Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

27/06/2011

شعر

 

أربع قصائـد
علي جعـفـر العـــلاق
 
75.jpg
 
 
قــل لهــذا الخــريف
 

قـل لهـذا الخـريفْ
:قـل لهذا المساء الشفيـف
أنتما جئتما
،من زمانـين مختلفـينٍ
فأيّ مكانٍ يضمكما الآنَ
:إلايَ
نفس تحفّ بها امرأةٌ
من حنينٍ ونـارْ
جسدٌ ينحني ساطعاً
تحت وطـأة هـذي
الثمـارْ ..؟

 
مشــهد
مـن رسالـة الغـفـران
 


كان شيخ المعـرّةِ يهبـطُ
من سـلّم الطائـرةْ
:فـرأى الآخـرةْ
،دجلةٌ يلعـق الـذئبُ أثـداءها
ليس من ضفـتينِ تلمّــانِ ِ
،مـا يتطـاير من شرر الـروح
،لا قطـرةٌ مـن أسىً تتـلألأ
لا دمعـةٌ في ثنايـا
..الحـجـرْ
حـدّقَ الشيخُ في صـاحبيـهِ
:الـذبـيـحـــين
،يـا أطيـب المــاءِ
يـا أيـهــذا الشريفُ الشـجـرْ
كـيف طـاوعَ قـابيلَ خـنـجـرُهُ؟
كـيف أوغـلَ في الـذبـح ِ
حـدّ الضـجـرْ؟


طـــاغـيـة


ما بكى يـوماً
،على قبـر غـزالٍ
ما انـحنى يوماً
على حـلْـمِ
..أحـــدْ
يكـرهُ الغيـمَ
،ولا يأبـهُ بالنايِ إذا أجهشَ
،أو غـنـى
ولا يشـربُ إلّا
..من دم الماضي
،مقيــمٌ كظـلامٍ
..عـابـرٌ مثـل زبــدْ
بعـضـهُ
يكـفـي لتهـديـم بـلــدْ

 

 

 

 

حينما يذهـب اللّيْل للنوم

 

..هـو والفجـرُ كانا معاً يسهرانْ

واحـدٌ، قـادماً كان من جهةِ القـَـشّ، تفـاحة الضوءِ في يـدهِ.
واحـدٌ، صاعـداً كان من لـغـةٍ
تتبخـترُ مزهـوّةً
كالحصانْ..

يمضيان معاً
ثـمَّ في آخر الدرب يذهبُ
كلٌّ إلى غـايةٍ:
واحـدٌ
يحمـل الشمسَ
حتى إذا نضجت بين كفيهِ
ألقى بهـا: أيّ نارٍ مقـدسةٍ
يتلقـفها البحرُ مخضوبةً
بالتراتيلِ
أو بالدخـانْ..؟

كان ثانيهما صاحبي،
كنت أدعـوه طفل الشباكِ
الحزينةِ:
يلقي بها جهةَ الـريحِ
حيناً، ويلقي بها جهةَ
البحرِ حينـينِ ..


حتى إذا أطـفأ المـاءُ
زرقـتهُ، وغـدا مثلَ ذئبٍ
يخالطه الليـلُ،
لــمّ الشـباكَ وعـاد إلى
حُلـْمهِ:
أتـرى
جـاء للبحر مـن بعـدِ
أن جُـنتِ الـريحُ،
أم جـاء قـبل الأوانْ ..؟

هـو والليلُ
كانا معـاً يسهرانْ
ويطيلان عمرهـما
بالسهرْ ..

ثـمّ يذهـب كـلّ الى وجْهـةٍ:
يذهـب الليل للنوْمِ،
والريحُ تمضي بقـية ليلتها
في أعالي الشجـرْ..

ويسير صديقي إلى حلـمٍ
لا يـفارقهُ:
أن تمرّ الغـزالةُ
مرمى ذراعـينِ من حـزنهِ،
أن تـعـود البلادُ كما انبثقت،
أول الخلقِ:
صافيةً
كخيول المطرْ،
لا يفرّ أبٌ من بنيهِ،
ولا يدرك الـشيبُ حتى
حفيف الشّجـرْ

ـــــ

:علي جعفر العلاق

شاعر وناقد عراقي

allaqe.jpg

 

21:36 |  Facebook | |

24/06/2011

أيتام سومر

شعراء العراق الستينيّون في دراسة نقديّة مغربية

(بوحمالة يبحث في مشروعٍ شعريٍّ طليعيّ، ويصف روّاده بـ(أيتام سومر

عبداللّطيف الوراري

 

 

