Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

22/04/2011

!ننتصر أو نموت

رسالة اعتذار

إلى عمر المختار

عبداللطيف الوراري

عبداللّطيف الوراري

مِنْ عُيونٍ لِصَباحٍ يَتَفتَّقْ

أسمَعُ الأصْواتَ حَمْراءَ. مِنَ النّامُوس حَمْراءُ كَما الشّأْفةُ في الحَلْقِ، لِرائينَ نَمَتْ في الجَبَلِ الْأَخْضَرَ أصواتُهُمْ الحمراءُ. تَسْتَصْرِخُ نَهْر الْحُبّ:

في بَرْقة، بَنْغازي، مَصْراتةَ، تَاجُوراء، سَبْها، دَرْنة، البَيْضاء، طبرُقْ

هَذِهِ الأَصْواتُ آهٍ.. هِيَ هَذا النَخْلُ، نَخْلُ الله أَشْرَقْ

هُنا

أوْ هُناك

بيْن شِعْبَيْن

أوْ في مَسيرِ جَنازة

أوْ تحْت الجَريد المرعوف بالطّاعُون

أوْ وسطَ شُهودِ بنِي قَيْنُقاع والحَلْفاء وآر بي جي

لا نعْرِفُ كمْ يَطولُ الْغِناءُ منْبوراً منْ حنْجَرتِها ـ

راعِيةِ الأَشْواق، الْغريبَةِ ووَرِيثَة الأَمْطارِ عامِ الْجُوع

في حُلْمِها الّذي تَرِفّ حوْلَهُ الأَقْواسُ، ويرْعاهُ صَفيرُ الْقَصَب

يمُرُّ بِها الْمُعَمّم بالرِّيحِ، في رَوْضةِ الْجِراحِ، إِلى ما تُحِبّ مِنْ صَيْدٍ وَغَارْ.

في الأَقْدام الّتي تعْزِفُها

والقرابينُ الّتي تسفحُها

تُلْقي التَحيّةَ كما يجِب

عَلى عَرائشَ تَضْحك لِلدّمِ،

وتفْدي الضّفائِر بعِطْرٍ عَظيم،

ولِلْوَعْدِ في يَديْن تَهْمسُ بي:

"مَنْ في دَمي الْأَقْصى يُسمِّي، والشُّعوبيّونَ مَرْضى بِالْملَارْيا يغْرِمونَ النّارَ بِي؟ ـ نظَرْتُ حوْلي أسْأَلُ الأَيْتامَ إِنْ غَرفوا دَمي جَذْلانَ كَيْ لا تَصْدُق الْغِرْبانُ. فِي عصْفي نظَرْتُ. يقُولُ في نفْسي أَبي المُخْتارُ سُرّي يا عَزيزَةُ. لا الْمَوْتى، ولا ذَهبُ الْمُعِزّ يفُتُّ في رُوحِ الْعَزيزةِ. هَذهِ الْحُريّةُ الحَمْراءُ نايُكِ مِنْ شِعابِ المُسْتَحيلْ

مِنْ حُطامِ الأَرْضِ تحْتي. أسْمعُ الْعَتَباتِ.

أَسْمعُها تَبُلُّ الرُّوح في عَصْفِ النّخيلْ !"

.................

……..........

مهْما تضْرِبُ الْكُثْبان

سقْفَ الْحِيطانِ مِنْ مِيراثِ الْعَجُوز

ومهْماالسّاعَات في ضُمورِالأَيادِي

ومهْما الْيَوْم، و الرّاياتُ وعِيدُ التُّوت

إِذْيَلْتَقِمُ اللّعْنة كِلابٌمِنْ قِشّ

يهُمُّ الأُغْنية، في نِهايَةِ الظِّلال،

مَا تُبْرقُ بِه وارِفَةُ الْغَيْمات

منْ أَصابِعِها إلى الْحَياة

حَيْثُ لا لَيْل وَراء نَظّارتِك

إلّا رُوحك أيُّها المُعمَّمُ بالرّيح !

**

22:44 |  Facebook | |

19/04/2011

ترجمة الشعر..هل هي خيانة؟

ترجمة الشِّعر

 

