Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

21/08/2011

نقد الإيقاع

يناقش جمالياته وآليّات تلقّيه عند العرب

"عبد اللطيف الوراري يحاور تاريخ علم العروض في "نقد الإيقاع

rythme.jpg

 

محمد نجيم

صدر ضمن منشورات دار أبي رقراق للنشر بالرباط، الطبعة الأولى من كتاب الشاعر والناقد والباحث المغربي عبد اللطيف الوراري، الموسوم بـ “نقد الإيقاع: في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية وآليات تلقيه عند العرب”. وسبق للباحث عبداللطيف الوراري الذي يزاوج بين النقد والكتابة الشعرية، أن صدر له عدا ترجماته الأدبية عن الفرنسية، في الشعر “لماذا أشهدت علي وعد السحاب؟”عام 2005 م، و “ترياق” عام 2009 م. وفي النقد: “تحولات المعنى في الشعر العربي” عام 2009م. ويغوص الكاتب في كتابه “ نقد الإيقاع” ليبحث في “مفهوم الإيقاع، ويستجلي مختلف التعبيرات الجمالية التي دلّ بها القدماء عليه، وذلك ارتباطاً بتلقّيهم له في تعبير شعري، أو داخل قانون محدّد، أو بالنظر إلى علاقة خفيّة. فكان من هذه التعبيرات ما هو أدخل في حيّز المسموع، أو كان في حيّز المفهوم، استناداً على مبدأ التناسب الذي استفادوه من لقائهم الآخر، الإغريقي تحديداً “فيثاغورس، أفلوطين، أرسطو”، وثمّروه في عقيدتهم التوحيديّة ورؤيتهم للإنسان والعالم. ويتّخذ الباحث من رهان استراتيجيّة الدراسة رهاناً نقديّاً مُتعدّداً يتمثّل في نقد أهمّ فرضيّات العروض العربي، بقدرما ينتقد تصوّرات الشعرية العربية عن مفهوم الإيقاع وعمله وظواهره، كما يعمل على بحث القضايا المعرفية ذات الصلة التي طرحتها الأطر النظرية في حقل الدراسات القرآنية، وعلمي الموسيقى والتجويد، وتأمّلات الفلسفة ـ

قُسّمت الدراسة إلى “فصولٍ ستّة متراكبة، وثبْتٍ بمصطلحات الإيقاع، وفهرس المصادر”. يبحث الفصل “علم العروض وقضايا النظرية في الوزن والقافية، ويرتبط الفصل الثاني ببحث أوجه العلاقة المفترضة بين العروض والإيقاع في ارتباطهما بهويّة القصيدة العربية، وبالتالي جهود علماء البلاغة والنقد القدامى في تلقّي الإيقاع وبلورة المعرفة به، من خلال آرائهم في عناصر القصيدة ودوالّها. وهو ما تواصل البحث فيه الفصول الثلاثة الموالية، من منظور مُتطوّر يشرطُ حدوث الإيقاع بالتناسب الصوتي والدلالي، بتعبيراته البلاغية والموسيقية والفلسفية والإعجازية. أما الفصل السادس فيناقش ثنائية الشعر والنثر، وتاريخيّتها، ويكشف كيف أنّ المفاضلة بينهما حجبت الإيقاع لحساب أولويّة الوزن، فيما يتطرّق الفصل السابع إلى أشكال الإيقاع التوشيحي وتبلور بنائه المعماري في الموشّحات والأزجال، في المغرب والمشرق. وتنتهي الدراسة بخاتمة تُركّب الحصيلة النقدية، بقدرما تنفتح على الإمكانات التي فتحها اليوم بحث الإيقاع، هذا المجهول واللانهائي. ولتيسير مقاصد الدراسة وضع في آخرها ثَبْت بأهمّ مصطلحات الإيقاع الواردة فيها: العروضي، البلاغي، التجويدي والموسيقى”ـ

ويرى الوراري أن هذا السؤال: ما الإيقاع إذن؟ لم يطرح لدى القدماء بهذه الصيغة، وإنما بصيغ “ مختلفة ومتنوِّعة؛ ولهذا، تعدّدتْ إجاباتهم الصريحة والضمنية عنه، من مُصْطلحٍ إلى آخر، ومن إشكالٍ مجالٍ معرفيٍّ إلى آخر، ومن ذات إلى ذات في تأمُّل موضوعها. فالإيقاع من أندر المصطلحات التي لم تُدرك طابعها المفهوميّ والمُجرَّد ليس في الثقافة العربية وحدها، بل في ثقافات ثانية، بسببٍ من أنّه يُوجد واقعاً ذهنيّاً، وليس شيئاً طبيعيّاً، وهو ما يجعل تأويل الإيقاع ومَفْهمته يحتاج إلى خبرَةٍ وفهْمٍ وحساسيّة. وهو كغيره من الألفاظ، كان يحتاج إلى الانتقال من مرحلة إلى تالية متطوّرة. من الحقيقي والمحسوس إلى المجاز، فالاصطلاحي. ذلك ما ينبّهنا إليه الفارابي “ت 339هـ”، في حديثه عن “أصل اللغة واكتمالها” من كتابه “الحروف”.ويقول الباحث “نجد لدى القدامى وَعْياً مُبكّراً بأهمية المصطلح وقيمته في بناء العلم، فوضعوا تآليف كثيرة بهذا الشأن تحتفي بالحدّ والتعريف، أمْناً للالتباس والاضطراب والخلط، بل إنّنا وجدنا بينهم، في أحيانٍ أخرى، تَمايُزاً في مدلول المصطلح من حيث مرجعيّته وآليّة اشتغاله. ومع وفرة المصطلحات في علم العروض، إلّا أنّ (الإيقاع) لم يرد عند العروضيّين بشكْلٍ يثير التساؤل والحيرة: هل يُعْقل أنّ عِلْماً جعل نُصْبَ المشكلة الإيقاعية في الشعر لا يصطلح بالتسمية على دالّ الإيقاع؟

