Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

20/09/2009

خارج الموضات

الشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري لجريدة "القدس العربي":لا أريد أن أقع ضحيّة الموضات  الشعرية 

alquds.gif 

 

حاوره: المصطفى المصدوقي

 عبداللطيف الوراري من مواليد 1972 بالجديدة/المغرب. ينتسب، كتابيا وتخييليا، إلى الأفق الشعري الذي ترتاده القصيدة المغربية اليوم، ويضع تجربته الشعرية في خضم الأسئلة الجديدة التي يختبرها راهن الشعر المغربي في بدايات الألفية الثالثة، وذلك على مستويات تهم الشكل والمضمون، الأسلوب والحساسية بما يؤثر في مفردات الوعي الكتابي الجديد. إلى ذلك، يتحرك الشاعر بين أشكال الشعر العربي المعروفة (الشعر العمودي، شعر التفعيلة وقصيدة النثر)، وهو يرى أن كل شكل شعري يقتضي رؤية في التناول الجمالي للأشياء بين لغة غنائية منحازة للبسيط والهامشي وأخرى ملحمية مركبة تتحرك داخل موشور من التيمات والأساليب والإيحاءات. وينحاز في قصيدته إلى كتابة الذات حيث نصاعتها التي تشف عن عزلتها وهشاشتها، دون أن يغفل عن الانشغال، جماليا وأخلاقيا، بقضايا الصراع الإنساني التي تجتازها أمته. إلى جانب متفرقاته الأدبية في الشعر والنقد والترجمة بعدد من المنابر الثقافية العربية

 

حدثنا عن بداية علاقتك بالقصيدة، وما الذي جعلك تمارس الكتابة الشعرية؟

 

هي بداية كل شاعر وجد نفسه في حياة صعبة أعزل إلا من سريرته الزرقاء التي علمته شرط الوجود أيا تكن درجة المعاناة والألم. لذلك، لا أقول إن الصدفة هي التي قادتني إلى القصيدة، بل الضرورة التي تتغذى على شرطها الإنساني. في هذه الضرورة وجدت نفسي متورطا في ضيافة القصيدة، المؤلمة والممتعة في آن. أذكر الآن كيف كانت تلك الأيام الأولى لكتابة القصيدة تتقاسم معي عمري الأول الجميل، وكيف كان يؤرقها، مثل أرقي، الحلم بواقع بديل غير واقع شظف العيش والحرمان الذي عانيته، وذلك من خلال السفر في مفردات الرومانسية المجنحة. لا أنسى، هنا، الشاعر من أصول فلسطينية وجيه فهمي صلاح الذي رعى موهبتي الشعرية من خلال برنامجه الإذاعي "مع ناشئة الأدب"، والشاعر محمد بنعمارة الذي كان صوته "في حدائق الشعر" يتصادى مع صوتي اليتيم. بإيجاز، هي لحظة البدايات التي رهنتني بالآتي، في الحياة والكتابة. أفكر في جان كوكتو وهو يصرخ: الشعر ضرورةٌ، وآه لو أعرف لماذا .

لا شك أن تجربتك الشعرية على قدر كبير من الأهمية، هل يمكن أن تفصل الحديث عن هذه التجربة؟
 

تجربتي الشعرية لا تزال فتية، وأنا يوميا أتعلم كيف أنصت إليها، وأكب عليها وأغنيها.بحذر وحساسية أتقدم في دروب التجربة. إذا عدت إلى ما كتبت في ديواني، وفي ما تفرق من شعري تجدني منحازا إلى شعر القصيدة الذي يتحرك داخل جماليات اللغة العربية، بهذا الشكل أو ذاك. لا يعنيني في الأشكال الشعرية التي أختبرها بقدر عنايتي بالفكرة الشعرية من جهة، وبوعائها حتي يشف، بدرجة مهمة، عن شرطها الإنساني والوجودي. لقد كتبت الشعر العمودي، وطورت حاستي الشعرية في شعر التفعيلة، كما أن عملي الشعري يقترب، كتابيا وتخييليا، من جماليات قصيدة النثر، المشطورة تحديدا. لنقل هي تجربة تتنامى في عبورها الخاص، وفي انتباهي الخاص. فأهم ما يشغلني ألا أقع، مثل كثير من شعراء جيلي، ضحية موضة شعرية ما. أنا ضد الزعم بأن هذا الشكل هو آخر أشكال الشعر العربي، وضد التنميط المعاصر عديم الموهبة والجهد.

