Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

06/05/2011

عن رشيد يحياوي ومتعلّقاته


podcast

في الاحتفاء بكاتب مغربي

                                       

                     مسار رشيد يحياوي ومتعلّقاته

 

_84767_yahiawiL.jpg                                 

عبداللّطيف الوراري 

  منذ دراستَيْه اللمّاحة "الشعرية العربية: الأنوع والأغراض"، و"مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية"1991م، ومروراً ب"شعرية النوع الأدبي" 1994م، و"الشعر العربي الحديث: دراسة في المنجز النصّي"1998 و"الشعري والنثري: مداخل لأنواعيّة الشعر"2001، ويومياته المسمّاة "القاهرة الأخرى" التي يحكي فيها معيش الروح والجسد وانصهار الذات الكاتبة باليومي ومن ثم الكتابة عنه في فترة انتقاليّة مثل الثمانينيات من القرن الماضي، وكتابيْه النقديّيْن عن الكاتب البحريني أمين صالح "السارد شاعراً" والشاعر الأردني أمجد ناصر "معابــر"، حتّى كتابه اللّافت "قصيدة النثر العربية، أو خطاب الأرض المحروقة" 2008 م، كرّس النّاقد المغربي رشيد يحياوي جهده النقديّ والأكاديمي، منذ ما يزيد عن عقدين، لتأمُّل الشعريّة العربية قديمها وحديثها، وتحليل قضاياها النظريّة والنصّية والجماليّة بأدوات تحليلية وتأويلية جديدة، خارج كلّ مناورةٍ أو إيديولوجيا. وفي خضمّ انشغاله النقديّ ومتعلّقاته التحليليّة الصارمة، يرعى الكاتب بماء جسده كتابةً تعرض رؤيته الخاصّة للأشياء من دون إحالاتٍ ولا سجال، موزّعة بين تشهّيات الشّعر واليوميّات والمحكي الشعري والمقالة الساخرة. ولا ينفصل كل ذلك المسار عن واجب تدريسه الجامعي في كلّية الآداب بجامعة ابن زهر، حيث أتاح للطلبة ـ وسط النقول المدرسية المتهافتة ـ مستوى أن يطوّروا حاسّتهم الجمالية والنقدية في التعامل مع نصوص الثقافة العربية وأنواعها قديمها وحديثها بمناهج معاصرة في القراءة والتلقي.

                     قصيدة النثر العربية أو خطاب الأرض المحروقة:

  عن دار إفريقيا الشرق 2008م، صدر للناقد المغربي المهتمّ بقضايا الشعرية العربية رشيد يحياوي كتاب "قصيدة النثر العربية أو خطاب الأرض المحروقة"؛ وهو دراسة تتبنّى استراتيجيّة السّجال ونقد النّقد في الذّهاب – الإياب عبر فصولها الأربعة، فيما هي تُسائل الخطاب النظريّ والمعرفيّ الّذي صاحب القصيدة منذ نشأتها في حمّى الأسئلة الجوهريّة وبيانات الحماسة والمواقف والمواقف المضادّة، حتّى غدت القصيدة الأكثر جدلاً في تاريخ الشّعر العربيّ بأكمله. ورأى النّاقد، في مقدّمة الكتاب، أنّ هناك جملةُ من المقاصد دعتْه وحفّزتْه لتخصيص قصيدة النّثر في التجارب العربيّة بكتاب، حصرها في وجود فراغ في التّأليف في موضوع قصيدة النّثر، وبالتّالي عدم وجود متابعة نقديّة تقييميّة للخطاب الّذي عرض لقصيدة النّثر في العقدين الأخيرين من جهة، وفي الضّعف الموجود في ما يكتب حول قصيدة النثر، وما ترتّب عنه من شيوع عدد من المفاهيم والمقولات في الخطاب السائد حول قصيدة النّثر، من جهة أخرى.ولذلك، استبق أفق المغامرة بحدسه النّقدي قائلاً: "قد تكون وجهة نظرنا في هذا الكتاب مزعجة، وقد لا ترضي أحداً. وقد توصف بأنّها فوضوية وهدامة، لأنها في عدد من الحالات، موجهة ضدّ خطاب أنصار قصيدة النثر وضد خطاب مناوئيها معاً. فطالما لم تنجز دراسات كافية تبين لنا ما هي قصيدة النثر في الممارسات الإبداعية العربية، فإن المقترحات التي تزعم فرض البدائل وحل الإشكاليات، لن تكون مقنعة".وأضاف: "إنّ هدفنا بسيط للغاية. هو طرح أسئلة على الأسئلة والأجوبة السائدة انطلاقا من التشكيك في جدواها وفاعليتها، بل في صوابها ومعقوليتها. وإن كانت لنا في سياق ذلك بعض المقترحات، فلتوجيه مسارات البحث في هذا الموضوع، نحو أسئلة أخرى نراها أكثر أهمية. وقد لا يتفق معنا فيها سوى من كان له موقف قريب من موقفنا" [ص. 6]. من هنا، بنى النّاقد، الّذي سبق أن تصدّى لموضوعات الشّعرية وقضاياها المعرفيّة والنصّية منذ ما يزيد عن عقدين في أكثر ن كتاب، دراسته على منطلقات منهجيّة تستند على مبدأ التعدُّد المفاهيمي والنّسقي الّذي يأخذ بمفهوم الأدب وضمنه الشّعر، فيما هو يربط بين قصيدة النّثر والحساسيّات الجديدة في الكتابة والتلقّي، بدون أن يهمل خصوصيّات القصيدة في التّجربة العربية. ويكتشف قارئ الكتاب تعدّد الإشكالات والمواقف الّتي ساقها في معرض حديثه عن قصيدة النّثر العربية، بما في ذلك التعريفات والمفاهيم السائدة في الخطاب النقدي حول قصيدة النثر منذ مجلة "شعر" اللبنانية إلى وقتنا الراهن.

