Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

08/10/2011

Tomas Transtromer

توماس ترانسترومرالشعر هو الإقامـة في الآخر

thomas.jpg

 

 

 

تقديم وترجمة: علي ناصر كنانة

الشاعر في سطور

ولدَ توماس غوستا ترانسترومر في 15 أبريل 1931 ستوكهولم، لأب صحفي. ومنذ نعومة أظفاره افترق الوالدان (غوستا وهيلمي) ما جعله لا يتمكّن من رؤية أبيه إلاّ نادراً. درس في مدرسة سودرا لاتين. وفي العشرين من عمره شرع بالدراسة الجامعية في كليّة ستوكهولم حيث اهتمّ بدراسة تاريخ الأديان. ومن هناك حصل على البكالوريوس  عام 1956. وفي العام التالي بدأ حياته الوظيفية في المعهد السايكولوجي بجامعة ستوكهولم حتى  عام 1960. ولفترة قصيرة من مطلع الستينيات عملَ نفسانياً في مركز روكستا المختص بإعادة تأهيل المجرمين الشباب. وفي عام 1965 انتقل للإقامة في مدينة فيستروس حيث عملَ بعد ذلك نفسانياً في معهد سوق العمل عام 1980.

في الثامن والعشرين من نوفمبر 1990 تعرّض توماس ترانسترومر لجلطة دماغية، شُلّتْ على أثرها جهته اليمنى وفقدَ القدرة على النطق، ماعدا كلمتي (نعم) و(لا)، لكن زوجته مونيكا ترانسترومر تكفّلتْ بمساعدته في التعبير عما يريد قوله في بعض المواقف.حاز ترانسترومر العديد من الجوائز:

-جائزة بيلمان 1966.

-جائزة أوفراليد 1975.

-جائزة دي نيو 1979.

-جائزة شيلغرين 1981.

-جائزة بيتراكا 1981.

-الجائزة الكبرىلشيوع الأدب 1982.

-جائزة آنايرا (مناصفة) 1985.

-جائزة بيلوت 1988.

-الجائزة الأدبية لمجلس دول الشمال 1990.

-جائزة دول الشمال من الأكاديمية السويدية 1991.

- جائزة أوغست 1996.

-جائزة LRF (مناصفة) 1997.

وطيلة السنوات الأخيرة ظلّ قراء وأصدقاء ترانسترومر يترقبّون في اكتوبر من كل عام إعلان الأكاديمية السويدية حصوله على جائزة نوبل للأدب.

وفيما عدا مجموعاته الشعرية المذكورة في المقدّمة لم يكتب ترانسترومر أي كتاب نثري، باستثناء كتاب صغير جداً اسمه (الذكريات تراني)، وهو عبارة عن سيرة ذاتية مقتضبة جداً.

