Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

28/10/2011

هنري ميشونيك يتأمل ثنائية النثر والشعر

النَّثْر، الشِّعْر والهويّة الملتبسة للإيقاع

يرى ميشونيك أنّ التباس الشعرية مع البلاغة والأسلوبيّة يدلُّ على فراغ النظريّة، وهو فراغ العلاقة نفسها بين الإيقاع والمعنى

meschonnic.jpg

هنري ميشونيك 

ترجمة: عبد اللطيف الوراري

إنَ الخُطاطة القديمة للدَليل، التي تُقيم نظريّة الإيقاع التقليدية، تحكم التَعارض العقلاني من النثر إلى الشعر مدعوماً من قبل النزعة الوضعية. وبقدر ما يتمّ شعرنة الشعر يجري تأكيد هذه الخطاطة التي سلبت من النثر والشعر تاريخهما، ليصنع منها حديث خرافة. لن يؤخذ الإيقاع كتاريخيّةٍ للغة والذات إلا بتحديد النثر والشعر تاريخيّاً، في تعدُّدهما. وتُعدّ إيديولوجيات اللسان كما الممارسات الأدبية، في هذا الاتجاه، كاشفة . ولا نبغي من وراء دراسة بعض المجالات الأجنبية شعريّةً عامة بمعنى النحو العام، ولا عقد مقارنات، ولكن موجزاً للشعرية التاريخية، الذي يعيد التعميمات إلى مكانها. بما في ذلك أثر الشًعر على نظرية اللغة، وأثر النظرية على الممارسات، حتّى تُردّ لكُلّ منهما مغامرته... تتمة المقال علي: ــــ

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today%5C27qpt892....

17:46 |  Facebook | |

16/10/2011

علي جعفر العلاق يتأمّل القصيدة

تـأمـلات فـي كتابـة القصيـدة

علي جعفر العلّاق

allaq.jpg

 

-1-

أتساءل ، أحياناً : ألا يعد حديث الشاعر عن سلوكه الشعري نميمة من نوع خاص ، هتكاً للسر، أو وشاية بالقصيدة؟ ألا يعني ذلك أن الشاعر يفتح ورشته الشعرية للريح وفضول المارة ؟

ثم ألا يكشف حديث كهذا لعبة الشاعر التي حرص، دائماً، على أن تظلّ سرّية، وعصية على الفضح؟

حين يتصدى الشاعر لمهمة شاقة وشيقة كهذه لابد له من عدّة مميزة . أعني أن تكون له أسراره الخاصة فعلاً؛ فالحديث عن مخبّآت متوهمة، أو مدعاة ضرب من الوهم، أو دعوة للصيد في الظلام. هذا أولاً .

أما ثانياً. فإن في حديث الشاعر عن حركة القصيدة، أو تململها الأول، أو انبثاقها من شقوق الروح ، تكذيباً لسقراط، وإقلاقاً لقناعته التي لا تزال ، ربما، تسكن ما بقي من رماده العظيم. أما كان يرى، دائماً ، أن الشعراء هم أقل الناس قدرة على الحديث عن قصائدهم؟

إن الشاعر لا يملك، على الدوام، لغة فضاحة أو نضّّاحة. أقصد اللغة/ الشبكة القادرة على الغوص إلى عوالمه السفلية وملاعبة كائناتها الخطرة. اللغة التي تجسد أقسى ما في النفس من عويل أخرس، أو نوايا تتوتر تارة وتتآكل تارة أخرى، وهي تحتدم ، هناك، بين قاع البئر وفراشة الضوء.

-2-

ما زالت ذاكرتي، حتى هذه اللحظة الموحشة، مبتلة بذلك الصباح الخريفي الذي كان يغمر طفولتي وجدران المدرسة وأشجارها بالبرد واللذة والفضول. في تلك اللحظة فقط، من يوم الدراسة الأول، عرفت أن للقصيدة قائلاً من لحم وحنين وقدمين تلامسان الأرض. لقد صادف أن أحد معلمي المدرسة كان شاعراً. وصادف أن أحد التلاميذ كان يقرأ قصيدة من قصائد ذلك المعلم، وكان الفصل خريفاً.

كانت تلك القصيدة تتناثر في ذلك الهواء الصباحي الطازج. وتبتل بأنفاس التلاميذ، وتلذع قلبي بطريقة لذيذة غامضة. قبل تلك اللحظة لم أكن أدرك، أنا القادم إلى المدينة من قرية مرشوشة بالماء والأسى والخرافة، أن الشاعر يمكن أن يكون إنساناً كباقي البشر: يمشي ويأكل ويتأوه. كنت أظن أن الشعر لغة فوق إنسانية، تهبط من غيب ما ، وتصوغها جوقة من المجانين أو الملائكة ، ربما.

هكذا كانت نظرتي إلى القصيدة: كلام يهطل، غامضاً، من سماء مبتلة بالفضة، أو امرأة تنبثق من جرح في الريح . وهكذا كانت نظرتي إلى الشاعر: إنسان أثيري يصعب الإمساك به. عصي على أن يكون عادياً. هل كان الأمر كذلك حقاً؟ كان الشاعر، بالنسبة لي، إنساناً كرسته الطبيعة لمهمة خارقة: أن ينطق الكون بالحلم ويملأ اليباس بالرأفة.

وكان ثمة سؤال يشتعل رنينه الرمادي في العظم والروح : هل يمكن أن يتجاور، في الشاعر نفسه الحلم والوشاية؟

طفولة اللغة والنوايا السوداء؟

الأسى العظيم والدجل؟

كرامة الروح والابتذال؟

كانت هذه النظرة ، وما تزال، نسيج ذلك الوهم الذي يرافقني. فالشاعر عندي، أعصى خلق الله على النفاق والمساومة. هل كنت أؤمن، وفي وقت مبكر، أن الشاعر هو من ينطبق عليه وصف غوتيه لشيلر: شاعر حتى في طريقة تقليم أظافره؟ ربما.

-3-

على الرغم مما يتكبده الشعر، كل يوم، من خسائر فإن إيماني لا نهاية له بأن الشعر قوة خفية آسرة، تدفعنا إلى الاكتمال الصعب. وأن القصيدة هي ذلك الملاذ الذي أشيده دائماً من بقاياي النائحة لأحتمي به، ثانية، من القبح والكذب والتشتت. وكم كنت مديناً لهذا الإيمان الكاسح، فقد كان يدرأ عني الكثير من الأذى الذي يحاول أن يحاصر قصائدي، ويبعثر نيرانها الجريحة. لم أكن أحفل أبداً، رغم تاريخ طويل من الفقر الكريم والوحشة الهائلة، بولائم الجن وتمتمات السحرة. لم أحفل بالغنى الرخيص والشعراء الذين كانوا ينحتون قصائدهم حسب الحجوم والأيام والمناسبات.

للشاعر غيومه المغردة في الروح، تحجب عنه ضجيج الشعراء المفتعلين وغرورهم المغشوش. وحين كانت مباهجهم العابرة تزداد ارتفاعاً كانت نشوته لا حدود لها، وهو يفرغ من قصيدة جديدة: صياد مفتون برائحة الطرائد الحرة، وهمهمة الموج. كان يحسّ، بعد كل مكسب أرضي لهم، أنهم يزدادون إيغالاً في التراب بينما ترتفع به قصائده، هكذا يحسّ، خفيفاً مشعاً، يتكاثر في الريح مأخوذاً بخسائره ومفتوناً بحزنه العظيم.

-4-

يؤلمني كثيراً ما في نصوصنا الحديثة من إدعاءات مخيفة. إن شعراءنا كثيراً ما يستعيرون لغة أخرى ورؤى لا تمت لتجربتهم الروحية أو خبرتهم الشعرية بصلة عميقة . أنني أتفتت ألماً حين أقرأ قصيدة تقتفي خطوات أدونيس أو محمود درويش حتى تكاد أن تسقط إعياءً : لغة أدونيس الجسدية، المختنقة بالدلالات وتوهجات الفكر، والشطحات الصوفية، والإيماء إلى الأساطير، والانزياحات الأسلوبية.

وكذلك حين يفعل شاعر آخر الشيئ نفسه مع محمود درويش: حين يحاكيه في لعبته الداخلية: في سهولته المضللة أو شراسته المغرية، أو حين يحاول اللحاق المستحيل بتلك الغنائية الفجائعية، أو ذلك الضمير الجمعي الذائب في فردية فريدة.

