اللطيف الوراري تجربته الشعرية التي امتدّت لأكثر من أربعة عقود، وأصدر خلالها مجاميع شعرية كثيرة كان يطوّر نفسه فيها باستمرار. وفي فقرة الإلقاء الشعري يقرأ الشاعر إدريس الملياني، والشاعر العراقي المقيم في هولندا محمد الأمين، وشعراء المدينة سعيد الباز وعبدالله الحاوفي وآسية الحياني وحسن ملهبي وعبدالسلام دخان ونجية عقا؛ ثمّ يقرأ التلاميذ نصوصهم الفائزة بالمراتب الثلاث الأولى في المسابقة الشعرية. وبعد مراسيم توزيع درع الدورة للشاعر المحتفى به إدريس الملياني، وشواهد تقديرية للشعراء المشاركين، وجوائز المسابقة الشعرية على التلاميذ الفائزين بها داخل الثانوية،  يجري حفل توقيع إدريس الملياني لآخر أعماله وترجماته الشعرية. ويقام على هامش اليوم الاحتفائي بالشعر معرض اللوحات التشكيلية، ومعرض المجاميع الشعرية بلغات مختلفة (العربية، الأمازيغية والفرنسية).

وتجدر الإشارة إلى أنّ إدريس الملياني الذي يلقّبه زملاؤه بـ (حبيبي) تندُّراً بطيبته وروحه المرحة، يُعدّ واحداً من أهمّ روّاد القصيدة المغربية الحديثة، وتمتدّ تجربته لأكثر من أربعة عقود لم يكفّ عن تطويرها باستمرار. وقد ولد في عام 1945 بمدينة فاس، ودرس الأدب في دمشق وفاس موسكو، واشتغل منذ عام 1970 في سلك التعليم بالدار البيضاء حتى تقاعده، كما عمل في الصحافة الوطنية شاعراً ومحرّراً ومترجماً، كما شارك في العديد من المهرجانات والمؤتمرات السياسية والثقافية داخل الوطن وخارجه، وترجمت بعض أشعاره إلى الفرنسية والإسبانية والروسية. وقد أصدر إدريس الملياني مجاميع شعرية كثيرة إمتدّت منذ 1967 حتى 2011. وكانت وزارة الثقافة المغربية قد أصدر الأعمال الكاملة للشاعر، فضمّ الجزء الاول الدواوين الآتية: نشيد السمندل، بعيداً عن كثب، خضراء الدمن، كتارسيس، بملء الصوت، تانيرت: ألواح امازيغية. كما صدر له في باب الترجمة كتاب "العمق الرمادي" وهو ترجمة وتقديم السيرة الذاتية للشاعر الروسي المعاصر يفتوشينكو عام 2005 عن دار أزمنة بعمّان. وفي 2010 صدر له عن منشورات بيت الشعر في المغرب "أزهار من بستان الشعر العالمي" ضمّ ترجمات لأهم شعراء الأرض في العصر الحديث. وفي العام 2011 صدرت له عن دار النهار بدمشق "التراجيديات الصغيرة" لشاعر روسيا الأكبر ألكسندر بوشكين، وهي ترجمة عن الروسية لست تراجيديات قصيرة شعرية ما عدا واحدة نثرية، وقد كان العمل في الأصل رسالته الجامعية التي لم يكتب لها أن تناقش في أحد المعاهد السوفييتية الذي أجهزت عليه سياسة «الرفيق غوربي».

27.02.2012

The Waste Land/ T. S. Eliot

 

الأرض اليباب

 

ترجمة: د. عبدالواحد لؤلؤة

 

medium_eliot_2.jpg 

 

بعيني أنا رأيت (سيبيلاً) في (كومي) معلقة في قارورة، وعندما كان يصيح بها الأولاد: "سيبيلاً ماذا تريدين"؛ كانت تجيبهم دوماً: "أتمنى أن أموت".

 

 

1- دفن الموتى

 

نيسان أقسى الشهور، يخُرج

الليلك من الأرض الموات، يمزج

الذكرى بالرغبة، يحرك

خامل الجذور بغيث الربيع

 

5... الشتاء دفأنا، يُغطي

الأرض بثلج نساء، يغذي

حياة ضئيلة بدرنات يابسة

الصيف فاجأنا، ينزل على بحيرة (ستارنبركر)

بزخة مطر؛ توقفنا بذات العُمد

 

10.... ثم واصلنا المسير إذ طلعت الشمس، فبلغنا (الهوفكارتن)،

وشربنا قهوة، ثم تحدثنا لساعة

ما أنا بالروسية، بل من ليتوانيا، ألمانية أصيلة

ويوم كنا أطفالاً، نقيم عند الأرشيدوق،

ابن عمي، أخذني على زلاقة

 