هذه العلَّة التي في منتهى العافية hi.jpg

عبداللّطيف الوراري

ترجمة الشِّعر، هذه العِلَّة التي في منتهى العافية. لطالما فكّرْتُ، وأنا أقرأ الشّعر مُترجَماً أو بصدد ترجمته عن الفرنسية، في ما رآه الجاحظ، وهو يقول إنّ "الشعر لا يُستطاع أن يُترْجَم، ولا يجوزُ عليه النقل، ومتى حُوّل تقطَّع نظْمُه، وبَطُل وزْنُه، وذهبَ حسْنُه، وسقطَ موْضعُ التعجُّب، لا كالكلام المنثور". الشعر لا كالنثر. قد يجوز الأمر في النثر، الواضح والمعقول والعادي. أمّا في الشعر، الغامض والهشّ، فإنّه يصعب من وُجوهٍ كثيرة، حتّى يستحيل الأمر خيانةً، بله خسارة. لا يضيع المعنى فحسب، بل الأسلوب وإيقاع الكلمات وجرسها العابر للذّات وخطابها المفرد والخاص. هذا واقعٌ لسوء حظّ الشعر. لكن، أليس بالإمكان ترجمة الشعر؟ بلى. لا أنسى، هنا، رأياً ثانياً للشاعر الفرنسي بيير ليريس، وهو يرشدنا إلى أنّ "ترجمة الشعر أمْرٌ مستحيل، مثلما الامتناع عن ترجمته أمرٌ مستحيل". كثيرٌ من الثقافات الإنسانية الشفوية والمكتوبة، بما في ذلك الثقافة العربية ـ الإسلامية، التي يأخذ فيها الشعر وضعاً إعتباريّاً ولافتاً، وجدت في هجرة أدبها، من ضمن نتاجها الرمزي، إلى العالم ضرورةً لا ترفاً، ومجلبةً للاحترام والمجد، إذ هو يعكس وجهاً حيويّاً ومشرقاً من هويّة هذه الثقافة وتلك. وقد رأينا، عبر عهودٍ من حيويّة التاريخ، كيف كان تتفاعل الحضارات والشعوب وتتحاور، بقدرما تتناقله بينها من آدابٍ وفنون ومعارف، بل إنّ منها من تغيَّر وجهها بسبب الشعر مجسّداً في أغنية أو قماشة أو آنية قذفت بها الرياح إلى ما وراء البحر ـ

في زمننا، صار لترجمة الشّعر معنى الواجب. شعريّات الأرض الباذخة والعريقة انفتحت على بعضها البعض، في حوارٍ خلّاق ومتوهِّج يعلِّم الكائن كيف يُشرف على كينونة لغة إنسانيّةٍ بلا حدود، بمنأى عن الابتذال والتسطيح. ولقد انفتحت الشعرية العربية الحديثة، عن طريق الترجمة، على بعض هذه الشعريات، الفرنسية والإنجليزية ثمّ الروسية والإسبانية والألمانية والإيطالية فيما بعد، التي كان لها دور حاسم ومهمّ في سيرورة تحديث الشعر العربي، حتّى صار شعراءٌ ذائعو الصيت يشكّلون فنناً مضيئاً من شجرة هذا الشعر وذاكرته ومتخيّله، من أمثال إليوت وإديث ستويل وسان جون بيرس وروني شار وعمر الخيام ونيرودا وناظم حكمت وطاغور وويتمان وبودلير وخيمينيث وييتس وأوكتافيو باث وبورخيس وآرتو وإزرا باوند ولوركا وألن بو وريلكه وهولدرلين وإيلوار وبريتون وميشو وبيسوا وسواهم ، وصولاً إلى نماذج من الشعر الصيني وشعر الهايكو الياباني حديثي الاكتشاف. ولهذا، ليس في الإمكان أن نقرأ مسارات الحداثة الشعرية العربية بمعزل عن دور الترجمات الشعرية المتنوعة التي تمّت بمستويات متباينة. وإذا عدنا الى بدايات القصيدة الحديثة وجدنا أن الترجمات تحضر بنفس قوة الآثار المنتجة. تحضر أعمال أنشودة المطر وأباريق مهشمة وأقول لكم وأغاني مهيار الدمشقي ولن وحزن في ضوء القمر ، إلى جانب الأرض اليباب وأربعاء الرماد والرجال الجوف وأزهار الشر وعيون إلزا ومنارات وأوراق العشب وأغان غجرية وراعي القطيع ـ 

لكم من شاعر عربي حديث، من جيلٍ إلى آخر، قد استضاف شاعراً أجنبيّاً، وارتبط اسمه به، وتحاور معه. السياب وستويل، عبدالصبور وإليوت، أدونيس وبيرس، سعدي وريتسوس، يوسف الخال وباوند، أنسي الحاج وآرتو، فؤاد رفقة وهولدرلين، المهدي أخريف وبيسوا، رفعت سلام وكفافيس، محمد بنيس ونويل، وإدريس الملياني ويفتوشينكو وقد يفرد شاعر أو ذاك جناحه على جملة شعراء عرب محدثين ومعاصرين، مثل إليوت ولوركا وبريتون وبيسوا. غير أنّ الأثر المتبادل، عن طريق الترجمة، بين الشعر العربي والشعر الأجنبي بلغاته المتباينة، لم يكن متساوياً وواقعاً بالقدر نفسه. نماذج محدودة من الشعر العربي القديم، بما فيه الأندلسي، من أحدثت أثرها في الشعر الآخر، لكن من الصعب أن نثبت إلى أيّ حدٍّ أثّر هذا الشاعر من شعراء العربية المحدثين في مجرى الشعر العالمي، وإن كنّا لا نغفل الهالة التي صارت لبعضهم تحت هذا التأثير أو ذاك، مثلما هالة محمود درويش أو أدونيس. هل يصحّ لنا أن نؤكِّد أنّنا أخذنا أكثر مما أعطينا بكثير، وتأثّرْنا أكثر مما أثّرنا؟! ـ