منذ أصدرَ مجموعته الأولى (17 قصيدة) عام 1954 خرجَ الشاعر السويدي توماس ترانسترومر ( 1931-) على الناس شاعراً متميّزاً حيث عُدَّ ديوانه البكر هذا كأفضل مجموعة شعرية صدرتْ في السويد خلال عقد الخمسينيات. وعاماً بعد آخر، في ديوانٍ إثر آخر، ترسّختْ تجربته الشعرية حتى أصبح أشهر شاعر سويدي نالَ من التوصيفات الأدبية ما لم ينله سواه من معاصريه. فقد وصِفَ في مقدمة الطبعة الانجليزية لأعماله الشعرية الصادرة في نيوجرسي عام 1987 بأنه واحد من أفضل شعراء العالم. وفي خطاب نيله جائزة نيستردات العالمية في الأدب عام 1990 أُشيدَ بكونه واحداً من الشعراء الأكثر تفرّداً في هذا العصر. صديقه الشاعر شيل إسبمارك عضو الأكاديمية السويدية - الذي أصدرَ في نهاية السبعينيات دراسة شاملة حول شعر مجايلهِ (موضوع الدراسة) - كتبَ في مقدمة الطبعة الفرنسية لشعر ترانسترومر عام 1996 بأنه ثالث كاتب سويدي يؤثّر في الأدب العالمي بعد سترندبيرغ وسويدنبيرغ. وفي مجلّد (تاريخ الأدب في السويد) لمؤلّفيه بيرنت أولسون وأنجمار آلغولين يُشار الى إنه أستاذ الصورة الشعرية في الشعر السويدي. جوزيف برودسكي (الحاصل على نوبل للأدب عام 1987) وصفَهُ بأنه شاعر من الطراز الأول. وقال ديريك والكوت (نوبل للأدب عام 1992) إنّ على الأكاديمية السويدية أن لا تتردد في منح ترانسترومر جائزة نوبل. منذ مجموعته الأولى وفي عشر أخرى تلتْها، حاول ترانسترومر أن يتحرر من الزمن المحدود والمكان المحدود حيث ولِدَ وعاش ذاتاً وعايش موضوعاً في وطنه السويد. وسعى بأناة شاعر رؤيوي الى أن يخلق زمكانه الخاص في لحظة كونية حيث الزمن إنساني والمكان متجاوز للجغرافيا التعسفية. البيئات البعيدة "الأخرى" ترسّختْ في روحه،واستحال الوعي الى تكوين شفاف في أقاليم اللاوعي. وصار الشاعر لا يجد نفسه متوازناً إلاّ في النقطة التي يرى فيها الحقيقتين: الجانبين: فالعالم عالمان وهو لا يراه إلاّ واحداً. في مقابلة صحفية معه في نيويورك عام 1979 يتحدث ترانسترومر في السياق ذاته: "أكتبُ دائماً على خط الحدود - الحد الفاصل بين العالم الداخلي والعالم الخارجي، أسّمي ذلك "حاجز الحقيقة" لأنها النقطة الفاصلة ذاتها التي تمكّننا من امتلاك الحقيقة".

وقد جسّدَ هذه الفكرة في أحد مقاطعه الشهيرة:

"حقيقتان تقتربان من بعضهما بعضاً

واحدة قادمة من الداخل

وأخرى قادمة من الخارج

وحيث تجتمعان

يتسنّى للمرء أن يرى نفسَهُ".من قصيدة"مقدِّمات موسيقية". في بحث جامعي شملتُ به شعر ترانسترومر كلّهُ لاحظتُ إن تجربته الشعريه مطبوعة بالميل نحو الآخر (غير السويدي) سواء كان إنساناً أو مكاناً أو أشياءً مما أضفى على شعرهِ ميسماً كونياً. الميل نحو الآخر في شعر ترانسترومر يمثّل في أعمق دلالاته بديلاً وجودياً تستطيع الذاتُ معه الدفاع عن هويتها الوجودية وتتحرّر بأسلوب إبداعي - شعري من قفص الاغتراب. فالشعر وسيلة يدافع بها الشاعر عن نفسه ضد كلّ ما يقود الى الاغتراب. في مقابلة معه أجرتها الناقدة تورستين رينرستراند عام 1974 يتطرّق ترانسترومر الى هذا الشعور:

"في سويد اليوم ثمّة نوع من المواجهة ثمة ضغط من التكنولوجيا، من المتسلطين، من اللاشخصي والمنظّم والباهت، من أجهزة الكمبيوتر. هذا الضغط يجبر الناس على الدفاع عن شئ خاص، ثمين. الشعر يساعد على جعل هذا الثمين حيّاً".

أطلقَ ترانسترومر لشعرهِ عنانَ التحليق في فضاءات أخرى، وحالما اقترب منها وجدَ نفسه جزءاً منها، وهي جزءٌ من كلّ يضمُّهما معاً في عالم واحد بلا حدود. ترانسترومر واحد من الشعراء القلائل الذين أشاروا شعرياً بأصابع غليظة إلى هذه الحدود – الحواجز ووقفوا عليها ليحرضوا ضد وجودها.

"الزمن ليس خطاً مستيقماً

إنه أقرب إلى المتاهة.