الوراري وبوحمالة، على هامش أمسيات فاس الشعرية"/ مايو2009م

 صدر للناقد والمترجم المغربي بنعيسى بوحمالة دراسته اللمّاحة "أيتام سومر: في شعريّة حسب الشيخ جعفر" في جزئين منفصلين (الأول في 224 ص.، والثاني في 431 ص.)، التي تناول فيها، بالتوالي، جيل الستينيات في الشعر العراقي المعاصر، وتجربة الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر بوصفه أبرز الأصوات الشعرية داخل هذا الجيل المائز في تجربة الشعر العربي الحديث برمّتها.
يرى الناقد أنّه من الضروري، قبل قراءة شعر حسب الشيخ جعفر، أن تُقارب التجربة الشعرية الكلّية لجيل الستينيّات العراقي من حيث مرتكزاتها التصوُّرية والإبداعية من جهةٍ أولى، ومن حيث مؤشِّرات تطويرها أو تكريسها للمنجز الشعري الذي أرساه الروّاد العراقيون من أمثال السياب ونازك الملائكة والبياتي. وقد اعتمد الناقد، للنظر في ذلك واختباره، على مفهومين إجرائيّيْن أساسيين هما: مفهوم "الجيل"، ومفهوم "القطيعة"، على نحو يشخِّص الوضعية الفعلية والاعتبارية المحدِّدة لمجموعةٍ من الشعراء العراقيين المعاصرين الذين برزوا خلال عقد الستينيّات، وبالتّالي يُقيِّم طبيعة منجزهم الشعري والرُّؤياوي من جهة انقطاعه عن منجز شعريّة الريادة التي تأثَّر بها المجال الشعري العربي بأكمله. هكذا يتناول الناقد "سيرة جيل متألّق"، معتبراً أنّ "قتل الأب الرمزي" شكّلت، بالنسبة إليه، "طاقة تفعيل لمبدأ الاستخلاف الشعري". ينقسم الجيل إلى مجموعتين: مجموعة "الداخل"، لأنّ شعراءها مكثوا في العراق، وفيهم سامي مهدي، وحميد سعيد، وحسب الشيخ جعفر، وعبدالرحمان طهمازي، وعبد الأمير معلة، وياسين طه حافظ، وآمال الزهاوي، وجان دمّو، وحميد المطبعي؛ وأما المجموعة الثانية فأطلق عليها مجموعة "الشتات"، باعتبار أنّ شعراءها اختاروا مغادرة وطنهم العراق للإقامة في المهاجر الأوربية والأمريكية، وتضمّ كلّاً من فاضل العزاوي، وسركون بولص، وعبدالقادر الجنابي، وفوزي كريم، وجليل حيدر، وصلاح فائق، وصادق الصانع، ومؤيد الراوي، وأنور الغساني. وبرغم ذلك، فإنّ ما كان يجمع هؤلاء الشعراء أقوى مما يفرِّق بينهم، بحكم مواطنتهم العراقية وأقدارها العاصفة. فهم، من جهة أولى، ينتسبون إيديولوجيّاً إلى صفّ اليسار في شتّى شُعبه [البعثية، الشيوعية، الماوية، الغوارية الغيفارية]، مُوالين لقيمه وتحليلاته التي لم تكن لتسقطهم في وهم تغليب الإيديولوجي على الشعري، وبالتالي الانجرار إلى طمس الطاقة الشعرية للكتابة، بدعوى مراعاة الوضوح الإيديولوجي. ومن جهة أخرى، كانوا مهمومين بأسئلة أخرى مخالفة لأسئلة الروّاد، في ما يخصّ الإبداع، أو الوجود داخل وعي متقدّم بالمعرفة الشعرية، لا يعدم همّه التجريبي الّذي يتمثَّل في تشييد لغةٍ شعريّةٍ بِكْر، ونحت إيقاعاتٍ جديدة خارج المحظورات العروضية، والاعتناء بقصيدة النثر، والاحتفاء بالموضوع الشعري الجديد، والنزوع نحو بناء قصيدةٍ مركّبة متعدِّدة الأصوات واللّغات، عدا تمثُّل المرجع الشعري الغربي. وبما أنّ زمنهم كان مبعثاُ للخيبة واليأس، لم تكن أرواحهم المتطلّبة لينطلي عليها التفاؤل الرؤياوي الساذج، فكان طبيعيّاً أن تنزاح نصوصهم وتجاربهم الشعرية عن مدار الرُّؤيا التموزية، لتعانق رؤيات مضادّة بروميثيوسية، ونرسيسية، وأورفية.
هكذا دفع رعيل الشعراء الستينيّين بمشروعٍ شعريٍّ على درجة من الأهمية، وهو ما يشهد عليه منجز شعري يمثل قيمة مضافة للشعرية العربية المعاصرة، وفي هذا المنحى تبقى مجريات الشأن الشعري العراقي في أثناء الستينات جديرة بالتأمل، إذ يبدو الاقتدار الشعري المذهل الذي أعرب عنه شعراء هذا الرعيل، لكأنما هو تعبيرٍ لا واعٍ عن أحقيّة بغداد في مواصلة تحديث شعرية الريادة، حتّى وهم يحطّمون "أسطورة الأب الرمزي"، بمعاول المحبّة والعزاء.