يمكن أن نربط المسألة بالفكر الجمالي لدى هؤلاء العلماء وغيرهم في حقولٍ لها صلة مباشرة بالإيقاع اللفظي في الشعر، وهو الفكر الذي غلب عليه الطابع الحسّي في رؤيته للعالم، وفي تذوُّقهم للجمال وانفعاله بصوره انفعالاً حسّياً. وهكذا، فقد كان هذا الفكر يشتقُّ مصطلحاته من البيئة التي يحيا فيها، ومن الاستعارات التي كان يحيا بها، دون أن يرتقي إلى خبرة المفهوم وتعقُّده. يروي المرزباني (ت384هـ) عن واضع علم العروض الخليل بن أحمد الفراهيدي: “قال: رُتِّبت البيت من الشِّعْر ترتيب البيت من بيوت العرب الشَّعَر ـ يريد الخباء ـ قال: فسمّيتُ الإقواء ما جاء من المرفوع في الشعر والمخفوض على قافية واحدة.. وإنّما سميتهُ إقواء لتخالفه، لأنّ العرب تقول أقوى الفاتل إذا جاءت قوّة من الحبل تخالف سائر القوى. قال: وسمّيتُ تغير ما قبل حرف الرويّ سناداً من مساندة بيت إلى بيت..” ، إلخ. لكن يجب ألّا تخدعنا هذه المفردات الحسّية التي دلّ بها على علمه، فخلفها تثوي روح الخليل وعبقريّته الفذّة التي تقوّمت بها أعظم نظريّة في عروض الشعر وأوزانه لم تُثِرْ مثلها، عبر التاريخ الإنساني، هذا الاهتمام من لدن العلماء، ونِقاشَهم المُخلْص حولها. ولأنّ دالّ الإيقاع بقي في الكمون، ولم يُطْرح في سياق النقاش النقدي الذي طال بلاغة الشعر العربي لدى القدماء، فقد تعرّض أكثر من غيره لغموضٍ شديدٍ والتباسٍ بمفهوم الوزن الذي طالما أخذ مكانه وعبّرَ بالنيابة عنه. لقد ساد الاعتقاد فترةً طويلةً بأنّ الإيقاع ليس إلا حصيلة للوزن والقافية، فانْحَصرَ الهمُّ النقدي بدراسة الأوزان والقوافي في القصيدة العربية لاستخلاص موسيقى الشعر وإيقاعاته، ممّا جعل هذا النمط النقدي في إحراجٍ كبيرٍ نتيجة التطوُّر الذي تمَّ في بنية القصيدة ـ

ـ جريدة "الاتحاد" الإماراتية 30 يوليو 2011م

http://www.alittihad.ae/details.php?id=71129&y=2011&a...

18:21 |  Facebook | |

ذاكرة الإيقاع

الإيقاع العربي وجماليّاته وآليات تلقّيه

rythme.jpg
عبد السلام دخان

إنطلاقاً من تجربة الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري، ومتابعته الأكاديمية للمتن الشعري العربي في أصوله وامتداداته، صدر لصاحب "تحوُّلات المعنى في الشعر العربي"كتاب نقدي جديد وسمه ب: "نقد الإيقاع: في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية وآليّات تلقّيه عند العرب"، عن دار أبي رقراق للنشر بالرباط 2011م. والكتاب يترجم جانباً من الإنشغال النقدي الرصين لعبد اللطيف الوراري بقضايا الشعر العربي خاصة في مكون الإيقاع الذي يعد مكوّناً إشكاليّاً لدى جل الباحتين والشعراء على حد سواء، لذلك فالباحث يتخد في كتابه صفة الجينالوجي الذي يحفر في ذاكرة الإيقاع الشعري العربي مستشرفا تعبيراته الجمالية لدى القدماء في علاقة للإيقاع بالتلقي في سياقاته النوعية، والبلاغية، والجمالية، مستحضراً مكونات مثل التناسب الذي يعتبره الوراري من أثار الاتصال بالآخر خاصة لدى (فيثاغورس، أفلوطين، أرسطو)، ونجد أنفسنا بصدد كتاب حول الإيقاع العربي وجماليّاته وآليات تلقّيه أمام خبير في علم العروض وفقيه في الدوائر العروضية وما يدخل عليها من تحولات، وهو مايعكس تنوع المقاربات التي يقدمها الباحث لكتابه النقدي الجديد الذي يتكون من سبعة فصولٍ ومقدمة وخاتمة، ويشتمل على ثبت بأهمّ مصطلحات الإيقاع (العروضي، البلاغي، الموسيقي، التجويدي). يدرس الفصل الأول علم العروض وقضايا النظرية في الوزن والقافية، ويرتبط الفصل الثاني ببحث أوجه العلاقة المفترضة بين العروض والإيقاع في ارتباطهما بهويّة القصيدة العربية، وبالتالي جهود علماء البلاغة والنقد القدامى في تلقّي الإيقاع وبلورة المعرفة به، من خلال آرائهم في عناصر القصيدة ودوالّها. وهو ما تواصل البحث فيه الفصول الثلاثة الموالية، من منظور مُتطوّر يشرطُ حدوث الإيقاع بالتناسب الصوتي والدلالي، بتعبيراته البلاغية والموسيقية والفلسفية والإعجازية. أما الفصل السادس فيناقش ثنائية الشعر والنثر، وتاريخيّتها، ويكشف كيف أنّ المفاضلة بينهما حجبت الإيقاع لحساب أولويّة الوزن، فيما يتطرّق الفصل السابع إلى أشكال الإيقاع التوشيحي وتبلور بنائه المعماري في الموشّحات والأزجال، في المغرب والمشرق. وتنتهي الدراسة بخاتمة تُركّب الحصيلة النقدية، بقدر ما تنفتح على الإمكانات التي فتحتها اليوم دراسة الإيقاع، هذا المجهول واللانهائي. وبلا شكّ، فإن هذا الكتاب سيضيئ المتن النقدي الشعري بمقارباته النقدية خاصة وأن البحث العلمي في هذا الباب يتسم بالندرة . وهو في الوقت نفسه مساهمة من شاعر وباحث متمرس بالقصيد في إعادة تأسيس رؤيا جديدة لمفهوم الإيقاع ارتباطا بتحولات الشعر العربي وآفاقه المتعددة ـ

نُشر ب موقع (طنجة الأدبية):ـ

http://ar.aladabia.net/article-7592-6_1-الإيقاع%20العربي%...

