Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

11/06/2011

في سياسة الشعر

"في سياسة الشعر: “حقّ الأخ الأكبر

 

160688.jpg

المنصف الوهايبي

تقوم نظريات الأدب عامة على مصادرات وتصّورات شاملة كلّية تحيل على الأنواع، وتعتاض عن الخاصّ بالعامّ، في حين أنّ فنّا مثل الشّعر لا يعرف إلاّ أفراد القصائد أي ما كان ولن يتكرّر حدوثه، والنصّ الشعري من هذا الجانب “معجز” شأنه شأن النصّ الديني. وليس بميسورنا في الشّعر أن نسيطر على الخاصّ أو نحدّد بعض مداه ونحيط ببعض أطرافه، بوساطة العامّ. فلابدّ من مواجهة الخاصّ مباشرة مادامت القصيدة خطابا مخصوصا. أمّا الخطاب الشّعريّ فيمكن أن نباشره على ضوء أربعة عناصر لعلّها ثوابته الأظهر.” أوّلها أنّ هذا الخطاب نظام لغويّ تتظافر كلّ مكّوناته جرسا وصوتا ونظما وصورة في إنتاج دلالته.على أنّ هذا البعد ” اللّغويّ ” في القصيدة له الصّدر دون سائر المكّونات، فمن حيث الحدّ يعرّف الشّعر في الأغلب الأعمّ بآستخدامه الخاصّ للّغة، بمعنى”الفرق ” عن اللّغة ” المتداولة” أو “المحكية” (وهو حدّ غير دقيق، إذ كثيرا ما يستخدم الشعراء لغة المعيش واليومي، ويفلحون في تحويلها إلى شعر) مثلما يعرّف بآحتفائه بتماثلات الصّوت والإيقاع والصّورة. وهي مظهر من مظاهر كثافة “اللّغة الشّعريّة” وسمكها. وثانيها أنّ هذا الخطاب ” مغامرة لغويّة ” تترامى بالقصيدة إلى بعيد الحدود وقصيّ الغايات ولا نزال ـ على توالي الدّراسات ووفرة الشّروح على دواوين كبارالشّعراء، وقد أزاح كثير أو قليل منها بعض ما بيننا وبين قصائدهم من كثيف الحجب حجبِ الزّمان والمكان ـ نلمح فيها خروجا على القواعد التي كانت مرعية متعارفة في إنشاء القصيدة و” استهانة ” بأوضاع اللّغة وأنساقها. وكأنّ القصيدة تنشد أبدا خبيئا في اللّغة وتتدسّس إلى دفين، وتضع أيّ حد للشّعر موضع تساؤل وتدفع إلى استنتاج قد يراه البعض تمحّلا، وهو في تقديرنا من الرّجاحة بمكان، ومفاده أنّه لا وجود “للغة شعريّة ” خاصّة فحسب، بل لا وجود أيضا ” للشّعر” بمعنى مطلق الشّعر.وإنّماهناك قصائد فحسب أي إجراء خاصّ ” للشّعر ” يرجع في كلّ مرّة إلى وضع تاريخيّ مخصوص، أو لنقل إنّ لكلّ قصيدة تمتلك من القدرة ما يجعلها ” مغامرة لغويّة “، خصوصيّتها وطريقتها في إدارة الكلام. وأمّا القول بلغة شعريّة خاصّة فمردّه إلى إجراء نقديّ رسّخته مختلف نظريّات الشّعر، وأفضى إلى إلحاق اللّغة بنوع من ميتافيزيقا الجميل