في كلّ الأحوال، لقد أفدْنا من ترجمة الشعر التي تمّت على أيدي الشعراء أنفسهم، هؤلاء النادرين الذين لا يُضاهيهم أحد، والذين يأخذون على عاتقهم تحديد معنى الأدب، والذين يعلمون قبل غيرهم أنّ ثمة نواة في القصيدة يجب الانتباه لها ومعاملتها بكثير من«الاحترام والتبجيل»، أثناء ترجمتها أو نقلها إلى لغتهم الأمّ. فعلى المترجم أن يكون عارفاً بلغة الشاعر الذي يترجمه، وإيقاعها، وأسلوب تشخيصها للذات الكاتبة والعالم الحسي والعقلي. ويجوز له أن يخرج عن الأصل بمقادير، مبدعاً فيه، ومهتدياً إلى ذلك بحدسه وإصغائه شديدي الإرهاف. فمن سوى الشاعر المترجم، إذن، يُدرك أنَّه بصدد فعلٍ كتابيٍّ لا يقلُّ إبداعيّةً، ويقرّ في أصالته ومسؤوليّته أن يستضيف الشعر "الآخر" بيديه الأمينتين المرتجفتين، حتى لا يطير عنه خياله ويغيض ماؤه، فتأتي الترجمة بأقلّ خسارة، بل تبزُّ أصلها. يجب، بهذا المعنى، أن يؤمِّن الاختلاف حتؤ يبعث في لغته، بما يحمل إليها من تحوُّلاتٍ عنيفة أو رقيقة، حضوراً لما هو مختلفٌ، أصلاً، في الأصل, هذا النوع من الترجمة الإبداعية صارت له قيمته في الفترة ما بعد الاستعمارية، بعد عهود من سوء الفهم العظيم التي أشاعها الاستشراق ـ

بالنسبة لي، لا أعتبر نفسي مترجماً، أنا قارئ للشعر "الآخر"ـ الفرنسي تحديداًـ، وفي نيّتي أن أتعلَّم من متخيّلات شعرية غريبة عنّي بما توافر لها من أسباب العجب والفرادة والاختلاف، لكن سرعان ما وجدتُ نفسي أرتكب مثل تلك الخيانة الممتحنة لمدى خيالي. في ترجماتي المقترحة لنصوصٍ من الشعر الفرنسي المعاصر، لاسيما نصوص هنري ميشونيك وأندري فلتير وبرنار مازو وماري كلير بانكار، تبيّن لي أن لكلّ شاعر "عقدة إيقاعيّة"، وليس بمقدوري أن أعكسها إلّا على نحو تعويضيّ، إن ملأتها بذبذباتٍ من وجيبي الداخلي الذي يتجاوب مع تجاربهم المنادية عليّ، وأدخلتُها في علائق صوتيّة ودلاليّة جديدة تمنحها تأويلاً جديداً، وقيمةً مُضافة جديدة داخل لغتي التي أُبدع بها، وأحيا فيها . لكنّي، في كلّ يومٍ أكتشف ما معنى أن تصير الترجمة «محكّاً»، فلمّا نحن نترجم "فكأنّنا نلقى بين اللغتين تفاهماً هو من العمق والانسجام، بحيث تحلّان محلَّ المعنى وتتمكَّنان من جعل الفجوة بينهما منبعاً لمعنى جديد"، بتعبير موريس بلانشو ـ

ـــــــ

 

 

17:53 |  Facebook | |

12/04/2011

قصيدة النثر في ضيافة مراكش

ملتقى قصيدة النثر بمراكش

أعاد فتح النقاش النقدي بخصوص إشكالات القصيدة الكبرى ومدى قيمة منجزها الشعري

 

DSCI0299[1].JPG
عبداللّطيف الوراري

في في جوّ ربيعي مشمس، ووسط فسيفساء قصور مراكش ورياضاتها المأخوذة بعبق التاريخ وسحره، تحلَّق شعراء ونقّاد في جلسات شعرية وتأمُّلية حول مائدة قصيدة النثر، خلال ثلاثة أيّامٍ من عمر الملتقى الدولي الأول لقصيدة النثر الذي نظّمه مركز الحمراء للثقافة والفكر بمراكش، تحت شعار 'قصيدة النثر والوعي الحر'. تمّ افتتاح الملتقى مساء اليوم الأوّل، 25 من شهر مارس الفائت، بكلمات الهيئة المنظمة وبعض جهات المدينة الداعمة، وهي الكلمات التي أجمعت على قيمة أن يكون هناك ملتقى شعريّ عربي في مدينة الشعراء عبر تاريخها، مثل مدينة مراكش التي عُرفت بميسمها الأمازيغي والعربي- الإسلامي، وأشارت إلى خصوصيات هذا الجنس الإبداعي المثير للجدل. وتلت الكلمات القراءات الشعرية التي أثّث فضاءها، من قصر الباهية إلى دار سي سعيد، شعراء من المغرب (فتيحة مورشيد، إسماعيل زويريق، وداد بنموسى، محمد بشكار، سعيد الباز، ياسين عدنان، محمد أحمد بنيس، نورالدين بازين، إلهام زويريق، عبد الحق ميفراني، نجاة الزباير، عبد الرحيم الخصار، رشيد منسوم، جمال أماش، مصطفى الرادقي، محمد الصالحي، خالد الريسوني، إبراهيم ديب)، والعراق (عبدالكريم كاصد، ورود الموسوي، علي البزاز)، والجزائر (بوزيد حرزالله، سعيد هادف). وقد جاءت النصوص المقروءة متفاوتة القيمة وممثّلة لكثير من الحساسيات داخل قصيدة النثر، وقصيدة التفعيلة أيضاً، وهي تمتدُّ من الثمانينيات إلى العقد الأول من الألفية الثالثة. وبموازاةٍ مع ذلك، شهدت فعاليّات الملتقى ندوتين نقديّتين حاول فيها المتدخِّلون، إلى حدّ ما، تأمُّل موضوع 'قصيدة النثر وحوارية الأجناس الأدبية'، غير أنَّها جدّدت النقاش حول إشكالات قصيدة النثر العربية عامة والمغربية خاصة، وأثارت بدورها الجدل حول وضعها الأجناسي كجنس شعريّ وكخطاب ليس في السياق العربي فحسب، بل الأوربي والأنجلوأمريكي ـ