18:20 |  Facebook | |

13/08/2011

نقد الإيقاع.. في عيون الصحافة العربية

ـ "نقد الإيقاع: في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية وآليات تلقّيه عند العرب" جديد الناقد عبد اللطيف الوراري

rythme.jpg

 : صدر للشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري حديثا، كتاب نقدي جديد بعنوان "نقد الإيقاع: في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية وآليات تلقيه عند العرب"، عن دار أبي رقراق للنشر. ويترجم الكتاب جانبا من الإنشغال النقدي لعبد اللطيف الوراري بقضايا الشعر العربي، خاصة في مكون الإيقاع الذي يعد مكونا إشكاليا لدى جل الباحثين والشعراء على حد سواء.

ويتخذ الباحث في كتابه صفة الجينيالوجي الذي يحفر في ذاكرة الإيقاع الشعري العربي مستشرفا تعبيراته الجمالية لدى القدماء في علاقة للإيقاع بالتلقي في سياقاته النوعية والبلاغية والجمالية، مستحضرا مكونات مثل التناسب الذي يعتبره الوراري من أثار الاتصال بالآخر خاصة لدى (فيثاغورس، أفلوطين، أرسطو).

ويعكس المؤلف تنوع المقاربات التي اعتمدها الباحث لكتابه النقدي الجديد الذي يتكون من سبعة فصولٍ ومقدمة وخاتمة، فضلا عن جرد بأهم مصطلحات الإيقاع (العروضي، البلاغي، الموسيقي، التجويدي).

وتنتهي الدراسة بخاتمة تركب الحصيلة النقدية، بقدر ما تنفتح على الإمكانات التي فتحتها اليوم دراسة الإيقاع، هذا المجهول واللانهائي.

يشار إلى أن الباحث عبداللطيف الوراري، الذي يزاوج بين النقد والكتابة الشعرية، سبق أن أصدر ديواني شعر تحت عنوان "لماذا أشهدت علي وعد السحاب?"(2005 ) و "ترياق" (2009 ) وفي النقد "تحولات المعنى في الشعر العربي" ( 2009 )ـ 

 

وكالة المغرب العربي للأنباء

http://www.map.ma/mapar/culture/64664262f-62764464a642627...

وكالة أنباء البحرين

http://www.bna.bh/portal/mobile/news/468702

إيــلاف

http://www.elaph.com/Web/Culture/2011/8/675508.html

ميدل إيست أون لاين

http://www.middle-east-online.com/?id=115716

بيان اليوم المغربية

http://www.bayanealyaoume.press.ma/index.php?option=com_c...

العرب اليوم الأردنية

http://alarabalyawm.net/pages.php?news_id=320226&sele...

الجريدة الكويتية

http://aljaridaonline.com/2011/08/15/149882/

المساء الجزائرية

http://www.el-massa.com/ar/content/view/51000/47/

بغداد العراقية

http://www.baghdad-news.com/home.asp?mode=more&NewsID...

البناء اللبنانية

http://www.al-binaa.com/newversion/article.php?articleId=...

العرب الدولية

http://www.alarabonline.org/index.asp?fname=%5C2011%5C08%...

العرب القطرية

http://www.alarab.qa/mobile/details.php?issueId=1342&...

الشروق المصرية

http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=24092011&...

الاتحاد الإماراتية

http://www.alittihad.ae/details.php?id=71129&y=2011

القدس العربي

http://www.alquds.co.uk/scripts/print.asp?fname=data%5C20...

 

 

11:30 |  Facebook | |

09/08/2011

إلى محمود درويش

 

المجازُ كما مِنْ دالية

                                               إلى محمود درويش

tawrah.jpg 

 عبداللّطيف الوراري

 

 

أ.

تَحْيا الْغِنائِيّاتُ يرْشقُها دَمُ الْمَرْضى طَريقاً في مَهاوي الرّوحِ.تحْيا الرّوحُ يرْقُشها الْحُفاة مِن الْحَياةِ غَميسَةً في النّايِ. يَحْيا النّايُ لِلْأَرْض الْعُضال بِأيّ وجْهٍ كانَ .يحْياها لِوَجْهِ الرّيحِ إسْرافِي لِمَنْ قالَتْ غَماماً، وارْتَوتْ عَطَشي، وَساحَتْ بي تُيَمّمُني جِهاتِ اللّيْل. يَحْيا اللّيْلُ يُودِعُنا الْأَقلّ مِن الْبِلاد، ويَبْتَلينا بِالْغِناء الْمُرّ شوْقاً لِلْعُيونِ تخُونُ سمْتَ الْوَعْدِ. يحْيا الْوَعْدُ مُؤْتَمِناً عَلى درْجِ الْإِلهِيّاتِ

مرَّتْ بِي، هُنا، امْرَأةٌ بِساقٍ مِنْ غُبارْ

قَالَ: يَحْيا الْمَيْتُ. قالَتْ: لَيْتَ هذَا الْحَيّ ميْتٌ كَيْ أدُلَّ دَمي عَليْهِ؛ 

قالَ: ما بِي  صِرْتُ أشْبَهَ بِالْمَجازْ

 

ب.

 

 ألشَّوْقُ ريحُ البَيْتِ، يا ابْنِي. قالَ نَحّاتٌ يطُوفُ بِلا يَدَيْنِ، وَزادَ:هَذا الصّمْتُ أجْمَعُهُ مَجازِي، ثُمَّ ماتْ

 ج

 

مِنْ قبْلُ أنْ يَصِلَ الْغَريبُ إِلى الظّلالِ. وقبْلَ أنْ يَشْتاقَ موْلَى الْبَيْت، في قوسيْنِ، لِلْأثَر الْبَعيد. وقبْلَ أنْ تحْتاطَ مِنْ دَمِهِنّ نِسْوَتُهُ. وقَبْلَ جَوازِهنّ بِنصْفِ كَأْسٍ، فَالْغِناءُ. وقَبْل أنْ تَتَسانَد الْأَنْفاسُ في الْمَرْعى الْمُعمّد بِالْمَلالَةِ. يلْزَمُ السّيّارةَ الْإِيحاءُ، إنْ وَقَفُوا عَلَى بِئْرٍ، بِإنْسانٍ يصُدُّ الرّيحَ عنْ يَدِهِ وَلا يبْكِي  

كَطيْفٍ ليْسَ يُشْبِهُه يهُشُّ عَلى الْحَفيفِ،ويتْرُكُ الْبَجَعاتِ لِلْأَوْزان بيْنَ ثِيابِهِ 

أمّا الطّريقُ فَليْسَ أكْثَر مِنْ بَريدٍ زاجِلٍ يسْتفُّ أتْرِبةَ الْمَجازْ

 

د.