وفي الحالتين لا يملك هذان المقلدان شيئاً من سحر أدونيس أو درويش، ولا يملك أيّ منهما أن يكون آيّا منهما على الإطلاق: ليس إلا الإدعاء، ومشقة المحاكاة ، وعذابها الفائض عن الحاجة.

وفي نصوصنا الشعرية الحديثة، أو في معظمها، مجافاة واضحة لشروخ الذات وتفجعاتها. تقرأ القصيدة، أحياناً ، فلا يعلق بروحك أو ضميرك وجدان ما : ندم ، أو شهوة، أو خذلان، أو رفض، أو يأس. إنها خارج اصطدام هذه الانفعالات، أو بعيداً عن هبوبها القاسي غالباً. وتسأل نفسك أين يقيم هذا الشاعر؟

ولست أدرى سبباً لهذا الضمور الوجداني في الكثير من نصوصنا هذه الأيام. أهو الانحراف بمقولة إليوت الشهيرة عن اتجاهها الصحيح: على الشاعر أن يهرب من عواطفه؟ مع أن إليوت كان يعني ، بعبارة لا تحتمل متاهات التأويل، أن على الشاعر أن يعبر عن عواطفه بطريقة غير مباشرة.

هل فهم بعض شعرائنا إليوت بطريقة لا تمثل مفاهيمه النقدية على حقيقتها؟ هل نسي الكثير من هؤلاء الشعراء أن اليوت كان يعدّ أعماله النقديه مجرد ناتج جانبي لنشاطه الخلاق؟ وكثيراً ما عبر عن استيائه لأن بعض الكتاب يقتبسون عباراته، التي كتبت قبل أربعين سنة، وكأنها كتبت أمس، كما كشف عن حيرته لشيوع مصطلحاته بين الباحثين الجادين وتلاميذ المدارس.

لقد ركضنا وراء مفاهيم الفصل "بين العقل والعاطفة"، و"المعادل الموضوعي"، و"الهرب من العواطف"، و"الموضوعية في الأدب" حتى صار الكثير من قصائدنا جافاً ، خشناً، لا يسيل منه ماء المعنى ولا دم الكارثة.

إن للشعر، حتى في أقصى مدياته تجريبية، دافعاً ما، وغاية يسعى إلى الإيحاء بها، بوسائله الشعرية الخاصة. كلام ، كالبدهيات، لا خلاف عليه بين عاقلين. والشعر لا يبعد كثيراً عن أن يكون تعبيراً غير مألوف، عن تجربة مألوفة. والشعر بعبارة لوتمان، معنى يبنى بطريقة معقدة. ليس الجدال إذن حول تجربة القصيدة أو موضوعها ، في حد ذاته، بل حول طرائق الإفصاح عنه بحيوية راقية. خلافنا لا يتعلق بـ " ماذا" النص الشعري بل بـ "كيف" التجسيد، أعني خصوصية أدائـه ، وتمايزه ، وروغانه الجميل.

-5-

تبدأ القصيدة، لديَّ، دون تخطيط، أو تصميم مسبق، هكذا همهمة جسدية وروحية تظل، على الدوام ، عصية على التحديد، عشبة من دخان اللغة، ورعدة ذات إيقاع خاص تتصاعد متشابكـتين من بين الأنقاض. ولست، قادراً ، لحظتها ، على تمييز ما يحصل في تلك البئر الفياضة بالضوء الغائم،والمباهج المنكسرة، كل شئ يبدأ مشوشا، مرتبكاً، لكنه يظل، مع ذلك ، لذيذاً يحفز الحواس باستمرار ويغذيها باللهب، والتصدعات والتمتمة.

لا أقوى ، أحياناً، على الفرز بين اللغة والإيقاع، فهما يندفعان سوية: يتقاطعان تارة وينسجمان في هبوبهما تارة أخرى. وأظلّ مسكونا بهذه الهمهمة، ممتلئاً بدخانها العالي، وهو يهطل على الروح والجسد لفترة قد تطول وقد تقصر ، حتى أجد نفسي في اشتباك لا أتبين أطرافه بسهولة : جسد ينز لغة، وإيقاع مؤلم لم يعثر على لغته بعد. في هذه الحيرة الوارفة، تتجمع فلول الإيقاع، وتتلبد الروح باللغة شيئاً فشيئاً.

وكما تقبل غيوم الخريف الأولى، أو ينبثق رعد على حافة أفق بعيد، هكذا تماماً، تقبل القصيدة متأججة غامضة، لا ملامح لها، تدفعني أمامها مثل ليل كاسح. ويستمر هطولها الكثيف: سيل هائج لا أتبين اتجاهه تماما، يوقظ في طريقه آلاف الطيور والمآتم، والأنهار الخرساء.

وما إن ينتهي هذا الاشتباك ، حتى تبدأ ملامح النص بالاتضاح: فجر يطل مرتبكاً على قرى مهدمة، وذكريات تتوهج باستمرار، وجوه لم أعد اعرفها لكثرة ما تراكم بيني وبينها من غياب كثيف. الكتابة، عندي، حالة من الكدر الروحي، والعناء الجسدي. إنها تجربة شديدة المرارة، وقد تكون بداية الكتابة أكثر مراحلها أذى ووعورة. فكم هو شاق وممض البيت الأول من القصيدة، أو الأبيات الأولى منها. إنها فترة من التهيب والخوف اللذين لا أدري سبباً لهما. أهو غموض ما أنا مقبل عليه؟ ربما. فالقصيدة تتمرد على صاحبها منذ البدء ، تتخذ طريقاً أخرى تماماً، حتى تبدو ، في النهاية ، قصيدة عن موضوع آخر، أو فكرة لا تمت إلى الفكرة التي توهمتها أول مرة. مع أني كما قلت لا أضع تخطيطاً للقصيدة التي أسعى إلى كتابتها.

وحين تأخذ قصيدتي طريقها إلى النشر، لا يعني ذلك اكتمالها النهائي، فاكتمال القصيدة بالنسبة لي، عمل يناقض آدمية الشاعر، تلك الآدمية المفعمة بالندم المهلك والإحساس بالنقص. أينا يملك القدرة على الاكتمال؟ بل أينا يملك الجرأة على قول ذلك؟

ولهذا السبب، كثيراً ما تتعرض القصيدة لدي إلى التآكل أو النمو. كان كيتس يقول إن قصيدته جزء منه، وهي عرضة للتغيير دائماً، وأنا أطارد قصيدتي باستمرار محاولاً أن أقربها من ذلك الوهم الجميل، أو الاكتمال العنيد . قد لا تصل بعض قصائدي إلى شكلها النهائي إطلاقاً، فهي في القراءة قد لا تكون ذاتها مطبوعة في الجريدة، وهي في الجريدة أو المجلة غيرها في الديوان، أو على الأصح ليست هي تماماً. قد يطال التغيير عنوان القصيدة فقط ، وقد يشمل عناصر جوهرية في دلالتها، أو نسيجها اللغوي.

أذكر مرة أن الدكتور سلمان الواسطي، وهو مترجم بارع ، وأستاذ مرموق في الأدب الإنجليزي ، ترجم قصيدة لي بعنوان " دخان الشجر" كانت منشورة في مجلة الأديب المعاصر، ونشر الترجمة في مجلة كلكامش، الصادرة عن دار المأمون. وحين ظهرت القصيدة في مجموعتي "فاكهة الماضي"، كانت قد تعرضت لجملة من التغيرات، كانت نصا يكاد يكون مختلفاً عن النص المنشور في المجلة، وكم كنت محرجاً من الأستاذ الواسطى . لقد ظن البعض أن ترجمته بعيدة عن القصيدة، وهم لا يعلمون أن قصيدتي هي التي ابتعدت عن ترجمته، فهي نص يختلف ، إلى حد واضح، عن ذلك الذي قام بترجمته الواسطي باقتدار ورهافة عاليين.

-6-

القصيدة لغة قبل كل شئ، ولغتها هي التي توصلنا إلى عناصرها الأخرى. في الشعر تكون اللغة خاصية الشاعر الأولى أومأثرته الكبرى، ولذلك نتحدث عن لغة السياب، ولغة أدونيس، ولغة محمود درويش، وآخرين. ولا أعني باللغة هنا، مفردات الشاعر، التي يكثر معدل ترددها أو تكرارها في قصائده، لا أعني معجمه الشعري فقط، بل شمائله اللغوية وعاداته في بناء العبارة، وقدرته على تحويل الجملة اللغوية إلى جملة شعرية، أي القدرة على تليين القاعدة اللغوية السائدة، وتكييفها شعرياً. لا بمعنى إلحاق الأذى بها، واختلاق المعاذير للإساءة إليها، بل ما أعنيه شيئ آخر تماماً. هو الإصغاء لهاجس الشعر لا لمنطق اللغة فقط .