توزّعت على أساسه الكلمات إلى شعريّة وغير شعريّة. وثالثها أنّ الخطاب كالإيقاع علاقة مخصوصة بالذّات، وإذا كانت القصيدة خطابا تؤدّيه “ذات” ما من خلال اللّغة المشتركة، وجاز القول إنّها عند أبي تمّام “مغامرة لغويّة”، فلا مناص من اعتبارها مغامرة الذّات المنشئة أيضا، إذ يصعب دون ذلك، أن نفسّر كيف تكتسب القصيدة تفرّدها، وتبني إيقاعها الخاصّ. غير أنّ آصرة القربى بين “الذّات” وخطابها، تقتضي التّمييز بين “الذّات” و”شخصيّة الشّاعر”، دون أن يستتبع ذلك الفصل بينهما كلّ الفصل. والقراءة الرصينة مسوقة في جوانب منها، إلى الإستئناس بسيرة الشّاعر وآستقراء أخباره والوقوف على مختلف التأثّرات التي ألّمت به والإلمام بأحوال عصره، فقد يكون ذلك من مستلزمات فهم مذهبه وتقدير محدثه، إذ لا مفرّ من وجود علاقة زمنيّة مكانيّة قد تكون محدودة بين الشّاعر وقصيدته؛ على إقرارنا بأنّها ليست مثبتة قطعا ولا هي ” قصديّة ” قطعا. وليس ثمّة كبير خلاف بين المعاصرين في أنّ الفنّ لا يناط به تصوير تفاصيل حياة منشئه ودقائق معيشه.والعمل الفنيّ ليس عنوانا صادقا على أسلوب حياة صاحبه ودخائل نفسه. ولا أحد بميسوره أن يستنبط منه -مهما آحتشد له- ما كان يدور بخلد المنشئ، ويضطرب في نفسه، أو أن يعرف حقّا كيف طفر الشّاعر من الشخصيّة ولا كيف نجم الإيقاع من الشّاعرأو من الجسد. وهذاالإيقاع/الخطاب مهما يكن تفرّده، ليس ثمرة عقل خاصّ أو نفس خاصّة حسب، وإنّما هو ثمرة نصوص وخطابات أخرى أيضا تتحدّر إليه من أكثر من صوب، وتتردّد في جوانبه مجهورة حينا، مهموسة حينا، ممّا يراكم خطابا على خطاب، وإيقاعا على إيقاع. ورابعها أنّ هذا الخطاب “سياسيّ” بالمعنى الواسع للكلمة، فمن من حيث تاريخه أي الشّعر فإنّ إنشاء القصيدة شأنه شأن نقدها، يقوم على وضع عناصرها في سياق نظام ما (بناء الأبيات والمقاطع والقوافي…). وليس ثمّة من خطاب شعريّ يمكن أن تكون له دلالةأو يمكن أن ينتج دلالة، إذا نحن لم نتبيّن النّظام الذي يحويه أو الذي يناسبه، فهو ” نظام من الكلمات “. وهذا النطام هو الذي يجعل الخطاب معقولا، ومن ثمّ يتيح لنا أن نستكشف مؤتلفاته ومختلفاته، وما تعقده بين بعضها من علائق شدّ وجذب. ولكن شريطة ألاّ يستتبع ذلك إقرار بأنّه نظام كامل أو هو مغلق على نفسه إغلاقا تامّا، فمثل هذا الإقرار ” مغالطة شكليّة ” وإجحاف بحقّ الخطاب الشّعريّ، وهو أبعد من أن ينقطع عن نظام سياسيّ أعمّ يحويه أو يكمن خلفه ـ

