Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

23/09/2009

هذه اللعنة

مقلّباً أوراق المشهد الثقافي .. الشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري للوكالة: الهامشية الجغرافية كرّست صورةَ أدبٍ مغربيّ هامشي ومجهول وغير متّضح الهوية لدى المشارقة المتحفّظين
wak.jpg

 

- وكالة أخبار الشعر العربي/ المغرب: الكنتاوي لبكم

متنقلا بين الكتابة الشعرية والنقدية و المتابعة للمنجز الشعري للكثير من الشعراء المغاربة و العرب، يخط الشاعر عبد اللطيف الوراري مساره الخاص على الخريطة الأدبية المغربية والعربية، يحدثنا في هذا الحوار  عن تجربته الشعرية و عن رؤيته الخاصة للوضع الثقافي المغربي و العربي .


- البدايات الشعرية والروافد المؤثرة في تجربتك..

    ـ تاريخ كتابتي للشعر بدأ في اللحظة التي أحسسْتُ فيها برغبة طافحة في التعبير كأيّ شاعر وجد نفسه في حياة صعبة أعزل إلا من سريرته الزرقاء؛ أفليس هذا هو مأتى الفنّ وغايته؟ لهذا، لا أقول إن المصادفة هي التي قادتني إلى القصيدة، بل الضرورة التي تتغذّى على شرطنا الإنساني. في هذه الضرورة وجدت نفسي متورّطاً في ضيافة القصيدة. أذكر الآن كيف كانت تلك الأيام الأولى لكتابة القصيدة تتقاسم معي عمري الجميل والصعب في آن، والتي كان عليّ أن أتعلّم آداب ضيافتها. واليوم، لا تزال تجربتي الشعرية فتيّة تستمرّ في التعلّم والإصغاء إلى زمنها كيما تبقى متيقّظة وحيّة. ولعلّ الروافد التي شكّلت أقانيم تجربتي، فيما أرى، متنوّعة ومتجاذبة، منها ما يعود الى التراث الشعري العربي، ومنها ما يمتح من اتّجاهات الشعر الحديث والمعاصر: بدءاً من الغنائية التي أعمل عليها باستمرار بجذريْها العاطفي والرمزي، وانتهاءً برفْد المتخيّل الذي يدفع بالذّات إلى أقصاها في مخاطبة المطلق عبر وجوهٍ وحيواتٍ وعوالم متعدّدة. وعلى العموم، أنا أنتمي إلى شجرة الشعرية العربية الأعرض التي تضرب بأطنابها في عمق التاريخ واللغة والثقافة، ولا تزال تجدد آليات عملها الكتابي والتخييلي، وتأويلها الخصيب للذات والعالم.

- الانتماء إلى الثقافة المغربية وحضوره في ابداعك..

ـ داخل هذا الانتماء الأعرض، أتعلّم كيف أنصت إلى ثقافتي المحلّية التي هي جزء أساسي ومختلف داخل الثقافة العربية الإسلامية، بين ضفّتي المتوسط. من ثقافتي المغربية بجذورها الأمازيغية والإفريقية والأندلسية أسترفد متخيّلاً مصطخباً يدلّني على التنوّع الذي يُلهمنا الحياة التي نتوجّه إليها، ويجعل الهويّة التي نتكلّمها أو نحلم بالعبور إليها دائمة التحوّل. من هنا، يهمّني التعبير عن روحيّة الشعر المغربي وروائحه وأمكنته ورموزه وهواجسه. ولا أفهم شاعراً مغربيّاً لا يعبّر عن ذلك، ويظلّ مغترباً في الأشباح بحثاً عن حداثةٍ مزعومة أو خلاصٍ كاذب. ومن الدالّ أن أذكر، هنا، أنّ أوّل قصيدة دشّنت بها ديواني الأوّل موسومة ب"مرآة أبودا وما فاض عنها في اللغة الأمازيغية"، وهي تعني رغبة الذات العارمة في البوح بموجوديّتها ومعيشها؛ مثلما سوف تجد في الديوانين اللاحقين أيقوناتٍ وروائحَ تتداخل وتتخارج من الزمن المغربي وذريّاته.