الهاجس والمنطق في اشتباك لا يهدأ، المنطق يسعى في المقام الأول إلى الصحة اللغوية، والصرامة، والشيوع، أما الهاجس فيدفع إلى العدول عن الشائع، المكرور، إلى الأقل شيوعا والأكثر مفاجأة. إن الامتثال للنمط الشائع ، في بناء الجملة ، انصياع مطلق للقاعدة في أكثر وجوهها تزمتاً، أما الكشف عن جوازات هذه القاعدة واستثناءاتها أو احتمالاتها الأقل شيوعاً فكشف عن المخبوء، وغير المتوقع من مدخرات اللغة من الليونة والتكيف. لماذا كان بيت المتنبي التالي مثيراً للاهتمام:

جللاً، كما بي، فليك التبريحُ

أغذاء ذا الرشأ الأغنَّ الشيحُ

هل سيكون له الوقع ذاته لو سار على الترتيب الشائع لبناء الجملة المكونة من كان واسمها وخبرها؟

وقد نما لدي إحساس، منذ البداية، بأن علي أن أنأى بلغتي عن المألوفية، والشيوع قدر ما أستطيع ، مؤمنا إيماناً قاسيا، أن على الشاعر أن يكشف عما وراء أحطاب اللغة من خضرة محزنة، وعما وراء رمادها من أنهار فوارة. كنت أُعنى في الكثير من قصائدي ، عناية خاصة، بالعلاقات اللغوية.

لقد صار من البديهي جدا، أن الكلمة، في حد ذاتها، لا تشتمل على أي إثارة شعرية. صحيح أن كلمات مثل امرأة، بلدوزر، غيمة، برميل ، وردة، مقصلة، كلمات ذات حظوظ متفاوتة من الإيحاء. فالبون شاسع مثلاً بين المرأة والبلدوزر، وبين المقصلة والوردة، لكن هذا الإيحاء، كما أرى، لا يعود إلى شعرية هذه الكلمة أو نثرية تلك، بل يعود إلى قوة الذاكرة وما تدخره من ثقافة وأعراف وعادات تتباين من حضارة إلى أخرى. إن قوة الشعر هي التي تحول هذه الكلمات إلى كلمات جديدة لم نألفها، أي تضعها من جديد، في سياق آخر، وتحولها إلى كلمات دون ذاكرة.

والعلاقات التي أعنيها لا تتوقف عند العناصر الأساسية للجملة، بل تمتد إلى ضواحيها أيضاً. تلك الضواحي التي يمكن أن يتفجر منها الكثير من الرذاذ والهزات واللطائف. كنت أنتبه على سبيل المثال إلى وظيفة الصفة في الجملة الشعرية، فهي مهلكة ، أحيانا ، وكاتمة للضوء.فالصفة الخاملة قد تجهز على لجملة الشعرية ، وتطفئ ما فيها من إثارة حين تظل مشدودة إلى ميراثها الأول من المعنى. أما إذا انزاحت تلك الصفة عن مكانها المتوقع، واحتلت مكاناً مفاجئاً، فإنها تربك عاداتنا اللغوية والانفعالية، وتقلب توقعاتنا الراسخة رأساً على عقب.

مازلت أذكر ، وأنا في بداياتي الأولى، كيف توقفت أمام بيت لنزار قباني:

يا شعـرهـاً على يـدِيْ

شلالَ ضـوء أسودِ

وكنت مندهشاً من وصفه الضوء بالسواد، قبل أن تصبح هذه المخالفة من بلاغة القصيدة الحديثة وصورها النمطية الشائعة، وقبل أن أكتشف أن المتنبي كان سباقاً إلى ذلك في بيته عن كافور الأخشيدي.

 

تفضح الشمسَ كلما ذرَّتِ الشمسُ

بشمس منيرة سوداءِ

إضافة إلى دور الصفة في الجملة، فإن العلاقة التي تربط بين عناصر العطف النسقي، يمكن أن توفر للنص هذه الهزة المفاجئة. وقد يبدو الأمر في البداية، كأنه لعب مجاني باللغة أو معها . في قصيدتي (حرس لنوم الحبيبة) مثلاً يرد هذا المقطع:

 

أغنّي حولَ سيدتي،

وأحرس نومَها المائيّ ، أفتح جمرَها

يأتي المساكينُ ،

الغزالاتُ ،

العصافيرُ

النحيفة، خشنة في البردْ

تجاورني،

وتترك فوقَ قمصاني

حصىً ،

أو وحشةً ،

أو وردْ

 

ما كنت أعلم تماماً لماذا يبعث فيَّ ترتيب البيت الأخير إحساساً بالنشوة. أهو التنويع في عربات هذه القاطرة اللغوية: حصى، وحشة، ورد؟ أم هو المزج بين الجامدوالحي، بين الممعن في لطفه والممعن في شراسته؟ أم هو التجاور بين المجرد والمحسوس؟

 

 

-7-

مازال الإيقاع ، في شعرنا الحديث، يلعب دوراً في بناء النص وتكثيف دلالته من جهة، وتعميق إحساسنا به من جهة أخرى. إن الإيقاع الشعري لدى السياب و أدونيس و محمود درويش، مثلاً، يؤجج في نصوصهم حيوية خاصة، ويدفع بها إلى أقصى قدراتها على التأثير . في هذه الحالة، لا تكون الموسيقى دربكة أو ضجيجاً يأخذنا أو يأخذ الشاعر بعيداًعما يشتمل عليه النص من فداحة أو شجن، حتى نجد أنفسنا، مندفعين مع تيار طربي صاخب، بعيداً عن أرض القصيدة وعالمها المزدحم بالدلالات والرؤى المجرحة.

وقد كانت الموسيقى في النص الذي أكتبه، وما تزال ، حاضرة حضوراً أساسياً. إنني، وبسبب طفولة مفعمة بإيقاع القصيدة العمودية ربما ، شديد الميل إلى الموسيقى الشعرية. كانت قصائدي، وفي المراحل الأولى خاصة، مفتونة بالإيقاع، الذي يتهدل عليها، غائماً أو شفيفاً، حتى أحس أحياناً أنها تبتل بنغم خاص، يتسرب بين ثناياها، ويملأ كل فجوة فيها، غير أن هذا الافتنان بالإيقاع أخذ يرتبط تدريجياً بوظيفة النص ككل.

لا أجد فاصلاً، كما أشرت، بين اللغة وماء الإيقاع: ماءان كثيفان ينهمران من الجهات كلها، فيسري دبيبهما في كل شئ: في جسد اللغة، وأدغال المعنى ، في حركة الروح وشراسة المخيلة، في الكون والناس والحجارة. أحاول ألا تكون موسيقى القصيدة ضجة، بل دبيباً، فضجيج الخارج كثيراً ما يحجب عن قلوبنا أنين الغرقى، وعويل الدماء في عروقهم.

-8-

يرتبط الشعر بالطبيعة ارتباطاً قديماً، فرحلة الكائن البشري من الطبيعة إلى الثقافة لا تعني استبعاد الطبيعة وأشياءها ورموزها من عالم الشعر. صحيح أن هذا التحول يعني، من جملة ما يعني، مفارقة الإنسان لبساطة عيشه الأول وانتقاله إلى مستوى حياتي أكثر تطوراً ، وتعقيداً. لكن هذا التطور الإنساني وضع الطبيعة، في صلتها بالإنسان، في مستوى أشد ثراءً. فدفعت الثقافة بالطبيعة بعيداً عن حياة الشاعر المادية، بعيداً عن خارجه الحسّي، وأدنتها من داخله القلق والمراوغ. جعلتها أكثر تعلقاً بتجربته الروحية؛ فصارت تشكيلة من الرموز والصور، التي تكتسب دلالة فردوسية كبيرة، فهي حلم آدم الضائع تارة ، وطفولته الأولى تارة أخرى، وهي أيضاً، جناته التي لا يكف عن التلفت إليها نادماً، أو يائساً، أو مستاءً.

وهكذا فقدتالطبيعةقشرتها الخارجية، وسال خزينها الرمزي بغزارة موجعة: لقد كانت واقعاً ماثلاً، فغدت رمزاً . وقد حدث ذلك منذ البدايات الأولى وحتى الآن: منذ أن امتلأت آبار أوروك وجرار نسائها بالدم غضباً لاغتصاب إنانا، منذ أن أحس الجبل بالهرم ورعدة الموت، وفقد صلادته وتوحشه أمام ابن خفاجة، ومنذ أن امتلأت الغابة رأفة وانكساراً في شعر جبران وأبي ماضي، ومنذ أن صارت ملتقى للموت والحياة في شعر السياب وغيره من شعراء الحداثة المرموقين.