ومن هذا الجانب يمكن أن يعيننا “السياسيّ” على فهم النصّ والنفاذ إلى قليل أو كثير من أسراره. والقارئ يتجافى عن الشّخصيّة، ولا يرتضي أيّ جهد في توصيف بيئتها، وإنّما يمرّ بها لماما؛ لا يبخس الشّاعر الفرد حقّه أو ينكرعلى البيئة نصيبها ف حسب، بل يحجب على طابع النّصّ”الاستثنائي ” ويجحف بحقّ معناه أودلالته أو قيمته ومزيّته. وليس من اليسير استيفاء القول في هذا الطابع دون استيعاب إيقاعه؛ أي دون اعتباره منتوج ذات مفردة ولكنّها تاريخيّة تجعل من هذا النّصّ فعلا لغويّا فريدا خاصّا. وعليه يكون من السّائغ القول إنّ مفهوم “القيمة ” هو الذي يتيح دراسة كلّ الخطابات بما فيها تلك التي نعدّها خلوا من المعنى ـ

في هذا السياق، أحبّ أن أقف على ناحية في تاريخ الشعر الفرنسي، حيث تلتقي السياسة “السياسيّة” بسياسة الشعر. وهما ـ على ما أرجّح ـ توأمان. ولكن نادرا ما يلتقيان، إلاّ إذا ارتضى الشاعر لنفسه مصانعة الحكّام ومداهنة الأحزاب. وشتّان بين عناية الشاعر أو الكاتب بالسياسة في الأمم الحرّة، وعنايته بها في عالم مثل عالمنا العربي الذي لا ندري أيّان سترسي به هذه ” الثورات” أو ” الانتفاضات” التي تتحوّل يوما بعد يوم، إلى ما يشبه مسلسلا تلفيزيونيّاً. الحقَّ هناك ما يشبه التقليد في الديبلوماسيّة الفرنسيّة، فقد تعاقب على دفّة الحكم، أكثر من مسؤول يكتب الأدب أو الشعر؛ فإن لم يكن من كتّابه فهو من قرّائه. والقائمة طويلة. ولكنّي أذكر على سبيل المثال اسمين أحدهما علـَم في الشعر هو سان جون بيرس، والآخر رئيس الدولة الأسبق جورج بومبيدو، فقد نشر”أنطولوجيا الشعر الفرنسي الحديث”. وهي مختارات تنمّ على ذوق فنّي رفيع وفطنة متمرّس بهذا الفنّ. لا أعرف شخصيّا أسباب هذا التقليد ودواعيه. على أنّها ـ في ما أرجّح ـ ذاتيّة بقدر ما هي موضوعيّة. فالفرنسي ـ على ما يبدو ـ لا يثق بالسياسي الذي لا يقرأ الأدب، ولا يعرف المسرح أو السينما أو الرسم أو النحت. فهذه كلّها نوافذ مشرعة على الناس. والانسان هنالك، في الضفة الأخرى، لم يتحوّل بعد إلى صورة كما هو الشأن في عالمنا نحن حيث صورة الفرد أشبه بصورة شخص مُطارد نموذجيّة ملامحه مزيج من نماذج الهيئات المرسومة على ضوء الصفات التي أدلى بها شهود همْ بدورهم صور نموذجيّة. فنحن وشهودنا”عبادلة”(ج.عبد الله) سواسية كأعواد الثقاب المتساندة في علبة؛سمّها ما شئت إلاّ أن تكون وطنا.. حتى بعد هذا الذي يحدث، حيث ينسى رجال السياسة في بلد مثل تونس، أنّ “الثقافي” هو السياسيّ الذي يمكن أن يبني تونس الديمقراطيّة حقا ـ

