Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

23/12/2009

الأدواء يا ترياق

في عمله الشعري الجديد "ترياق"الفائز بجائزة ديوان الشعرية،

الوراري يعالج أدواء الجسد والروح

teriak.jpg

 

 

 

 عبد العالي النميلي

 

    بعناد أكثر ورضى أقل، يواصل الشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري في ديوانه الجديد "ترياق"، الصادر هذا العام عن ديوان المسار ببيروت،  حرثه الكاسح لتضاريس اللغة، واضعاً في المنسي والغريب والمهمل واليتيم من مفردات التجربة وتراكيبها عصارة  تأملاته وانفعالاته الصادرة عن ذات تعكس في توالي مراياها تصدُّع زمنها، وتشظّي ممكنات هويتها الطافحة بالجرح والتأسي. وربّما لهذا السبب، يعني الشاعر ب "ترياق" رغبته الملحة والمأمولة في أن يعالج جسده الذي تنغل فيه السموم المزمنة على امتداد التاريخ الفردي والجماعي، وإن بالكلمة التي تشفّ وتُشير. فما أوجع السموم في دمنا و ما أعز الترياق!ـ

يستهلّ الشاعر "ترياقـ" ـه، المؤلَّف من ست عشرة قصيدة تنتظم في ست وتسعين صفحة، بنص "يا أهل بغداد السّلام"، الذي يحمل هذا النداء الحار لأهل بغداد محمَّلاً بما هم في أمس الحاجة إليه: ألسلام ! أفليس من أفظع المفارقات أن تكون مدينة السلام مرتعاً لعربدة الحرب وجنون القتل ؟ ومن خلال عبورات النص نكتشف أننا بصدد نص ذي نفس ملحمي تعبر فيه روح الشاعر بأحوالها المثخنة وأسئلتها الفاجعة في الزمن العربي المهين:    " ما للسحاب تمرُّ بي عطشى                          

    ولم تذرف دموعي                                                                           

         أو تبح بدمي إلي"

 إلى جانب الإحساس بالإنحسار والعجز أمام وضع يندّ عن الإدراك مما يجعل الذات عرضة للوحدة والنسيان فالتمزق والضياع:

"أقعيتُ خلف الباب أنظر

أين قلبي الأن ؟ ماذا صار بي؟

يصعد بنا الشاعرأدراج التاريخ ليذكرنا بمأساة أهل سبأ الذين أصبحوا مضرب المثل في التفرق لما مزقهم الله كل ممزق، بعد أن أذهب جنتهم وتبددوا في الأرض: (تفرقت أيدي سبأ). وهل هناك أروع من هذا التعبير المفعم بالمرارة لتجسيد ليل بغداد بكل رمزيته الموحية بكل رعب وخوف وضياع:

 " ما بي لا أرى حتى عماي يرد عني  الليل؟ ".

 ويلاحظ أن التركيب  يهيمن عليه ضميرالمتكلم المفرد في مختلف مقاطع القصيدة، وهو ما يبرز دلالة هذا التوظيف لعكس وحدة الذات وعزلتها الفادحة في مواجهة سعار القتل والتدمير. الذات وحيدة ممزقة ذاهلة عن العالم كما هي حالها يوم القيامة، تحاول أن تجد للأشياء معنى في بغداد التي تساوت أيامها في اللا ـ دلالة على ما يشفي الغليل. ذات متعبة بالاسئلة والشهادة والمعاينة المرّة. وأمام هذه الفظاعات يصبح الشك سيد الأشياء، وتتلاشى ثقة الإنسان في كل المعارف، فلا يجد غير الطفولة قادرة على جعله يفهم من؟ ولماذا؟ و كيف؟:

"ها رحلة أخرى إلى المعنى

على باب القيامة

(...)

أرى الأضداد في متناولي تتجشأ الدنيا

وتقذفُني تباعا

فلا أحتاجُ غير طفولة أخرى لفقْه الحرب قسراً"

 ثمّ سرعان ما يحشرنا النص في تناصّ درامي رائع مع قصة يوسف القرآنية. فإذا كانت نصيحة يعقوب لإبنه يوسف عليهما السلام :"يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا"، فإن رجاء الشاعر من بغداد هو ألا تقصّ رؤياها كيفما اتفق:

"تنغل في سحابي الحشرجات ’ويستريح على دمي

الطير العضال،

وغير رؤيا لي يبدّدها تساومني

عليها القسمة الضيزى بداية كل عام !

 وفي المقطع الأخير من ملحمة بغداد، يخاطب الشاعرالمدينة الشامخة بجرحها المزمن بنبرة ودّ موغلة في اليقين، راجياً منها أن تقبل إسمها الجريح على عواهنه ك "مدينة السلام"!، وألا تفرط في إرثها مهما تغيرت شهية الريح.