15.... فأصابني الخوف، قال ماري،

ماري، تمسكي باحكام، وانحدرنا نزولاً

في الجبال، يشعر المرء بالحرية

اقرأ معظم الليل، وأنزل إلى الجنوب في الشتاء

ماهذه الجذور المتشبثة، أيه غصون تنمو

 

20.... من هذه التفايات المتحجرة؟ يابن آدم،

أنت لاتقدر أن تقول أو تزر، لأنك لا تعرف

 غيركومة من مكسر الاصنام، حيث الشمس تضرب،

والشجرة الميتة لا تعطي حماية، ولا الجندب راحة،

ولا الحجر اليابس صوت ماء. ليس

 

25... غير الظل تحت هذه الصخرة الحمراء،

(تعال إلى ظل هذه الصخرة الحمراء)،

فأريك شيئاً يختلف يخب وراءك

او ظلك في المساء ينهض كي يلاقيك؛

 

30.... لسوف أريك الخوف في حفنة من تراب.

 

نشيطة تهب الريح

تجاه الوطن

يافتاتي الايرلندية

أين تنتظرين؟

 

35...  "أعطيني زنابق أول الأمر منذ سنة؛

قصرت أدُعى فتاة الزنابق".

ولكن عندما رجعنا، متأخرين، من حديقة الزنبق،

ذراعاك ممتلئتان وشعرك مبلول، ما استطعن

الكلام، وخانتني عيناي، لم أكن،

 

40.... حياً ولا ميتاً، ولا عرفت شيئاً،

وأنا أنظر في قلب الضياْ، الصمت.

موحش وخالٍ هو البحر.

 

(مدام سوسوستريس، البصارة الشهيرة،

اصابها زكام شديد، ومع ذلك

 

45.... فهي معروفة كأحكم امرأة في اوربا

لديها رزمة ورق خبيثة. إليك، قالت،

هذه ورقتك، الملاح الفينيقي الغريق،

(لؤلؤتين كانتا عيناه. انظ!)

هذه (بيلادونا) سيدة الصخور

 

50.... سيدة المواقف

هنا الرجل ذو العصي الثلاث، وهنا العجلة،

وهنا التاجر وحيد العين، وهذه الورقة،

وهي خالية، هي شيء يحمله على ظهره،

محجوبة عني رؤيته. أنا لا أجد

 

55.... الرجل المصلوب. إخش الموت بالماء

ارى جموعا من الناس، يدورون في حلقة.

شكراً. اذا رأيت العزيزة (مسزإيكويتون)

قل لها إني سأجلب خريطة البروج بنفسي:

على المرء أن يكون حذراً هذه الأيام

60... مدينة الوهم،

تحت الضباب الاسمر من فجر شتائي،

إنساب جمهور على (جسر لندن)، غفير،

ماكنت أحسب أن الموت قد طوى مثل هذا الجمع.

حسراتٍ، قصيرة متقطعة، كانوا ينفثون،

 

65.... وكل امرىء قد ثبت ناظرية أمام قدميه.

انطلقوا صعداً ثم انحدروا في شارع (الملك وليم)

الى حيث كنيسة القديسة (ماري ولنوث) تعد الساعات

بصوت قتيل على آخر الدقة التاسعة.

هناك رأيت واحداً عرفته، فاستوقفته صائحاً: (ستتسن!)

70... "يا من كنت معي على السفائن في (مايلي!)

"تلك الجثة التي زرعتها السنة الماضية في حديقتك،

"هل بدأت تورق؟ هل ستزهر هذه السنة؟

"أم أن الصقيع المباغت قد أقض مضجعها؟

"ابعد الكلب عنها، فهو صديق للبشر،

 

75.... "وإلا فسيحفر بأظافره ويستخرجها ثانية!

"أنت، أيها القارىء المرائي! –ياشبيهي،- يا أخي!"

 

 

 

2- لعبة شطرنج

 

الأريكة التي جلست عليها، مثل عرش ممرد،

توهج فوق الرخام، حيث المرآة

ترفعها قوائم مشغولة بمثمر الكروم

 

80.... يطل منها (كيوبيدون) من ذهب

( وآخر قد حجب عينيه خلف جناحه)

تضاعف الشعلات من شمعدان مسبع الفروع

يعكس النور على المنضدة حيث

ألقً جواهرها يصاعد كي يقابله،

85.... من علب حرير تنداح في وفر عميم؛

في حقاق من عاجٍ وزجاجٍ ملون

ما عليها سداد، كانت تكمن طيوبها المصنعة الغربية،

دهون، مساحيق، سوائل – تقلق، تُربك

وتغرق الحس في روائح فاغمة يثيرها الهواء

 

90.... الهبوب من النافذة، فترتفع

وهي تضخم لهبات الشمع المتطاولة

وتقذف بدخانها الى المقرنسات،

فتضطرب الزخارف على السقف ذي التجاويف.