ينطلق الناقد من فكرة لا نزاع حولها مفادها أن الشاعر حسب الشيخ جعفر هو أحد رواد الحداثة الشعرية منذ الستينيّات، ويحاول البرهنة على ذلك من خلال قراءة متنه الشعري على ضوء إشكالية الاستمرارية والقطيعة في الشعر العراقي الحديث. ولعل الأهمية الكبرى للكتاب تكمن في توسيع الناقد لحيّز التحليل فجاءت الإشكالية تلك قراءة في نموذج شعري يعبر عن تجربة حداثية واسعة شارك فيها جيل عراقي بكامله. إنّ حسب الشيخ جعفر، في نظر الناقد، يمثّل واحداً من ألمع شعراء الجيل و أكثرهم عمقا و حيويّة، وقد أمدّ الشعرية العربية المعاصرة، منذ وقت مبكّر، بجماليات فارقة في البناء الشعري، كالتدوير الإيقاعي، و تقنية الحكي الشعري، والإيهام الحلمي، أسطرة الوقائع والتوضّعات، والصدور عن رؤيا أورفية للعالم (نسبة إلى أورفيوس في الأسطورة الإغريقية)، بوصفها رؤيا قائمة على اعتناق 'اليأس والاستحالة والموت'، بديلاً عن الرؤيا التموزية (نسبة إلى تموز في الأسطورة السومرية) لجيل الرواد الذي آمن بالإمكان والانبعاث. ترتبط الرؤيا لدى الشاعر باليأس والقنوط والاستحالة، وبالموت أيضاً. ولا يعني ذلك أنّه يستبدل بالأسطورة السومرية أسطورة إغريقية، بل إنّ هذه الاستراتيجية الرؤيوية تهدف إلى تجاوز الرؤية السومرية وإشباعها كشفاً وتوكيدًا لمأساة الإنسان واغترابه ومحنته. ترافق ذلك الكشف الشعري من نمط الجملة الغنائية ـ البسيطة والعبور بتجربته الخاصة إلى ما يصطلح عليه الناقد بالجملة الشعرية الدرامية ـ المركبة.
لقد لاحت شعرية حسب الشيخ جعفر بأنّها مسكونة بهاجس القطيعة الشعرية وانفصالها عن الثوابت الأدائية لشعرية الريادة وآفاقها الرؤيوية. ذلك ما تبرزه أعماله الشعرية بدءاً من "نخلة الله 1969"، ومرورًا بـ"الطائر الخشبيّ 1972"، و"زيارة السيدة السومرية 1974"، و"عبر الحائط.. في المرآة"، ومرورًا بـ"في مثل حنو الزوبعة 1988"، و"جيء بالنبيين والشهداء 1988"، و"أعمدة سمرقند 1989"، و"كران البور 1993" وانتهاء بأعماله النثرية، وترجماته الشعرية. وسوف يقارب بوحمالة أعمال حسب الشيخ جعفر الشعرية الخمسة الأولى باعتبار أنّها تتعالق شعريّاً ورؤيويّاً ممّا يتيح لها الكشف عن خصوصية تجربة هذا الشاعر وموقعه داخل هويّة/ هويّات جيل بأكمله.
ينصب التحليل على المتن الشعري لحسب الشيخ جعفر واستنطاق بنائه الشكلي، من خلال البحث في الوحدات اللغوية والتركيبية والإيقاعية والمكانية والرمزية. فالدراسة لا تكتفي بوصف مكونات هذه الوحدات 'الشكلية' وطرق اشتغالها في المتن، بل ترقى بها إلى التأويل الدلالي لاستخلاص رؤية الشاعر إلى الكون والإنسان، وهي تبحث في العلاقات التناصية للمتن الشعري والبناء الدلالي، ثُمّ في العلاقة التركيبية بين الشعري والأسطوري والرؤياوي في متن الشاعر.
يستمدّ البحث عتاده المنهجيّ من دراسات المنهج السيميائي ــ الدلائلي كما تبلور في مجال الشعر مع الناقد الأمريكي ـ الفرنسي ميكائيل ريفاتير المتمحورة حول مفهوم الدّالية الذي يعنى بتوصيف و نمذجة السيرورة التكوينيّة المتنامية التي تمرّ بها القصائد المفردة أو المتون الشعرية العريضة، كما ينفتح على حقول منهجية أخرى مثل الأسلوبية ولسانيات التلفظ التي تأخذ بالاعتبار إنتاج الخطاب الشعري وغير الشعري في ارتباطه بالمتكلم والمتلقي وجميع السياقات الزمانية والمكانية والتناصية لإنتاج الكلام الشعري.
لقد قدّم لنا الناقد المغربي دراسة أكاديميّة رصينة تتخلّلها لغته المستقطرة ورؤيته النقدية النافدة، عن شاعر مهمّ مثل حسب الشيخ، وألقت ضوءاً ساطعاً على تجربته النوعيّة في حديث الشعرية العراقية خاصّة، والعربية عامّة. وأعتقد أنّ مثل الدراسات النقدية البعيدة عن الشحن الإيديولوجي والعاطفي أن تُعيد الحيوية إلى نقد الشعر العربي، بقدر ما تكشف للأجيال الشعرية الجديدة مثل تلك المشاريع الشعرية الخلّاقة التي نذر لها أصحابها من "أيتام سومر" أرواحهم المستهامة وأياديهم المرتجفة في محراب الشعر وأتونه. وهناك تجارب من جيل الستينيّات تستحقّ هي بدورها أن تُكشف ويُلقى عليها ضوء المعرفة النقدية، بما في ذلك تجارب آمال الزهاوي وعلي جعفر العلّاق ومؤيد الراوي، المخفورة بأنفاس اليتم.
وكم أصاب الناقد حين نعت هذا الجيل ب"أيتام سومر"، قائلاً إنّها" النّعت الأوفى تشخيصاً لهوية جيل الستينات في الشعر العراقي المعاصر. ولعلّه يتم مركّب في حالة شعرائه: يتمهم في سومر مسقط رأسهم الحضاري العريق. سومر تلك الالتماعة الحضارية الراقية في سديم العالم القديم، و يتمهم في بدر شاكر السياب أبيهم الشعري الرمزي و رأس الحربة في شعرية الرّيادة" ـ
**