 

ما الذي يقلقك اليوم، ويدفعك إلى الكتابة؟

دائما كان الشعر رديف القلق. وما أرهب ما نسمع من أبي الطيب المتنبي نداؤه المهيب: على قلق كأن الريح تحتي. إن القلق، في اعتقادي، حافز القصيدة على ارتياد المجهول في الذات، الأشياء والعالم. القلق شعورٌ مثمر، وهو ليس اليأس. إنه الفعالية التي تنظف الروح الأسيانة مما يطاولها بالرغبة والأمل المزمن. لي في تمجيده هذه الأبيات:
 أمْستْ كمِثْل الرِّغاب نافِذتي         كِلاهُما الحبُّ فيهِ يشْتعِـلُ

وليْس شوْقُ العُيونِ منْ أملٍ          يـفْنى إذا حدّقتْ، ويبْتـذِلُ
ثلاثةٌ في الـرِّياح ما رَقَــــــدوا                أنَـا وحبْرُ البَعيدِ والأَمـلُ
في هذه الأيام، أنحاز أكثر إلى كتابة تشف عن هموم الذات حيث نصاعتها التي تشف، بدورها، عن عزلتها وهشاشتها. كما أني لا أغفل عن الانشغال، جماليا وأخلاقيا، بقضايا الصراع الإنساني الذي تجتازه أمتي من أجل هويتها، حياتها ووجودها. بهذا المنظور، كتبت عن حبي، وغنائي البسيط، وسعيي المحموم إلى حريتي المنثورة بين التفاصيل حيث يرقد الشيطان، مثلما كتبت، بشكل مواز، عن حدائق بغداد، ورماد جنين، ورؤيا بيروت وتغريبات المهاجرين المغاربة والمتنبي وديك الجن وابن زيدون وأبي العباس السبتي.
في الحقيقة، يقلقني البحث عن موطئ قدم في عالم مضطرب يسمح لي بالرؤية إلى ما حولي في صفاء وحرية، مثلما يقلقني فهم ما يجري، ومعرفة ما يتبدل من المفردات والقيم. لا أنسى أن أحتفظ بقدر من التفاؤل الذي لا يعمي الرؤية، ويترك الوعد بالحياة في النفس وبين الناس مستأنفاً، باستمرار.

من من الشعراء الذين أحببتهم، وأضافوا إلى تجربتك غنى ومعرفة؟

أنا أنتمي إلى الشعرية العربية الأعرض التي تضرب بأطنابها في عمق التاريخ واللغة والثقافة، من الشعر الجاهلي حتى أيامنا، والتي لا تزال تجدد آليات عملها الكتابي والتخييلي، وتأويلها الخصيب للذات والعالم. أنتمي إلى النصوص التي تحمي العمق، وتتطور داخل جماليات اللغة العربية. ولهذا، أحببت طرفة بن العبد، والعباس بن الأحنف، والمتنبي، وأبا العلاء المعري وابن زيدون من القدامي، وأحببت أحمد شوقي، وإيليا أبا ماضي، وأبا القاسم الشابي، وعلي محمود طه، وبدر شاكر السياب، وأمل دنقل وأحمد المجاطي من المحدثين، وأحببت محمود درويش، وأدونيس وقاسم حداد وأمجد ناصر من المعاصرين. أحببت، أيضا، النساء الشواعر أغلبهن. وهكذا، أزعم أن الصفحة التي أخط فيها شعري هي، سلفا، مسودة بحبر هؤلاء الشعراء الذين أتقاسم معهم ميراث الجهد الفني، وميراث حماية العمق، وميراث الوحي في المكان الخطأ. 

متى تكتب؟ أقصد هل من طقوس معينة تمارسها أثناء الكتابة؟

ليس هناك من وقت معين للكتابة. عليك أن تتوقع مجيء السطر الأول للقصيدة في أي لحظة، ومن ثم عليك أن تحميها من الاستسهال والسطحية بالجهد والموهبة. ولا طقوس للكتابة، أيضا. ما أحرص عليه هو هدوء اللحظة الذي يحفزني علي تدبير ضوضائي الداخلية. أشد ما أكره أن يقتحم علي شخصٌ ما عزلتي إلا ابني ريان في ربيعه الأول. ربما في حضوره ترتيب النظر إلى المكان الخطأ. مكان المجاز أعني. 