ثمة فرق كبير بين أن تكون الطبيعة، في الشعر، مشهداً جذاباً ولحظة غنائية عابرة، وبين أن تعمل كعنصر داخلي، يتمدد في نسيج القصيدة ودلالتها الكلية . بين أن تكون عباءة غنائية براقة ملقاة على النص، وبين أن تكون شاهداً على فجيعة الكون ومغزاه الكامن.

وقد كان للطبيعة، في نصوصي الشعرية، حضور كبير ؛ فقد كنت ابناً لبيئة مائية بامتياز، عشت فيها طفولة مشتبكة بالطبيعة اشتباكا فريداً، أورثني ذاكرة منقوعة بالماء، حتى أن بعض النقاد وصف كتاباتي منذ بداياتي المبكرة بالقصائد المائية. في تلك الطبيعة التي يتجاور فيها الموت والأنهار، الطين والأغاني، والمطر والمجاعات، تعلمت كلماتي المائية الأولى، أصغيت إلى طيور التراب، ومحنة السواقي العمياء، أصغيت إلى الريح وهي تبكي، وإلى نواح المآتم وهو يتكسر على حجر الذاكرة.

ولاشك أن الطبيعة ، في قصائدي، لم تكن على مستوى واحد دائماً، ففي قصائدي الأولى قد تهجم عليّ الطبيعة فأجد نفسي مندفعا معها ، وذائباً، حد الفناء اللذيذ، في تفاصيلها. لكن ذلك الأمر لم يستمر طويلاًً، فقد انتقلت علاقتي بها إلى مستوى آخر هو مستوى الحوار والتلاحم، الذي يهدف إلى التوظيف، وردم الفجوة بين الخاص والعام. ورغم أنني الآن أقف أمام الكون الموحش هذا بقلب يعلوه الشيب، ورغم أن الريح تدفعني يوماً بعد آخر، إلى الحافة، فإن الطبيعة تكشف لي، كل يوم، عن مدخراتها العجيبة، أعني طاقتها الكبرى على أن تكون جزءاً من تجسيد النص وجسديته، وأن تكونَ ، رغم وجودها الفيزيائي الأخضر الطري، جانباً مهماً من رمزيته الغائمة، وأناشيده المفعمة بالانكسارات.

 

-9-

ما أزال أذكر أن القرية، ذلك المكان البعيد كنجم مقفر، هي التي شكلت علاقتي الأولى بالشعر. كان والدي يعلمنا، أخوتي وأنا ، القراءة والكتابة، وكان الشعر الشعبي أول ما استقبلته ذاكرتي آنذاك بعد القرآن الكريم. وبعد انتقالنا إلى بغداد، وفي نهاية المرحلة الابتدائية، كتبت أولى قصائدي العامية، وقد أذيع بعضها في برنامج كان يقدمه الشاعر الغنائي الراحل زاهد محمد. لقد شغفت بالشعر الشعبي في فترة مبكرة، وكنت أتابع بإعجاب لا يوصف ما يكتبه الشاعر مظفر النواب في بداية الستينات . كانت قصائده الشعبية الشهيرة : للريل وحمد، يا ريحان، سفن غيلان، ترافة وليل ، فتحاً شعرياً جديداً في القصيدة العامية العراقية.

كان إنجازه على صعيد الشعر الشعبي العراقي لا يقل عمقاً عما حققه السياب على مستوى القصيدة العربية. وحين تعرفت على النواب، ذات أمسية خريفية، من عام 1962 وأهداني مجموعة من قصائده الجديدة، أدهشتني فيه شخصيته المؤثرة . كان شاعراً ورساماً، وأستاذاً وممثلاً، ومغنياً. وحدث مالم يكن في الحسبان، لقد ساهم مظفر النواب في إدخالي لا إلى عالم القصيدة الشعبية كما كنت أتوقع، بل إلى عالم القصيدة الفصحى : وضعني أمام مفهوم جديد للشعر.

لقد مارس عدد من شعراء الحداثة كتابة القصيدة العامية، مثل سعدي يوسف، صادق الصائغ، عبد الرزاق عبد الواحد وآخرين، وكانت القصيدة العامية مدخلي أنا أيضاً إلى كتابة الشعر والاقتراب من نيرانه الغامضة. لم أطل المكوث عند القصيدة العامية ، غير أن شغفي بها مازال يرافقني حتى الآن، ومازلت أجد في القصيدة التي يكتبها مظفر النواب ورياض النعماني ، وعريان السيد خلف وشاكر السماوي في العراق، والأبنودي في مصر، وطلال حيدر وميشيل طراد والأخوان رحباني وسعيد عقل في لبنان، شعراً بالغ الإدهاش والثراء.

وإذا كان لتلك البدايات العامية أن تترك في قصائد الشاعر، قدراً عالياً من الملموسية، والدفق الحياتي المفعم بالحرارة والأسى ، فإن الخبرة بالكتابة العمودية، وقد مارستها في مرحلة مبكرة ، قد تنضج من قدرته على تطويع الجملة الشعرية، والوصول بها إلى حد من التماسك والتركيز.

-10-

كنت على صلة، منذ طفولتي، بالماء والشعر والفجيعة. لقد فتحت عيني في تلك البيئة الجنوبية ، في محافظة واسط التي، يمتلئ هواؤها بالشجن، وتفوح حجارتها الكالحة بأسى قديم. كانت أيام عاشوراء مآتم كونية، تملأ أيامنا بالسواد، وقلوبنا بالندم والحيرة. كنا نهرع من قرانا المتناثرة البعيدة متجهين ، مع خيوط الفجر الأولى، إلى تلك الساحة الترابية الكبرى، حيث تمثل معركة كربلاء على الطبيعة، مع بزوغ الشمس. كانت رائحة الدم تختلط برائحة الفجر، وكانت النساء الندابات، والخيول العائدة من المعركة دون فرسانها، مشاهد لا تفارق الذاكرة : سروج خالية ، وأرسان مخضبة بالدم والتراب. ولا يمكن لي أن أنسى مشهد الحسين المثخن بالجراح. وهو يذبح وحيداً تحت سماء مكفهرة دامية. كان كل ذلك مشاهد تحفر آثارها في ضمائرنا وعقولنا وقلوبنا الصغيرة. وبعد أن تنتهي تلك المراسيم الكربلائية نعود مخذولين إلى قرانا البعيدة، تحت ظهيرة نائحة. لا أحد منا يجرؤ على الأكل أو الشرب أو البشاشة في ذلك اليوم. وكثيراً ما كنا ننسى أنفسنا في ذلك الخضم العاصف من المشاعر، ويختلط علينا الأمر فتمتلئ ثيابنا وأفواهنا وأيدينا بدم مضئ كدم الملائكة. ويستمر هذا الشجن الكربلائي يملأ أيامنا : نحسّه فائحاً من الأغاني، ودخان القرى، من ترابها الحار، وأنين أنهارها الكئيبة.

وكان للإذاعة أيضاً دورها في إشاعة جو الفجيعة هذا . كان صوت عبد الزهرة الكعبي وهو يقرأ بصوته الشجي فصولا مـن مقتـل الحسين يملأ قـلوبنا وأرواحنا بأصداء ذلك المأتـم المروّع .

في هذه البيئة المجبولة حجارتها بالحبر والدم والماء تفتحت ذاكرتي ، ومن أيامها الطافحة بالأسى، تشبع جسدي ووجداني وقصائدي. إن نهراً من الشجن كان يندفع إلىّ، وما يزال، من نواح كلكامش على أنكيدو ، ومن مأساة كربلاء المتجددة، ومن أنين شعب كامل تتعرض حياته وحضارته وأغانيه وأنهاره إلى الهلاك.

لا يمكن للشعر إلا أن يكون قرين المأساة، وابنها الجميل دائماً. لا أظن أن الفرح يمكن أن يكون حافزاً لكتابة شعرية حقة؛ ويبدو لي أن الشعوب السعيدة لا تكتب شعراً ؛ فالفرح أو السعادة حياتيان، أي أن فائض الإحساس بهما لا يدفع إلا إلى الإنغمار في الحياة، ولا يستهلك إلا بتفاصيل العيش ، غير أنالإحساس بالأسى لا يدفع ، في الغالب ، إلآ إلى المخيلة، ولا نجد العون على تحمله إلا عن طريقها فقط .