18:59 |  Facebook | |

17/06/2011

عن الإيقاع في الشعر

دالّ الإيقاع

في قصيدة النثر المغربية

عبد اللطيف الوراري

ـ تقديم:
أ.في فهم الإيقاع

(هيلدا حياري- الاردن)قصيدة النّثر هي، بامتياز، قصيدة الدّالّ وشعريّته، الّذي يتحرّك في شبكةٍ من الخصائص النّوعيّة شديدة التّنوُّع.مثلما يرتبط، بلّورياً، بالذّات والمعْنى، يتحدّد الدّال، أيضاً وبالنتيجة، بالإيقاع بوصفه عُنْصراً ينظّم معنى الذّات داخل خِطابها.بهذا المعْنى، المتبلور في عمَل الشّعريّة اليوم، يكون الإيقاع أكبر من العروض، ومشتملاً عليه كدالّ من دوالّه الّتي لا تتوّقف عنْده في سيرورة الْخِطاب.وبوصفها مسعىً كتابيّاً، تسعى قصيدة النّثر إلى إعادة بناء هذا الدّالّ بالخروج على العروض، والإنقطاع عن قياساته الثّابتة.وفي غياب مقوّمات الإيقاع العروضي ذات التّكوين المنتظم النابع من التّركيب الوزني للّغة العربيّة، لا مندوحة لنا من تغيير مكان القراءة . يقول هنري ميشونيك"أُعرّف الإيقاع داخل اللُّغة كتنْظيم للسّمات التي من خلالها تنتج الدّوالّ، اللّسانية وعبر اللّسانية{في حالة التّواصل الشّفوي خاصّة}، عِلْم دلالةٍ نوْعيّاً، مُغايراً للْمعْنى المُعجمي، الّذي أُسمّيه الدّلاليّة la signifiance:أي القيم الخاصّة بخطاب، وخطاب واحد". يهجر الإيقاع ميدانه التّقليدي، وينفتح في تماسّ مع جميع دوالّ الخطاب التّطريزية والمعجمية والتّركيبية الّتي لا تعمل مستقلّة عنْ بعْضها البعض، بلْ ككلّ ممّا يؤسّس، في تلازمها المحايث، الاستبدالي والمركّبي الّذين يقومان بتحييد مفهوم المُستوى كما تصوّرتْه نظريّة الدّليل وثنائيّته. إنّ دالّ الإيقاع يشتغل في قلْب الدلاليّة وهي تحرّر المتواليات الصّغرى كما الكبرى داخل الخطاب الشّعري. لذلك فالإيقاع يتأبّى على كلّ قياس، كما الدّلالية ـ

ب.الإيقاع داخل الخطاب لا البيت

إنّ الإيقاع، وهو ينظّم الدّلاليّة ومعْنى الذّات، يكفّ عنْ أنْ يكون له تمفصلٌُ مزدوج، عدا أنّه ليْس صوتيّاً أوْ وزنيّاً فحسب.إنّه يوجد في الخطاب كنسق يجعل الذات الكاتبة تحضر فيه بكثافتها، ويسهم في وضع المعنى داخل اللا ـ وحدة، لأنّ الوحدة لا تكون إلّا دليلاً، والإيقاع لا يقبل باختزاله إلى دليل:هو اللإرادي، القبلي على الكلمات ومعانيها، اللّاواعي، الفردي ـ الجمعيّ، المُستمرّ ـ المنقطع، المفتوح غير المكْتمل.وإذا كان الوزن يضع إيقاع البيت داخل البنية، الصّوتية، فإنّ الإيقاع لا يكون إلّا داخل نسق الخطاب، فيكون إيقاع الخطاب تركيباً لكلّ عناصر الخطاب، بما فيه عناصر الإبلاغ الشعري {المقام/الباثّ/المتلقّي}.
هكذا يمكننا أنْ نستقصي إيقاع قصيدة النّثْر منْ مكان شعْريّة الإيقاع كتصوّر إجرائي يفترض اللّسانيات والبلاغة وشعرية الخطاب في آن، لأنّ ما من كتابة فجّرت دالّ الإيقاع كهذه القصيدة ـ