 

يَأْتيكِ مِنْ وَقْتي يدٌ نايٌ  

وَصوْتٌ صنْدلٌ

وَسرِيرَةٌ مُزْنٌ 

لعَلّ الصّمْتَ أرْأفَ بِي. 

قَتيلاً يسْتَطيعُ النّهْرُ أنْ يبْلي الْجِراحَ عَليَّ:

ليْتَ يَدي وصَوْتِي يدْفَعانِ إلَيَّ ليْلَ سَريرَتي 

ما دَامَ حبُّ الْأَرْضِ لمْ ييْنعْ عَلى غُصْني، ولمْ 

يتَنهّدِ الْقَلْبانِ عنْدَ الْفَجْر تقْريباً،ولَمْ يرْقُصْ 

طَريقُ الْبِئْرِ هَذا الْعَامَ 

فَلْتَنْسَيْ دَماً لِي في الْفِجاجِ حبِيبَتي، 

ولْتَمْسَحي بِمِياهِ شكّي، 

ولْتَسِيري دائِماً في الصّبْرِ والصِّلةِ الْعَصيّة

هـ .

 

ما أجلَّ الدّمْعَ في عيْنَيْ سَماءٍ 

سارَ بِي  

جِهةَ السّوانِح 

لَوْ تُضيءُ عَلى سَريرِك كَمْ ودائع في الطّريق 

فَلا وُصولَ إلَيْكِ ليِلاً 

قالَتِ: الْعَتَباتُ أوْلَى 

قُلْتُ: يحْيا الْميْتُ 

قَالَتْ: هيتَ لِي، وَحَصايَ تفْرِكُهُ لِتشْمُت بي الْحَصَى. 

نادَمْتُ طيْرَ الْعَابِرينَ ولَمْ تَصِلْ 

عيْنَاك مِنْ أثَرِ الْمَــجازْ

 

و.

 

يا صُبْحَها الْغَبَشيّ هلْ دالَتْ عَلَيَّ يَفيضُ عنْها الْماءُ أنّى ضِعْتَ؟

 

ز.

 

أنْظُرُ مِنْ عَلى أُصُصِ الْفِجاج: اللّيْلُ دالِيةُ الْخُروجِ إِلى الْبَيَاض. لَعلّني كأْسٌ. لَعلّ حَصاكِ نجْمُ الِأُقْحوانَةِ كُلّهُ 

لِليْلِ صبْرٌ يسْتَريحُ مِن الْجُناةِِ، 

ولِي ـ أَنا الْفَرْدُ العرَمْرمُ ـ 

ما يُؤمّنُ سيرَتِي الِأُخْرى 

أصَابِعُ تَلَّةٍ مِنْ شُرْفةٍ تسْدي الْمَواسِم: 

هَلْ رأَيْتِ هَواكِ عَلى هَواكْ. 

أفْرَغْتُ ما في زفْرَتي منْ شَمْعذانٍ، واغْتسَلْتُك. 

قالَ: يحْيا الْمَيْتُ 

قالَتْ: لِلْحَبيبِ الْمَوْتُ، كمْ عَبَرتْ عَلى خُصْلاتِ شِعْري 

 قُبّراتٌ صاحَ في غُدوَاتِها بيْتُ الْمَجازْ

 

* *

قصيدة من ديوان (ترياق)، منشورات شرق غرب، دبي ـ بيروت، 2009م 

10:45 |  Facebook | |

غنّى لروح الإنسان

بعدما غنّى لروح الإنسان في العصر الأكثر ظلماً،

محمود درويش يرمي النّرد، ويخلد إلى الأبد

عبداللّطيف الوراري

darwis

عن عمر ناهز سبعٍ وستّين، وبعد حياةٍ خصيبةٍ بين المنافي داخل فلسطين وخارجها، كان محمود درويش، الشاعر الفلسطيني الأكثر شهرةً وجدلاً وجماهيريّةً بين مُجايليه من شعراء العربيّة ، كان قد فارقنا من ذلك السبت الحزين الثامن من أغسطس من عام 2008م؛ وذلك عقب إجراء عملية جراحيّة له على القلب في مستشفى ميموريال هيرمان، في هيوستن بولاية تكساس الأميركية. وكان الشّاعر الأيقونة يعاني من مشكلاتٍ دائمة في القلب، وسبق أن أجرى عمليّتين جراحيّتين عامي 1984و1998 خرجا منهما مُعافى، وعلّمتاه كيف يتجاوز نفسه شعريّاً، ويأخذ حكمة الخسارة المنتصرة،وفضيلة الإيقاع السّليم من أطرافه الباهرة الّتي شدّت محبّة النّاس إليْه، وأوغرت عليه حسد آخرين ممّن أرادوا اختزال شعره تحت يافطاتٍ مبتسرة. لكن هذه المرّة سيكون نوم محمود درويش لا قصيراً ولا سريريّاُ،بل عميقاً وطويلاً في ضيافة الأبديّة حيث الشّعر الخالص المتحرّر من تاريخه الّذي كان يحلم به، بعد أن فضّ الكلم المعجز، وروّض شبح المـوت كـ "بروتوكول لغويّ"، حتّى قال، بسخريّة، في قصيدته الّتي كتبها قبل أيّام لاعب النّرد: من سوء حظّي أنيَ نجوت مراراً/من الموت حبّاً/ ومن حُسْن حظَّي أنيَ ما زلتهشاً/لأدخل في التجربةْ!