أحطاب بحر كبيرة، مطعمة بالنحاس

 

95... تشتعل خضراء برتقالية، مؤطرة بالحجر الملون،

في ضوئه الحزين يسبح دلفين منقوش

وفوق رف المطلى العتيق يُرى

كنافذة تطل على مشهد غابي

تحول (فيلوميل) التي اغتصبها بوحشية

 

100.... ذلك الملك البربري، ولكن العندليب هناك

تملأ القفر جميعاً بصوت لا يُغتصب

وبقيت تصيح، وبقي العالم يلاحقها،

زق زق لآذان قذرة.

وغير ذلك من بقايا الزمن الذاوية

 

105.... كانت مصورة على الجدران؛ شخوص محدقة

تطل أو تكبو، فتغلف الغرفة بالصمت

حفيف أقدام على السلم

تحت ضوء النار، تحت الفرشاة، انتثر

شعرها في ذوائب متقدة

 

110.... توهج في كلمات، ثم غاب في صمت قاس.

"أعصابي مُجهدةٌ هذه الليلة. أجل، مُجهدة، إبق معي.

"تكلم مع. لماذا لا تتكلم قط. تكلم.

"بماذا تفكر؟ ماذا تفكر؟ ماذا؟

"لا أعلم قط ماذا تفكر. فكر".

 

 

115.... أفكر بأننا في زقاق الجرذان

حيث أضاع الموت عظامهم

 

" ما ذلك الصوت؟"

الريح تحت الباب

" والآن ما ذلك الصوت؟ ما الذي تفعل الريح؟"

لا شيء ثانية لا شيء.

"هل"

"تعلم لا شيء؟ هل ترى لا شيء؟ هل تذكر

"لا شيء؟"

أذكر

125... لؤلؤتين كانتا عيناه.

"هل أنت حي، أم لا؟ هل يوجد لا شيء في رأسك؟"

لكن

 أوف أوف أوف أوف يا ألحان الجاز الشكسبهيرية-

ما أحلاها

 

130.... ما أذكاها

"ماذا سأفعل الآن؟ ماذا سأفعل؟"

"سوف انطلق خارجة كما أنا، وأذرع الشارع

"وشعري منسدل، هكذا. ماذا سنفعل غداً؟

"ماذا، سنفعل أبداً؟"

 

135...                     الماء الحار في العاشرة.

"وإذا أمطرت، فعربةً مسقوفة في الرابعة.

وسوف نلعب لعبة شطرنج،

نطبق عيونا بلا أجفان وننتظر طرقة على الباب

 

لما سرّحوا زوج (ليل) قلت لها-

140... وما اختلفت كلماتي، قلت لها بنفسي،

أسرعوا رجاء انتهى الوقت

لأن (ألبرت) راجع، حسني حالك حبّة.

حتماً يريد أن يعرف الذي عملتيه بالفلوس التي أعطاك إياها

حتى تعملي لك بها أسنان. أعطاك، كنت حاضرة

 

145.... اقلعيهم كلهم يا (ليل) واعملي ضبة لطيفة،

  قال أقسِم أنني لا أتحمل النظر إليك.

ولا أنا أتحمل، قلت، وتذكري، (ألبرت) المسكين،

كان في الجيش أربع سنين، ويريد أن يتسلى

وإذا أنت لاتُسلّيهِ، هناك غيرك على استعداد، قلت

150... صحيح؟ قالت. يعني، قلت

إذن سأعرف من أشكر، قالت، وحملقت بوجهي

أسرعوا رجاء انتهى الوقت

إذا ما أعجبك الحال استمري على هذا المنوال، قلت

غيرك يقدر أن ينتقي ويختار إذا أنتِ لا تقدرين

155... ولكن إذا أفلت منك (ألبرت) لن يكون السبب

من قلة التنبيه

يجب أن تخجلي، قلت، من هذا المنظر الهرم

(وهي ماعبرت الواحدة والثلاثين)

ما بيدي حيلة، قالت، ومطت وجهها،

هذي الحبوب التي أخذتها، حتى أنزّله، قالت.

160... (صار عندها خمسة، وكادت تموت مع

الأصغر (جورج

الصيدلي قال كل شيء سيمضي على خير، ولكني ما عدت

مثل قبل.

أمّا صحيح مجنونة، قلت.