-فكرة المشرق العربي و تأثيرها في الساحة الثقافية وإمكانية حديثنا عن زحف مغرب عربي ثقافيا..

ـ بغضّ النظر عن النقاش في ثنائية مشرق ـ مغرب، التي بدأ التداول في شأنها منذ ثلاثة عقود ونيّف، وبمنأى عن مبدأ المفاضلة بينهما الذي يتعالى على التاريخ، فإنّه يمكن القول إنّ بين المغرب والمشرق عناصر ثقافية وحضارية مشتركة ومختلفة في آن، فلا هما عالم واحد متجانس، ولا هما منفصلان بإطلاق. بالنسبة لنا نحن المغاربة نعتبر أن المشرق العربي أسدى لنا، عبر التاريخ، خدمات حضارية وثقافية جليلة لا تُنكر، مثلما أنّه صدّر لنا أزماته السياسية، حتى بتنا نردّد مع أحمد شوقي: نصحت ونحن مختلفون داراً ** ولكنْ كلّنا في الهمّ شـرْقُ

لكن التساؤل الآتي: من يعرف أكثر عن الآخر: المغرب أم المشرق؟ يفرض نفسه، هنا، بشدّة. فإذا كان الأدب المشرقي أدباً محتفى به دائماً في المغرب لعوامل شتّى، فإنّ الهامشية الجغرافية كرّست صورةَ أدبٍ مغربيّ هامشي ومجهول وغير متّضح الهوية لدى المشارقة المتحفّظين، إلى جانب التحدّي الأدبي  الأندلسي أو لعنة الصاحب بن عباد القائل ب "بضاعتنا رُدّت إلينا". أمّا اليوم فإنّ لعبة المركز والأطراف قد تغيّرت، وبات المشارقة يطلبون عناوين الكتب من المغرب، ويدعون أدباءه الذين زاحموهم في الجوائز والصفوف الأمامية وشارات جوقة الشرف، بل إن المغاربة باتوا يعرفون عن المشرق أكثر مما يعرفه المشارقة عن المغرب. وفي زعمي، أن هناك حراكاً ثقافيّاً عارماً في البلدان المغاربية سوف يكون انعكاسٌ لافتٌ في مجمل المشهد الثقافي العربي، إذا أتيح له الدعم من لدن المؤسسات المعنية.


-اوضاع اتحاد كتاب المغرب ورؤيتك الخاصة للخلاص من الأزمة..

 

  لقد طُرحت مجموعة من التساؤلات الصعبة والمثيرة للجدل حول طريقة تدبير وتسيير اتحاد كتّاب المغرب الذي وصفه أعضاءٌ من داخله بأنه تحول إلى وكالة تجارية أو مِلكيّة خاصة عقب فشل مؤتمره الثامن. يُحزننا أن يتحوّل هذا التنظيم إلى ذلك، بعد أن كان مُساهماً في الحراك الثقافي، ولم يفتّ في عضده نظام الحكم الذي همّشه طيلة عقود لاعتبارت سياسية لها علاقة بالوضع العام. لا أفهم لماذا الفشل اليوم، وقد أتيح له هامش مهمّ من الحريّة والمناورة والدعم بعدما صار الاتحاد يتمتّع بصفة جمعية ذات نفع عام. هل أتت عليه عدوى الأحزاب التي أتلفتْها الذلّة، وضربت بروح المواطنة وقيم الحداثة عرض الحائط؟

في كلّ الأحوال، هناك حاجة ملحّة إلى تغيير الهياكل المسيّرة للاتحاد سواء على المستوى المركزي أو على مستوى الفروع، مثل الحاجة إلى مراجعة صيغته الحالية وأسلوب تدبيره للشأن الثقافي، وذلك حتّى يكون بيتاً لكلّ أدباء المغرب الفاعلين لا الأدعياء، وحاضناً لأفكارهم ومشاريعهم، ومعبّراً عن وجدان أمّتهم وروح عصرهم,

 

-دواوينك الشعرية كيف تنظر إليها بعد صدورها،، هل بعين الرضى أم الطموح لما هو أفضل..