أقف في هذا المقال ـ ولو في خطف كالنبض ـ على شخصيّة الشاعر الفرنسي دومينيك دو فيلبان الذي لا يعرف الكثيرون إلاّ الوجه الديبلوماسي منه. وهو الذي شدّ الأنظار في المحافل الدوليّة، وتحديدا في جلسات مجلس الأمن قبيل اندلاع الحرب على العراق. كان يدافع، لا شكّ، عن سياسة بلاده “المعارضة” لحرب لم تكن نذرها لتخفى في ملامح المسؤولين الأمريكيين المنقبضة حينا، المكشرة الجامدة حينا؛وكأنها صورة من أقنعة التراجيديا الإغريقيّة المدروسة بعناية فائقة. لعلّنا نتذكّر جميعا أنّه ما يكاد السيد كولن باول ينقبض، حتى تكشّر السيدة كوندليزا رايس… ويبدو أنّ التكشير كالتثاؤب عدوى، أو لعلّه قناع لا بدّ منه كلّما هرّ السياسيّ للحراش أو أخذ يتنمّر ويتوعّد، برغم أنّ التكشير ـ في العربيّة ـ على الأقلّ ـ لا يعني في كلّ الأحزال تقطيب الوجه مداجاة أو استياءً أو تقزّزا؛فقد يكون عند الضحك أيضا. من ذلك قولهم: كاشره أي ضاحكه. والحق أنّ رجال السياسة عندنا ـ في تونس ـ إلاّ قلّة منهم يكاشرون في الأعمّ الأغلب.. ولك أن تحمل مكاشرتهم على أيّ وجه شئت. ولكن لأعدْ إلى ما أنا فيه من صورة دومينيك دو فيلبان ـ حتى لا يحجزني التكشير عنها ـ فهو اسم آخر في قائمة تضمّ ساسة كتّابا يمسكون بخيط السياسة مثلما يمسكون بخيط الأدب. والرجل ـ لمن لا يعرف ـ ولد بالمغرب. ولم يكن بالمستغرب أن يبادر بيت الشعر المغربي إلى الاحتفاء به في الدار البيضاء عام 2000 وأن ينشر له محمد بنيس مختارات من شعره في أصلها الفرنسي وترجمتها العربيّة. ويكاد العنوان نفسه ينمّ عنها”استعجال الشعر”. ولكنّها تدلّ على أنّ هذا الديبلوماسي الشاعر هو ابن “الهنا” و”الهناك” أعني ابن الضفتين. يقول هو عن نفسه:”ولدت في هذا البلد الذي أسترجع فيه روائح العطر والألوان، وأعثر فيه على أصوات شعريّة مألوفة لديّ، أصوات أخويّة؛بالرغم من أنّني نشأت بعيدا عنها، في ضواحي منابع أخرى، وعلى ضفاف أخرى.” ولعلّ قصيدته”حقّ الأخ الأكبر” أو “حقّ البكوريّة” أي خواصّ البكر وحقوقهLe droit d’aînesse من أهمّ القصائد التي ترصد هذه العلاقة المتوتّرة بين الضفتين، في شجن معقود على نفسه حتى الضنى، ولغة لا تتحالف إلاّ مع نفسها، ولكنّها تأخذ من الأشياء، وتتورّط فيها ولا تميّز بين “الأنا” و”الهو”. بل لا نكاد نقف على أيّ أثر لهذه “الأنا” في هذه القصيدة وفي غيرها. لغة قد نسمها ب”سِفاح القربى” ـ بالمعنى الشعري النبيل للكلمة ـ ولكنّها ليست مغلقة كما هو الشأن عند كتاب وشعراء آخرين حيث تكاد الكتابة تكون لعبا بلغة لا وجود لها، أو هي “كيتش” أو مجرّد مِران فانتازي يطوّع الخيال للغة أو اللغة للخيال. ذلك أنّ دومينيك دو فيلبان(1) يدرك أنّ الشاعرَ ..الشاعرَ يتكلّم من باطن تراثه، حتى وهو يَحرف مجراه، ويلحم بالكلمات جرحا لا يندمل، واعيا أنّ الشعر”تعويض” عمّا لا يمكن تعويضه. تقول فاتحة هذه القصيدة: ـ

ليكنْ مباركا نشيد شجرة الزيتون

حجرًا، حصاةً، غبارا وكلّ كتابة بذرتها يد الحلم

كي تقود عربة الزمن القديمة

عندما يصعب احتساب الجهد والرحمة

...في جوف الساعات والعدّادات

وأظن أن في هذا الشعر ما يمنحنا نعمة الكشف والانبعاث، بعبارة الشاعر نفسه. هو لا يتنبّأ وإنّما يرصد تلك التحوّلات الغامضة في الحاضر حيث يتشكّل المستقبل، ويتمهّد الطريق إلى حقيقةٍ وراء المرايا. وما وراءها إنّا هو سرّ الأصول المحتفظة بغموضها الذي لا ينضب، أو كما يقول الشاعر بعبارته الجميلة”انكشاف الشعر ينير لي سرّ الأصول، كما هو شأن صورة الطفولة حين أنظر إلى الوراء فأرى ثانية ما يشبه لوحة لماتيس.” وما يراه: سقيفة حالكة وباب ثقيل منفتح يتسرّب عبره مسرب من نور ذهبيّ..يتخيّل فيه حدائق بعيدة وينابيع عطرة..”بعد ذلك ينغلق الباب بكلّ شدّة وعنف على الليل.. في هذه اللحظة بالذات، لا يبقى لديّ سوى عيون الشعر كي أرى، وكلمات قصد العثور ثانية على طريق الافتتان العتيق.” ـ


:
هامش

دومينيك دو فيلبان: استعجال الشعر يليه قصائد مختارة ـ بيت الشعر في المغرب 2003

Dominique de Villepin, Urgences de la poésie suivi de choix de poèmes

13:17 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.