هه، إذا ما تركك (ألبرت) لحالك، سترين، قلت،

لأي شيء تتزوجون اذا ما تريدون أطفال؟

165... أسرعوا رجاء انتهى الوقت

أي، ذلك الأحد وصل (ألبرت) وعملوا فخذة مشوية،

ودعوني للعشاء، للاستمتاع بها حارة.

أسرعوا رجاء انتهى الوقت

أسرعوا رجاء انتهى الوقت

 

170... ليلسعيدة (بل). ليلسعيدة (لو). ليلسعيدة

(مي). ليلسعيدة

شكراً شكراً. ليلسعيدة. ليلسعيدة

ليلة سعيدة، سيداتي ليلةً سعيدةً، سيداتي اللطيفات.

ليلةً سعيدةً، ليلةً سعيدة

 

 

3- موعظة النار

 

 خيمة النهر هوت: أواخر الورقات

 تتشبث ثم تغور في الضفة الرطبة. الريح

175... تجتاح الأرض السمراء، غير مسموعة. الحوريات انصرفن.

 

أيها (التيمز) الحبيب، إجر الهوينا، حتى أتمّ اغنيتي.

النهر لا يحمل قناني فارغة، أوراق شطائر،

مناديل حرير، علَب مقوّى، أعقاب دخائن

أو شواهد أخرى من ليالي الصيف. الجوريات انصرفن.

180... ورفاقهن، المتسكعون من ورثة أرباب المال؛

 

انصرفوا، ولم يتركوا عناوين.

عند مياه (ليمان) جلستُ وبكيتُ..

أيها (التميز9 الحبيب، إجر الهوينا حتى أتمّ أعنيتي،

ايها (التمير) الحبيب، إجرِ الهوينا، لأني لا أرفع صوتي عالياً ولا

طويلاً.

 

185... ولكن ورائي في عصفة باردة أسمع

قرقعة العظام، وقهقهة تنداح من أذن لأذن.

إنسل جرذ رويداً خلال العشب

يجرجر بطنه الموحل على الضفة

بينما كنت أصطاد في القناة الكئيبة

 

190... في مساء شتائي خلف مصنع الغاز

أتأمل في تحطم سفينة الملك أخي

وفي موت الملك أبي من قبله.

أجساد بيضاء عارية في الأرض الواطئة الرطبة

وعظام مرميّة في عليّة ضيقة واطئة يابسة،

 

195... تقرقعها قدم الجرذ وحده، من عام لعام.

ولكنني أسمع ورائي من حين لحين

صوت الأبواق والمحركات، التي ستوصل

(سويني) الى (مسز بورتر) في الربيع

منيراً أطلّ القمر على (مسز يورتر)

200... وعلى ابنتها

تغسلان الأقدام بماء الصودا

يا لأصوات الأطفال هذه، تنشد تحت القبّة!

 

شق شق شق

زق زق زق زق زق زق

205... بغاية الوحشية اغتصبت.

تيريو

 

مدينة الوهم

تحت الضباب الأسمر من ظهيرة شتائية

(مستر يوكينيديس) التاجر الإزميري

210... غير حليق، بجيب مليء بالزبيب

"سيف" لندن: وثائق عند الاطلاع،

دعاني بفرنسية مبتذلة

الى غداء في فندق شارع (كانن)

يعقبة قضاء عطلة الاسبوع في (المتروبول)

 

215... في ساعة الشفق، عندما ترتفع العينان والظهر

عن المكتب، عندما تتوقف الماكنة البشرية

مثل سيارة اجرة تخفق في انتظار،

أنا (تايريسياس) رغم العمى، اختفقُ بين حياتين،

رجل عجوز بثديي أنثى متغضنين، أقدر أن أرى

220... في ساعة الشفق، ساعة المساء التي تغذ

نحو الدار، تُعيد الملاّح الى أهله من البحر،

والراقمة الى دارها وقت الشاي، تزيل بقايا فطورها، تشعل

مدفأتها، وتعدّ طعاماً من علب.

خارج النافذة منشورةً بصورة خطرة

225... ملابُسها الداخلية التي تتجفف وقد لوحتها

ذوائب الشمس،

وقد تكوّمت على الأريكة (في الليل سريرها)

جوارب، أخفافٌ، أجوابٌ، مشدّات.

أنا (تايريسياس) رجل عجوز بضرعين متغضّنين

رأيت المشهد وتنبأت بالبقية-

230... أنا كذلك انتظرت الضيف المرتقب

وهو يصل، ذلك الشاب المدمّل

موظف عند وكيل عقار صغير، ذو تخديقة جريئة،

طغامة تجلس عليه الثقة

جلوس قبعة حرير على رأس مليونير من (برادفورد).