أحس ، أحياناً ، أن قصائدي مفتوحة دائماً على ريح غائمة، لا تكف عن العويل، ريح تهب من هناك، من ذلك الماضي الممعن في جماله أوعذاباته ، حاملة إلىَّ رائحة أزهار سوداء، وأقماراً تطل على أنهار مهدمة.

 

-11-

منذ بداياتي الأولى، كنت حريصاً على تجنب الطرق العامة، أعني الابتعاد عن أصوات الآخرين، أو تقليد تجاربهم. كنت مسكوناً بهذا الهاجس إلى درجة مبالغ فيها ربما، مع أن تحقيق هدف كهذا لم يكن يسيراً عليً ، كما أن طريقة تحقيقه لم تكن واضحة لدي تماماً.

كنت أميل إلى بدر شاكر السياب، وكانت قصائده تأسرني كثيراً، وخاصة صوره الغريزية المتوحشة التي تنم عن مخيلة بالغة التفرد، لكنني كنت أشعر أحياناً أن ما في قصائده من كثافة انفعالية تغدو منهكة إلى حد كبير. أما أدونيس فكان يدهشني بجرأته اللغوية والإيقاعية، وأجد في صوره أصالة وتفرداً كبيرين، إلا أن براعته العالية ودهاءه الشعري يغطيان، أحياناً، على ما تشتمل عليه قصيدته من تصدعات روحية.

ويتميز البياتي، بحيوية قصيدته: إنها مغروسة في تراب الحياة، ومنتزعة من لحمها الحيّ ، وهي كالحياة في تدافعها وعباراتها اليومية التي لا تنم عن مكر شعري عال، أو مكابدة مضنية في الصقل والتشذيب حتى يبدو أحياناً وكأنه شاعر قصائد متميزة، أكُُثر منه صاحب عالم شعري متجانس، كالسياب أو أدونيس.

لقد وقع الكثيرون في كمائن هؤلاء الشعراء الثلاثة في فترة من حياتهم الشعرية، الكثير من دواوين سعدي يوسف الأولى، على سبيل المثال، لم تكن تستطيع الإفلات من أجواء البياتي والسياب لغة وإيقاعاً وبناءً. وقد كان الكثيرون من أبناء جيلي والأجيال اللاحقة، مفتونين بأدونيس فتنة كبرى إلا أن تأثيرات السياب والبياتي لم تكن بعيدة عنهم أيضاً، إن قصائد حسب الشيخ جعفر، وسامي مهدي، وفوزي كريم ظلت فواحة بمناخات سيابية وبياتية فترة ليست قصيرة. ولم يستطيع إلا القلة مقاومة سحرهم لغة وصوراً وأفكاراً.

لقد حاولت دائماً أن أكون أنا، ذاتاً وكتابة ، وألا يشاركني في قصيدتي أحد، أن أحنو على تجربتي لغة وبنية وإيقاعاً ، وأن أصونها من التشتت أو الذوبان في هذه الأصوات الكبرى. مع علمي تماماً أنه لأمر شاق أن تكون أنت حقاً في عالم يموج بالأصوات المتشابهة، والنصوص التي تبدو أحياناً وكأنها لا تصدر عن حيرة الروح وتصدعاتها الكبرى، ولا تنم عن لغة جسدية مزدهرة، بل، عن وهم من أوهام الحداثة، أو استثماراً لبلاغة شعرية شائعة.

 

-12-

إن صلتي بالقصيدة، لم تتوقف عند كتابتها فقط ، بل تجاوزت ذلك ومنذ بداياتي الأولى، إلى مواجهة ما تثيره من أسئلة وما تفجرة من حيرة وتأملات. وقد لعبت دراستي الأكاديمية في إنجلترا دوراً أساسياً، في وضعيوجهاً لوجه أمام المغامرة النقدية الحديثة.

لا شك أن في إهاب كل شاعر ناقداً كامناً، إلا أن هذا الناقد بالقوة لا يفصح عن ذاته، كناقد فعلي، إلا في فترات محددة تلي لحظة الاستغراق في الكتابة غالباً.

وكثيراً ما كنت أُسأل ، في الحوارات الصحفية ، عن طبيعة هذا التجاور القلق ومغزاه في الذات الواحدة، وكي أكون صادقاً، فإن هذا الشرخ لم يكن مبعثاً للراحة ، بالنسبة لي ، في يوم ما. إنه مولد للأسئلة المقلقة دائماً، فاجتماع هاتين الملَكتين يمثل، كما يقول رينيه ويليك، وجهاً من وجوه الصراع الداخلي بين الغريزة والعقل. وهكذا يجد الشاعر الناقد نفسه ملتقى حركتين متضادتين في ذات الوقت، حركة تتجه إلى الآخر، وحركة تتجه إلى الذات، نشاط يركب ويبني ويحلم ويهيم، وآخر يفكك ويحلل ويستقصي وهو في منتهي صحوه الحسي والمعرفي.

وقد كنت أقول على الدوام، إنني أسعى إلى أن أظل شاعراً يكتب النقد لا ناقداً يمارس كتابة الشعر. ولم أكن أخلو من ذلك التوجس المقلق جراء هذا النشاط المزدوج في طبيعته ووسائله . ثمة خوف مكتوم يملأ عظامي كلها : أن تفلت مني خيوط ذلك التوازن المرتبك الذي يحكم العلاقة بين هاتين اللحظتين المختلفتين، الشعر والنقد . وكنت أقاوم، في نفسي وكتاباتي، ذلك الاحتمال الكريه الذي أشار إليه اليوت: أن يدافع الشاعر الناقد عن نمط الشعر الذي يكتبه.

كنت أخشى أن تجني إحدى هاتين الملَكـتين على الأخرى، إذ إن تضخم الذات الناقدة قد يحول قصائد الشاعر إلى كتابة عقلانية، تعج بالأفكار، فتضمر فيها حرقة الجسد، ووهج الحلم . وفي الحالة الأخرى قد يتحول النقد الذي يكتبه الشاعر، إلى انطباعات تأثرية سائبة، لا يحدها منهج، ولا يمنع انفلاتها قوة المعرفة أو حيوية الأداء.

لذلك كنت ألوذ دائماً بالماء هرباً من اليابسة ، كنت ألجأ إلى ماء النصوص ولغتها الفياضة محتمياً بها من يباس البحث، أتحصن بغيم المخيلة وضبابها المفعم بالإيحاءات ، لكي لا تتفتـت كثافة النار أو تخبو وردتها الساطعة..

 

07:55 |  Facebook | |

08/10/2011

Tomas Transtromer

توماس ترانسترومرالشعر هو الإقامـة في الآخر

thomas.jpg

 

 

 

تقديم وترجمة: علي ناصر كنانة

الشاعر في سطور

ولدَ توماس غوستا ترانسترومر في 15 أبريل 1931 ستوكهولم، لأب صحفي. ومنذ نعومة أظفاره افترق الوالدان (غوستا وهيلمي) ما جعله لا يتمكّن من رؤية أبيه إلاّ نادراً. درس في مدرسة سودرا لاتين. وفي العشرين من عمره شرع بالدراسة الجامعية في كليّة ستوكهولم حيث اهتمّ بدراسة تاريخ الأديان. ومن هناك حصل على البكالوريوس  عام 1956. وفي العام التالي بدأ حياته الوظيفية في المعهد السايكولوجي بجامعة ستوكهولم حتى  عام 1960. ولفترة قصيرة من مطلع الستينيات عملَ نفسانياً في مركز روكستا المختص بإعادة تأهيل المجرمين الشباب. وفي عام 1965 انتقل للإقامة في مدينة فيستروس حيث عملَ بعد ذلك نفسانياً في معهد سوق العمل عام 1980.

في الثامن والعشرين من نوفمبر 1990 تعرّض توماس ترانسترومر لجلطة دماغية، شُلّتْ على أثرها جهته اليمنى وفقدَ القدرة على النطق، ماعدا كلمتي (نعم) و(لا)، لكن زوجته مونيكا ترانسترومر تكفّلتْ بمساعدته في التعبير عما يريد قوله في بعض المواقف.حاز ترانسترومر العديد من الجوائز:

-جائزة بيلمان 1966.

-جائزة أوفراليد 1975.

-جائزة دي نيو 1979.

-جائزة شيلغرين 1981.

-جائزة بيتراكا 1981.

-الجائزة الكبرىلشيوع الأدب 1982.

-جائزة آنايرا (مناصفة) 1985.

-جائزة بيلوت 1988.