...ولكن إرثك في القصيدة لا يموت

في قريته «البروة» ،الّتي سوّتْها الفكرة الصهيونية بالأرض، رأى النَور، سرعان ما وجد نفسه منذ نعومة أظافره، تحت رحمة احتلال غاشم وعنصريّ، يعيش حياة تشرّد وأسْر ومنفى داخل فلسطين وخارجها بين لبنان والقاهرة وتونس وباريس وعمان، ووجد في الشّعر زاداً من المعرفة والصّبر والحبّ لا ينضب في طريق قول الحقيقة، حتّى جعل مكانه محفوظاً في قلوب النّاس، وفي التاريخ والواقع، وبازغاً بيْن عظام شعراء الأرض الّذي دفعوا بالتّجربة الإنسانيّة إلى أقْصاها، وبمغامرة البحث الشّعري إلى أقْصاها، مُقيماً في الأسطورة كذاكرةٍ متخفّية، لتحمي الشعر من غلبة الجيش على الإيقاع وعلى تاريخ القمح، ولتحمي الزّمن من هيْمنة الراهن،كما كتب فيحضرة الغياب،أحد أعماله الأخيرة الّتي تصلنا بإرْثٍ شعريّ وتخييليّ يقرب من ثلاثين عملاُ كانت ،في مجملها،ذات تأثير حاسم وضروريّ في خارطة الشّعر العربيّ، وجماليّات اللغة العربيّة الّتي عثرت معه على إعجازها الجديد. نذكر، هنا، أعراس، ومديح الظلّ العالي، وورد أقلّ، وأرى ما أريد، ولماذا تركت الحصان وحيداً؟، وسرير الغريبة، ولا تعتذر عما فعلت، وليس آخرها أثر الفراشة الذي صدر بداية هذا العام. وظلّ محمود درويش، حتى آخر أنفاسه، يكتب بحيويّة شديدة، ويتجاوز ذاته في الكتابة باستمرار،مثلما ظلّ طيلة حياته صاحب مواقف شجاعة، بدءاً من وقوفه إلى جانب شعبه للدفاع عن أرض فلسطين وفضح مؤامرات الصهيونية، ولم تزده مِحَن الاعتقال والنفي إلّا إصراراً، فاختبر محنة الخروج من لبنان، وكتب ميثاق الدولة الفلسطينية المحلوم بها، وعارض اتفاقات أوسلو المجحفة، وزار حيفا ليصل الخارج بالداخل في لحظة حرجة من تاريخ العذاب الفلسطيني، غير آبهٍ بمن رهنوا القضيّة بالآنيّ ـ

:وجه الأسطورة وحياتها

هكذا يتّخذ الشّاعر، الذي عرّفت قصائده بالمأساة الفلسطينية في العالم كلّه،وتُرْجمت أشعاره إلى لغاتٍ عديدة، وجه الأسطورة في تاريخ شعرنا الحديث،الّتي تحيا بجراحها الجماعيّة والذاتيّة،وتجعل من أخلاقيّات عملها الجماليّ صورة القصيدة الّتي يكتبها، ويُكبّ عليها باستمرار.داخل غنائيّته الخاصّة والمحتمية بنُدوبها، يتآلف التّاريخ والحداثة والذّات، ولا يُخطئ العمل عليْها قوْل الحقيقة المرتجفة بين جوانحه، بلسان الشّعر من غير أن يُصادِر ذلك حريّة معناهـ

وإذا كنّا نهتمّ ،هنا، بالشّرط التّراجيدي للخروج الّذي أعلنتْه بيروت،فإنّه من المهمّ أن نلتفت إلى شرط آخر ننساه، شرط العودة إلى رام اللّه المحاصَرة والمعلَّقة،الّذي يبدو لي مُفْرطاً في إنسانيّته، وموضّحاً لكثيرٍ من مفردات الأسطورة التّالية، وذلك لمّا دفع باتّجاه شخصنة الجمعيّ،وأسطرة الذّاتي أثمرها عمل الإصغاء في علاقة ذات الشّاعر بالأشياء الفالتة والبالغة في الهشاشة والدقّة من وعيٍ ضاغطٍ وواخز باليوميّ والعابرة. يلجأ إلى الأسطورة بوصفِها إمكاناً ذا أهميّة قصوى في البحث عن حركة المعنى،الحيويّة والمهدّدة أكثر،الّتي تعود بالقصيدة إلى بعدها الأوّل،بلاغتها الأولى.لهذا، نجد في كلّ عمل شعريّ لمحمود درويش، بعد "ورد أقلّ" على الأقلّ، قاعاً أسطوريّاً يضيء استعاراتِ وحلولاً ممكنة لتجربة الغياب الّتي تصطرع في وعي الذّات الّتي سلبها الآخر تاريخها بالأساطير المخفورة بالنّار والحديدـ

إنّه كان يصنع الأسطورة الفلسطينيّة خارج الصّور النمطيّة الّتي تكوّنت عنها،وصارت عبْئاً عليها.بها يحرّر هواء فلسطين من ثاني أوكسيد صهيون، بعد أن كثّفها في روحه، وارتفع بجرحها الفاغر إلى مرتبة الإنساني، وأدمج حياة الفلسطيني في الفنّ واللّغة والتّاريخ، ووقف على النّقيض ممّن رهنوا مفهومهم للمسألة الفلسطينيّة بالشّعاري والسياسي الضيّق حتّى حوّلوا مفرداتِها إلى مادّة ضجر،تماماً. بالنّتيجة،جعل الشّاعر من المسألة أسطورتَه الشّخصية عندما لم يتردّد في أن يتناول فلسطين كموضوع في الحبّ والحياة والحرب والسلم والحكمة والخسارة عبر أنا الأغنية المتقشّفة، وعبر فعّالية الإصغاء الّذي به يصل الذّاتي بالجمعيّ ـ 

بقيت قصائد محمود درويش ،داخل غنائيّته الشفّافة والمتحوّلة، لا تكفّ قوّة الأصغاء في حركة المعنى الّتي تعبرها من ذات إلى ذات، ولا تدير ظهرها لأساطير الشّعب المُحاصر التي شخّصها شعريّاً، وقد قال السيّء الذّكر بين أساطيره المدعومة بالنّار شارون، مرّةً: «إنني أغار من محمود درويش، وأحسد الشعب الفلسطيني على تعلّقه بأرضه بالطريقة التي يعبّر عنها شعر درويش». كلّ قصيدة كاتن، في الحقيقة، تصنع لحظتها التّاريخيّة الّتي تتأتّى لها من محتواها بقدرما من بنائها الّذي يخترقه ماء الإيقاع العابر للأزمنة والذّوات والخطابات والصّوَر، المحسود عليه من شعراء ذائعي الصّيت ـ

والسؤال الآن: ماذا أراد درويش أن يقول لنا، وهو الماشي بيننا من نصف قرْنٍ؟ وماذا يريد لنا ممّا قاله؟

هذا السؤال لا يُطْرح إلّا إذا أدركنا أنّنا في قلب الإشكاليّة الّتي كان محمود درويش يجترحها،ويعنينا بها، حيث تصير التّغريبة الفلسطينيّة تغريبتنا في الحياة والكتابة.