235... الوقت مؤاتٍ الآن، كما يظن،

فالوجبة انتهت، وهي ضجرة متعبة،

يحاول أن يأخذها بمداعبات

لا ترغبها، لكنها لا تستهجنها.

وإذ يستثار ويصمم، يهاجم في الحال؛

240... بيدين تجوسان لا تقابلان صدودا؛

ولأن غروره لا ينتظر جوابا،

فهو يقبل اللامبالاة ترحابا.

(وأنا تايريسياس) سبق أن عانيتُ هذا كله

يجري على هذه الأريكة نفسها أو السرير؛

245... أنا الذي جلست قرب (طيبة) في ظل الجدار

ومشيت بين الأدنى من الأموات.

يطبع قبلة أخيرة متفضلة

ويتلمس طريق الخروج إذ يجد السلالم غير مضاءة..

 

تعود فتنتظر برهة في المرآة،

250... وتكاد لا تعي أن حبيبها قد انصرف؛

ذهنها يسمح لفكرة نصف مكتملة أن تمر:

" الآن قد جرى ما جرى: ويسرني أنه انتهى"

عندما تنحدر الحسناء إلى حماقة ثم

 تتمشى في غرفتها ثانية، وحيدة،

255.... تسرّح شعرها بحركة يد آلية،

وتضع اسطوانة على الحاكي

"هذه الأنغام انسابت بقربي على المياه"

وعلى امتداد (الستراند) حتى شارع الملكة (فكتوريا)

مدينةُ يا مدينةُ، أكاد أسمع احيانا

260... جوار حانة في شارع التميز الأدنى،

أنين ماندولين شجيّ

وقرقعة وثرثرة من الداخل

حيث يهجع السمّاكون في الظهيرة: حيث جدران

كنيسة (ماكنس) الشهيد تضم

265... روعة لا تفسر من أبيض وذهب أيوني

 

النهر يرشح

زيتاً وقاراً

الجنائب تنساب

مع المد الراجع

270... أشرعة حمرٌ

وساع

بوجه الريح، تخفق على السارية الثقيلة.

الجنائب تجرف

جذوعاً تنساب

275... نحو شطآن، كرينيج

بعد (جزيرة الكلاب)

ويالالا ليّا

ولا لا ليّا لالا

 

 

(اليزابيث) و (ليستر)

280.... مجاذيف تصطفق

الكوثل بشكل

محارة مذهبة

حمرة ودهب

اللجّة الطافرة

285... تماوج الشاطئين

وريح الجنوب

تحمل مع المسي

صداح النواقيس

أبراج بيضاء

290....                 ويالالا ليّا

ولا لا ليّا لالا

 

" حافلاتٌ وأشجار غبراء.

(هايبري) ولدتني، (رجموند) و (كيو)

دمرتاني. قرب (رجموند) رفعت ركبتي

295... مستلقية في قاع زورق ضيق..."

 

"قدماي في موركيت) وقلبي

تحت قدميّ. وبعد الفعلة

بكى. وعد (بداية جديدة)

ولم اتفوّه بتعليق. على م تراني أحتج؟"

 

"300...       "على رمال (ماركيت)

لا أقدر أن أربط

أي شيء بأي شيء

أظافر متقصفة من أصابع يدين قذرتين

قومي أناس مساكين لا يتوقعون

305... أي شيء."

ثم جئت الى قرطاجة

 

محترقاً محترقاً محترقاً محترقاً

ياربّ انت الذي تنتشلني

310... ياربّ انت الذي تنتشلني

 محترقاً

 

4- الموت بالماء

 

(فليباس) الفينيقي، ميت منذ اسبوعين،

نسي تصخاب النوارس، ولجة البحر العميق

والربح والخسارة.

315...                  تيار بغور البحر

فكك عظامه في همسٍ. وإذا راح يعلو ويسفّ

مرّ بمراحل شيخوخته والشباب

وهو يلج الدوامة.

 

أممي أم يهودي

320... أنت يا من تدير الدفّة وتنظر صوب الريح،

تأمل (فليباس) الذي كان يوماً وسيماً وفارعاً مثلك.