  كلّ عملٍ شعريٍّ إنتهيْتُ منه يصير في ملك القارئ، ولا أزعم أنّ الصيغة التي خرج بها إلى دائرة التلقي هي الصيغة المثلى. وقد حصل مرّات أن عدْتُ إلى نصوص منشورة، ولاسيما في الديوان الأول، فراجعْتُها مبنىً، وبلورْتُها معنىً. هناك قلقٌ يسكنني في كتابتي التي تحمل بذرة نقصانها، منحازاً فيها إلى شعر القصيدة الذي يتحرك داخل جماليات الحداثة التي تشفّ، بدرجة عالية من الهشاشة، عن شرطها الإنساني والوجودي. لكن هناك ـ بشهادة من قرأني ـ تطوُّر في تجربتي وسيرورة عابرة لمجمل أعمالي الشعرية. لقد كتبت الشعر العمودي، وطورت حاسّتي الشعرية في شعر التفعيلة، كما أن عملي الشعري يقترب، كتابيّاً وتخييليّاً، من جماليات قصيدة النثر، المشطورة تحديداً. لنقل إنّ أهم ما يشغلني ألا أقع ضحيّة الموضات الشعرية وليدة الاستسهال والتنميط المعاصر الذي يهزأ بالموهبة وشرف الجهد الفنّي.

ـ جائزة ديوان 2009 وأثرها في مسارك الشعري..

    إنّ جائزة رفيعة وجادّة مثل جائزة ديوان الشعرية التي تمنحها مؤسسة شرق ـ غرب، لا يمكن للظافر بها إلّا أن يسعد، ويُدرك أنّ زيت روحه الشعرية يضيء في أمكنة أخرى، وأنّ من حباه الله الموهبة وشرف الكلمة يحظى بحبّ الناس الذين يأنسون عزلته. ولقد تأثّرت بشهادات اللجنة كمثل شهادة الناقد والشاعر البحريني د.علوي الهاشمي أو الناقد العراقي د.عبد الرضا علي أو الشاعر اللبناني شوقي بزيع، الذين حكموا برأيٍ شريف ونزيه في شخصي وفي حقّ مجموعتي الفائزة "ترياق" التي صدرت، قبل أيّام، في دبي عن ديوان المسار للنشر. ولا يمكن لهذه الجائزة بشهاداتها الثقيلة إلا أن يكون لها، بلا شكّ، أثرٌ في مسار تجربتي الشعرية، بعد أن أشعرتني بالمسؤولية وأخلاقيات الكتابة في هذه اللحظة العصيبة من ثقافتنا العربية.


-المسابقات الشعرية العربية التلفزيونية وتنامي هذه الظاهرة، هل تراه جيدا، أم له سلبيات أكثر على التلقي النمطي للشعر عبر الكتب والمجلات..