في الندوة النقدية الأولى التي انعقدت صباح يوم السبت 26 مارس، التي سيرها الباحث عبدالصمد الكباص، لفت الناقد بنعيسى بوحمالة إلى أن قصيدة النثر فتحت إمكانات جديدة، بما في ذلك إمكان 'الكتابيّة' الذي قطع مع الذاكرة الشفوية في الشعر العربي، ووسم القصيدة بـ'التعددية' بصيغها ولغاتها ومرجعياتها المتنوّعة. وقال بوحمالة: 'إن هناك شعراء، من مثل أنسي الحاج ومحمد الماغوط ومؤيد الراوي وفاضل العزاوي وأنور الغساني، أبانوا عن مواهب مذهلة، وتمثلوا قصيدة النثر ولم يسقطوا في المرجعية الفرنسية كما حصل لدى شعراء مجلة (شعر) الذين أعادوا استنساخ مقولات سوزان برنار، مع أنّ ما كانت تُجسّده الحلقة البيروتية لا علاقة له بما طرحته سوزان برنار نفسها'. وأشار بوحمالة، الذي سبق له أن ألّف دراسة عن جيل الستينيات في الشعر العراقي، إلى أن شعراء هذه المرحلة انفتحوا على المرجعية الأنجلو- أمريكية، وانتقلوا مع قصيدة النثر إلى نصٍّ كتابيٍّ تعدُّدي. وانتقل الناقد إلى الحديث عن (شعريّات الهامش)، في بلدان المغرب العربي والخليج واليمن، التي بدت تُباشر عملها خارج مثلث المركز (القاهرة- بغداد- بيروت)، بل تقود حركيّة التحديث الشعري بشكل متفاوت القيمة. وبخصوص المغرب اعترف أنّه لا يمكن أن نتحدث عن عقد خالص لقصيدة نثر مغربية، وإن كانت الأخيرة لم تتجسّد كفعلٍ كتابيٍّ إلا منذ الثمانينيات مع المهدي أخريف الذي كان يوائم بين التفعيلة والنثر ورشيد المومني، ثمّ حسم الأمر في سنوات التسعينيات حيث عرفت اتساع رقعة الشعراء الذين انخرطوا في كتابة هذا الجنس، وداخل الإبدالات الشعرية التي كانت تمرُّ بها القصيدة المغربية الحديثة. ويبقى أهمّ ما أثار الانتباه في مداخلة بنعيسى بوحمالة هو قوله: 'كثيرٌ من شعراء قصيدة النثر نجحوا في كتابتها، ولاسيما من منطلق معرفتهم ومتحصّلهم من شعر التفعيلة. وفي المقابل، هناك كثيرون مرُّوا إلى قصيدة النثر رأساً، فسقطوا في مطبّات، إلى حدِّ تشكيك القارئ بجدِّية ما يصنعون، حتَّى أن ما يكتبونه لا علاقة له بالشعر. مجرّد إنشاءات. والخطير أن يصبح ذلك يُشكِّل معياريّة لقصيدة النثر المكتوبة الآن'. وتقدّم الباحث عبدالعزيز بومسهولي بمداخلة عميقة تستقرئ قصيدة النثر من منظور مختلف يستلهم العمق الفلسفي، وأشار في بدايتها إلى أن السؤال المهمّ ليس الماهية، بل سؤال الكيفية، أي انطلاقًا من اختيار هذا الشكل على قياس الغيرية (الوجود على خلاف الوجود)؛ ثمّ طرح أربعة مداخل أو أسس لقصيدة النثر، وهي: ـــ
ـ تجربة النثر في اعتبارها كيفية وجود، وذلك من خلال انبثاق تجارب شعرية مغايرة خارج السائد، تٌجيب عن انتظارات الراهن
ـ الاحتفاء بالتجربة البين- جسدانية، فوجودنا الحالي ليس هو نفس الوجود السابق ما قبل الحداثي، إنّه امتداد وتفاعل بين الأنا والآخر. وليست قصيدة النثر إلّا تعبيراً عن تجربة الجسد، ورغبةً مفتوحة على الجسد الآخر، بقدرما يُمثّل ذلك في صميمها الوعي الجسدي الحرّ بشكل أكثر تفاعليّة
ـ قصيدة النثر باعتبارها تجربة اليومي بامتياز، حيث يتمُّ ربط الشعري باليومي والمعيش كقيمة أساسية، ويُمنح الحاضر بدوره قيمةً عليا، فتنتقل القصيدة من لحظة الاعتياد إلى لحظة المغايرة
ـ تجربة إخضاع اللغة لمنطق جديد من التكلُّم، وهو ما جعل قصيدة النثر تعيد في تجاربها الأساسية بناء علاقاتها باللغة العربية وفق تحديد مغاير، إذا ما علمنا أنّ ما خضع له الشعر منذ ما يسمى بالعصر الجاهلي إلى مرحلة البعث والإحياء كان يجري بحسب التصوُّر العمودي للشعر. إن القصيدة انتقلت في توظيفها للغة من العالم 'الأعرابي' إلى أنموذجٍ للعالم الآن وفق تصوُّراتٍ ثقافية جديدة داخل اللغة تسمح بأن تلعب أدواراً جديدة في الوجود الإنساني، وأن تبتكر كيفيّاتٍ جديدة لوجود اللغة تستجيب لأفق انتظارنا، بمنأى عن المعيار البلاغي القديم الذي حجّم دورها في أن تكون لغة معبِّرة. ثُمّ تجربة الآخرية التي تغدو كبعد تأسيسي لقصيدة النثر. وانطلاقاً من هذه المداخل، أشار بومسهولي إلى 'أنّه من الممكن القول بأنّ قصيدة النثر هي طريقة تعبير جديدة، وليست شكلاً جاهزاً، بقدرما هي إمكانية مفتوحة على لا نهائي العالم النسبي المشترك بيننا'. فيما تحدّث الباحث عمر العسري عن مداخل الشعرية في قصيدة النثر، وهي مداخل تلتبس بمفهومي المكون والمستوى الذين يتداولهما النقد الشعري عند الحديث عن مفهوم الشعر وبنيته النصية معاً، منتقلاً من النظرية إلى الإجراء التطبيقي. ويشير الباحث إلى أنّ تلك المداخل (السردي، التصويري، التناصّي، الإيقاعي والبصري) لا تنفكّ عن شعرية المتخيَّل. ويخلص إلى القول بالتباس المداخل وتماهي بعضها ببعض في مقاربة شعرية قصيدة النثر ـ