 

 

5- ماقاله الرعد

 

بعد وهج المشاعل على الوجوه العَرِقة

بعد صمت الصقيع في البساتين

بعد الآلام في الأماكن الحجرية

325... والصياح والعويل

والسجن والقصر وتجاوب

رعد الربيع على الجبال القصيّة

الذي كان حيّاً هو الآن ميت

الذين كنا أحياء نحن الآن نموت

330... بقليل من الصبر

 

لاماء هنا بل مجرد صخر

صخر ولا ماء والطريق الرملي

الطريق المتلوّي صعداً بين الجبال

التي هي جبال صخر بلا ماء

335... لو كان ثمة ماء لوقفنا وشربنا

بين الصخور لا يستطيع المرء ان يقف أو يفكّر

العرق جاف والأقدام في الرمل

لو كان ثمة ماء بين الصخر

فم جبلي ميت باسنان نخرة لا يقدر أن يبصق

340... هنا لا يقدر المرء أن يقف أو يستلقي أو يجلس

حتى الصمت لا يوجد في الجبال

بل رعد جاف عقيم بلا مطر

حتى الوحدة لا توجد في الجبال

بل وجوه حمراء عابسة تشخر وتنخر

345... من أبواب بيوت طين متصدّع

لو كان ثمة ماء

ولا صخر

لو كان ثمة صخر

وماء كذلك

350...         وماء

نبع

بركة بين الصخور

لو كان ثمة صوت الماء وحده

لا الزيز

ويابس العشب يغني

بل صوت ماء فوق صخرة

حيث الحسّون الناسك يغرّد في اشجار الصنوبر

سقسق سقسق سق سق سق

لكن ليس ثمة ماء.

 

360...         من الثالث الذي يسير دوماً الى جانب؟

كلّما أعدّ ليس إلاّك وأنا معاً

 

ولكن عندما أصعد الطرف نحو الطريق الأبيض

ثمة دوماً واحد آخر يسير الى جانبك

ينساب مدثراً بعباءة سمراء ملتفعاً

365... لا أعرف إن كان رجلاً أو امرأة

- فمن ذاك الذي الذي الى جهتك الأخرى؟

 

ما ذلك الصوت الصاعد في الهواء

نشيج نواح الأمهات

ما تلك الحشود المتلفعّة تفيض

370... على سهول مترامية، تتعثر بأرض متصدعة

يسوّرها الأفق المنبسط وحده

أيّة مدينة خلف الجبال

تتصدع وتعمر وتنفجر في الهواء الشفقي

بروج متهاوية

375.... أورشليم أثينا الاسكندرية

فيينا لندن

وهمٌ

 

امرأة شدّت شعرها الأسود الطويل

وعزفت الحان همس على تلك الأوتار

380.... وخفافيش بوجوه أطفال في ضوء الشفق

راحت تصفرّ، وتخفق بأجنحتها

وتزحف متدلية الرؤوس نزلاً على حائط مسوّد

وثمة بروج مقلوبة في الهواء

تدق نواقيس ذكرى، تعدّ الساعات

385.... وأصوات تغني من صهاريج خاوية وآبار ناضبة.

 

في هذه الحفرة النَّخِرة بين الجبال

في نور القمر الخابي، يغني العشب

فوق القبور المنقلبة، حول الكنيسة

ثمة الكنيسة الخالية لا تؤمّها غير الريح.

390... لا نوافذ فيها، والباب يتأرجح،

العظام اليابسة لا تؤذي أحداً.

ليس غير ديك انتصب على عارضة السقف

كو كو ريكو كو كو ريكو

في لمحة برق. ثم عصفة رطبة

395... تحمل المطر

كان (كانكا) قد غاض، والأوارق المنهكة

تنتظر المطر، بينما السحب السوداء

تجمعت في الأقاصي، فوق (هيمافانت).

الغابة قرفصت، محدودبة في صمت

400... ثم تكلم الرعد.

دا

أعطوا: ماذا أعطينا؟

يا صديقي، الدم يخض قلبي

الجرأة المرعبة في لحظة استسلام

405... لا يقوى على سحبها دهر من الحصافة

بهذه، بهذه وحدها، كان لنا وجود

وهو ما لا يمكن أن يوجد من مناعينا

أو في ذكريات يغشيها العنكبون الكريم

أو تحت اختام يفضها المحامي الهزيل

410... في غرفنا الخالية.

دا

تعاطفوا: لقد سمعت المفتاح

يدور في الباب مرة ويدور مرة واحدة

نفكّر بالمفتاح، كلٌّ يؤكد سجناً

عند هبوط الظلام فقط، أصداء أثيرية

تنعش لبرهة (كريولانس) مهزوماً.

دا

 سيطروا: استجاب الزورق

420... بمرح، لليد الخبيرة بالشراع والمجداف

كان البحر هادئاً، وكان قلبك سيستجيب

بمرح، لو دُعي، فيخفق طائعاً

لسيطرة يدين.

جلستٌ على الساحل

425... أصطاد، والسهل القاحل خلفي

أما يتوجّب علّي في الأقل ترتيب شؤوني؟

(جسر لندن) يتهاوى يتهاوى يتهاوى

ثم توارى في اللهب المطهرٍّ

متى سأصبح مثل السنون – سنونو يا سنونو

430... أمير (أكيتين) ذو البرج المنهار

هذه النثارة دعّمت بها خرائبي

إذن لأتدبّرن أمرك. (هيرونيمو) قد جُنّ من جديد

أعطوا، تعاطفوا، سيطروا.