...وصيّته الدّائمة:

على متداد أزْمنة ثقافيّة خصبة وحادّة من استحقاق الشّعر والمعرفة به،إذن،أدمنت قصيدة محمود درويش على الوعي العميق والحيويّ بالكتابة الّتي لا تنفصل عن أخلاقيّاتها وشرطها الإنساني بشكْلٍ لا ينقطع عن تجديد فهمه للذّات والعالم، وعن طريقة استبصاره للمستقبل الّذي يسير إليه بمزامير من غناء. لكنّه منشغلٌ، بالقدر نفسه، بإواليّات عمل الكتابة وطرائق تنظيمها وتخييلها، أي بالشّعرية الّتي تأتي من تعاضد دوالّ القصيدة وعناصرها الّتي تتحوّل باستمرار.

لكنّ كثيراً من الدّراسات لا تزال تُصرّ على تمثيل شعر محمود درويش في يافطاتٍ ومسمّيات ذابت في الماضي كأن ليس لها ما تقوله، وليس هناك ما يبرّر، اليوم، مراجع مفاهيمها الاختزاليّة والدوغمائيّة الّتي تعجز عن أن تُصغي إلى واحدةٍ من أهمّ وأغنى التّجارب الشّعر العالمي، في ما تطرحه مقترحاتها الجماليّة وقضاياها العسيرة. وصار محمود درويش ينتبه بجدّية إلى المسألة، ويطرحها في الحوارات التي تُجْرى معه، لأنّها تُصادر حريّته وموهبته وعمله في المجهول، ويشكّ في نوايا القراءة المغرضة الّتي تُقارِب قصيدته، وتُفرط في استعمال التأويل السياسي .

وإذا كان الشّاعر محمود درويش قد أوصى، قبل أن يسلم الرّوح إلى باريها،بألّا يُتْرك حيّاً بفعل الأجهزة الصّناعية أبداً في حال ما إذا وقع له أيّ مكروه، وبأن يُدْفن في وطنه فلسطين برام اللّه، فإن وصيّته الدّائمة: إرحموا شعري.

01:15 |  Facebook | |

جماليّات الموت

ـ'جماليات الموت في شعر محمود درويش' : بين الشخصيّ والعام

عبداللّطيف الوراري

محمود دويش

:شَــرْط أرض

لم يكُنْ محمود درويش شاعراً تحت هذه اليافطة، تبعاً لسيرورة عمله الشعري وتاريخيّته، أو كان هو نفسه يقبل بذلك بسبب التأويل السياسي المفرط لذلك العمل، إنّما هو، بالأحرى وفي نهاية التحليل، شاعرٌ إنْسانيٌّ شرط قصيدتَه ببلوغ المعنى الأرضي وممكناته المعيوشة والمتخيَّلة، وذلك عندما وتّرها بقوس المأساة الفلسطينية ومتتالياتها، ليس لأنّه عايشها من الداخل، ودفع ضريبةً باهظة ـ وإن كانت مستحَقّة حقّاً ـ من روحه وحياته، بل لأنّ تلك المأساة لم يكن لها مثيلٌ في الأرض، وبمرأى الشُّهود، من حيث الجراحات التي نزفتها، والآثار المدمِّرة التي تكبّدتْها، حتّى صارت عنواناً بازغاً لعصْـرٍ قياميٍّ أكثر ظلماً ووحشيّة. وبسببٍ من ذلك، كانت قصيدة محمود درويش، منذ بداياتها، منصرفةً إلى شرطها الأرضي بالغ الجهامة والمفعم بالتّباريح؛ فارْتَفعت بمفردات تجربة العذاب الفلسطيني إلى مستوىً من الرمز والملحمة فادحٍ تشفُّ عنه غنائيّةٌ آسرة لذاتٍ تتخلّلها أصوات شعبٍ أُجْبر على أن يعيش الموت يوميّاً من أجل ألا تُهْدر مع الدم المسفوح كرامته وحقّه في استرداد هويّته وأرضه المغتصبة. كانت القصيدة الدّرويشية في المحكّ الصعب، تكتب شهادتها المخفورة بالاستعارات الحيّة، وتفجِّر نشيدها المتصاعد الّذي يلتقط تلك اللحظات الدمويّة ليختبر بها إمكان إنتاج حياةٍ جديدةٍ تنهض على الأبعاد الخصبة لموْتٍ حيويّ، لا هو ميتافزيقي ولا هو إيديولوجي. في مذبحةٍ، أو في منفىً، أو في عملٍ فدائيٍّ بطوليٍّ، أو في لحظة مرضٍ تشارف العدم، لم يتوانَ محمود درويش عن أن يواجه الموت بقوّةٍ وسخريّةٍ، عاملاً على الدمج الخلاّق بين ذاته ورمزيّة الأرضٍ في سياق الرؤية الفردية المدعومة بوطنيّتها وثقافتها ومعرفتها الشعرية بالمصائر والأحوال، من دون أن ينجرف وراء الخطابية والمباشرة في التعبير بدعوى الالتزام ـ

:جماليّات موْتٍ لا يتكرّر

لقد أحسن الناقد المغربي عبدالسلام المساوي صنيعاً عندما خصّ دراسته اللمّاحة للحديث عن ' جماليّات الموت في شعر محمود درويش' ( دار الساقي، بيروت، ط.1، 2009)، وذلك لمّا لاحظ ما ألمحنا إليه، منطلقاً من فرضيّة ' أنّ الموت الذي تردّد في معظم أعمال درويش الشعرية بأنساق وصيغ مختلفة، إفراداً وتركيباً، سيتخذ بعداً مناقضاً لمفهومه العادي باعتباره نهاية الحياة ودخول عالم الأبدية. إنّه، بعبارة أخرى، معبر ضروري في المشروع الحيوي لشعب يرفض أن يعيش مهاناً فاقداً هويّته التاريخية. وتأسيساً على ذلك، فإن الموت سيغدو استراتيجية أساسية لاسترجاع الكيان الروحي والمادي الذي تستحق به الحياة ان تُعاش'( ص.6). وقد تتبّع الناقد، بكثيرٍ من التروّي، تردُّدات ثيمة الموت وأبعادها داخل النصوص الشعرية في بنياتها النصيّة، أو في عتباتها الموازية ( العناوين، التصديرات، الإهداءات)، بدءاً من ديوانه ' أوراق الزيتون' 1964م إلى ديوانه اللافت ' حصار لمدائح البحر' 1984م، قبل أن ينشغل، أساساً، بـ ' جدارية محمود درويش' 2000 م، لما فيها من انحرافٍ ثيماتيٍّ وجماليّ وتخييليّ داخل تصوُّر الشاعر لفكرة الموت وأبعاده برُمّتها. وهو ما عزّز لدى الناقد فرضيّة القول بتأرْجُح الشاعر بين مفهومين للموت عبر مساره الإبداعي الطويل: ــ