 من بغداد يعبر الشاعر إلى فلسطين على" المجاز كما من دالية"، على جناح التحية المفعمة بالفقد إلى روح الشاعر الغائب/الحاضر الذي احتكرت فلسطين شعره ودمه: محمود درويش. في قصيدة طويلة، لكنها خاطفة وداكنة بكثافتها التصويرية حيث تتواطؤ الإستعارة مع الرمز لترسم ملامح بطولة شاعر مقاوم لم يزده الموت إلا حياة:

   "مرت بي، من هنا، امرأة بساق من غبار

    قال: يحيا الميت. قالت : ليت هذا الحيّ ميْتٌ كي

   أدلَّ دمي عليه".

  وعلى قائمة الرموز نجد: الناي والريح والليل والغمام بما لها، مفردة و مجتمعة، من طاقات تحويلية وإيحائية لأجل رسم خارطة عاطفة الشاعر اتجاه فلسطين الأرض والإنسان والشاعر.

من وجع بغداد إلى جرح فلسطين، يرقى الشاعر إلى نفسه بمناجاة مثقلة باللوعة والمرارة، معدّداً على أوتار المجاز أشكال الهدر في حق هذه الأمة العظيمة، ومظاهر أساها في قصيدة يرجّك رجّاً عنوانها الذي لم يذّخر الشاعر جهداً في شحنه شكلاً ومضموناً: متاعا نثرناك، أم المباذل. فإذا كانت المعاني مطروحة في الطريق على رأي الجاحظ، فإن هذا التركيب الساحر لم يخلق إلا لأجل هذا المدلول العظيم، حيث تضافرت في مهرجان تعبيري رائع عناصر فنية متعددة تتقاطع عبرها صور الإستعارة والكناية وأساليب القصر والنداء والنفي والتكرار والمفارقة الساخرة، لتشفَّ عما بضمير هذه الذات من حسرة وإحساس بالذنب اتّجاه تاريخها أمّ العطاءات كلها. يقول الشاعر:

رغْم ما يَحْدث منْ ساعات

على خطِّ الزّلازل

والنّيران في الأطْراف

مازِلْت في الْعَتَبة

خَفيفاً مِثْل نَرْد

تَجْمَع الْفُسْتان الطّويل من الأرْض،

تخْشى عَلى الزُّؤان في يَد الْعَازف لايُشْبع نَهَم النّمْل ،

تَمْسَحُ عنْ غُرّة الْغَدِ الدُّخان ،

ولا تُصدِّقُ الْعَزاءات.

 

في الشاعر أصلاً شيء من النبوة، وليس من باب الصدفة أن عرب الجاهلية الأعرف بخدع البيان رموا النبي محمد (ص) بالشعر. فها هو الشاعر عبداللطيف الوراري في القصيدة المبرقة "ترياق" التي أعارت الديوان عنوانها، يحمل بابًا على كتفه ويطوف ويلقم الشمس حطباً، كأنّه يشير إلينا في لغة تشفّ عن نبوءة صاعقة لها سيماء التوق والوعد والحكمة:

 "من الليل

 أحملُ باباً على كتفي و أطوف

 أْسرّ إلى كل ورقاء تعبر بي

شاهداً

ومن الوقت أسحبُ ريحاً

على اللغة الوعد

و الشمس ألقمها

حطبا لا يملُّ

من الليل

إن جاعت البئر

أوحت لنا الطير بالغيم

تحت الأصابع ".

وفي صرخة توسل، تصيح الذات منهكة بالرسالة ومشفقة على الأمانة :

 "من من الباب يدخل

يا عابرين

و يحمل عني إذا طاف

ضوئي الكفيف ؟"

ومثلما في هذه القصيدة، ينشغل الشاعر في أغلب نصوص الديوان بأدواء الجسد والروح، لا لأجل أن يعالجها، بل لأجل أن يقترب منها ويتّخذها زاداً للمعرفة أو للحبّ أو للعبور. في قصيدة "متاع المشمولة بالجراح" التي تنتظم في مجموعة متواليات شذرية تفيض عن الألم مثلما عن الحب:

 " لماذا يصرُّ النهار

على أن يعاقبني في الطريق إليك،

ويحشد حولي ضجيج اللغة ؟

لو الليل يكتم سرّي وعافيتي إن خرجتُ

وناديتُ في الريح ما أبلغه!"

بنفس الاحتراق العشقي المشبوب بالبحث، تتوالى الشذرات في التفاتة ندية غاية في الصوفية شطر المشمولة بالحب، عبر صور شعرية مشهدية لم تتخلف فيها الإستعارة عن الموعد كدأبها مع الشاعرليصنعا للقارئ هذه الموجة المدهشة من المتعة الجمالية التي أترك له حرية تلقّيها، بل خطر مواجهتها:

"هو ذا الوعد:

تلتحفين مجازك، والطير حولك خضراء، والشهد

في شفتيك

سنشتاقُ نحن اليتامى،

و نحلم هذا المساء

لعلّ دم الناي يقنع بالريح بين يديك".

 

عن الملحق الثقافي لجريدة "العرب الدولية" 17/12/2009

وأعيد نشر الدراسة في موقع ـ"ميدل إيست أونلاين"ـ

http://middle-east-online.com/morocco/?id=87098 

08:29 |  Facebook | |

Commentaires

salut fine nta

Écrit par : abdssamad | 29/05/2010

Les commentaires sont fermés.