سلام سلام سلام

 

 

26.02.2012

مغامرة الكتاب الأوّل

!وعد السحاب.. لقد كان استئنافاً للوعد باللغة ومعنى الذّات

162622.jpg

عبد اللطيف الوراري

1 

منذ أن تفتّقتْ ملكتي وشرعتُ في نَظْم الشِّعر، وأنا دون العشرين من عمري، كنتُ أحلم أن يصدر لديوانٌ. ديوانٌ لي مدبوغاً بحرّ أنفاسي، وعليه صورتي واسمي، إسوة بالشعراء الحديثين الذين بدأتُ أقرأ لهم. كُلّما تأخّر الحلم عن التحقٌّق، عاماً بعد عام، مثّل ذلك بالنسبة لي حافزاً للإصغاء إلى يفاعة تجربتي وتطويرها باستمرار، مثلما مثّل توُّرطاً، قاسياً وغير مفهوم، في الشعر الذي يُنادي عليك من أمكنة بعيدة. كان الحلم، في أحيان كثيرة، يتحوّل إلى يوتوبيا، ولاسيما في بلدٍ لا مكان فيه للشعر والشعراء تحت الشمس، مثل المغرب. والّذي أذكره، قبل أن يُطبع كتابي الأوّل، أنّ هناك مشاريع كتب دالّة كنتُ أصمّمها بنفسي وأضع أغلفتها وعناوينها بمناسبة أو بدونها، ثُمّ سرعان ما ضاعت منّي إلى الأبد. كان ديوان 'عرائس الصبا' الذي جمعتُه وأنا طالب في الثانوية، هو كتابي الأوّل حقّاً؛ ففيه آثارٌ مجروحة ٌبأنفاس حبّي الأوَّل، ومتاع ذاتي الشحيح، ودهشتي الأولى بالأشياء والعالم، كما نثرتُها في قصائد وجدانية وعاطفية، منظومة بين شكلي القريض والموشّح. كان مجمل هذه القصائد قد أُذيع في برنامج 'مع ناشئة الأدب' الشعري، وقد افتضح أمري كشاعر بين أصدقائي وأفراد عائلتي، وأنا الذي اعتبرْتُ الشعر حالة فرديّة خاصة يُكتب بمنأى عن أعين النّاس وفضولهم، إلّا أنّ ذلك أشعرني بالزّهو بين أقراني وقتئذٍ. لكن هذا الديوان الذي هيّأْتُه للطبع، وأرسلْتُه إلى البرنامج بعدما سمعْتُ ـ أنا وآخرون ـ وَعْـداً بذلك من مُعدِّه الشاعر وجيه فهمي صلاح، لم يكن إلّا حلماً في الكرى، ولا أعرف أين هو الآن؟