إنّنا بصدد مسارٍ نظريٍّ ونقديٍّ متعدّد ومتراصّبالأسئلة، ولا نزعم أنّ هذا المدخل قد يُحيط بهذاالمسار كله، الحيويّ والجادّ داخل واحدةٍ من أهمّ التجارب الكتابية المعاصرة في الفضاء المغربي والعربي على حدٍّ سواء. 

ثلاث أسئلة بخصوصها*:

1 ـ أنت واحدٌ ممّن كرّسوا عملهم النظريّ والنقديّ لقصيدة النثر في سياقها العربي، وأنتجت بهذا الخصوص خطاباً لافتاً رغم شائكيّة الموضوع. ويأتي كتابك الجديد "قصيدة النثر العربية، أو خطاب الأرض المحروقة" تتمّةً لمشروعٍ متواصل، يتعرّف فيه القارئ على مدى الجهد الذي بذلته في سوْق الإشكالات والمواقف وبرامج التّحليل من أجل خطابٍ عالمٍ للقصيدة، وإن كنّا نلمس فيه وجهة نظرٍ مزعجة وقاسية موجَهة لطرفي الصراع معاً؟

ـ قصيدة النّثر مزعجة أصلاً. مزعجة لأعدائها أوّلاً، ومزعجة لقرّائها ثانياً، بوصفها مخالفة لما راكموه من معرفة بالأنماط الشعرية المرسَّخة، ومزعجة لبعض شعرائها ثالثاً، حين تستميلهم بجاهزيّتها الخادعة وتُوقعهم في شرك السهولة، ومزعجة لتاريخ الذّائقة الشعرية رابعاً، لاعتيادها على نمط الإيقاع العروضي. ولأنّها مزعجة على حدّ فهمي هذا، فكيف تكون الكتابة عنها غير مزعجة؟. أعتقد أنّ الشّعر يجب أن يكون مزعجاً، وإلّا توقَّف عن إحداث المغايرة في تاريخه وفي الذّائقات الجمالية. والإزعاج، بهذا المعنى، ليس إحداث الضجيج، وإصدار الأصوات المنفّرة. ولكن خلخلة الاطمئنان الواثق، وزرْع القلق الباحث، بما يبعث على التساؤل المنتج، والتلقّي الباني، والتذوُّق الجمالي المغتني بإضافة البدائل.

ألا يمكن القول إنّك مثل آخرين تُساهم في حرق أرض هذه القصيدة؟

أنا لا أحرق هذه القصيدة ولو بالمعنى الإيجابي. أنا من عائلة فلّاحين، وكان والدي، قبل فصل الحرث، يعمد لحرق الحصيدة، لأنّ حرق الأرض يقتل بذور الأعشاب الطفيليّة، كما أنّ رماد التبن يمثّل نوعاً من السماد. النار هنا تطهر وتغني.لكنّي لا آخذ بهذا التصوُّر في الأدب، لقد قصدت الخطاب النقدي الرائج حول قصيدة النثر، فهو خطابٌ حارقٌ، يكاد الكلُّ فيه يحمل مشاعل ملتهبة كما لو كنّا في طقس ديني أو أسطوري. يستوي في ذلك خصوم هذه القصيدة مع شريحة واسعة من أنصارها. أمّا قصيدة النثر في ذاتها، فكأنّها تجد في الخطاب الحارق برْداً وسلاماً، لأنّها تمضي وتشقّ طرقها المتشعّبة.