وفي الندوة النقدية الثانية التي انعقدت صباح يوم الأحد 27 مارس، التي أدارها الناقد محمد آيت لعميم، ناقش الناقد حسن مخافي العلاقة المنسية بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، مؤكّداً أن قصيدة النثر في تجلّياتها الأولى، وداخل إسهامات جماعة شعر تحديداً، كانت استمراراً للقصيدة العربية الحديثة، وأن معظم الدراسات التي تمّت في هذا السياق تقفز على ذلك، وتربطها بأنماط الشعر الحر أو قصيدة النثر كما قعّدت لها الفرنسية سوزان برنار. ويتوقف الناقد عند نقط التقاطع بين القصيدتين، على مستوى بناء الإيقاع العروضي والتشكيل الرؤيوي. من جهته، نقل الباحث والمترجم حسن لغدش أنظار الجمهور، الذي لم يفد بكثرة على الملتقى، إلى واحدة من أهمّ نماذج قصيدة النثر بالمغرب، كما تجسّدت في تجربة الشاعر طه عدنان في مجموعته الشعرية 'أكره الحب'؛ ورأى أن العمل الشعري لطه منشدٌّ إلى قدر شاعرٍ مهجريٍّ لا ينفصل أفق قصيدته عن تجربته في اللغة والحياة والمنفى، فيما هو يعرض بلغةِ نقديّة عارقة سمات تلك القصيدة وملامحها الرئيسة. واقترب عبداللطيف الوراري من دراسة أنماط بناء الجملة الشعرية من خلال ثلاثة دواوين شعرية مغربية هي: 'محض قناع' للمهدي أخريف، و'نكاية بحطّاب ما' لسعد سرحان، و'أنظر وأكتفي بالنظر' لعبدالرحيم الخصار. ومهّد الوراري بقوله: 'إنّه في المشرق كما المغرب، كشكْلٍ شعريٍّ مختلف حتّى من اسمه، ويحوز جماليّات معارضة لجماليّات السائد، لغةً وإيقاعاً وتخييلاً. بدورها، وخارج أسبقيّة الوزن كواقعةٍ ثقافيّة كرونولوجيّة، وخارج تمثيلات الشعر وحدوسه النظرية السابقة، ووفق مبدأ 'الاختيار الحرّ'، أمكن لقصيدة النثر أن تنتج خطاباً شعريّاً مختلفاً، وتنتج داخله أنماطاً من البناء النصّي، وتعيد ترتيب فهمها للصفحة الشعرية ودوالّها وعلاماتها الأيقونية. هكذا صار حقيقةً أن تختار كلَّ قصيدة شكلها الخاصّ، وجُملها الخاصّة، وتلفُّطها الخاصّ، أي نحوها الخاص. لكلِّ قصيدةٍ نحوُها، وهذا النحو هو جزءٌ أساسيٌّ من إيقاعها، من دلاليّتها وفعّالية الذات المتلفّظة'. وتابع: 'على محلِّل الخطاب الشعري أن يصغي إلى كلِّ هذا، ويتأمّل الشعر في قصيدة النثر كبنية في اللا ـ بنية، أي بنية منذورة للتحوُّل من ذاتٍ إلى ذاتٍ، تأخذ تجلِّياتٍ لا حصر لها، ممّا يجعل بعضاً من عناصرها تزول، أو تتزحزح من مكانها، أو يضاف إليها، أو تُحطَّم الحدود بينها وبين عناصر أخرى من داخل البنية نفسها، أو من بنيات أخرى لغوية وغير لغوية'. ولهذا الاعتبار النظري، انشغل الناقد بتأمُّل ثلاثة نماذج تنتمي إلى حساسيّاتٍ وأجيالٍ مختلفة من عمر قصيدة النثر في المغرب، ووضع مكوّنات بنائها الخطّي والبصري في صلب الاستشكال، مهتمّاً في بعضها بطريقة بناء الجملة وعلامات الترقيم ضمن تشكيل الصفحة الشعرية، وفي بعض الآخر بتأويلها ضمن إيقاع الخطاب متوتِّراً بين نسق الأنا وفعاليّة المعنى'. وقدم الناقد عبدالغني فنان مداخلةً هي عبارة عن قصيدة نثر 'تأمُّلية في لا حول'، مُركّزاً على حوار بين الكاتبين الأرجنتينيين ذائعي الصيت خورخي لويس بورخيس وإرنستو ساباتو، فيما يشبه ذلك الحوار 'تنويعات حرة على اللامنتهى'. وأشار الباحث الجامعي، في تحليله للحوار بلغة فرنسية أكاديمية، إلى مفهوم النص أو الأثر المفتوح كما يُستشفّ من قضايا الكتابة عند الكاتبين الذين تعرَّفا على بعضها البعض في بداية الأربعينيات من القرن العشرين، وذلك عبر اجتماعات مجلة (سور). وخلال خمس جلسات بحث الإثنان وجهاً لوجه عدة أمور أدبية وثقافية: عن الأدب بشكل عام، وعن أهمية اللغة في عصرهما، وعن الكاتب الأميركي إدغار ألن بو، وعن ثربانتس ورائعته 'دون كيخوته، وعن ستيفنسون، وكافكا أيضاً. لقد خلق لقاء الإثنين حواريّة مفتوحة وطريفة قادت في النهاية إلى مآل فريد ونوعي يهمّ 'خصوصية قصيدة النثر' كجنس أدبي منفتح ومركَّب وتعدُّدي، هو شبيه بفرحة كافكا بجملته الشهيرة: 'أنظر من النافذة' ـ
واحتفاء بالشاعر سعد سرحان، صاحب 'شكراً لأربعاء قديم' و'نكاية بحطّاب ما'، والذي حمل الملتقى اسمه، تدخّل أصدقاؤه الشاعران ياسين عدنان وعبدالرحيم الخصار والفنان الحروفي لحسن فرساوي، في كلماتٍ مؤثرة موجّهة إليه أجمعت على قيمة سعد شاعراً وإنساناً، ولفتت إلى أن الحركة الشعرية في مراكش، منذ عقدين، تدين له بالكثير. وفي ديباجة الختام الذي تلاه الشاعر رشيد منسوم، لم يفت المشاركين التأكيد على القيمة الثقافية التي يخلقها الملتقى اليوم في مراكش، متطلّعين إلى أن يشكِّل احتفاءً سنويّاً متجدّداً يحاول تأمل مسارات قصيدة النثر عربيّاً، والاقتراب من إشكالاتها الكبرى، والإصغاء إلى منجزها النصي باستمرار ـ