-الجائزة الأدبية لمجلس دول الشمال 1990.

-جائزة دول الشمال من الأكاديمية السويدية 1991.

- جائزة أوغست 1996.

-جائزة LRF (مناصفة) 1997.

وطيلة السنوات الأخيرة ظلّ قراء وأصدقاء ترانسترومر يترقبّون في اكتوبر من كل عام إعلان الأكاديمية السويدية حصوله على جائزة نوبل للأدب.

وفيما عدا مجموعاته الشعرية المذكورة في المقدّمة لم يكتب ترانسترومر أي كتاب نثري، باستثناء كتاب صغير جداً اسمه (الذكريات تراني)، وهو عبارة عن سيرة ذاتية مقتضبة جداً.

منذ أصدرَ مجموعته الأولى (17 قصيدة) عام 1954 خرجَ الشاعر السويدي توماس ترانسترومر ( 1931-) على الناس شاعراً متميّزاً حيث عُدَّ ديوانه البكر هذا كأفضل مجموعة شعرية صدرتْ في السويد خلال عقد الخمسينيات. وعاماً بعد آخر، في ديوانٍ إثر آخر، ترسّختْ تجربته الشعرية حتى أصبح أشهر شاعر سويدي نالَ من التوصيفات الأدبية ما لم ينله سواه من معاصريه. فقد وصِفَ في مقدمة الطبعة الانجليزية لأعماله الشعرية الصادرة في نيوجرسي عام 1987 بأنه واحد من أفضل شعراء العالم. وفي خطاب نيله جائزة نيستردات العالمية في الأدب عام 1990 أُشيدَ بكونه واحداً من الشعراء الأكثر تفرّداً في هذا العصر. صديقه الشاعر شيل إسبمارك عضو الأكاديمية السويدية - الذي أصدرَ في نهاية السبعينيات دراسة شاملة حول شعر مجايلهِ (موضوع الدراسة) - كتبَ في مقدمة الطبعة الفرنسية لشعر ترانسترومر عام 1996 بأنه ثالث كاتب سويدي يؤثّر في الأدب العالمي بعد سترندبيرغ وسويدنبيرغ. وفي مجلّد (تاريخ الأدب في السويد) لمؤلّفيه بيرنت أولسون وأنجمار آلغولين يُشار الى إنه أستاذ الصورة الشعرية في الشعر السويدي. جوزيف برودسكي (الحاصل على نوبل للأدب عام 1987) وصفَهُ بأنه شاعر من الطراز الأول. وقال ديريك والكوت (نوبل للأدب عام 1992) إنّ على الأكاديمية السويدية أن لا تتردد في منح ترانسترومر جائزة نوبل. منذ مجموعته الأولى وفي عشر أخرى تلتْها، حاول ترانسترومر أن يتحرر من الزمن المحدود والمكان المحدود حيث ولِدَ وعاش ذاتاً وعايش موضوعاً في وطنه السويد. وسعى بأناة شاعر رؤيوي الى أن يخلق زمكانه الخاص في لحظة كونية حيث الزمن إنساني والمكان متجاوز للجغرافيا التعسفية. البيئات البعيدة "الأخرى" ترسّختْ في روحه،واستحال الوعي الى تكوين شفاف في أقاليم اللاوعي. وصار الشاعر لا يجد نفسه متوازناً إلاّ في النقطة التي يرى فيها الحقيقتين: الجانبين: فالعالم عالمان وهو لا يراه إلاّ واحداً. في مقابلة صحفية معه في نيويورك عام 1979 يتحدث ترانسترومر في السياق ذاته: "أكتبُ دائماً على خط الحدود - الحد الفاصل بين العالم الداخلي والعالم الخارجي، أسّمي ذلك "حاجز الحقيقة" لأنها النقطة الفاصلة ذاتها التي تمكّننا من امتلاك الحقيقة".

وقد جسّدَ هذه الفكرة في أحد مقاطعه الشهيرة:

"حقيقتان تقتربان من بعضهما بعضاً

واحدة قادمة من الداخل

وأخرى قادمة من الخارج

وحيث تجتمعان

يتسنّى للمرء أن يرى نفسَهُ".من قصيدة"مقدِّمات موسيقية". في بحث جامعي شملتُ به شعر ترانسترومر كلّهُ لاحظتُ إن تجربته الشعريه مطبوعة بالميل نحو الآخر (غير السويدي) سواء كان إنساناً أو مكاناً أو أشياءً مما أضفى على شعرهِ ميسماً كونياً. الميل نحو الآخر في شعر ترانسترومر يمثّل في أعمق دلالاته بديلاً وجودياً تستطيع الذاتُ معه الدفاع عن هويتها الوجودية وتتحرّر بأسلوب إبداعي - شعري من قفص الاغتراب. فالشعر وسيلة يدافع بها الشاعر عن نفسه ضد كلّ ما يقود الى الاغتراب. في مقابلة معه أجرتها الناقدة تورستين رينرستراند عام 1974 يتطرّق ترانسترومر الى هذا الشعور:

"في سويد اليوم ثمّة نوع من المواجهة ثمة ضغط من التكنولوجيا، من المتسلطين، من اللاشخصي والمنظّم والباهت، من أجهزة الكمبيوتر. هذا الضغط يجبر الناس على الدفاع عن شئ خاص، ثمين. الشعر يساعد على جعل هذا الثمين حيّاً".

أطلقَ ترانسترومر لشعرهِ عنانَ التحليق في فضاءات أخرى، وحالما اقترب منها وجدَ نفسه جزءاً منها، وهي جزءٌ من كلّ يضمُّهما معاً في عالم واحد بلا حدود. ترانسترومر واحد من الشعراء القلائل الذين أشاروا شعرياً بأصابع غليظة إلى هذه الحدود – الحواجز ووقفوا عليها ليحرضوا ضد وجودها.

"الزمن ليس خطاً مستيقماً

إنه أقرب إلى المتاهة.

ولو اتكأ المرء على مكان

مناسب من الجدار

يستطيع أن يسمع الخطوات

المسرعة والأصوات، يستطيع أن

يسمع نفسه تمرّ من هناك على

الجانب الآخر".من قصيدة"جواب على رسالة".

في إحدى عشرة مجموعة شعرية ضمّتْ 166 قصيدة حفلتْ 102 منها بميلٍ كلّي أو جزئي نحو الآخر. وبشكلّ عام يمكن القول إن شعر ترانسترومر يتماهى في أربعة فضاءات:

أولا: البورتريه الانعكاسي (إسقاط صورة الآخر على الذات الشعرية).

حملتْ العديد من قصائده المهمة بورتريهات لكتّابٍ وفنانين كانوا جميعاً غير سويديين. وإنّهُ لجدير بالتساؤل البحثي إن شاعراًً سويدياً وطوال ستة وأربعين عاماً من عمره الشعري لم يجد بورتريهاً سويدياً واحدا يرى فيه شيئاً من ذاته. فهو يعرّفُ نفسَهُ بالجغرافيا اللانهائية عند ثوريو، وبالقدرة على أسر الكونكريتي في عالم التفاصيل عند غوغول، وبموقف الفنان عند بالاكيريف، وبمصاعب الإنتاج عند غراي، وبلغة الموسيقى عند شوبرت، وبالألوان عند تورنر، وبوحدة العالم عند فيرمير.. وحتى في قصيدته المعروفة "الغاليري"-حيث ثمة غاليري للغرباء- يخلق ترانسترومر بورتيريهاً ذاتياً في فضاء من الخلفيات التاريخية غير السويدية.

ثانياً: أفريقيـا: لم يكن توماس ترانسترومر وحده من انتقل بشعره بعيداً عن بيئته السويدية، حيث ولِدَ ونشأَ طفلاً.. ونضجَ شاباً.. وبرزَ شاعراً اغترفَ من تراث وثقافة تلك البلاد المقيمة في جليد مديد يتلهّـف إلى عناقِ صيفٍ يمرُّ متمنّعاً على عجالة. كذا هو الصيف حلمٌ يشاغبُ أفئدة المقيمين في الثلج. ولكن الحلم الشعري يخفي بين ثناياه تطلّعاً إلى ما هو أبعد من مناخيّة الصيف: لما تحمله الأصياف بين ثناياها. فالأصياف لها ثقافاتها كما للشتاءات.