3 ـ ولكن ألا تنتبه مثلي لغياب دراسات في النّقد والتأويل تُقارب المنجز النصّي والإبداعي لقصيدة النّثر بمختلف شعريّاتها الملتبسة، مثل تلك الّتي قدّمتها خالدة سعيد وعبدالكريم حسن وسواهما، إذ ما يُلاحظ في الغالب سوى متابعات صحفيّة أو قراءات متسرّعة ومبتسرة لدواوين تنتسب لهذه القصيدة، وهو ما يؤزّم سياق تلقّي القصيدة، ويقوّي فرضيّات تشكّ بشعريّتها ؟

ـ قلّة أو غياب دراساتٍ كالّتي أشرت إليها قد يكون راجعاً إلى كون النقد لم يستطع بعد اللِّحاق بشعريّة قصيدة النّثْر التي يبدو أنّها خلّفتْه وراءها، أو ربّما لشكِّه في نفسه وفي منظوراته وأدواته بعد كلّ هذه السجالات والمواقف المتباينة من قصيدة النثر. هذا على الرغم من أنّ تجارب بعض شعراء هذه القصيدة حقّقت تراكُماً لا يمكن لطريق النقد أن تُخطئ اتّجاهها نحوه إن شاءت. ومع ذلك فإنّ ما يُسمّى بالنّقد الصُّحُفي له أهمية لا تُنْكر، من حيث كونه يُواكب الإصدارات، ويُغني الحوار حول بعض القضايا التي تستأثر بالنّقاش في فترة من الفترات، كما أنّه يُلقي الأضواء على بعض الأعمال الشعرية، خاصّةً أنّ عدداً من مُمارسيه شعراء وجرَّبوا معنى أن تدخل لمضايق قصيدة النّثْر.

ـ في ظلّ اختلاط المفاهيم وعدم اتّضاح الرؤية، إلى أيّ حدٍّ ـ في نظرك ـ تُفيدنا نظريّة الأنواع الأدبية، أو بالأحرى أنواعيّة الشعر في تمييز الشّعري والنّثري والتّفكير في العلاقة الملتبسة بينهما؟

ـ العلاقة بين الشعري والنثري علاقة شائكة حتّى وإنْ بدت في الظاهر كأنّها تجعل من تمايزهما عن بعضهما البعض مُسلَّمة من المسلّمات، وهذا منذ القدم، فكيف بالأدب المعاصر والحديث حيث برزت دعوات هدْم الحدود بينهما بصورةٍ أكثر حدّة. وكلّما تَساءلْنا مثلاً: هل هذا شِعْرٌ أم نَثْرٌ؟ هل هذه قصّة قصيرة أم قصيدة؟ هل هذه رواية شعريّة أم شعر سرديّ؟ ظهرت الحاجة لدراسةٍ أنْواعيّةٍ لأشكال التعبير الأدبي، إلّا أنَّ غاية هذا النوع من البحث الأنْواعيّ ليست بالضرورة العمل على فصل الشّعر عن النّثْر، ولكن وصف ورصد تمثُّلات الإبداع العربي المعاصر لطرائق الاستخدام الشعري والنثري للُّغة وبِناء النصّ وتشكيل الدّلالات وتحقيق المقاصد، في صلةٍ بأنماط التلقّي الكامن منها والظاهر، السائد منها والهامشي. وأظنُّ أنّ قصيدة النثر أحوج للمُقاربة الأنْواعيّة نظراً لتداوُلها الغامض. لقد قارنْتُ في كتابي"قصيدة النثر العربية، أو خطاب الأرض المحروقة" بين قصيدة النثر وطابع البريد، حيث بدا لي وجود من يتعامل مع مقولة النّوْع كما لو كان يضع طابعاً بريديّاً على غلاف الرسالة، دون أن ينتبه إلى أنّه رُبّما يلصق الهواء على الغلاف، أو يلصق الغلاف على الهواء، أو يلصق الطابع على الهواء، ولعلّه يلصق الهواء على الهواء.

 

·       قُدّمت هذه الورقة بمناسبة الاحتفاء بالكاتب والناقد المغربي رشيد يحياوي، الذي أقامه محترف أونامير بمدينة أكادير يومه الجمعة 06 ماي 2011م

 

yah.jpg

 

18:35 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.