أ-تمجيد الموت باعتباره عرساً للشهيد، ومدخلاً لاسترجاع الأرض والهوية، فاتّخذ الموت نتيجةً لذلك مفهوماً جماعيّاً تنظر إليه الذات بوصفها جزءاً ملتحماً بالكلّ ـ
ب- تذويت الموت وتأمّله في سياق الرؤية الفردية المدعومة بتجربة المرض التي قرّبت الذات من مصيرها، وأتاحت لها أن تتأمل هذه اللحظة بكثيرٍ من الحكمة والتفلسف الخاص ـ

منذ تجاربه الشعرية الأولى، نذر الشاعر محمود درويش قصيدته للجمعيّ، مُصغياً إلى عذاباته داخل حياة المأساة التي فُرِضت عليه، وهو ما جعل طائر الموت يبسط جناحيه الثقيلين عليها. وكانت تلك التجارب تُوازي، زمنيّاً، التوجُّه الثوري في شعره، وهو ما جعل علاقة الشاعر بالموت لا تخرج عن المعاني التالية التي تفيد معنى ' القتل'، أي كفعل عنيف يُمارَس، وليس كمفهوم ميتافيزيقي سُلط على البشر من السماء، على اعتبار أنّ الإيمان العميق بأن الإقدام على الموت استشهاداً وفداءً هو الخطوة العملية التي بإمكانها أن تعيد الحق المسلوب، وبأن لا سبيل للردّ على الظالمين والمغتصبين إلا بهذه الأعمال البطولية التي يصنعها الشهداء. ومن ثمّة، قرّ في وعي الشاعر أنّ الكلمة الشعرية الوجه الثاني للسلاح الفعلي، فهي التي يمكن أن تقوم بوظيفة التنوير وتحميس الشعب على بذل النفس من أجل استرجاع أرضه وكرامته. ص.16 ـ 17

و بقدرما عمل الشاعر، هنا، على النأي بنفسه عن الخوض في التأمُّلات الفلسفية للموت نظير ارتباط قصيدته بالواقع الاجتماعي والسياسي، من غير أن ترتهن به، بالقدر الذي كان ينسف فيه هيبة الموت وسلطته الميتافزيقية. وفي هذا الصدد، تحضر الأرض بصفتها رمزاً للأمومة المانحة للهويّة، التي لا يملك الأبناء إلا أن يُؤثروا موتهم الشخصي لكي تستمرّ الحياة فيها أيّاً كان مكان استشهادهم. لذلك، يشغل موضوع الاستشهاد باعتباره الموت الأسمى حيّزاً كبيراً في قصائد محمود درويش، بموازاة مع صعود حركة المقاومة الفلسطينية، ومع اقتراف آلة الكيان الصهيوني لأبشع الجرائم في حقّ الشعب الفلسطيني. كان يرى الموت يحصد الفلسطينيّين في كل مكان، وهو ما أشعره باليأس والمرارة في سياقاتٍ من المرحلة التاريخية التي يمرّ بها هذا الشعب وكفاحه العادل، لكن غير المتكافئ. ولم يكن ذلك يعكس اغتراباً يستوطن ذات الشاعر، أو شعوراً حادّاً باليأس، بل كانت القصيدة، بشكل مقلوب، تطفح بقدْرٍ هائلٍ، ضمنيٍّ، بالأمل، لمّا كانت تختبر قدرة الموت العنيف وحدوده في إمكان إنتاج حياةٍ جديدةٍ أعنف، وذلك ضمن مسارٍ إيديولوجيٌّ يجتهد في تحويل سقوط أجساد الشهداء إلى ملحمةٍ ضاجّةٍ بالأبعاد الخصبة لذلك الموت الذي يُعدّ أساساً لتصحيح أخطاء السياسة، وترميماً لخريطة الوطن التي ظلمها التاريخ.ص.28