ج.إيقاع النّحْو، نحْو الإيقاع

يعتبر النّحو، نحو القصيدة، جزءاً تأسيسيّاً منْ إيقاعها، ومن دلاليّتها.يظهر الإيقاع غير منْفصل، ألْبتّة، عنْ التّركيب، والمعنى، والقيمة داخل القصيدة؛وهو يرتبط بأصغر وحدة{صامتية، مصوّتية، مقطعية، معجمية}، وبأكبر وحدة /وحدات الخطاب المتغيّرة الّتي تتضمّن وحدة الجملة.وترجع أولويّة الإيقاع، المتجرّد من العروض، إلى الأولوية التجريبية للْخطاب على اللّسان.من هنا، لنْ تعود الوحدة الإيقاعية في نصّ قصيدة النّثر هي التّفعيلة كما يحصل في أشْكال أخْرى من الشّعر العربي قديمه وحديثه، بل تصبح الوحدة هي الجملة اللّغوية بوصفها تركيباً دلالياً لا وزْنيّاً، وتتوزّع القصيدة إلى "أبيات" تتحرّك وفْق "حركة المعْنى" بما تُشيعه من ضروب وتلْوينات بلاغية ودلالية بحسب موقعها في نسق الخِطاب، لا وفْق قوانين وزنية قارّة وقبْليّة.بهذا الفهم، ينتج إيقاع قصيدة النّثْر عن دوالّ الخطاب الّتي تتموْضع في كلّ عناصر اللّغة الأيقونية، التّطريزية، المعجمية والتّركيبية؛الّتي لا تغفل، في عملها داخل الخطاب، عن "توخّي معاني النّحْو":نحْو الإيقاع، تحْديداً.
كما لا نعمى عن القراءة البصرية التي تتعدّى اختزال النصّ في الصّوت إلى إدراك "الرّؤية في السّمع"، بمعنى اعتماد الخطّية كعنصر لافت للتّأمّل في متغيّرات الدّال الإيقاعي وأوضاعه في القصيدة، كما آثاره الأكيدة على وضع "البيْت الشّعري" داخلها.يصير الخطّي، هنا، دالّاً من دوالّ الخطاب، ويتفاعل معها لإنتاج معنى الخطاب ودلاليّته، خارج الفصل بيْن الشّعر والنّثر بما يعيد ترتيب أشْجار "البيْت"، بلْه رجّها.
إنّ "الشّكل النّحوي للخطاب " الّذي تعبره لغة القصيدة هو ما يحدّد عمل الإيقاع كدالّ.ننتبه، هنا، إلى صيغ الشكل المتنوّعة، ونرصد درجة انْتظامها وتغيّرها ممّا يسمح بوصف الخصائص المائزة للمبدأ الإيقاعي على مستوى الإنتظام والتناسب والتّوازي، أو بخلاف ذلك.
بالنّظر على طبيعة الخطاب الشعْري ك"فنّ لفظي" يستلزم، قبل كلّ شيء، "استعمالاً خاصّاً للّغة"، في مختبر قصيدة النّثر، من المؤمّل البحث في صور التركيب الصّوتي والوزني[قياساً على التّتابعات الوند ـ سببية الّي ترد في السطر الشعري الواحد]والمقْطعي، وتنظيم القوافي، والتّفضية النّاشئة عن لعبة السّواد والبياض أو عنْ الحوار الخفي بين النطق والصمت، عدا البحث في أساليب الوصل والفصل، والتّقديم والتّأخير، والتّكرار، والإلتفات، والوقف، والإستئناف، والنّدبة والإستغاثة..، وصيغ المناجاة الدّاخلية وتبئير الذّات، ونداخل الضمائر، وتوظيف السّرد، وأسطرة المحكي الشعري، واجتراح الباروديا والسخرية، وغير ذلك ممّا يعود إلى تجربة القصيدة ولغتها بين المألوفية والتّعقيد، والحساسية التي يكتب بها الشعراء، ودرجة تأثّرهم بجماليات اللّغة العربية أو بصيغ التركيب الفرنسي والإسباني والإنجليزي تحديداً.
إنّ للْقصيدة الواحدة، بهذا الأسلوب أوْ ذلك، إيقاعاً خاصّاً بها، لا قياساً على نموذج عروضيّ قبْليّ ... أنظر بقيّة الدراسة على الرابط التالي: ــ

http://www.jehat.com/Jehaat/ar/JanatAltaaweel/maqalatNaqa...

23:24 |  Facebook | |

11/06/2011

في سياسة الشعر

"في سياسة الشعر: “حقّ الأخ الأكبر

 