  بغضّ النظر عن المواقف والمواقف المضادة التي أثارتها المسابقات الشعرية العربية التلفزيونية، وعن تسمياتها المتنازع حولها، يمكن أن نتّفق مبدئيّاً أن مثل هذه البرامج عملت على تعريف الناس بشيءٍ إسمه الشعر، مثلما بدأت تُروّج لثقافةٍ شعرية داخل فضائنا الإعلامي الذي يشهد انحسار الهامش الثقافي والجمالي، وتزايد الرداءة والتّسطيح الذي يستخفّ بالعقول. وفي نظري، تمثّل مسابقة "أمير الشعراء" الأهمّ بينها بحكم عوامل لوجستيكيّة وإعلامية لم تتوافر لغيرها. وإذا كانت المسابقة  تخوض مشروع اكتشاف وإظهار مواهب الشّعر العربي الجديدة التي لم تتح لها فرصة الظهور في بلدانها بسبب إكراهات النشر، مثلما هي تُراهن على جمهور عريض هامشي تنساه الثقافة الطليعيّة غالباً،  إلا أن هناك ـ فيما أزعم ـ جملة أخطاء طبعت النّسخ الثلاث من حيْث سير آليّات المسابقة وسياسة تدبيرها، وهو ما جعل المسابقة تنحدر من حيث قيمتها المعرفية وقيمة الأسماء المشاركة، وبالتالي تفقد وهجها من نسخة إلى أخرى. لذا، أرى أن تنفتح الهيئة المشرفة على المسابقة على المهتمّين والفاعلين في الشعر العربي أفراداً وجهاتٍ، وتربط معهم جسورا حقيقية للتّواصل والاستشارة، حتى تتحوّل إلى "عكاظ معاصرة" تتنافس فيها أشكال الشعر العربي، بما في ذلك قصيدة النثر التي فرضت نفسها. ومثل هذه المسابقات، إذا كان همّها النهوض بالشعر بدل المتاجرة به، سوف يردّ الاعتبار للقصيدة العربية، ويُغني الحركة الشعرية بأسماء جديدة وواعِدة، كما يرتقي بمستوى الذائقة الفنية للناس ويحفّزهم على العودة إلى مظانّ الشعر ونقوده القديمة والحديثة.


-مشاريعك الثقافية مستقبلا..

    يصدر لي هذا العام  عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة كتابي النقدي "تحوُّلات المعنى في الشعر العربي" الذي فاز بالجائزة الأولى في النقد من جوائز الشارقة للإبداع العربي لعام 2009 م، مثلما فرغت من مجموعة شعرية جديدة كرّستُها لموضوعة الحبّ بمختلف إيحاءاتها المادية والرمزية. وفي مكانٍ آخر من اهتمامي، أُعدّ نصوصاً عابرة لمجمل الأعمال النقدية لشعريّة هنري ميشونيك الذي يكاد يكون مجهولاً في وسطنا الأدبي برغم أهميّته، وقد سبق لي أن نشرت بعضاً منها في منابر ثقافية عربية.

18:32 |  Facebook | |

20/09/2009

خارج الموضات

الشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري لجريدة "القدس العربي":لا أريد أن أقع ضحيّة الموضات  الشعرية 

alquds.gif 

 

حاوره: المصطفى المصدوقي

 عبداللطيف الوراري من مواليد 1972 بالجديدة/المغرب. ينتسب، كتابيا وتخييليا، إلى الأفق الشعري الذي ترتاده القصيدة المغربية اليوم، ويضع تجربته الشعرية في خضم الأسئلة الجديدة التي يختبرها راهن الشعر المغربي في بدايات الألفية الثالثة، وذلك على مستويات تهم الشكل والمضمون، الأسلوب والحساسية بما يؤثر في مفردات الوعي الكتابي الجديد. إلى ذلك، يتحرك الشاعر بين أشكال الشعر العربي المعروفة (الشعر العمودي، شعر التفعيلة وقصيدة النثر)، وهو يرى أن كل شكل شعري يقتضي رؤية في التناول الجمالي للأشياء بين لغة غنائية منحازة للبسيط والهامشي وأخرى ملحمية مركبة تتحرك داخل موشور من التيمات والأساليب والإيحاءات. وينحاز في قصيدته إلى كتابة الذات حيث نصاعتها التي تشف عن عزلتها وهشاشتها، دون أن يغفل عن الانشغال، جماليا وأخلاقيا، بقضايا الصراع الإنساني التي تجتازها أمته. إلى جانب متفرقاته الأدبية في الشعر والنقد والترجمة بعدد من المنابر الثقافية العربية

 

حدثنا عن بداية علاقتك بالقصيدة، وما الذي جعلك تمارس الكتابة الشعرية؟

 