 :صور من الملتقى لبعض المشاركين

 

DSC01261.JPG

DSC01259.JPGbazaz.jpgDSC01272.JPGDSCI0301[1].JPGDSC01241.JPGDSC01258.JPGwrar.jpgDSC01267.JPG

21:22 |  Facebook | |

06/04/2011

في ذكرى رحيل هنري ميشونيك

في ذكرى رحيله الثانية،

هنري ميشونيك.. الناقد الذي راجع أسس الشعرية الحديثة ونعت معاصريه من شعراء فرنسا بـ"الماموثات" !

 

meschonic.jpg

 

  عبداللّطيف الوراري

 

 قبل عامين، رحل هنري ميشونيك، الشاعر والمترجم والناقد المبتهج بالمعرفة التي سافرت، بمهماز النّقد والمغامرة، في تأمل الخطاب النظريوالتحليلي الخاص بالشعر وقراءة أجروميّاته الأساسية، بلا مطلق ولا متعاليات. تاريخمن السؤال وإعادة السؤال يصاحب برنامج ميشونيك النقدي الذي يرتبط بتأمل مختلف الخطابات من وجهة نظر الشعرية الّتي نظّر لها كمعرفةٍ تبحث في صيغ الدلالة النَوعية للنص الأدبي.
لقد وقفت شعرية ميشونيك في مُفْترق تاريخٍ يعصف بالقناعات، ابتداء من السبعينيات التي شهدت حمّى الجدل النقدي والسجالي في غير علم من العلوم الإنسانية، في أوروبا وخارجها. كان برنامج هذه الشعرية، في بادئ أمرها، هو النقد، وبخاصة نقد الشعرية البنيوية التي كانت لا تزال في ذروة وثوقها بنفسها. يصرِّح ميشونيك بأنه 'لا يمكن أن نقوم بمحاولة من غير البدء بتحديدٍ منهجيّ. فنحن لا نقرأ بكلمات الآخرين'(1، ص.11). وعليه، طفقت شعريّته تناقض، بوعي، تاريخ الشعرية بأسره منذ أرسطو. عملها، حتى وإن كان مجهوداً نظريّاً، لن يكون ممكنا ـ مع/رغْم عتماته ـ إلا باعتباره تنظيراً للممارسة. لا هي بخطابٍ وصفيٍّ، أو نشاطٍ تأمّلي، أو بحثٍ تاريخي أو مقارن. هي لذاتها. بطبيعة الحال، تمرُّ عبر التاريخ، وبالضرورة كذلك من الثقافة إلى الثقافة، ضدّاً على وهم تكامل الثقافات. ويرى ميشونيك أن النظرية ليست ممكنة إلا في علاقتها بالممارسة (شأن ألاتكون تأمّلاً)، ومن الخطأ القول أن المفاهيم لم تنتج، تاريخيّاً، عن هذه الممارسةالخاصة والنوعية، وهو ما يلزم حتْماً تحاشيه.