160688.jpg

المنصف الوهايبي

تقوم نظريات الأدب عامة على مصادرات وتصّورات شاملة كلّية تحيل على الأنواع، وتعتاض عن الخاصّ بالعامّ، في حين أنّ فنّا مثل الشّعر لا يعرف إلاّ أفراد القصائد أي ما كان ولن يتكرّر حدوثه، والنصّ الشعري من هذا الجانب “معجز” شأنه شأن النصّ الديني. وليس بميسورنا في الشّعر أن نسيطر على الخاصّ أو نحدّد بعض مداه ونحيط ببعض أطرافه، بوساطة العامّ. فلابدّ من مواجهة الخاصّ مباشرة مادامت القصيدة خطابا مخصوصا. أمّا الخطاب الشّعريّ فيمكن أن نباشره على ضوء أربعة عناصر لعلّها ثوابته الأظهر.” أوّلها أنّ هذا الخطاب نظام لغويّ تتظافر كلّ مكّوناته جرسا وصوتا ونظما وصورة في إنتاج دلالته.على أنّ هذا البعد ” اللّغويّ ” في القصيدة له الصّدر دون سائر المكّونات، فمن حيث الحدّ يعرّف الشّعر في الأغلب الأعمّ بآستخدامه الخاصّ للّغة، بمعنى”الفرق ” عن اللّغة ” المتداولة” أو “المحكية” (وهو حدّ غير دقيق، إذ كثيرا ما يستخدم الشعراء لغة المعيش واليومي، ويفلحون في تحويلها إلى شعر) مثلما يعرّف بآحتفائه بتماثلات الصّوت والإيقاع والصّورة. وهي مظهر من مظاهر كثافة “اللّغة الشّعريّة” وسمكها. وثانيها أنّ هذا الخطاب ” مغامرة لغويّة ” تترامى بالقصيدة إلى بعيد الحدود وقصيّ الغايات ولا نزال ـ على توالي الدّراسات ووفرة الشّروح على دواوين كبارالشّعراء، وقد أزاح كثير أو قليل منها بعض ما بيننا وبين قصائدهم من كثيف الحجب حجبِ الزّمان والمكان ـ نلمح فيها خروجا على القواعد التي كانت مرعية متعارفة في إنشاء القصيدة و” استهانة ” بأوضاع اللّغة وأنساقها. وكأنّ القصيدة تنشد أبدا خبيئا في اللّغة وتتدسّس إلى دفين، وتضع أيّ حد للشّعر موضع تساؤل وتدفع إلى استنتاج قد يراه البعض تمحّلا، وهو في تقديرنا من الرّجاحة بمكان، ومفاده أنّه لا وجود “للغة شعريّة ” خاصّة فحسب، بل لا وجود أيضا ” للشّعر” بمعنى مطلق الشّعر.وإنّماهناك قصائد فحسب أي إجراء خاصّ ” للشّعر ” يرجع في كلّ مرّة إلى وضع تاريخيّ مخصوص، أو لنقل إنّ لكلّ قصيدة تمتلك من القدرة ما يجعلها ” مغامرة لغويّة “، خصوصيّتها وطريقتها في إدارة الكلام. وأمّا القول بلغة شعريّة خاصّة فمردّه إلى إجراء نقديّ رسّخته مختلف نظريّات الشّعر، وأفضى إلى إلحاق اللّغة بنوع من ميتافيزيقا الجميل توزّعت على أساسه الكلمات إلى شعريّة وغير شعريّة. وثالثها أنّ الخطاب كالإيقاع علاقة مخصوصة بالذّات، وإذا كانت القصيدة خطابا تؤدّيه “ذات” ما من خلال اللّغة المشتركة، وجاز القول إنّها عند أبي تمّام “مغامرة لغويّة”، فلا مناص من اعتبارها مغامرة الذّات المنشئة أيضا، إذ يصعب دون ذلك، أن نفسّر كيف تكتسب القصيدة تفرّدها، وتبني إيقاعها الخاصّ. غير أنّ آصرة القربى بين “الذّات” وخطابها، تقتضي التّمييز بين “الذّات” و”شخصيّة الشّاعر”، دون أن يستتبع ذلك الفصل بينهما كلّ الفصل. والقراءة الرصينة مسوقة في جوانب منها، إلى الإستئناس بسيرة الشّاعر وآستقراء أخباره والوقوف على مختلف التأثّرات التي ألّمت به والإلمام بأحوال عصره، فقد يكون ذلك من مستلزمات فهم مذهبه وتقدير محدثه، إذ لا مفرّ من وجود علاقة زمنيّة مكانيّة قد تكون محدودة بين الشّاعر وقصيدته؛ على إقرارنا بأنّها ليست مثبتة قطعا ولا هي ” قصديّة ” قطعا. وليس ثمّة كبير خلاف بين المعاصرين في أنّ الفنّ لا يناط به تصوير تفاصيل حياة منشئه ودقائق معيشه.والعمل الفنيّ ليس عنوانا صادقا على أسلوب حياة صاحبه ودخائل نفسه. ولا أحد بميسوره أن يستنبط منه -مهما آحتشد له- ما كان يدور بخلد المنشئ، ويضطرب في نفسه، أو أن يعرف حقّا كيف طفر الشّاعر من الشخصيّة ولا كيف نجم الإيقاع من الشّاعرأو من الجسد. وهذاالإيقاع/الخطاب مهما يكن تفرّده، ليس ثمرة عقل خاصّ أو نفس خاصّة حسب، وإنّما هو ثمرة نصوص وخطابات أخرى أيضا تتحدّر إليه من أكثر من صوب، وتتردّد في جوانبه مجهورة حينا، مهموسة حينا، ممّا يراكم خطابا على خطاب، وإيقاعا على إيقاع. ورابعها أنّ هذا الخطاب “سياسيّ” بالمعنى الواسع للكلمة، فمن من حيث تاريخه أي الشّعر فإنّ إنشاء القصيدة شأنه شأن نقدها، يقوم على وضع عناصرها في سياق نظام ما (بناء الأبيات والمقاطع والقوافي…). وليس ثمّة من خطاب شعريّ يمكن أن تكون له دلالةأو يمكن أن ينتج دلالة، إذا نحن لم نتبيّن النّظام الذي يحويه أو الذي يناسبه، فهو ” نظام من الكلمات “. وهذا النطام هو الذي يجعل الخطاب معقولا، ومن ثمّ يتيح لنا أن نستكشف مؤتلفاته ومختلفاته، وما تعقده بين بعضها من علائق شدّ وجذب. ولكن شريطة ألاّ يستتبع ذلك إقرار بأنّه نظام كامل أو هو مغلق على نفسه إغلاقا تامّا، فمثل هذا الإقرار ” مغالطة شكليّة ” وإجحاف بحقّ الخطاب الشّعريّ، وهو أبعد من أن ينقطع عن نظام سياسيّ أعمّ يحويه أو يكمن خلفه ـ

ومن هذا الجانب يمكن أن يعيننا “السياسيّ” على فهم النصّ والنفاذ إلى قليل أو كثير من أسراره. والقارئ يتجافى عن الشّخصيّة، ولا يرتضي أيّ جهد في توصيف بيئتها، وإنّما يمرّ بها لماما؛ لا يبخس الشّاعر الفرد حقّه أو ينكرعلى البيئة نصيبها ف حسب، بل يحجب على طابع النّصّ”الاستثنائي ” ويجحف بحقّ معناه أودلالته أو قيمته ومزيّته. وليس من اليسير استيفاء القول في هذا الطابع دون استيعاب إيقاعه؛ أي دون اعتباره منتوج ذات مفردة ولكنّها تاريخيّة تجعل من هذا النّصّ فعلا لغويّا فريدا خاصّا. وعليه يكون من السّائغ القول إنّ مفهوم “القيمة ” هو الذي يتيح دراسة كلّ الخطابات بما فيها تلك التي نعدّها خلوا من المعنى ـ