من مديح الموت الجماعي الذي كرّسته الأعمال الشعرية السالفة، بما هو 'موت أسمى'، يتوجّه الناقد إلى بحث المفهوم الثاني للموت واختباره نصّياً وتخييليّاً من خلال ' الجدارية'، داخل ما أسماه ' الموت من المنظور الذاتي'، مُلْمحاً إلى أنّ ذلك ترافق مع الارتداد من الجماعي إلى الذاتي في ما بعد، أو على الأقلّ تقليص هامش الأول لصالح الثاني، داخل توجُّهٍ شعريٍّ كان يخضع، باستمرار، لأسبابٍ فنيّة وجماليّة. فمن هذه الأسباب ما كانت له صلة بتغيّر مفهوم الشعر لديه ووظيفته تبعاً لتغيّر إيقاع العصر، أو بالتطورات الحاصلة في المسألة الفلسطينية بعد دخول الطرفين المتحاربين في مفاوضات أوسلو وما أعقبها من اتفاقيات كانت سبباً في استقالة محمود درويش من العمل السياسي، أو تبعاً لأسباب فيزيولوجية تتعلق بصحّة الشاعر بعد أزمات قلبية عدة ألمّت به، وأخضعته لعمليات جراحية دقيقة، وجد نفسه خلالها وجهاً لوجه أمام الموت، ليكشف من خلالها قطيعةً ليس مع مفهوم الموت فحسب، بل مع مفاهيم نوعيّة تخصّ مسألة الكتابة برُمّتها ـ 
أتت ' جدارية محمود درويش' في قلب التحوّلات وزمنها، إذن. يقول الشاعر: ' في هذه القصيدة كنت أكثر انتباهاً، أوّلاً للمسألة الوجودية وليس للمسألة الشعرية. كنت أعتقد أنني أكتب وصيّتي، وأن هذا آخر عمل شعري أكتبه. في القصيدة مناطق ميتافيزيقية، وقد حاولت أن أضع فيها كل معرفتي وأدواتي الشعرية معاً، باعتبارها معلَّـقتي'!
فعلاوةً على أنّ ' الجدارية' إمكان شعريٌّ ـ تخييليٌّ للذهاب في سؤال الموت منذ أقدم النصوص التي تحدثت عن الموت، هي أيضاً ' مواجهةٌ له بسلاح الذاكرة الحيّة التي تختزن قدراً وفيراً من الأحداث والرموز الثقافية'، وهو ما جعل الشاعر ' يفضح عُري الموت وجُبنه بالإشارة إلى كونه لا يستطيع أن ينال من ضحيّته سوى الأعضاء الهشّة، لكنّه في المقابل لا يقوى على ابتزاز حمولته الرمزية تلك التي ستمكّنه من المكوث خالداً في ملكوت الأفكار والتوهُّج الرمزي والجمالي'( ص.49) . هنا، ينتصر محمود درويش على الموت عبر رثائه والسخرية منه : 'أيها الموت كأنك المنفي بين الكائنات، ووحدك المنفي، لاتحْيَا حياتك، مَا حَيَاتُك غَيْرَ موتي' ـ
إن الخلفية الثقافية التي يصدر عنها الشاعر، وهو يرفع جداريّته في وجه الموت، تنسجم تماماً مع مقصديّته في الإفصاح عن تشقُّقات كينونته وأناه الغنائيّة، بعد العلم الّذي انتهى إليه في طوافّه الطويل، وفي مغامرة روحه من رحلة البحث، ناشِداً ومُنشداً. وهكذا يأتي الحديث عن الموت مشتبكاً برموز الحياة التي تُنعش ذاكرة الكائن، وتفتح فضاءها على آفاق متباينة من المعرفة كسلاح مواجهة، إلى حدٍّ أمكننا معه فهم التجلّيات الواخزة من أشكال الموت ومعانيه التي اصطرعت في وعي الذّات ومجهولها، بما في ذلك المعنى الأنطولوجي له: ' يا موت! يا ظلّي الذي، سيقودني يا ثالث الاثنين، يا لون التردد في الزمرد والزبرجد / يا دم الطاووس، يا قنّاص قلب / الذئب، يا مرض الخيال، اجلس/ على الكرسي! ضعْ أدوات صيدك / تحت نافذتي. وعلّق فوق باب/ البيت/ سلسلة المفاتيح الثقيلة! لا تحدّقْ/ يا قويُّ إلى شراييني لترصد نقطة/ الضعف الأخيرة' ـ

:من التناصّ إلى الإيقاع

إلى ذلك، يضعنا الناقد، في تأويله لجماليّات الموت، داخل استراتيجيّة نقديّة تستقصي أجروميات الشكل الشعري عبر عناوين فرعية، بدءاً من معجم الموت إفراداً وتركيباً، ثم التناصّ من حيث كونه دليلاً على غنى النصّ الدرويشي المتحدّر من مرجعية ثقافية وخلفية معرفية تراثية وكونية [ التناصّ الأسطوري، الديني، التاريخي، الصوفي، الأدبي والفلسفي]، فالصّورة الشعرية التي يهيمن عليها النمط الحسّي الذي يجد مبرِّره في هذا الموت اليومي الذي يُعانيه الشعب الفلسطيني في سياق ملحمته المعاصرة، وهو ما سمح بـشَخْصَنة الموت عبر تصويره داخل أوضاع مبتذلة وعادية، في محاولةٍ من الشاعر لدرء الشعور بالعبثية، ولإشباع حاجة نفسية لديه في الانتقام من موت أعمى غير مُعقْلن لا يضبط مواعيده جيّداً. في خضمّ ذلك، تتحرّك اللُّغة الشعرية داخل مرجعيات متنوعة تعكس ركام الثقافات التي يمتحها الشاعر من أساطير وأديان وآداب، لكي يرتفع بخطاب 'الجداريّة' إلى مستوىً أنطولوجيٍّ عالٍ من مواجهة المعرفة والفنّ لتهديدات الموت، وهي' تخلق الفوضى في مفرداتها، وتعيد ترصيفها في بنياتٍ تركيبيّةٍ تجتهد في التنكيل بالموت عن طريق بناء صور متعدّدة له'[ص.115]، ممّا يحوّل مفهوم الموت من مجهوليّته الميتافزيقية إلى معلوميّة واقعية. كما لم يغفل الناقد عن تحليل رمزية الألوان، ودلالات الزمان، ودلالات المكان في تحديد صور الموت، وفي تشكيل شعريّة 'الجدارية' تشكيلاً يُكافيء رهبة شعور الذّات أمام الموت، وفوق ذلك لذّتَها في مواجهته والتسلّي معه/به؛ لكنّه أغفل، حقّاً وبشكلٍ غير مفهوم، عن تحليل دالّ أساسي هو دالّ الإيقاع ، وإن كان يفترض سلفاً بأهمّيته إذ 'لا وجود لإيقاعٍ بلا معنى'. لقد تمظهر الإيقاع بمستوياتٍ بالغة النوعيّة، ونزعم أنّ له الأسبقيّة في فهم قطاعٍ حيويٍّ فالِتٍ من أصداء تلك ' الجداريّة' ونتوءاتها الحادّة. ذلك ما يحتاج إلى مكانٍ آخر ـ

***

لقد مات الشاعر عشرات المرّات، وحمل الموت في قلبه وغنائيته، حتّى تحوّل إلى طرف في معادلته الشعرية والحياتية، وجعل منه واقعاً خاصاً قلّما نجد مثيله في شعر الإنسانيّة. ونحن نستعيدُ، بتأثُّرٍ بالغٍ، ذكرى رحيله الثانية، وبعد جوْلاتٍ من تلك المواجهة الشاقّة والشائقة التي خاضها مع الموت، يبقى من نافلة القول إنّ الشاعر محمود درويش إذا كان الأخير قد سلبه جسده الهشّ وأغمض ' عينيه عن شعلة هذا الكون'، فإنه لن يقوى، بأيّ حالٍ، أن يسلبه روحه ويطوي أجنحته العظيمة في أيّ زمان ومكانٍ، حيث سيكون الدهر، كشأن صنيعه مع عظام الأرض، من رواة قصائده العابرة للذّوات والأزمنة ـ

01:06 |  Facebook | |