Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

12/04/2011

قصيدة النثر في ضيافة مراكش

ملتقى قصيدة النثر بمراكش

أعاد فتح النقاش النقدي بخصوص إشكالات القصيدة الكبرى ومدى قيمة منجزها الشعري

 

DSCI0299[1].JPG
عبداللّطيف الوراري

في في جوّ ربيعي مشمس، ووسط فسيفساء قصور مراكش ورياضاتها المأخوذة بعبق التاريخ وسحره، تحلَّق شعراء ونقّاد في جلسات شعرية وتأمُّلية حول مائدة قصيدة النثر، خلال ثلاثة أيّامٍ من عمر الملتقى الدولي الأول لقصيدة النثر الذي نظّمه مركز الحمراء للثقافة والفكر بمراكش، تحت شعار 'قصيدة النثر والوعي الحر'. تمّ افتتاح الملتقى مساء اليوم الأوّل، 25 من شهر مارس الفائت، بكلمات الهيئة المنظمة وبعض جهات المدينة الداعمة، وهي الكلمات التي أجمعت على قيمة أن يكون هناك ملتقى شعريّ عربي في مدينة الشعراء عبر تاريخها، مثل مدينة مراكش التي عُرفت بميسمها الأمازيغي والعربي- الإسلامي، وأشارت إلى خصوصيات هذا الجنس الإبداعي المثير للجدل. وتلت الكلمات القراءات الشعرية التي أثّث فضاءها، من قصر الباهية إلى دار سي سعيد، شعراء من المغرب (فتيحة مورشيد، إسماعيل زويريق، وداد بنموسى، محمد بشكار، سعيد الباز، ياسين عدنان، محمد أحمد بنيس، نورالدين بازين، إلهام زويريق، عبد الحق ميفراني، نجاة الزباير، عبد الرحيم الخصار، رشيد منسوم، جمال أماش، مصطفى الرادقي، محمد الصالحي، خالد الريسوني، إبراهيم ديب)، والعراق (عبدالكريم كاصد، ورود الموسوي، علي البزاز)، والجزائر (بوزيد حرزالله، سعيد هادف). وقد جاءت النصوص المقروءة متفاوتة القيمة وممثّلة لكثير من الحساسيات داخل قصيدة النثر، وقصيدة التفعيلة أيضاً، وهي تمتدُّ من الثمانينيات إلى العقد الأول من الألفية الثالثة. وبموازاةٍ مع ذلك، شهدت فعاليّات الملتقى ندوتين نقديّتين حاول فيها المتدخِّلون، إلى حدّ ما، تأمُّل موضوع 'قصيدة النثر وحوارية الأجناس الأدبية'، غير أنَّها جدّدت النقاش حول إشكالات قصيدة النثر العربية عامة والمغربية خاصة، وأثارت بدورها الجدل حول وضعها الأجناسي كجنس شعريّ وكخطاب ليس في السياق العربي فحسب، بل الأوربي والأنجلوأمريكي ـ