في هذا السياق، أحبّ أن أقف على ناحية في تاريخ الشعر الفرنسي، حيث تلتقي السياسة “السياسيّة” بسياسة الشعر. وهما ـ على ما أرجّح ـ توأمان. ولكن نادرا ما يلتقيان، إلاّ إذا ارتضى الشاعر لنفسه مصانعة الحكّام ومداهنة الأحزاب. وشتّان بين عناية الشاعر أو الكاتب بالسياسة في الأمم الحرّة، وعنايته بها في عالم مثل عالمنا العربي الذي لا ندري أيّان سترسي به هذه ” الثورات” أو ” الانتفاضات” التي تتحوّل يوما بعد يوم، إلى ما يشبه مسلسلا تلفيزيونيّاً. الحقَّ هناك ما يشبه التقليد في الديبلوماسيّة الفرنسيّة، فقد تعاقب على دفّة الحكم، أكثر من مسؤول يكتب الأدب أو الشعر؛ فإن لم يكن من كتّابه فهو من قرّائه. والقائمة طويلة. ولكنّي أذكر على سبيل المثال اسمين أحدهما علـَم في الشعر هو سان جون بيرس، والآخر رئيس الدولة الأسبق جورج بومبيدو، فقد نشر”أنطولوجيا الشعر الفرنسي الحديث”. وهي مختارات تنمّ على ذوق فنّي رفيع وفطنة متمرّس بهذا الفنّ. لا أعرف شخصيّا أسباب هذا التقليد ودواعيه. على أنّها ـ في ما أرجّح ـ ذاتيّة بقدر ما هي موضوعيّة. فالفرنسي ـ على ما يبدو ـ لا يثق بالسياسي الذي لا يقرأ الأدب، ولا يعرف المسرح أو السينما أو الرسم أو النحت. فهذه كلّها نوافذ مشرعة على الناس. والانسان هنالك، في الضفة الأخرى، لم يتحوّل بعد إلى صورة كما هو الشأن في عالمنا نحن حيث صورة الفرد أشبه بصورة شخص مُطارد نموذجيّة ملامحه مزيج من نماذج الهيئات المرسومة على ضوء الصفات التي أدلى بها شهود همْ بدورهم صور نموذجيّة. فنحن وشهودنا”عبادلة”(ج.عبد الله) سواسية كأعواد الثقاب المتساندة في علبة؛سمّها ما شئت إلاّ أن تكون وطنا.. حتى بعد هذا الذي يحدث، حيث ينسى رجال السياسة في بلد مثل تونس، أنّ “الثقافي” هو السياسيّ الذي يمكن أن يبني تونس الديمقراطيّة حقا ـ

أقف في هذا المقال ـ ولو في خطف كالنبض ـ على شخصيّة الشاعر الفرنسي دومينيك دو فيلبان الذي لا يعرف الكثيرون إلاّ الوجه الديبلوماسي منه. وهو الذي شدّ الأنظار في المحافل الدوليّة، وتحديدا في جلسات مجلس الأمن قبيل اندلاع الحرب على العراق. كان يدافع، لا شكّ، عن سياسة بلاده “المعارضة” لحرب لم تكن نذرها لتخفى في ملامح المسؤولين الأمريكيين المنقبضة حينا، المكشرة الجامدة حينا؛وكأنها صورة من أقنعة التراجيديا الإغريقيّة المدروسة بعناية فائقة. لعلّنا نتذكّر جميعا أنّه ما يكاد السيد كولن باول ينقبض، حتى تكشّر السيدة كوندليزا رايس… ويبدو أنّ التكشير كالتثاؤب عدوى، أو لعلّه قناع لا بدّ منه كلّما هرّ السياسيّ للحراش أو أخذ يتنمّر ويتوعّد، برغم أنّ التكشير ـ في العربيّة ـ على الأقلّ ـ لا يعني في كلّ الأحزال تقطيب الوجه مداجاة أو استياءً أو تقزّزا؛فقد يكون عند الضحك أيضا. من ذلك قولهم: كاشره أي ضاحكه. والحق أنّ رجال السياسة عندنا ـ في تونس ـ إلاّ قلّة منهم يكاشرون في الأعمّ الأغلب.. ولك أن تحمل مكاشرتهم على أيّ وجه شئت. ولكن لأعدْ إلى ما أنا فيه من صورة دومينيك دو فيلبان ـ حتى لا يحجزني التكشير عنها ـ فهو اسم آخر في قائمة تضمّ ساسة كتّابا يمسكون بخيط السياسة مثلما يمسكون بخيط الأدب. والرجل ـ لمن لا يعرف ـ ولد بالمغرب. ولم يكن بالمستغرب أن يبادر بيت الشعر المغربي إلى الاحتفاء به في الدار البيضاء عام 2000 وأن ينشر له محمد بنيس مختارات من شعره في أصلها الفرنسي وترجمتها العربيّة. ويكاد العنوان نفسه ينمّ عنها”استعجال الشعر”. ولكنّها تدلّ على أنّ هذا الديبلوماسي الشاعر هو ابن “الهنا” و”الهناك” أعني ابن الضفتين. يقول هو عن نفسه:”ولدت في هذا البلد الذي أسترجع فيه روائح العطر والألوان، وأعثر فيه على أصوات شعريّة مألوفة لديّ، أصوات أخويّة؛بالرغم من أنّني نشأت بعيدا عنها، في ضواحي منابع أخرى، وعلى ضفاف أخرى.” ولعلّ قصيدته”حقّ الأخ الأكبر” أو “حقّ البكوريّة” أي خواصّ البكر وحقوقهLe droit d’aînesse من أهمّ القصائد التي ترصد هذه العلاقة المتوتّرة بين الضفتين، في شجن معقود على نفسه حتى الضنى، ولغة لا تتحالف إلاّ مع نفسها، ولكنّها تأخذ من الأشياء، وتتورّط فيها ولا تميّز بين “الأنا” و”الهو”. بل لا نكاد نقف على أيّ أثر لهذه “الأنا” في هذه القصيدة وفي غيرها. لغة قد نسمها ب”سِفاح القربى” ـ بالمعنى الشعري النبيل للكلمة ـ ولكنّها ليست مغلقة كما هو الشأن عند كتاب وشعراء آخرين حيث تكاد الكتابة تكون لعبا بلغة لا وجود لها، أو هي “كيتش” أو مجرّد مِران فانتازي يطوّع الخيال للغة أو اللغة للخيال. ذلك أنّ دومينيك دو فيلبان(1) يدرك أنّ الشاعرَ ..الشاعرَ يتكلّم من باطن تراثه، حتى وهو يَحرف مجراه، ويلحم بالكلمات جرحا لا يندمل، واعيا أنّ الشعر”تعويض” عمّا لا يمكن تعويضه. تقول فاتحة هذه القصيدة: ـ