ولو اتكأ المرء على مكان

مناسب من الجدار

يستطيع أن يسمع الخطوات

المسرعة والأصوات، يستطيع أن

يسمع نفسه تمرّ من هناك على

الجانب الآخر".من قصيدة"جواب على رسالة".

في إحدى عشرة مجموعة شعرية ضمّتْ 166 قصيدة حفلتْ 102 منها بميلٍ كلّي أو جزئي نحو الآخر. وبشكلّ عام يمكن القول إن شعر ترانسترومر يتماهى في أربعة فضاءات:

أولا: البورتريه الانعكاسي (إسقاط صورة الآخر على الذات الشعرية).

حملتْ العديد من قصائده المهمة بورتريهات لكتّابٍ وفنانين كانوا جميعاً غير سويديين. وإنّهُ لجدير بالتساؤل البحثي إن شاعراًً سويدياً وطوال ستة وأربعين عاماً من عمره الشعري لم يجد بورتريهاً سويدياً واحدا يرى فيه شيئاً من ذاته. فهو يعرّفُ نفسَهُ بالجغرافيا اللانهائية عند ثوريو، وبالقدرة على أسر الكونكريتي في عالم التفاصيل عند غوغول، وبموقف الفنان عند بالاكيريف، وبمصاعب الإنتاج عند غراي، وبلغة الموسيقى عند شوبرت، وبالألوان عند تورنر، وبوحدة العالم عند فيرمير.. وحتى في قصيدته المعروفة "الغاليري"-حيث ثمة غاليري للغرباء- يخلق ترانسترومر بورتيريهاً ذاتياً في فضاء من الخلفيات التاريخية غير السويدية.

ثانياً: أفريقيـا: لم يكن توماس ترانسترومر وحده من انتقل بشعره بعيداً عن بيئته السويدية، حيث ولِدَ ونشأَ طفلاً.. ونضجَ شاباً.. وبرزَ شاعراً اغترفَ من تراث وثقافة تلك البلاد المقيمة في جليد مديد يتلهّـف إلى عناقِ صيفٍ يمرُّ متمنّعاً على عجالة. كذا هو الصيف حلمٌ يشاغبُ أفئدة المقيمين في الثلج. ولكن الحلم الشعري يخفي بين ثناياه تطلّعاً إلى ما هو أبعد من مناخيّة الصيف: لما تحمله الأصياف بين ثناياها. فالأصياف لها ثقافاتها كما للشتاءات.

كتّاب كثيرون حاولوا أن يخلعوا معاطف الثلج بحثاً عن عري الأصياف في لقاء مباشر مع الشمس وكانت لإقامتهم في الشرق مظاهر واقعية وشعرية مثل اكيليف وهايدنستام وفرودنغ، بَيْدَ أنّ التجربة الشعرية لتوماس ترانسترومر تختلف عن مثيلاتها في ميلها نحو الخارجي: في أنها تقيم كلّيّاً - تقريباً - خارج حدود الجغرافيا الواقعية للشاعر.

من مجموعته الثانية (أسرار على الطريق) إلى مجموعته الأخيرة (الجندول الحزين) ومن قصيدته "رجل من بنين" إلى "الوقواق" حضرت أفريقيا في طفولته حلماً وفي شعره أفقاً رؤيوياً.

لقد كانت أفريقيا حلماً طفولياً مبكراً تحدّثَ عنه الشاعر في كتاب صغيرعن طفولته: (الذكريات تراني) وتنمذجتْ أفريقيا في ضمير الشاعر كصورة حادة للآخر. وقد امتدّتْ الجغرافيا الأفريقية في شعره من مصر والسودان إلى الجزائر ومن الكونغو إلى جنوب أفريقيا ومن بنين إلى زائير:

"جئت لألتقى ذلك الذي يرفعُ

فانوسَهُ

ليرى نفسَهُ فيَّ ".من قصيدة "رجل من بنين"

ثالثاً: وحدة العـالم.