هل تشعر أنك حرٌ كشاعر؟

ديدن كل شاعر من شعراء العربية أو غيرهم هو أن يكون حرّاً، بلا مهانة. أن يكون حرّاً في كتابته، وفي إرادته، وفي صوته، وفي خياراته الجمالية، وفي مواقفه مما يجري حوله. وللشعراء قصة طويلة مع عشقهم للحرية. بالنسبة لي، أعتقد أني أنتزع حريتي بالتدريج، وأهييء نفسي لها، وأربيها على ألا تكلّ في طلبها. وإذا نظرت إلى شعري وجدت فيه تاريخاً من العمل علي الحرية يتطور بقدر تطور تجربتي الشعرية وفق دافعية القول، وضرورة المعني، والمناخ النفسي، وإكراهات الشكل وواقع الناس الذي أحياه. إني أعمل ما استطعت حتى تبقي حريتي الشخصية، وحريتي في الحياة والقصيدة تنبض بلا انقطاع، لأن شاعرا يعيش ضغط السائد ولا يتجاوز، يشرف علي الهاوية ولا يحتج، يري ما حوله ينهار ولا يتهم، إنما يصادر صوته وحريته. أشعر أن حريتي في عافية لما يكون لي صوتي الخاص، وذائقتي الخاصة.

هل أنت راض على مستوي المتابعة النقدية لشعرك؟

أرى أن هناك غياباً غير مسبوق لنقد الشعر، وحيوية الشعراء في مشهدنا الراهن. فقط هناك، في الغالب، نقودٌ يطغي عليها أسلوب المجاملة والمحاباة والتشيع لهذا الطرف أو ذاك. ومثل باقي مجايلي من شعراء المغرب والبلاد العربية، أرى أنه ليست هناك متابعة نقدية جادة لما أكتبه، وأجتهد في كتابته من شعر. أغلب النقد الجاد منصرفٌ إلى الرواد فيما يشبه الاحتفاء بتجاربهم. التجربة الشعرية الجديدة في المغرب مهمة في ما تقترحه من جماليات كتابية، ولكنها معرضة للإهمال والنسيان والصمت بسبب غياب النقد، وبسبب فوضي المعايير النقدية. أما الأنطولوجيات التي صارت موضة فإنها فقط تكرس ما هو مكرس، ونادراً ما تلتفت إلى الأصوات الحيوية والعميقة في راهن الشعر المغربي. ينقصنا نقادٌ يخلصون لهذه التجربة واقفين علي مزاياها ومثبطاتها، وعاملين علي تجديد النقاش بخصوصها. في المشرق، هناك نقاد بل شعراء رواد يقومون بهذا العمل مثل عمل الشاعر محمد علي شمس الدين الذي يتابع بالتعريف والنقد إصدارات الشعراء الجدد.

يقول الشاعر والناقد الإنكليزي وورد زوورث إن كل شعر جيد هو فيض تلقائي لمشاعر قوية ، فماذا تقول أنت؟

للشاعر الإنكليزي وورد زوورث، بطبيعة الحال، تصوره للشعر الذي يمتحه من المرجع الرومانسي في بداياته المضيئة، ويقوم على العاطفة والخيال. نذكر تعريفه للشعر بأنه الحقيقة التي تصل عبر العاطفة إلى القلب، ونذكر ما قاله عن الشاعر الذي يدرك من جوهر الحياة ما لا يدركه غيره. هذا الميراث من صفاء الرؤية إلي الشعر وفعاليته نتعلمه ثانية من وورد زوورث. لكن ما يهمني من شعره هو إعلاؤه لنزعة الأمل والفرح حتى في لحظات الحزن المهيبة. أفكر فيه وهو يقول في إحدي قصائده:
لا شيء يستطيع أن يعيد لحظة رونق العشب وبهاء الزهرة

ومع ذلك، فلن نحزن
بل سنجد القوة فيما يتبقى .
تلك فعالية القصيدة العابرة للذوات، والنصوص والأزمنة. هي نفسها فعاليتي. أرى إلي الشعر بوصفه فعالية تتجدد كلما أمكنه أن يسأل، وأن يحيي، وأن يتوجه إلي المستقبل. فعاليته في مستقبله. إن الشعر، في زعمي، شرط الإيقاع الإنساني الذي علينا أن نلتزم بمواجهته في كل لحظة من لحظات المصير الذي نتحمله، بحبّ وصبر.