2
 

هكذا، بعد عقد ونصف من ملازمتي الشِّعر وعذابه، وبعدما لم يتحقّق الوعد من أيّ جهةٍ، ظهر كتابي الأوّل مطبوعاً على نفقتي الخاصّة التي دبّرتُها بِدَيْنٍ مع شقّ النفس، في أواخر العام 2005م. كان عنوان الديوان في بادئ الأمر هو 'فراديس العزلة'، ثُمّ استقرّ رأيي، بمشورة صديقي الكاتب محمد بازي، على عنوان أكثر دلالةً: 'لماذا أشْهَدْتِ عليّ وعد السحاب؟'.بعد الطبع، بدأت قصّة توزيعي للديوان، بغلافه الأبيض الذي تخترقه صورة تجريديّة لصديقي الرسام محمد حستي، من مكتبة إلى أخرى، ومن كشك إلى آخر؛ ولمّا كان أصحابها يعلمون أنّي أحمل إليهم شعراً، يرفضون استلام النُّسخ منّي، أو يأخذون أقلّها بمضض، تحت نظرات الفضوليّين المشفقة، بذريعة أنّ الشعر بضاعة كاسدة. لقد آلمني أن أسمع مثل هذا الكلام أكثر من مرّة بما يشبه إجماعاً. ساعاتٌ طويلةٌ قضيْتَها في الشعر وعلى حوافّه تبدو لك كأنّها هباء. وُوجِهْتُ بمثل هذا السؤال: هل أستمرّ في الكتابة أم أنقطع عنها إلى شأنٍ آخر؟ ـ لكن سرعان ما انفتح أمام عينيّ أفقٌ مثل هِبة، حيث وجدْتُ نفسي، داخل الثانوية التي أعمل بها، مُحاطاً بِتلقائيّة تلامذتي ودهشة عيونهم المُشعّة وانطباعاتهم العفويّة عن ديواني الذي ناقشوني في لغته وفضاءاته، وأثارهم ما وجدوا فيه من حزن، فتأثّروا بذلك جميعاً. صار الشعر، من هذه اللحظة بالذّات، التزاماً إنسانيّاً لا رجعة عنه.وأمّا الذين قرأوا الكتاب، من أصدقاء ونقّاد، فقد أثارهم تصميم الكتاب، ولغته، وغموضه المُشْبع بالرمز والخيال، مثلما بالجوع والخيبات. لكن أنّى لهم أن يعرفوا أنّ 'وعد السحاب' لم يكن، في حقيقة الأمر، كتابي الأوّل، بل كان استئنافاً للوعد باللُّغة ومعنى الذّات. ضمّ الديوان بين دفّتيه حوالي أربعة وعشرين نصّاً شعريّاً متفاوت الطّول. كانت النصوص التي اخترتُها كُتِبتْ في خضمّ السنين الخمس الماضية، ونُقّحتْ ورُتّبتْ في خريف 2005م، وهي تنتسب إلى شعر التفعيلة وقصيدة النثر معاً. وممّا جاء في كلمة صديقي الناقد رشيد يحياوي على ظهر الغلاف: 'تفتح اللغة في هذا العمل موطنها لمأساة عارية (...) وكأس الشاعر راودتها الطريق نحو آبار المعنى'. صحيح، لقد أهرقْتُ في الديوان حبراً عن ملامح من سيرتي الحزينة عبر ذاتٍ تعيش تجربة العبور في ترحالها بين الأمكنة الهاربة، بمقدار ما عمّقتُ فيها ملامح من شعريّتي الخاصّة.بعد ستّ سنوات من ذلك التاريخ، فإنّ الذي تبقّى لي من ديواني الأوّل هو ذلك الوعد لا يزال يُنبئ به ويتطلّبه منّي باستمرار. وعد السحاب. ليس السحاب حيث مكمن الماء والضوء إلّا الأمل من نقطة التماسّ تلك، بين ما كان وما سيكون؛ وهو ما يجعل المعنى في رؤيتي إلى الذات والعالم مُستأنفاً، باستمرار..ـ

3

ما بي أرى جُرْحي
أخفّ إليّ منْ سَقْف الغُبارْ؟
أَهُش في ليلٍ، على ظلًي وأنظرُ في السّماء
كأنّ منْ حجرٍ رُؤَى الموْتى تَصيح،
أقول في نفسي: خفافا تعْبر الطّيْرُ الطّريقَ
إلى سحاب سدوم ناياتٍ، وتأثرُ بعْد عيْنْ
  واريتُ مرآتي التُرابْ كأيً أعْمى؛ 
في دمي تغْفو نساءُ الاستعارة
يفترين عليّ:كمْ رؤْيا، صباحَ اللًيْلِ، لَـووصل الغريبةَ وارفُ الأنقاضِ؛
،لَوْ رَعَيا مياهاً في الدّخائل
!واْستحمّا مرّتيْنْ

23.02.2012

نصٌّ شعريّ

سَـاعتُنا الرَّديئة
فوزي غزلان
(شاعر من سورية) 
 
سـاعتُنا الرّديئة مثلَ أمراضِ الضّغط والشّ139862.jpgـحومِ
 الثلاثية التي ترسـمُ خارطةَ الطريق وتختصرُ المسـافة
المسـافةَ التي امّحتْ من قبلُ
بين 'بابا عمرو' والحاراتِ القديمةِ في دمشـق
بين 'درعا' وأصغرِ أبنائي
حيثُ يأسِـرُنا الوقت
الوقتُ الذي نقتلُه/ طوالَ الوقت
تماماً
مثلما يراوغُ الدواءُ أوجاعي
والسـاعةُ الرديئةُ
المعلقةُ على الحائطِ منذُ النّكسـة
منذُ ازديادِ مرتادي المواخير
يتبادلونَ الأنخابَ الخاسِـرة
والأحاديثَ الخاسـرة
يبيعونَ أحلامَ اليقَظة
ويسـتمعونَ للأغاني الطويلة
الأغاني التي تُسـقط الوقتَ بالوقتِ
كلما حاولت 'إدلبُ' النّهوضَ
كي لا تتأخرَ عن اللحاقِ بظلّها
ويتأخر المطر
وتغرق السّـهولُ بالتصحُّر
والنوافذُ بالضّجَر
...........
سـاعتُنا الرديئة
لازالتْ معلَّقةً على الحائط
تنتظر
تنتظر
.........
.........
مطر
مطر
مطر