في الندوة النقدية الأولى التي انعقدت صباح يوم السبت 26 مارس، التي سيرها الباحث عبدالصمد الكباص، لفت الناقد بنعيسى بوحمالة إلى أن قصيدة النثر فتحت إمكانات جديدة، بما في ذلك إمكان 'الكتابيّة' الذي قطع مع الذاكرة الشفوية في الشعر العربي، ووسم القصيدة بـ'التعددية' بصيغها ولغاتها ومرجعياتها المتنوّعة. وقال بوحمالة: 'إن هناك شعراء، من مثل أنسي الحاج ومحمد الماغوط ومؤيد الراوي وفاضل العزاوي وأنور الغساني، أبانوا عن مواهب مذهلة، وتمثلوا قصيدة النثر ولم يسقطوا في المرجعية الفرنسية كما حصل لدى شعراء مجلة (شعر) الذين أعادوا استنساخ مقولات سوزان برنار، مع أنّ ما كانت تُجسّده الحلقة البيروتية لا علاقة له بما طرحته سوزان برنار نفسها'. وأشار بوحمالة، الذي سبق له أن ألّف دراسة عن جيل الستينيات في الشعر العراقي، إلى أن شعراء هذه المرحلة انفتحوا على المرجعية الأنجلو- أمريكية، وانتقلوا مع قصيدة النثر إلى نصٍّ كتابيٍّ تعدُّدي. وانتقل الناقد إلى الحديث عن (شعريّات الهامش)، في بلدان المغرب العربي والخليج واليمن، التي بدت تُباشر عملها خارج مثلث المركز (القاهرة- بغداد- بيروت)، بل تقود حركيّة التحديث الشعري بشكل متفاوت القيمة. وبخصوص المغرب اعترف أنّه لا يمكن أن نتحدث عن عقد خالص لقصيدة نثر مغربية، وإن كانت الأخيرة لم تتجسّد كفعلٍ كتابيٍّ إلا منذ الثمانينيات مع المهدي أخريف الذي كان يوائم بين التفعيلة والنثر ورشيد المومني، ثمّ حسم الأمر في سنوات التسعينيات حيث عرفت اتساع رقعة الشعراء الذين انخرطوا في كتابة هذا الجنس، وداخل الإبدالات الشعرية التي كانت تمرُّ بها القصيدة المغربية الحديثة. ويبقى أهمّ ما أثار الانتباه في مداخلة بنعيسى بوحمالة هو قوله: 'كثيرٌ من شعراء قصيدة النثر نجحوا في كتابتها، ولاسيما من منطلق معرفتهم ومتحصّلهم من شعر التفعيلة. وفي المقابل، هناك كثيرون مرُّوا إلى قصيدة النثر رأساً، فسقطوا في مطبّات، إلى حدِّ تشكيك القارئ بجدِّية ما يصنعون، حتَّى أن ما يكتبونه لا علاقة له بالشعر. مجرّد إنشاءات. والخطير أن يصبح ذلك يُشكِّل معياريّة لقصيدة النثر المكتوبة الآن'. وتقدّم الباحث عبدالعزيز بومسهولي بمداخلة عميقة تستقرئ قصيدة النثر من منظور مختلف يستلهم العمق الفلسفي، وأشار في بدايتها إلى أن السؤال المهمّ ليس الماهية، بل سؤال الكيفية، أي انطلاقًا من اختيار هذا الشكل على قياس الغيرية (الوجود على خلاف الوجود)؛ ثمّ طرح أربعة مداخل أو أسس لقصيدة النثر، وهي: ـــ
ـ تجربة النثر في اعتبارها كيفية وجود، وذلك من خلال انبثاق تجارب شعرية مغايرة خارج السائد، تٌجيب عن انتظارات الراهن
ـ الاحتفاء بالتجربة البين- جسدانية، فوجودنا الحالي ليس هو نفس الوجود السابق ما قبل الحداثي، إنّه امتداد وتفاعل بين الأنا والآخر. وليست قصيدة النثر إلّا تعبيراً عن تجربة الجسد، ورغبةً مفتوحة على الجسد الآخر، بقدرما يُمثّل ذلك في صميمها الوعي الجسدي الحرّ بشكل أكثر تفاعليّة
ـ قصيدة النثر باعتبارها تجربة اليومي بامتياز، حيث يتمُّ ربط الشعري باليومي والمعيش كقيمة أساسية، ويُمنح الحاضر بدوره قيمةً عليا، فتنتقل القصيدة من لحظة الاعتياد إلى لحظة المغايرة