وقد أعطت البلاغة من ديشو أوسطاشإلى رونسار دي بيلي، وملاحظات راسين حول الشعرية، وأخرى لنوفاليس وبودلير وهيغو، ثمعند ملارمي وهوبكينس لمّا امتزج الأدب والفلسفة، نماذج تُجسّد تفاعل النظرية والممارسة. وفي نظره، ليست هناك مغامرة نظريّة بمعزل عن هذه الممارسة. وترجمة نصوص الكتاب المقدّس التي دأب عليها تلعب دورها هنا، فضلاً عن ممارسته الشعر. لا يوجد بجانب النظريّةِ 'الصعبة' الشّعرُ' السهل'.إذا كانت النظرية صعبة فلأنّ الشعر أكثرصعوبة. ان النظرية، إذن، سعْيٌ مستمرٌّ إلى الممارسة ودراسة العلاقات بين بنية النصوص وتلقيها، لا علم لها تدّعيه، أو حلمتْ به يوماً. تلك هي النظرية النقديةالتي يسميها ميشونيك 'إبستيمولوجيا الكتابة'، بما تتضمنه بالضرورة من نقد اللسانيات (وضع حدود اللسانيات ومسلماتها موضع تساؤل)، ومن نقد التحليل النفسي والماركسية. فهي أوّلاً تذكر بأنها مرتبطة باللسانيات ـ العلم، وثانياً بأن ميدانها، عكس الظاهراتية، هو الممارسة التاريخية، وأن لها صرامتها وعلاقتها الخاصة بالمعرفة، وثالثاً هي، بشكلٍ سجاليّ، ضد إعادات التقديس الراهنة التي تقترن تماماً بالنزعتين العلمية والتجريبية كما في زمن بيرس، بقدر ما هي ضد مدّ الخطاب السّيكولوجي المُجَمْلن وجزْره. وأخيراً، من أجل أن تطرح ما يتعلق، في آن، بالنظرية وميتاالنظرية التي تحرص قواعدها على العودة إلى الممارسة التاريخية، وإلى تفاعلها مع معرفة' العلوم' الإنسانية. بنوعية الكتابة، إذن، ترتبط نوعية النظرية.

يُمثّل هذا المسعى الضرورة الداخلية لعمل 'من أجل الشعرية' بأجزائه الثلاثة الأولى الصادرةبين 1970 و1973، الذي يطبعه السجال إلى جانب النقد. يؤكد 'يبدو لي اليوم أن أول مسألة هي إبستيمولوجيا الشعرية، وما يشكل موضوع النقاش هو الوضعية نفسها لكل خطاب حول الشعرية، وخاصة حول اللغة الشعرية'. ويطرح الكتابة كـ 'فعالية معرفة نوعية'،و'الكتابة هي ابستيمولوجيا لغتها'، إذ تذهب الكتابة نحو ما لا تعرفه، نحو ما ليسلها : ليست معرفة نظرية أو مفاهيمية، بل هي ممارسة وتعرُّف وفعلٌ نوعيٌّ يعبرالعلاقة بين اللغة ونصِّها، النصّ ولغته، بقدر ما يعبر محور هذا العمل الذي لايتمُّ بالمعرفة بل بالممارسة.

وضمن مفهوم 'إبستيمولوجيا الكتابة' هاته يعقدميشونيك وشيجة بين المنهج ومحتوى المنهج، بين النظرية والممارسة. ويأخذ ميشونيك الإبستيمولوجيا في معناها الواسع كـ 'نقد لمبادئ وفرضيات ونتائج ذات هدف غايتهمعرفة الكتابة والأدب، باعتبار أن هذه المعرفة تتم داخل العلاقة الضرورية معالممارسة. إنها التأمل في، لا التأمل حول'.بهذا التصور، لا يتعلق الأمربالتفكير في ما هو الأدب، بل في ما يصنعه. وهذا ما يستدعي استبدال مشكلات الماهيةبمشكلات التاريخانية. وبما أنها دراسة للغة الشعرية بالمعنى الواسع، فإن الشعريةبقدر ما هي تحاول أن تعرف ما تؤسسه وتخلقه معرفةً تامّة، تستتبع أكثر فأكثر عملاًمعرفيّاً للعلاقات بين كل ممارسة للغة ونظريتها في اللغة. هكذا تقود الشعرية إلىنظرية نقدية للعلاقة بين الفلسفي والسياسي وكلّ ما هو فعلٍ لغويٍّ، القصيدة تحديداً.