في إنتمائه إلى العالم، العالم كلّه، يحيل ترانسترومر الذات إلى وحدة مع الآخر الذي تحوّلَ من آخر منفصل إلى كامن في الأنا الشعرية. وجلَّ ما يؤرق الرؤية الترانسترومرية هي تلك الحدود أو الجدران التي تحيل العالم إلى عالمين. يبدو شعر ترانسترومر كما لو أنه - وهو كذلك- خارطة شعرية للعالم كلّه من فيتنام إلى إيران ومن الكونغو إلى دول البلطيق. من نيويورك إلى شنغهاي ومن اليابان إلى اليونان- ومن آشور إلى دلتا النيل ومن براغ إلى الخرطوم.

في قصيدة فيرمير يكتب ترانسترومر:

"إنه لموجع عبور الجدران، لابد سيفضي

إلى التوعك

بَيدَ إنه ضروري.

العالم واحد. لكنها الجدران..

جزء منك هو الجدار،

تعلم أو لا تعلم،

هو كذلك بالنسبة للجميع

ما عدا الأطفال الصغار،

لا جدار بالنسبة لهم".من قصيدة "فيرمير".

بكلّمات، يمكن القول إن ترانسترومر شاعر كوني حقاً: الإنسانية قومه، والعالم وطنه، والأرض كلّها جغرافيته الشعرية، ولم تكن سويديّته إلا محض تصادف. إنه يتبادل مع الآخر حالة المرآة.

رابعاً: الإلتزام الجمالي..

يكاد يكون توماس ترانسترومر الوحيد أو واحداً من شعراء قلائل في العالم عاشوا ستينيات القرن العشرين الملتهبة دون أن تلتهب قصائدهم. فقد نأى ترانسترومر بشعره عن انفعالات المدِّ السياسي الستيني الذي اجتاح العالم وثقافته آنذاك. فلم يكتب شعراً خطابياً، وابتعدَ شخصياً عن أي نشاط سياسي، منهمكاً في الاشتغال الجمالي على قصيدته، وهو انهماك لم يتجاهل ما يدور في العالم بل كان في الصميم منه ولكن من خلال كينونته الشعرية. وقد أُتهِّمَ ترانسترومر وقتها بالانعزالية إلاّ أنه كان يدرك بأن أجندة الشاعر هي غير أجندة السياسي، فلكلّ منهما استراتيجية مختلفة، وأسلوب تعبيري مختلف حتى لو تلاقت الخطوط.

لقد حرصَ ترانسترومر أن يكون التزامه التزاماً جمالياً: حيث يستطيع الشاعر ترويض الفكرة في فضاء القصيدة وليس العكس حين يتم تغليب الفكرة (الأيديولوجية أو السياسية) على البُعد الجمالي للقصيدة. ففي قصيدة ترانسترومر تكتسب الأفكارُ حياةً أخرى مستقاةً من العالم الشعري، ومنقّاةً من حدّةٍ وظائفيةٍ تحيل النص إلى مناطق خطابية أخرى، وتودي به إلى فخ اللاشعرية.

ولابدّ في هذا السياق من التطرّق إلى إعلان الشاعر في قصائده عن لغة جديدة تمثّل خصوصيته في وعي اللغة، فقد سئمَ من الكلّمات التي لا تأتي باللغة:

سائماً جميع الذين يعبِّرون بكلّمات، كلّماتٍ وليستْ لغةً

أرحلُ إلى الجزيرةِ المغطّاة بالجليد.

البرّي لا كلّماتَ لديه.

الصفحاتُ غير المكتوبة تتمدّدُ في جميع الجهات!

أصطدمُ بأثرِ ظلفِ يحمورٍعلى الثلج.

لغةٌ وليستْ كلّمات.

والشاعر بذلك يبحث عن الصورة في اللغة: في أن نرى اللغة دون الحاجة لقولها في كلّمات. فالكلّمات لديه مفردات مرئية بل وتكاد تُلمس. فالصور والكلّمات تفيض على النص:

موجةٌ جائشةٌ تتدحرجُ في النص كلّهِ، تتبعُهُ

موجةٌ جائشةٌ، ثمّ أخرى...