ـ تجربة إخضاع اللغة لمنطق جديد من التكلُّم، وهو ما جعل قصيدة النثر تعيد في تجاربها الأساسية بناء علاقاتها باللغة العربية وفق تحديد مغاير، إذا ما علمنا أنّ ما خضع له الشعر منذ ما يسمى بالعصر الجاهلي إلى مرحلة البعث والإحياء كان يجري بحسب التصوُّر العمودي للشعر. إن القصيدة انتقلت في توظيفها للغة من العالم 'الأعرابي' إلى أنموذجٍ للعالم الآن وفق تصوُّراتٍ ثقافية جديدة داخل اللغة تسمح بأن تلعب أدواراً جديدة في الوجود الإنساني، وأن تبتكر كيفيّاتٍ جديدة لوجود اللغة تستجيب لأفق انتظارنا، بمنأى عن المعيار البلاغي القديم الذي حجّم دورها في أن تكون لغة معبِّرة. ثُمّ تجربة الآخرية التي تغدو كبعد تأسيسي لقصيدة النثر. وانطلاقاً من هذه المداخل، أشار بومسهولي إلى 'أنّه من الممكن القول بأنّ قصيدة النثر هي طريقة تعبير جديدة، وليست شكلاً جاهزاً، بقدرما هي إمكانية مفتوحة على لا نهائي العالم النسبي المشترك بيننا'. فيما تحدّث الباحث عمر العسري عن مداخل الشعرية في قصيدة النثر، وهي مداخل تلتبس بمفهومي المكون والمستوى الذين يتداولهما النقد الشعري عند الحديث عن مفهوم الشعر وبنيته النصية معاً، منتقلاً من النظرية إلى الإجراء التطبيقي. ويشير الباحث إلى أنّ تلك المداخل (السردي، التصويري، التناصّي، الإيقاعي والبصري) لا تنفكّ عن شعرية المتخيَّل. ويخلص إلى القول بالتباس المداخل وتماهي بعضها ببعض في مقاربة شعرية قصيدة النثر ـ
وفي الندوة النقدية الثانية التي انعقدت صباح يوم الأحد 27 مارس، التي أدارها الناقد محمد آيت لعميم، ناقش الناقد حسن مخافي العلاقة المنسية بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، مؤكّداً أن قصيدة النثر في تجلّياتها الأولى، وداخل إسهامات جماعة شعر تحديداً، كانت استمراراً للقصيدة العربية الحديثة، وأن معظم الدراسات التي تمّت في هذا السياق تقفز على ذلك، وتربطها بأنماط الشعر الحر أو قصيدة النثر كما قعّدت لها الفرنسية سوزان برنار. ويتوقف الناقد عند نقط التقاطع بين القصيدتين، على مستوى بناء الإيقاع العروضي والتشكيل الرؤيوي. من جهته، نقل الباحث والمترجم حسن لغدش أنظار الجمهور، الذي لم يفد بكثرة على الملتقى، إلى واحدة من أهمّ نماذج قصيدة النثر بالمغرب، كما تجسّدت في تجربة الشاعر طه عدنان في مجموعته الشعرية 'أكره الحب'؛ ورأى أن العمل الشعري لطه منشدٌّ إلى قدر شاعرٍ مهجريٍّ لا ينفصل أفق قصيدته عن تجربته في اللغة والحياة والمنفى، فيما هو يعرض بلغةِ نقديّة عارقة سمات تلك القصيدة وملامحها الرئيسة. واقترب عبداللطيف الوراري من دراسة أنماط بناء الجملة الشعرية من خلال ثلاثة دواوين شعرية مغربية هي: 'محض قناع' للمهدي أخريف، و'نكاية بحطّاب ما' لسعد سرحان، و'أنظر وأكتفي بالنظر' لعبدالرحيم الخصار. ومهّد الوراري بقوله: 'إنّه في المشرق كما المغرب، كشكْلٍ شعريٍّ مختلف حتّى من اسمه، ويحوز جماليّات معارضة لجماليّات السائد، لغةً وإيقاعاً وتخييلاً. بدورها، وخارج أسبقيّة الوزن كواقعةٍ ثقافيّة كرونولوجيّة، وخارج تمثيلات الشعر وحدوسه النظرية السابقة، ووفق مبدأ 'الاختيار الحرّ'، أمكن لقصيدة النثر أن تنتج خطاباً شعريّاً