من هنا، كان هنري ميشونيك يعمل على إنتاج نظرية نقدية انطلاقاً من نوعية القصيدة، في صلة بمختلف ذُرِّيات اللغة المضادة، القصيدة المضادة، من داخل الرهان السياسي دائماً، الذي يتم اللعب به داخل الشعرية. ويؤكّد، فضلاً عن ذلك، فصل العلم عن النظرية، مُنِتجاً لخطابٍ نظريّ يبحث قواعد معرفته، بقدر ما يكون المعرفة ذاتها. فأنْ ندعو الشّعرية علماً هو وهْمٌ أو خداعٌ يمكن موضعته بما يلزم. إنّما هي خطابٌ سجاليٌّ ما دام يبحث عن نفسه، ويسعى إلى صرامته الخاصة، داخل الهيمنات الإيديولوجية المتعاقبة وضدّاً عليها. إن الشعرية، دون أن تهجر ميدانها، تقود إلىنقد الأنثروبولوجيا عبر نقد نظريات اللغة، داخل الصراع الذي تقيم فيه من أجل إكساب اللغة ونظريتها وممارستها طابع التاريخانية، ضدّاً على إعادات التقديس الراهنة، التي تلعب دوراً سياسيّاً دقيقاً. من هنا تدافع الشعرية عن نفسها، وتتحصّن لتكون الممارسة والنقد في آن.

ذلك ما اختبره في 'كتابة هيغو'، وفي تحليل الوضعيةالراهنة للشعر، مُعتبراً الشعر سؤالاً، لأنّ الجواب يتّجه نحو الماضي وانسجامه الخاص، بمقدار عمله المتواصل على استجلاء الشروط التي يقيم داخلها الصراع مُسبقاً، تحت ستار ميتافيزيقي. ولم يكن 'احتفاؤه بالشّعر'، في آخر كتبه، إلا على نحو ساخر،عندما لاحظ أن كلمة 'شعر' أصبحت تعني خمسة أو عشرة أشياء مختلفة في آنٍ واحد، ورأى في ذلك تنافر أصوات لا يُحتمَل. لذلك كان يُقصد باحتفائه تأمُّل الأشياء الأكثر اختلافاً، التي توضع بشكل غامض داخل كلمة شعر، وهو ما قاده إلى نقْدٍ مُعمَّم لما نصنعه بالشعر ونقوله عنه، وبالتالي إلى نقد الفلسفة، أيّ فلسفة، معتبراً أنّ التأمُّل في ما يُعدّ مشكلةً شعريّةً يتجاوز بكثير أن يكون شأناً في الأخلاقيات والسياسة. لا يتعلّق الأمر، إذن، بتحبيب الشعر، بل بالكفّ عن خداعه بالكليشيهات والأباطيل التي لا تعير للشعر وزْناً. فالنّظر نحو الشعر بافتتانٍ وولعٍ كانت نتيجته سلبية، لأنّ ذلك يقود الى الكتابة حول الشعر وإلى الاحتفاء بها، وهذا أسوأ ما يمكن أن يحصل للقصيدة. القصيدة لها عدوّان: الشعر نفسه، بمعنى شعر الماضي، والفلسفة بسبب مفهومها للغة. وهذا ما دعاه إلى التأمّل في العلاقات بين كتابة قصيدة وقراءتها وبين مجمل تاريخ الشعر.

لقد كانت شعرية هنري ميشونيك نظرية نقدية اختراقية، بالمعنى الذي أفاد نقد مفاهيم الإيقاع والمعنى والذات والخطاب، مثلما نقد الحداثة. عبر ضربة نرد لا تكفُّ عن الحركة. حركة الاستراتبجية التي تواجه بخطابها خطاب الاستراتيجيات الأخرى، من الدليل الى ما يتقوّى به، ومن اللّغة إلى ما ينزع إلى إعادة تقديسها، ومن الإيقاع إلى ما يسجن الذّات في الخطاطة، ومن الحداثة إلى ما يحجب ادّعاءاتها.
إنّنا بصدد مسارٍ نظريٍّ ونقديٍّ متعدّد ومتراصّ بالأسئلة، وهو لا زال يفعل حتى اليوم.
ولا نزعم أنّ هذا المدخل قد يُحيط بهذا المسار كله، الصعب والمتشعب داخل واحدةٍ من أهمّ الشعريّات وأطرفها في عصرنا، كان يشقّ حجرالأسئلة، ويندّ عن ضحكات الحُرّية، بدءاً من 'من أجل الشعرية'(1970)، مروراً بـ'نقدالإيقاع'(1982) و'سياسة الإيقاع، سياسة الذات'(1986) و'الحداثة الحداثة' (1988)و'شعرية الترجمة'(1999)، إلى 'احتفاءً بالشعر'(2002)، عبر النصوص الكاشفة عن انشغالات ميشونيك الأساسية، ضمن استراتيجيتي النقد والسجال .

ـــــــ

للإشارة سوف يصدر قريباً كتاب لعبد اللطيف الوراري بعنوان "أفق الشعرية: نصوص هنري ميشونيك"، وفيه يعرض لأهمّ القضايا الأساسية التي شغلت بال هذا الناقد الشاعري الكبير.

 

07:53 |  Facebook | |