كتّاب كثيرون حاولوا أن يخلعوا معاطف الثلج بحثاً عن عري الأصياف في لقاء مباشر مع الشمس وكانت لإقامتهم في الشرق مظاهر واقعية وشعرية مثل اكيليف وهايدنستام وفرودنغ، بَيْدَ أنّ التجربة الشعرية لتوماس ترانسترومر تختلف عن مثيلاتها في ميلها نحو الخارجي: في أنها تقيم كلّيّاً - تقريباً - خارج حدود الجغرافيا الواقعية للشاعر.

من مجموعته الثانية (أسرار على الطريق) إلى مجموعته الأخيرة (الجندول الحزين) ومن قصيدته "رجل من بنين" إلى "الوقواق" حضرت أفريقيا في طفولته حلماً وفي شعره أفقاً رؤيوياً.

لقد كانت أفريقيا حلماً طفولياً مبكراً تحدّثَ عنه الشاعر في كتاب صغيرعن طفولته: (الذكريات تراني) وتنمذجتْ أفريقيا في ضمير الشاعر كصورة حادة للآخر. وقد امتدّتْ الجغرافيا الأفريقية في شعره من مصر والسودان إلى الجزائر ومن الكونغو إلى جنوب أفريقيا ومن بنين إلى زائير:

"جئت لألتقى ذلك الذي يرفعُ

فانوسَهُ

ليرى نفسَهُ فيَّ ".من قصيدة "رجل من بنين"

ثالثاً: وحدة العـالم.

في إنتمائه إلى العالم، العالم كلّه، يحيل ترانسترومر الذات إلى وحدة مع الآخر الذي تحوّلَ من آخر منفصل إلى كامن في الأنا الشعرية. وجلَّ ما يؤرق الرؤية الترانسترومرية هي تلك الحدود أو الجدران التي تحيل العالم إلى عالمين. يبدو شعر ترانسترومر كما لو أنه - وهو كذلك- خارطة شعرية للعالم كلّه من فيتنام إلى إيران ومن الكونغو إلى دول البلطيق. من نيويورك إلى شنغهاي ومن اليابان إلى اليونان- ومن آشور إلى دلتا النيل ومن براغ إلى الخرطوم.

في قصيدة فيرمير يكتب ترانسترومر:

"إنه لموجع عبور الجدران، لابد سيفضي

إلى التوعك

بَيدَ إنه ضروري.

العالم واحد. لكنها الجدران..

جزء منك هو الجدار،

تعلم أو لا تعلم،

هو كذلك بالنسبة للجميع

ما عدا الأطفال الصغار،

لا جدار بالنسبة لهم".من قصيدة "فيرمير".

بكلّمات، يمكن القول إن ترانسترومر شاعر كوني حقاً: الإنسانية قومه، والعالم وطنه، والأرض كلّها جغرافيته الشعرية، ولم تكن سويديّته إلا محض تصادف. إنه يتبادل مع الآخر حالة المرآة.

رابعاً: الإلتزام الجمالي..

يكاد يكون توماس ترانسترومر الوحيد أو واحداً من شعراء قلائل في العالم عاشوا ستينيات القرن العشرين الملتهبة دون أن تلتهب قصائدهم. فقد نأى ترانسترومر بشعره عن انفعالات المدِّ السياسي الستيني الذي اجتاح العالم وثقافته آنذاك. فلم يكتب شعراً خطابياً، وابتعدَ شخصياً عن أي نشاط سياسي، منهمكاً في الاشتغال الجمالي على قصيدته، وهو انهماك لم يتجاهل ما يدور في العالم بل كان في الصميم منه ولكن من خلال كينونته الشعرية. وقد أُتهِّمَ ترانسترومر وقتها بالانعزالية إلاّ أنه كان يدرك بأن أجندة الشاعر هي غير أجندة السياسي، فلكلّ منهما استراتيجية مختلفة، وأسلوب تعبيري مختلف حتى لو تلاقت الخطوط.

لقد حرصَ ترانسترومر أن يكون التزامه التزاماً جمالياً: حيث يستطيع الشاعر ترويض الفكرة في فضاء القصيدة وليس العكس حين يتم تغليب الفكرة (الأيديولوجية أو السياسية) على البُعد الجمالي للقصيدة. ففي قصيدة ترانسترومر تكتسب الأفكارُ حياةً أخرى مستقاةً من العالم الشعري، ومنقّاةً من حدّةٍ وظائفيةٍ تحيل النص إلى مناطق خطابية أخرى، وتودي به إلى فخ اللاشعرية.

ولابدّ في هذا السياق من التطرّق إلى إعلان الشاعر في قصائده عن لغة جديدة تمثّل خصوصيته في وعي اللغة، فقد سئمَ من الكلّمات التي لا تأتي باللغة:

سائماً جميع الذين يعبِّرون بكلّمات، كلّماتٍ وليستْ لغةً

أرحلُ إلى الجزيرةِ المغطّاة بالجليد.

البرّي لا كلّماتَ لديه.

الصفحاتُ غير المكتوبة تتمدّدُ في جميع الجهات!

أصطدمُ بأثرِ ظلفِ يحمورٍعلى الثلج.

لغةٌ وليستْ كلّمات.

والشاعر بذلك يبحث عن الصورة في اللغة: في أن نرى اللغة دون الحاجة لقولها في كلّمات. فالكلّمات لديه مفردات مرئية بل وتكاد تُلمس. فالصور والكلّمات تفيض على النص:

موجةٌ جائشةٌ تتدحرجُ في النص كلّهِ، تتبعُهُ

موجةٌ جائشةٌ، ثمّ أخرى...

وغالباً ما يدعو ترانسترومر إلى لغة جديدة متغيّرة لأن:

كلّ مشكلّةٍ تصرخُ بلغتها.

ولأن:

اللغة تسير في تناغمٍ مع الجلاّدين

يجب أن نأتي بلغةٍ أخرى.

والقارئ لشعر توماس ترانسترومر لا يجد عناءً كبيراً في تلمّس أن شعره اشتغالٌ جمالي ودأب حقيقي للإتيان بلغةٍ أخرى.

خامساً: قلّة الانتاج أو الكتابة النوعية...

لا يعتبر توماس ترانسترومر شاعراً غزير الانتاج إذا ما قورنَ بسواه من الشعراء، وعلى وجه الخصوص العرب منهم. فلم يتجاوز مجموع صفحات أعماله الشعرية (التي تضم إحدى عشرة مجموعة، صدرتْ خلال الفترة من 1954 إلى 1996) 300 صفحة من القطع المتوسط. وربما كانت مجموعاته من الأصغر حجماً (من حيث عدد الصفحات)، فقد ضمّتْ أكبرها 34 صفحة بينما لم تتجاوز أي من المجموعات الأخرى 25 صفحة:

1-17 قصيدة (1954): 25 صفحة.

2-أسرار على الطريق (1958): 20 صفحة.

3-السماء غير المكتملة (1962): 25 صفحة.

4-رنين وآثار (1966): 34 صفحة.

5-الإيصار في العتمة (1970): 15 صفحة.

6-من الجادّات (1973): 14 صفحة.

7-الجزر الشرقية – قصيدة (1974): 20 صفحة.

8-حاجز الحقيقة (1978): 23 صفحة.

9-الساحة الوحشية (1983): 18 صفحة.

10-من أجل الأحياء والموتى (1989): 25 صفحة.

11-الجندول الحزين (1996): 23 صفحة.

وبذلك يمكن القول إن ترانسترومر شاعرٌ آمنَ بعدم جدوى البذخ الكمّي الذي لا يمنحُ صاحبَهُ مجداً في المعايير الشعرية، فاختارَ ما يمكن تسميته: الكتابة النوعية التي تعني – رقمياً – على سبيل المثال أن يصدر ديواناً من 18 صفحة (1983) بعد مرور خمسة أعوام على صدور ديوانه السابق (1978) من 23 صفحة. أو أن يصدر ديواناً يضم 23 صفحة (1996) بعد مرور سبع سنوات على صدور ديوانه السابق (1989) من 25 صفحة. وربّما يعني ذلك إن ترانسترومر لا ينشر إلاّ القليل القليل ممّا يكتبه، إيماناً منه بأن لا يعلن على الناس إلاّ ما يراه نوعيّاً في شعره.

:مُختارات من شعره 

إلى أصدقاء خلف الحدود:

 

-1-

 

كتبتُ لكم رسالةً جدّ جافة. لكنَّ ما لم يُسمح لي بكتابتهِ

انتفخَ وانتفخَ كسفينة هوائية قديمة

ثمّ انزلقَفي النهاية من خلال السماوات الليلية.

 

-2-

الرسالةُ الآن لدى الرقيب. هو يشعلُ مصباحَهُ.