الشعر في العالم العربي وصل إلى مرحلة من النمطية حسب بعض النقاد، في رأيكم إلى ماذا تعود الأسباب؟

إجمالاً، هناك توجه نحو التنميط ناتج عن استسهال الشعر، وعن ادعاء بأن شكل قصيدة النثر هو آخر أشكال الشعر. تنميط الشكل يؤدي، رأساً، إلي تنميط الرؤية، الحساسية والمتخيل. حتى داخل شكل قصيدة النثر نفسها هناك تنميطٌ يصدمنا، لأن فيه تفقيراً لكل الإمكانات التي ظهرت من أجلها هذه القصيدة، وبررت وجودها بقوة. إن وضع شعرنا اليوم باتت تميزه النمطية، ومن المثير للقلق أن هذا الشعر الذي مثل، في حد ذاته، ثورة علي النمطية في الشعر العربي وجد نفسه يعيد إنتاجها. هناك ظاهرة تكرار وتشابه للأساليب والرؤي تصيب الكثير من الشعراء بعيدا عن العمل في الاختلاف والتفرد. لنقل إنها أزمة شعراء وليس أزمة حركة شعرية. في المقابل، هناك تجارب شعرية رائدة تشق عبورها الخاص، وتسند الحركة الشعرية، وتجعل شعريتنا المعاصرة قابلة للتجدد والعطاء.

كيف ترى مستقبل القصيدة في المغرب؟

صار الحديث عن مستقبل الشعر يثار بحدة هذه الأيام، وأكثر هذا الحديث غير ذي شأن، وأكثر ما أخشى أن يحل الحديث عن الشعر محل الشعر نفسه. ومع ذلك، يبقى السؤال ضروريا بالنسبة لحالتنا العربية. في أوربا وأمريكا لا تطرح المسألة المقترحة عن مستقبل الشعر بالحدة نفسها، ولكن لكون الشعر هو إرثنا الثقافي والجمالي الضارب بأطنابه في أعماق التاريخ والحضارة، والهاجع في اللاوعي الجمعي فإن المسألة تأخذ طابعا إشكاليا بقدر ما نعاني منها.
في المغرب، يمكن لنا أن نناقش المسألة من زاوية أخري بالقياس إلى الخصوصيات التاريخية والثقافية، ولكن إذا اقتصرنا علي ما هو ملح ومستعجل فإنه يجوز لنا أن نتحدث عن مستقبل ما للشعر بالنظر إلى ما تعرفه القصيدة المغربية الحديثة من وعي جديد، وأفق جديد، وإمكانات جديدة تسهم بها الحركة الشعرية التي تفصح عن تململ حيوي وواعد. ودعني أقول إن هذا المستقبل محفوف بالمخاطر لأنه المغامرة نفسها، وأشد ما يشغلني، هنا، هو بعض المعيقات التي قد تعرضه للعماء، وتحرف مجراه العمودي، وأهمها: ـ تراجع الاهتمام بقراءة الشعر وتداوله حتي في أماكنه الطبيعية مثل المدرسة، تحول الفعل الشعري إلي نشاط نخبوي ضيق، وعدم تشجيع ودعم المؤسسات لنشر الشعر، وتجاهل دور الشاعر ورد الاعتبار لقيمه في المجتمع. إلي جانب تهميش العميق والحيوي الذي يمثله الشعري، والإعلاء من شأن الاستهلاكي، السطحي والآني الذي تروج له وسائل الميديا في سياق العولمة. وليس أخيرا غياب النقد، وشرط الحرية، وشيوع الظواهر والقيم التي تشيع الفوضي والأنانية والسلطوية التي تحركها أوهام السبق والريادة. وأرى أن أمام بيت الشعر في المغرب، اليوم، مسؤولية ثقافية وأخلاقية يعززها بشراكته الحضارية العميقة مع مؤسسات الدولة للنهوض بأوضاع الشعر المغربي، والتأريخ لشجرة نسبه الحقيقية، والعمل علي زرع مناخ التضامن والمحبة بين الشعراء المغاربة حتى تبقى جوانحهم تنبض، في ليل الوجود، بأرواح تبرهن على أن المستقبل هو، دائماً، للشعر، ويظل كذلك بسبب قدرته المدهشة على بث الحمية في المعاني الإنسانية والوجودية الأساسية
.


*القدس العربي

05 ـ 06/04/2008

 

 

 

14:10 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.