هي بداية كل شاعر وجد نفسه في حياة صعبة أعزل إلا من سريرته الزرقاء التي علمته شرط الوجود أيا تكن درجة المعاناة والألم. لذلك، لا أقول إن الصدفة هي التي قادتني إلى القصيدة، بل الضرورة التي تتغذى على شرطها الإنساني. في هذه الضرورة وجدت نفسي متورطا في ضيافة القصيدة، المؤلمة والممتعة في آن. أذكر الآن كيف كانت تلك الأيام الأولى لكتابة القصيدة تتقاسم معي عمري الأول الجميل، وكيف كان يؤرقها، مثل أرقي، الحلم بواقع بديل غير واقع شظف العيش والحرمان الذي عانيته، وذلك من خلال السفر في مفردات الرومانسية المجنحة. لا أنسى، هنا، الشاعر من أصول فلسطينية وجيه فهمي صلاح الذي رعى موهبتي الشعرية من خلال برنامجه الإذاعي "مع ناشئة الأدب"، والشاعر محمد بنعمارة الذي كان صوته "في حدائق الشعر" يتصادى مع صوتي اليتيم. بإيجاز، هي لحظة البدايات التي رهنتني بالآتي، في الحياة والكتابة. أفكر في جان كوكتو وهو يصرخ: الشعر ضرورةٌ، وآه لو أعرف لماذا .

لا شك أن تجربتك الشعرية على قدر كبير من الأهمية، هل يمكن أن تفصل الحديث عن هذه التجربة؟
 

تجربتي الشعرية لا تزال فتية، وأنا يوميا أتعلم كيف أنصت إليها، وأكب عليها وأغنيها.بحذر وحساسية أتقدم في دروب التجربة. إذا عدت إلى ما كتبت في ديواني، وفي ما تفرق من شعري تجدني منحازا إلى شعر القصيدة الذي يتحرك داخل جماليات اللغة العربية، بهذا الشكل أو ذاك. لا يعنيني في الأشكال الشعرية التي أختبرها بقدر عنايتي بالفكرة الشعرية من جهة، وبوعائها حتي يشف، بدرجة مهمة، عن شرطها الإنساني والوجودي. لقد كتبت الشعر العمودي، وطورت حاستي الشعرية في شعر التفعيلة، كما أن عملي الشعري يقترب، كتابيا وتخييليا، من جماليات قصيدة النثر، المشطورة تحديدا. لنقل هي تجربة تتنامى في عبورها الخاص، وفي انتباهي الخاص. فأهم ما يشغلني ألا أقع، مثل كثير من شعراء جيلي، ضحية موضة شعرية ما. أنا ضد الزعم بأن هذا الشكل هو آخر أشكال الشعر العربي، وضد التنميط المعاصر عديم الموهبة والجهد.

 

ما الذي يقلقك اليوم، ويدفعك إلى الكتابة؟

دائما كان الشعر رديف القلق. وما أرهب ما نسمع من أبي الطيب المتنبي نداؤه المهيب: على قلق كأن الريح تحتي. إن القلق، في اعتقادي، حافز القصيدة على ارتياد المجهول في الذات، الأشياء والعالم. القلق شعورٌ مثمر، وهو ليس اليأس. إنه الفعالية التي تنظف الروح الأسيانة مما يطاولها بالرغبة والأمل المزمن. لي في تمجيده هذه الأبيات:
 أمْستْ كمِثْل الرِّغاب نافِذتي         كِلاهُما الحبُّ فيهِ يشْتعِـلُ