في النور تطيرُ كلّماتي عالياً مثل قرودٍ في قفص

تهتّزُ، تهدأُ، ثم تظهرُ أسنانها!

 

-3-

اقرأْ ما بين السطور. سنلتقي بعد مائتي عام

يومَ تُنسى أجهزةُ الإنصات في جدران الفندق

ويمكنها أخيراً أن تنام، تصبح متحجّرة.

 

أسرار على الطريق:

ضوء النهار أتى على وجه ذلك الذي نامَ.

حلِمَ حلماً مفعماً بالحياة

لكنه لم يستيقظ.

 

العتمةُ أتت على وجه ذلك الذي مضى

بين الآخرين تحت أشعة الشمس

الحادة الجزوعة.

 

أظلمتْ فجأةً كما لو هطلَ مطرٌ غزير.

وقفتُ في غرفةٍ اتسعّتْ لكلّ اللحظات –

متحف فراشات.

 

والشمس بالرغم من ذلك حادة كما في السابق.

فرشاتها الجزوعة رسمتْ العالم.

 

 

                            مرثيّـة

أفتحُ البابَ الأولى.

ثمّة غرفة كبيرة مشمسة.

شاحنة ثقيلة تمـرُّ في الشارع

فتجعلُ البورسلين يهتـز.

أفتحُ البابَ رقم إثنين.

أصدقائي! لقد شربتم الظلام

وأمسيتم مرئيّين.

 

الباب رقم ثلاثة. غرفة فندق ضيقة.

تطلُّ على الشارع الخلفي.

مصباح يضيء الإسفلت.

نفايات الخبرات الجميلة.

 

                            بورتريـه مع التعليق

 

ذا بورتريه لرجلٍ عرفتُهُ من قبل.

يجلس إلى الطاولة بصحيفة مفتوحة.

العينان تهجعان خلف النظّارة.

البذلةُ مطهّرةٌ بوميض غابة الصنوبر.

 

إنّه وجه شاحب وغيرمكتمل.

لكنه كان يوحي دائماً بالثقة. لذلك

يُترَدّدُ في الاقتراب منه

وربّما مواجهة ما لا يسرّ حينئذٍ.

 

جمعَ أبوه المالَ مثلَ الندى.

لكن لا أحدَ رغم ذلك كان يسير آمناً في البيت-

ثـمّة شعور في أن أفكاراً غريبة

اقتحمتْ الفيلا في الليالي.

 

الصحيفة تلك الفراشة الكبيرة القذرة،

الكرسي والطاولة والوجه في استرخاء.

الحياة توّقفتْ في كريستالات كبيرة.

لكن دعْهَا تتوقف حتى إشعار آخر!

*

هذا هو ماأنا ساكنٌ فيه.

إنّهُ موجود. إنّهُ لا يتلمّسُ ذلك

ولذا فهو يعيش ويوجد.

 

ماذا أكون أنا ؟ أحياناً منذ وقت بعيد

اقتربت تماماً لعدة ثوانٍ من 

ماذا يكون أنا، ماذا يكون أنا، ماذا يكون أنا.

 

ولكن ما أن تمكنتُ من رؤية أنا

اختفى أنا وبانَ ثقبٌ

سقطتُ فيه مثل أليسا.

 

                            مقـدِّمات موسيقية 

- 1 -

أجفـلُ من شيءٍ يأتي متثاقلاً عبرَ

الثلج الماطر.

نتفٌ مـمّا سيأتي.

جدارٌ مفصول. شيء ما بلا عيون. صلب.

وجه من أسنان!

جدار وحيد. أم إن المنـزل موجود هناك

رغم أنني لا أراه ؟

المستقبل: جيشٌ من منازل مهجورة

تتلمّسُ طريقها في الثلج الماطر.

 

- 2 -

حقيقتان تقتربان من بعضهما بعضاً. واحدةٌ قادمةٌ من الداخل

وأخرى قادمة من الخارج

وحيثما تجتمعان يتسنّى للمرء أن يرى نفسَهُ.

 

ذلك الذي يفطنُ لما يكاد أن يحدث

يصرخُ يائساً: "قفْ!

أيّاً كان الأمر، أريدُ فقط تلافي التعرّفَ على نفسي".

 

وثـمّة مركبٌ يريد أن يرسو - محاولاً هنا بالتحديد -

إنه سيحاول آلاف المرّات.

 

من عتمة الغابة يأتي محجنُ زورقٍ طويلٌ، يُلقى

عبرَ النافذة المفتوحة

بين ضيوف الحفلة الذين كانوا يرقصون بدفء.

 

- 3 -

 

المنـزل الذي أمضيتُ فيه الجزء الأكبر من حياتي سيُخلى. إنه مُفَرّغٌ الآن من كلّ شيء. لقد فلتتْ المرساة -ورغم أنه مايزال يثير الحزن لكنه المنـزل الأخفّ في المدينة كلّها. الحقيقة لا تستلزم أثاثاً. لقد درتُ دورةً حول الحياة وعدتُ إلى نقطة الخروج: غرفة خاوية. الوقائع التي حدثت لي هنا تظهر الآن على الجدران كرسوم مصرية، مسارح داخل القبو. لكنها تتهدّم أكثر فأكثر. أي أن الضوءَ جدُّ حاد. النافذة أصبحتْ أكثر اتساعاً. المنـزل الخالي منظارٌ كبيرٌ موّجهٌ نحو السماء. إنه صامتٌ كصلاة الكويكر. وما يُسمعُ إنـما هي حمامات الحدائق الخلفية، هديلها.

 

 

                             في دلتـا النيـل 

 

الزوجةُ الشابةُ بكتْ بحرقةٍ في الطعام

في الفندق بعد يومٍ واحدٍ في المدينة

حيثما رأتْ المرضى الذين يزحفون ويضطجعون

والأطفال الذين لابدّ يموتون من العوز.

 

هي وزوجها صعدا إلى غرفتهما

حيث دُلِقَ الماءُ لمنع الغبار من التطاير.

توجّهَ كلٌّ إلى سريرهِ دون كلّمات كثيرة.

هي سقطتْ في نومٍ ثقيل. واضطجعَ هو يقظاً.

 

خارجاً في العتمةِ انـهمرَ ضجيجٌ عابر.

همهمات، دمدمات، صرخات، عربات، أغاني.

إنه يمضي في حرج. لم ينقطع قط.

وهو متقوّساً غفا في "لا".

 

وحلِمَ. كان في رحلةٍ بحرية.

ظهرتْ حركةٌ في الماء الرمادي

وصوتٌ قالَ: "ثمّة مَن هو طيب. 

ثمة مَن يستطيع رؤية كلّ شيء دون كراهية".

 

                              خطوات كثيرة

 

 

دُفِنَتِ الأيقوناتُ في الأرض ووجهها الى الأعلى

وديسَتِ الأرضُ

بالعجلاتِ والأحذيةِ، بآلافِ الخطوات

بعشراتِ الآلافِ من خطى المتشككين الثقيلة.

 

 

في الحلم نزلتُ في حوضٍ مضيءٍ ذاتياً

             تحت الارض،

                         قدّاس هائج.

 

يا لهُ من شوقٍ قوي! يا لهُ من رجاءٍ أحمق!

ومن فوقي وطءُ ملايين المتتشككين.

 

 

                                   الذكريات ترانـي

 

 

ذات صباحٍ حزيراني حيث من المبّكر جدّاً

أن تصحوومتأخراً جداً أن تغفو ثانيةً.

 

يجب أن أخرج إلى الخضرة المسكونة

بالذّكريات، التي تلاحقُني بالنظرات.

 

إنها غير مرئية، تذوبُ كلّيّاً

في الخلفية، حرباوات كاملة.

 

 

إنها قريبةٌ جداً بحيث أسمعُها تتنفّسُ

رغم حدّةِ صداحِ الطائر.

 

 

                        أوراق كتاب الليل

 

ذاتَ ليلةِ مايس نزلتُ

في نورٍ قمريٍّ بارد

حيث كانَ العشبُ رمادياً والأزهار

بَيْدَ أنّ العطرَ أخضر.

انزلقتُ إلى أعلى المنحدر

 

في تلك الليلة المصابة بعمى الألوان

فيما أحجارٌ بيض

تعطي إنذاراً للقمر.

 

مرحلةٌ

طولُها عدّة دقائق 

وعرضُها ثمانية وخمسون عاماً.

65251041.jpg

 الشاعر السويدي توماس ترانسترومر وزوجته في مؤتمر صحفي

 بعد إعلان فوزه بجائزة نوبل في الأدب للعام 2011م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

20:24 |  Facebook | |