وغالباً ما يدعو ترانسترومر إلى لغة جديدة متغيّرة لأن:

كلّ مشكلّةٍ تصرخُ بلغتها.

ولأن:

اللغة تسير في تناغمٍ مع الجلاّدين

يجب أن نأتي بلغةٍ أخرى.

والقارئ لشعر توماس ترانسترومر لا يجد عناءً كبيراً في تلمّس أن شعره اشتغالٌ جمالي ودأب حقيقي للإتيان بلغةٍ أخرى.

خامساً: قلّة الانتاج أو الكتابة النوعية...

لا يعتبر توماس ترانسترومر شاعراً غزير الانتاج إذا ما قورنَ بسواه من الشعراء، وعلى وجه الخصوص العرب منهم. فلم يتجاوز مجموع صفحات أعماله الشعرية (التي تضم إحدى عشرة مجموعة، صدرتْ خلال الفترة من 1954 إلى 1996) 300 صفحة من القطع المتوسط. وربما كانت مجموعاته من الأصغر حجماً (من حيث عدد الصفحات)، فقد ضمّتْ أكبرها 34 صفحة بينما لم تتجاوز أي من المجموعات الأخرى 25 صفحة:

1-17 قصيدة (1954): 25 صفحة.

2-أسرار على الطريق (1958): 20 صفحة.

3-السماء غير المكتملة (1962): 25 صفحة.

4-رنين وآثار (1966): 34 صفحة.

5-الإيصار في العتمة (1970): 15 صفحة.

6-من الجادّات (1973): 14 صفحة.

7-الجزر الشرقية – قصيدة (1974): 20 صفحة.

8-حاجز الحقيقة (1978): 23 صفحة.

9-الساحة الوحشية (1983): 18 صفحة.

10-من أجل الأحياء والموتى (1989): 25 صفحة.

11-الجندول الحزين (1996): 23 صفحة.

وبذلك يمكن القول إن ترانسترومر شاعرٌ آمنَ بعدم جدوى البذخ الكمّي الذي لا يمنحُ صاحبَهُ مجداً في المعايير الشعرية، فاختارَ ما يمكن تسميته: الكتابة النوعية التي تعني – رقمياً – على سبيل المثال أن يصدر ديواناً من 18 صفحة (1983) بعد مرور خمسة أعوام على صدور ديوانه السابق (1978) من 23 صفحة. أو أن يصدر ديواناً يضم 23 صفحة (1996) بعد مرور سبع سنوات على صدور ديوانه السابق (1989) من 25 صفحة. وربّما يعني ذلك إن ترانسترومر لا ينشر إلاّ القليل القليل ممّا يكتبه، إيماناً منه بأن لا يعلن على الناس إلاّ ما يراه نوعيّاً في شعره.

:مُختارات من شعره 

إلى أصدقاء خلف الحدود:

 

-1-

 

كتبتُ لكم رسالةً جدّ جافة. لكنَّ ما لم يُسمح لي بكتابتهِ

انتفخَ وانتفخَ كسفينة هوائية قديمة

ثمّ انزلقَفي النهاية من خلال السماوات الليلية.

 

-2-

الرسالةُ الآن لدى الرقيب. هو يشعلُ مصباحَهُ.

في النور تطيرُ كلّماتي عالياً مثل قرودٍ في قفص

تهتّزُ، تهدأُ، ثم تظهرُ أسنانها!

 

-3-

اقرأْ ما بين السطور. سنلتقي بعد مائتي عام

يومَ تُنسى أجهزةُ الإنصات في جدران الفندق

ويمكنها أخيراً أن تنام، تصبح متحجّرة.

 

أسرار على الطريق:

ضوء النهار أتى على وجه ذلك الذي نامَ.

حلِمَ حلماً مفعماً بالحياة

لكنه لم يستيقظ.

 

العتمةُ أتت على وجه ذلك الذي مضى

بين الآخرين تحت أشعة الشمس

الحادة الجزوعة.