وليْس شوْقُ العُيونِ منْ أملٍ          يـفْنى إذا حدّقتْ، ويبْتـذِلُ
ثلاثةٌ في الـرِّياح ما رَقَــــــدوا                أنَـا وحبْرُ البَعيدِ والأَمـلُ
في هذه الأيام، أنحاز أكثر إلى كتابة تشف عن هموم الذات حيث نصاعتها التي تشف، بدورها، عن عزلتها وهشاشتها. كما أني لا أغفل عن الانشغال، جماليا وأخلاقيا، بقضايا الصراع الإنساني الذي تجتازه أمتي من أجل هويتها، حياتها ووجودها. بهذا المنظور، كتبت عن حبي، وغنائي البسيط، وسعيي المحموم إلى حريتي المنثورة بين التفاصيل حيث يرقد الشيطان، مثلما كتبت، بشكل مواز، عن حدائق بغداد، ورماد جنين، ورؤيا بيروت وتغريبات المهاجرين المغاربة والمتنبي وديك الجن وابن زيدون وأبي العباس السبتي.
في الحقيقة، يقلقني البحث عن موطئ قدم في عالم مضطرب يسمح لي بالرؤية إلى ما حولي في صفاء وحرية، مثلما يقلقني فهم ما يجري، ومعرفة ما يتبدل من المفردات والقيم. لا أنسى أن أحتفظ بقدر من التفاؤل الذي لا يعمي الرؤية، ويترك الوعد بالحياة في النفس وبين الناس مستأنفاً، باستمرار.

من من الشعراء الذين أحببتهم، وأضافوا إلى تجربتك غنى ومعرفة؟

أنا أنتمي إلى الشعرية العربية الأعرض التي تضرب بأطنابها في عمق التاريخ واللغة والثقافة، من الشعر الجاهلي حتى أيامنا، والتي لا تزال تجدد آليات عملها الكتابي والتخييلي، وتأويلها الخصيب للذات والعالم. أنتمي إلى النصوص التي تحمي العمق، وتتطور داخل جماليات اللغة العربية. ولهذا، أحببت طرفة بن العبد، والعباس بن الأحنف، والمتنبي، وأبا العلاء المعري وابن زيدون من القدامي، وأحببت أحمد شوقي، وإيليا أبا ماضي، وأبا القاسم الشابي، وعلي محمود طه، وبدر شاكر السياب، وأمل دنقل وأحمد المجاطي من المحدثين، وأحببت محمود درويش، وأدونيس وقاسم حداد وأمجد ناصر من المعاصرين. أحببت، أيضا، النساء الشواعر أغلبهن. وهكذا، أزعم أن الصفحة التي أخط فيها شعري هي، سلفا، مسودة بحبر هؤلاء الشعراء الذين أتقاسم معهم ميراث الجهد الفني، وميراث حماية العمق، وميراث الوحي في المكان الخطأ. 

متى تكتب؟ أقصد هل من طقوس معينة تمارسها أثناء الكتابة؟

ليس هناك من وقت معين للكتابة. عليك أن تتوقع مجيء السطر الأول للقصيدة في أي لحظة، ومن ثم عليك أن تحميها من الاستسهال والسطحية بالجهد والموهبة. ولا طقوس للكتابة، أيضا. ما أحرص عليه هو هدوء اللحظة الذي يحفزني علي تدبير ضوضائي الداخلية. أشد ما أكره أن يقتحم علي شخصٌ ما عزلتي إلا ابني ريان في ربيعه الأول. ربما في حضوره ترتيب النظر إلى المكان الخطأ. مكان المجاز أعني. 

هل تشعر أنك حرٌ كشاعر؟

ديدن كل شاعر من شعراء العربية أو غيرهم هو أن يكون حرّاً، بلا مهانة. أن يكون حرّاً في كتابته، وفي إرادته، وفي صوته، وفي خياراته الجمالية، وفي مواقفه مما يجري حوله. وللشعراء قصة طويلة مع عشقهم للحرية. بالنسبة لي، أعتقد أني أنتزع حريتي بالتدريج، وأهييء نفسي لها، وأربيها على ألا تكلّ في طلبها. وإذا نظرت إلى شعري وجدت فيه تاريخاً من العمل علي الحرية يتطور بقدر تطور تجربتي الشعرية وفق دافعية القول، وضرورة المعني، والمناخ النفسي، وإكراهات الشكل وواقع الناس الذي أحياه. إني أعمل ما استطعت حتى تبقي حريتي الشخصية، وحريتي في الحياة والقصيدة تنبض بلا انقطاع، لأن شاعرا يعيش ضغط السائد ولا يتجاوز، يشرف علي الهاوية ولا يحتج، يري ما حوله ينهار ولا يتهم، إنما يصادر صوته وحريته. أشعر أن حريتي في عافية لما يكون لي صوتي الخاص، وذائقتي الخاصة.