مختلفاً، وتنتج داخله أنماطاً من البناء النصّي، وتعيد ترتيب فهمها للصفحة الشعرية ودوالّها وعلاماتها الأيقونية. هكذا صار حقيقةً أن تختار كلَّ قصيدة شكلها الخاصّ، وجُملها الخاصّة، وتلفُّطها الخاصّ، أي نحوها الخاص. لكلِّ قصيدةٍ نحوُها، وهذا النحو هو جزءٌ أساسيٌّ من إيقاعها، من دلاليّتها وفعّالية الذات المتلفّظة'. وتابع: 'على محلِّل الخطاب الشعري أن يصغي إلى كلِّ هذا، ويتأمّل الشعر في قصيدة النثر كبنية في اللا ـ بنية، أي بنية منذورة للتحوُّل من ذاتٍ إلى ذاتٍ، تأخذ تجلِّياتٍ لا حصر لها، ممّا يجعل بعضاً من عناصرها تزول، أو تتزحزح من مكانها، أو يضاف إليها، أو تُحطَّم الحدود بينها وبين عناصر أخرى من داخل البنية نفسها، أو من بنيات أخرى لغوية وغير لغوية'. ولهذا الاعتبار النظري، انشغل الناقد بتأمُّل ثلاثة نماذج تنتمي إلى حساسيّاتٍ وأجيالٍ مختلفة من عمر قصيدة النثر في المغرب، ووضع مكوّنات بنائها الخطّي والبصري في صلب الاستشكال، مهتمّاً في بعضها بطريقة بناء الجملة وعلامات الترقيم ضمن تشكيل الصفحة الشعرية، وفي بعض الآخر بتأويلها ضمن إيقاع الخطاب متوتِّراً بين نسق الأنا وفعاليّة المعنى'. وقدم الناقد عبدالغني فنان مداخلةً هي عبارة عن قصيدة نثر 'تأمُّلية في لا حول'، مُركّزاً على حوار بين الكاتبين الأرجنتينيين ذائعي الصيت خورخي لويس بورخيس وإرنستو ساباتو، فيما يشبه ذلك الحوار 'تنويعات حرة على اللامنتهى'. وأشار الباحث الجامعي، في تحليله للحوار بلغة فرنسية أكاديمية، إلى مفهوم النص أو الأثر المفتوح كما يُستشفّ من قضايا الكتابة عند الكاتبين الذين تعرَّفا على بعضها البعض في بداية الأربعينيات من القرن العشرين، وذلك عبر اجتماعات مجلة (سور). وخلال خمس جلسات بحث الإثنان وجهاً لوجه عدة أمور أدبية وثقافية: عن الأدب بشكل عام، وعن أهمية اللغة في عصرهما، وعن الكاتب الأميركي إدغار ألن بو، وعن ثربانتس ورائعته 'دون كيخوته، وعن ستيفنسون، وكافكا أيضاً. لقد خلق لقاء الإثنين حواريّة مفتوحة وطريفة قادت في النهاية إلى مآل فريد ونوعي يهمّ 'خصوصية قصيدة النثر' كجنس أدبي منفتح ومركَّب وتعدُّدي، هو شبيه بفرحة كافكا بجملته الشهيرة: 'أنظر من النافذة' ـ
واحتفاء بالشاعر سعد سرحان، صاحب 'شكراً لأربعاء قديم' و'نكاية بحطّاب ما'، والذي حمل الملتقى اسمه، تدخّل أصدقاؤه الشاعران ياسين عدنان وعبدالرحيم الخصار والفنان الحروفي لحسن فرساوي، في كلماتٍ مؤثرة موجّهة إليه أجمعت على قيمة سعد شاعراً وإنساناً، ولفتت إلى أن الحركة الشعرية في مراكش، منذ عقدين، تدين له بالكثير. وفي ديباجة الختام الذي تلاه الشاعر رشيد منسوم، لم يفت المشاركين التأكيد على القيمة الثقافية التي يخلقها الملتقى اليوم في مراكش، متطلّعين إلى أن يشكِّل احتفاءً سنويّاً متجدّداً يحاول تأمل مسارات قصيدة النثر عربيّاً، والاقتراب من إشكالاتها الكبرى، والإصغاء إلى منجزها النصي باستمرار ـ

 :صور من الملتقى لبعض المشاركين

 

DSC01261.JPG

DSC01259.JPGbazaz.jpgDSC01272.JPGDSCI0301[1].JPGDSC01241.JPGDSC01258.JPGwrar.jpgDSC01267.JPG

21:22 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.