 

أظلمتْ فجأةً كما لو هطلَ مطرٌ غزير.

وقفتُ في غرفةٍ اتسعّتْ لكلّ اللحظات –

متحف فراشات.

 

والشمس بالرغم من ذلك حادة كما في السابق.

فرشاتها الجزوعة رسمتْ العالم.

 

 

                            مرثيّـة

أفتحُ البابَ الأولى.

ثمّة غرفة كبيرة مشمسة.

شاحنة ثقيلة تمـرُّ في الشارع

فتجعلُ البورسلين يهتـز.

أفتحُ البابَ رقم إثنين.

أصدقائي! لقد شربتم الظلام

وأمسيتم مرئيّين.

 

الباب رقم ثلاثة. غرفة فندق ضيقة.

تطلُّ على الشارع الخلفي.

مصباح يضيء الإسفلت.

نفايات الخبرات الجميلة.

 

                            بورتريـه مع التعليق

 

ذا بورتريه لرجلٍ عرفتُهُ من قبل.

يجلس إلى الطاولة بصحيفة مفتوحة.

العينان تهجعان خلف النظّارة.

البذلةُ مطهّرةٌ بوميض غابة الصنوبر.

 

إنّه وجه شاحب وغيرمكتمل.

لكنه كان يوحي دائماً بالثقة. لذلك

يُترَدّدُ في الاقتراب منه

وربّما مواجهة ما لا يسرّ حينئذٍ.

 

جمعَ أبوه المالَ مثلَ الندى.

لكن لا أحدَ رغم ذلك كان يسير آمناً في البيت-

ثـمّة شعور في أن أفكاراً غريبة

اقتحمتْ الفيلا في الليالي.

 

الصحيفة تلك الفراشة الكبيرة القذرة،

الكرسي والطاولة والوجه في استرخاء.

الحياة توّقفتْ في كريستالات كبيرة.

لكن دعْهَا تتوقف حتى إشعار آخر!

*

هذا هو ماأنا ساكنٌ فيه.

إنّهُ موجود. إنّهُ لا يتلمّسُ ذلك

ولذا فهو يعيش ويوجد.

 

ماذا أكون أنا ؟ أحياناً منذ وقت بعيد

اقتربت تماماً لعدة ثوانٍ من 

ماذا يكون أنا، ماذا يكون أنا، ماذا يكون أنا.

 

ولكن ما أن تمكنتُ من رؤية أنا

اختفى أنا وبانَ ثقبٌ

سقطتُ فيه مثل أليسا.

 

                            مقـدِّمات موسيقية 

- 1 -

أجفـلُ من شيءٍ يأتي متثاقلاً عبرَ

الثلج الماطر.

نتفٌ مـمّا سيأتي.

جدارٌ مفصول. شيء ما بلا عيون. صلب.

وجه من أسنان!

جدار وحيد. أم إن المنـزل موجود هناك

رغم أنني لا أراه ؟

المستقبل: جيشٌ من منازل مهجورة

تتلمّسُ طريقها في الثلج الماطر.

 

- 2 -

حقيقتان تقتربان من بعضهما بعضاً. واحدةٌ قادمةٌ من الداخل

وأخرى قادمة من الخارج

وحيثما تجتمعان يتسنّى للمرء أن يرى نفسَهُ.

 

ذلك الذي يفطنُ لما يكاد أن يحدث

يصرخُ يائساً: "قفْ!

أيّاً كان الأمر، أريدُ فقط تلافي التعرّفَ على نفسي".

 

وثـمّة مركبٌ يريد أن يرسو - محاولاً هنا بالتحديد -

إنه سيحاول آلاف المرّات.

 

من عتمة الغابة يأتي محجنُ زورقٍ طويلٌ، يُلقى

عبرَ النافذة المفتوحة

بين ضيوف الحفلة الذين كانوا يرقصون بدفء.