هل أنت راض على مستوي المتابعة النقدية لشعرك؟

أرى أن هناك غياباً غير مسبوق لنقد الشعر، وحيوية الشعراء في مشهدنا الراهن. فقط هناك، في الغالب، نقودٌ يطغي عليها أسلوب المجاملة والمحاباة والتشيع لهذا الطرف أو ذاك. ومثل باقي مجايلي من شعراء المغرب والبلاد العربية، أرى أنه ليست هناك متابعة نقدية جادة لما أكتبه، وأجتهد في كتابته من شعر. أغلب النقد الجاد منصرفٌ إلى الرواد فيما يشبه الاحتفاء بتجاربهم. التجربة الشعرية الجديدة في المغرب مهمة في ما تقترحه من جماليات كتابية، ولكنها معرضة للإهمال والنسيان والصمت بسبب غياب النقد، وبسبب فوضي المعايير النقدية. أما الأنطولوجيات التي صارت موضة فإنها فقط تكرس ما هو مكرس، ونادراً ما تلتفت إلى الأصوات الحيوية والعميقة في راهن الشعر المغربي. ينقصنا نقادٌ يخلصون لهذه التجربة واقفين علي مزاياها ومثبطاتها، وعاملين علي تجديد النقاش بخصوصها. في المشرق، هناك نقاد بل شعراء رواد يقومون بهذا العمل مثل عمل الشاعر محمد علي شمس الدين الذي يتابع بالتعريف والنقد إصدارات الشعراء الجدد.

يقول الشاعر والناقد الإنكليزي وورد زوورث إن كل شعر جيد هو فيض تلقائي لمشاعر قوية ، فماذا تقول أنت؟

للشاعر الإنكليزي وورد زوورث، بطبيعة الحال، تصوره للشعر الذي يمتحه من المرجع الرومانسي في بداياته المضيئة، ويقوم على العاطفة والخيال. نذكر تعريفه للشعر بأنه الحقيقة التي تصل عبر العاطفة إلى القلب، ونذكر ما قاله عن الشاعر الذي يدرك من جوهر الحياة ما لا يدركه غيره. هذا الميراث من صفاء الرؤية إلي الشعر وفعاليته نتعلمه ثانية من وورد زوورث. لكن ما يهمني من شعره هو إعلاؤه لنزعة الأمل والفرح حتى في لحظات الحزن المهيبة. أفكر فيه وهو يقول في إحدي قصائده:
لا شيء يستطيع أن يعيد لحظة رونق العشب وبهاء الزهرة

ومع ذلك، فلن نحزن
بل سنجد القوة فيما يتبقى .
تلك فعالية القصيدة العابرة للذوات، والنصوص والأزمنة. هي نفسها فعاليتي. أرى إلي الشعر بوصفه فعالية تتجدد كلما أمكنه أن يسأل، وأن يحيي، وأن يتوجه إلي المستقبل. فعاليته في مستقبله. إن الشعر، في زعمي، شرط الإيقاع الإنساني الذي علينا أن نلتزم بمواجهته في كل لحظة من لحظات المصير الذي نتحمله، بحبّ وصبر.