ليكنْ مباركا نشيد شجرة الزيتون

حجرًا، حصاةً، غبارا وكلّ كتابة بذرتها يد الحلم

كي تقود عربة الزمن القديمة

عندما يصعب احتساب الجهد والرحمة

...في جوف الساعات والعدّادات

وأظن أن في هذا الشعر ما يمنحنا نعمة الكشف والانبعاث، بعبارة الشاعر نفسه. هو لا يتنبّأ وإنّما يرصد تلك التحوّلات الغامضة في الحاضر حيث يتشكّل المستقبل، ويتمهّد الطريق إلى حقيقةٍ وراء المرايا. وما وراءها إنّا هو سرّ الأصول المحتفظة بغموضها الذي لا ينضب، أو كما يقول الشاعر بعبارته الجميلة”انكشاف الشعر ينير لي سرّ الأصول، كما هو شأن صورة الطفولة حين أنظر إلى الوراء فأرى ثانية ما يشبه لوحة لماتيس.” وما يراه: سقيفة حالكة وباب ثقيل منفتح يتسرّب عبره مسرب من نور ذهبيّ..يتخيّل فيه حدائق بعيدة وينابيع عطرة..”بعد ذلك ينغلق الباب بكلّ شدّة وعنف على الليل.. في هذه اللحظة بالذات، لا يبقى لديّ سوى عيون الشعر كي أرى، وكلمات قصد العثور ثانية على طريق الافتتان العتيق.” ـ


:
هامش

دومينيك دو فيلبان: استعجال الشعر يليه قصائد مختارة ـ بيت الشعر في المغرب 2003

Dominique de Villepin, Urgences de la poésie suivi de choix de poèmes

13:17 |  Facebook | |

10/06/2011

أغنية رامبو

347433t.jpgأغنية أعلى البروج

أرتور رامبو

 

.فليأت، فليأت، الزمن الذي نهواهْ 

،فليأت، فليأت

الزمن الذي نهواه.

صبرتُ كثيراً
صبراً، أبداً لا أنساهْ.
مخاوفُ وآلامٌ
غابت في الأجواءْ.

والعطش الحاد
يشوش على أوردة قلبي
فليأت، فليأت،
الزمن الذي نهواهْ .
كالمرعى
تملكه النسيان،
نما وازدهر،
ذو الزنبور الموحش*
ذباب قذر
فليأت، فليأت

الزمن الذي نهواهْ .

أحببت المفازة، و الحدائق القاحلة، والدكاكين الباهتة، والمشروبات الفاترة. ما فتئت أجرجر قدمي في الأزقة الكريهة، وأظل أعرض نفسي للشمس، مغمض العينين، إله النار.
" أيها الجنرال، إذا تبقى مدفع قديم على الأسوار المتهدمة، فاقصفنا بقوالب من التراب الجاف. فإلى مرايا المحال البهية! وفي الصالونات! أطعم غبارها للمدينة. أكسِدْ الفوهات. املأ خدور النساء بمسحوق من ياقوت أحمر حارق...
آه ! لو يذيب رأس الفتيلة المترنح في مبالة النزل، المغرم بلسان الثور،* لو يذيب شعاعاً
شعاعا!ـ

 

........

* نبات يدر البول.
** أغنية أعلى البروج برواية أخرى

ــــــــ

ترجمة محمد الإحسايني/ كاتب ومترجم مغربي

ehsaini.jpg

07:08 |  Facebook | |