 

- 3 -

 

المنـزل الذي أمضيتُ فيه الجزء الأكبر من حياتي سيُخلى. إنه مُفَرّغٌ الآن من كلّ شيء. لقد فلتتْ المرساة -ورغم أنه مايزال يثير الحزن لكنه المنـزل الأخفّ في المدينة كلّها. الحقيقة لا تستلزم أثاثاً. لقد درتُ دورةً حول الحياة وعدتُ إلى نقطة الخروج: غرفة خاوية. الوقائع التي حدثت لي هنا تظهر الآن على الجدران كرسوم مصرية، مسارح داخل القبو. لكنها تتهدّم أكثر فأكثر. أي أن الضوءَ جدُّ حاد. النافذة أصبحتْ أكثر اتساعاً. المنـزل الخالي منظارٌ كبيرٌ موّجهٌ نحو السماء. إنه صامتٌ كصلاة الكويكر. وما يُسمعُ إنـما هي حمامات الحدائق الخلفية، هديلها.

 

 

                             في دلتـا النيـل 

 

الزوجةُ الشابةُ بكتْ بحرقةٍ في الطعام

في الفندق بعد يومٍ واحدٍ في المدينة

حيثما رأتْ المرضى الذين يزحفون ويضطجعون

والأطفال الذين لابدّ يموتون من العوز.

 

هي وزوجها صعدا إلى غرفتهما

حيث دُلِقَ الماءُ لمنع الغبار من التطاير.

توجّهَ كلٌّ إلى سريرهِ دون كلّمات كثيرة.

هي سقطتْ في نومٍ ثقيل. واضطجعَ هو يقظاً.

 

خارجاً في العتمةِ انـهمرَ ضجيجٌ عابر.

همهمات، دمدمات، صرخات، عربات، أغاني.

إنه يمضي في حرج. لم ينقطع قط.

وهو متقوّساً غفا في "لا".

 

وحلِمَ. كان في رحلةٍ بحرية.

ظهرتْ حركةٌ في الماء الرمادي

وصوتٌ قالَ: "ثمّة مَن هو طيب. 

ثمة مَن يستطيع رؤية كلّ شيء دون كراهية".

 

                              خطوات كثيرة

 

 

دُفِنَتِ الأيقوناتُ في الأرض ووجهها الى الأعلى

وديسَتِ الأرضُ

بالعجلاتِ والأحذيةِ، بآلافِ الخطوات

بعشراتِ الآلافِ من خطى المتشككين الثقيلة.

 

 

في الحلم نزلتُ في حوضٍ مضيءٍ ذاتياً

             تحت الارض،

                         قدّاس هائج.

 

يا لهُ من شوقٍ قوي! يا لهُ من رجاءٍ أحمق!

ومن فوقي وطءُ ملايين المتتشككين.

 

 

                                   الذكريات ترانـي

 

 

ذات صباحٍ حزيراني حيث من المبّكر جدّاً

أن تصحوومتأخراً جداً أن تغفو ثانيةً.

 

يجب أن أخرج إلى الخضرة المسكونة

بالذّكريات، التي تلاحقُني بالنظرات.

 

إنها غير مرئية، تذوبُ كلّيّاً

في الخلفية، حرباوات كاملة.

 

 

إنها قريبةٌ جداً بحيث أسمعُها تتنفّسُ

رغم حدّةِ صداحِ الطائر.

 

 

                        أوراق كتاب الليل

 

ذاتَ ليلةِ مايس نزلتُ

في نورٍ قمريٍّ بارد

حيث كانَ العشبُ رمادياً والأزهار

بَيْدَ أنّ العطرَ أخضر.

انزلقتُ إلى أعلى المنحدر

 

في تلك الليلة المصابة بعمى الألوان

فيما أحجارٌ بيض

تعطي إنذاراً للقمر.

 

مرحلةٌ

طولُها عدّة دقائق 

وعرضُها ثمانية وخمسون عاماً.

65251041.jpg

 الشاعر السويدي توماس ترانسترومر وزوجته في مؤتمر صحفي

 بعد إعلان فوزه بجائزة نوبل في الأدب للعام 2011م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

20:24 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.