الشعر في العالم العربي وصل إلى مرحلة من النمطية حسب بعض النقاد، في رأيكم إلى ماذا تعود الأسباب؟

إجمالاً، هناك توجه نحو التنميط ناتج عن استسهال الشعر، وعن ادعاء بأن شكل قصيدة النثر هو آخر أشكال الشعر. تنميط الشكل يؤدي، رأساً، إلي تنميط الرؤية، الحساسية والمتخيل. حتى داخل شكل قصيدة النثر نفسها هناك تنميطٌ يصدمنا، لأن فيه تفقيراً لكل الإمكانات التي ظهرت من أجلها هذه القصيدة، وبررت وجودها بقوة. إن وضع شعرنا اليوم باتت تميزه النمطية، ومن المثير للقلق أن هذا الشعر الذي مثل، في حد ذاته، ثورة علي النمطية في الشعر العربي وجد نفسه يعيد إنتاجها. هناك ظاهرة تكرار وتشابه للأساليب والرؤي تصيب الكثير من الشعراء بعيدا عن العمل في الاختلاف والتفرد. لنقل إنها أزمة شعراء وليس أزمة حركة شعرية. في المقابل، هناك تجارب شعرية رائدة تشق عبورها الخاص، وتسند الحركة الشعرية، وتجعل شعريتنا المعاصرة قابلة للتجدد والعطاء.

كيف ترى مستقبل القصيدة في المغرب؟

صار الحديث عن مستقبل الشعر يثار بحدة هذه الأيام، وأكثر هذا الحديث غير ذي شأن، وأكثر ما أخشى أن يحل الحديث عن الشعر محل الشعر نفسه. ومع ذلك، يبقى السؤال ضروريا بالنسبة لحالتنا العربية. في أوربا وأمريكا لا تطرح المسألة المقترحة عن مستقبل الشعر بالحدة نفسها، ولكن لكون الشعر هو إرثنا الثقافي والجمالي الضارب بأطنابه في أعماق التاريخ والحضارة، والهاجع في اللاوعي الجمعي فإن المسألة تأخذ طابعا إشكاليا بقدر ما نعاني منها.
في المغرب، يمكن لنا أن نناقش المسألة من زاوية أخري بالقياس إلى الخصوصيات التاريخية والثقافية، ولكن إذا اقتصرنا علي ما هو ملح ومستعجل فإنه يجوز لنا أن نتحدث عن مستقبل ما للشعر بالنظر إلى ما تعرفه القصيدة المغربية الحديثة من وعي جديد، وأفق جديد، وإمكانات جديدة تسهم بها الحركة الشعرية التي تفصح عن تململ حيوي وواعد. ودعني أقول إن هذا المستقبل محفوف بالمخاطر لأنه المغامرة نفسها، وأشد ما يشغلني، هنا، هو بعض المعيقات التي قد تعرضه للعماء، وتحرف مجراه العمودي، وأهمها: ـ تراجع الاهتمام بقراءة الشعر وتداوله حتي في أماكنه الطبيعية مثل المدرسة، تحول الفعل الشعري إلي نشاط نخبوي ضيق، وعدم تشجيع ودعم المؤسسات لنشر الشعر، وتجاهل دور الشاعر ورد الاعتبار لقيمه في المجتمع. إلي جانب تهميش العميق والحيوي الذي يمثله الشعري، والإعلاء من شأن الاستهلاكي، السطحي والآني الذي تروج له وسائل الميديا في سياق العولمة. وليس أخيرا غياب النقد، وشرط الحرية، وشيوع الظواهر والقيم التي تشيع الفوضي والأنانية والسلطوية التي تحركها أوهام السبق والريادة. وأرى أن أمام بيت الشعر في المغرب، اليوم، مسؤولية ثقافية وأخلاقية يعززها بشراكته الحضارية العميقة مع مؤسسات الدولة للنهوض بأوضاع الشعر المغربي، والتأريخ لشجرة نسبه الحقيقية، والعمل علي زرع مناخ التضامن والمحبة بين الشعراء المغاربة حتى تبقى جوانحهم تنبض، في ليل الوجود، بأرواح تبرهن على أن المستقبل هو، دائماً، للشعر، ويظل كذلك بسبب قدرته المدهشة على بث الحمية في المعاني الإنسانية والوجودية الأساسية
.


*القدس العربي

05 ـ 06/04/2008

 

 

 

14:10 |  Facebook | |