Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

03/02/2012

فيتسوافا شيمبورسكا.. وداعاً

أيقونة الشعر البولوني

فيسوافا شيمبورسكا وضعت شعرها لكشف الشرط الإنساني الصعب والحقيقة الإنسانية المشتّتة، وجاهرت بعدائها للشيوعيّة ! Wislawa-Szymborska.jpg

 

عبد اللطيف الوراري

 

 عن عمر يناهر الثمانية والثمانين، وبعد معاناة مع المرض، رحلت عن عالمنا الشاعر البولونية فيسوافا شيمبورسكا "بهدوء خلال نومها" في منزلها بمدينة كراكوفا التاريخية التي تقع جنوب البلاد، حيث عاشت بها طوال حياتها، وفي جامعتها تابعت دروسها في كلية الآداب وعلم الاجتماع، وتفتّقت موهبتها ككاتبة حيث نشرت أولى قصائدها، وكان من المفترض أن تنشر أول كتبها في العشرينيّات من عمرها، إلّا أن الرقابة لم تصرح بدعوى أنّه لا يتماشى مع المناخ الاشتراكي التي كان يُخيّم ثقيلاً على بلدها. 

وكانت شيمبورسكا قد ولدت في الثاني من يوليو 1923م، وعاشت أجواء الحرب العالمية الثانية، والخوف الذي تركته في النفوس يوم النّاس وقتئذٍ. كما أنّها تأثّرت بالمناخ الاشتراكي إلى حدّ أنّها لم تتردّد في مديح لينين وستالين والشيوعية في كتاباتها، وانضمّت لحزب العمال البولنديين المتحدين، ثمّ سرعان ما تخلّت عن أفكارها الشيوعية، وجاهرت بعدائها للشيوعيّة التي تقمع حرية الرأي والتعبير، وبمعارضتها للنظام الحاكم. وفي عام 1953، انضمّت لفريق مجلة "الحياة الأدبية" المتخصصة في النقد الأدبي، وحرّرت بها عمودها "قراءة غير ملزمة" لثلاثة عقود كانت من أخصب أيّام مشروعها الكتابي. وقد ألّفت شيمبورسكا زهاء عشرين ديواناً شعريّاً تميز معظمها بنظرةٍ فلسفيّةٍ إلى مسائل أخلاقية ووجودية آنية، صاغتها في قالب شعريٍّ رفيع للغاية، تغلبُ عليه أساليب التكثيف الموحي والطباق والمفارقة الساخرة التي تستدعي التأمل في بواطن الأشياء. كما ترجمت مختارات من الشعر العالمي إلى البولندية، ولاسيما من كلاسيكيّات الشعر الفرنسي.

   ورغم أنّ أعمالها الشعرية تكشف عن عمقٍ إنسانيٍّ ومعرفةٍ بجماليّات الشعر، إلّا أن شيمبورسكا ظلّتْ دائرة تلقّي شعرها ضيّقة حتى داخل بلدنا بولونيا، إلى أن حصلت على جائزة نوبل للآداب العام 1996، إذ فتحت لها باب الشهرة ولفتت مُحبّي الشعر في العالم، وتحوّل بعض إنتاجها إلي أعمال موسيقيّة، حتى وإن كان شعرها قد ترجم إلى نحو ثلاثين لغة، بما في ذلك اللغة العربية، إذ نشرت لها مجلة "الثقافة الأجنبية" العراقية، في عام 1990، مجموعة من قصائدها مع مقدمة وافية حول شعرها، وأفرد لها الكاتب العراقي ياسين طه حافظ مساحة واسعة في كتابه "القمم العالية، من الشعر العالمي المعاصر" (دار المأمون، بغداد 1992)، مثلما ترجم لها هاتف جنابي قصيدتين في مجلة "فراديس" (العدد 6-7). وقد تناولت هذه الأعمال في معظمها ثيمتي الحرب والإرهاب ونافست مبيعات أعمالها في بولندا أهم الأدباء، رغم أنها صرحت في قصيدة لها تدعى " شيء مثل الشعر" أن إثنين لا غير من كلّ ألف شخص يهتمّان بالفنون.  

  وقد مثّل شعر شيمبورسكا، إلى جانب الشعراء بياووشفسكي وهربرت وتشافروفسكي وزبينيو هيربرت وتادوتش روزيفيتش كاربوفيتش ونوفاك وسواهم ممّن كان يطلق عليهم اسم "الشعراء المجددين المتأخرين"، ابتداءً من خمسينيّات القرن العشرين، نقطة تحوُّل مفصلية في سياق حركة الشعر البولوني الحديث، بما أبان عنه من نضج فنّي يعكسه التوجه الطليعي في مجال اللغة والتأثر الواضح بفن الباروك داخل بنية الشعر ونسيجه، سوف يتكشّف للعالم بعد انتهاء الحقبة الستالينية المتشددة، التي استمرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وانفراج جوّ الحرية وهامش الديموقراطية المتساهلة بعض الشيء. وقد عدّ الدارسون دواوينها، بدءاً من "أبحث عن كلمة" 1952م، ومروراً بعمليها "أسئلة لنفسي" 1956م، و"نداء إلى يني" 1957م الذين غلبت عليهما قصائد الحبّ والغنائية التي تمتدّ في التاريخ والمجتمع بصوت الذات الجريحة، بدلاً من الهمّ السياسي والاجتماعي كما في الأوّل، بأنّها مهَّدت لقيام تلك الحركة التي وضعت الشعر البولوني الحديث في مصاف الحركات الشعرية في العالم. وابتداءً من تاريخه، لن تتواني شيمبورسكا في أن تُقدّم نفسها كشاعرة ما فتئت تبدع موضوعات "طازجة وتبتدع تكتيكاً جديداً"، بحيث كان شعرها يتميّز بالجدية العالية والإبداع المبهج وحيوية الخيال، بقدرما كان يبتعد عمّا يمكن أن نصطلح عليه بالالتزام؛ وهي سمات جمالية ظاهرة يكتشفها المتتبّع لشعرها الذي امتدّ بعد لسنوات وافرة الخصب والضوء، حتّى استحقّت أن تدعى أيقونة الشعر البولوني بحقّ.

وبحسب هاتف جنابي، مترجمها إلى العربية، فهي "شاعرة التفاصيل والتناقضات"، وشاعرة "الجزالة الشعرية" و"السهل الممتنع". كل قصيدة من قصائدها، مهما كان مستواها، هي قصيدة جديدة تشكّل حضورًا وتفرُّداً بامتياز. كما عُرف عن شيمبورسكا أنّها شاعرة مُقلّة ومقتصدة في القول الشعري، إذ تنزع قصائدها إلى القصر والإيجاز، وتشفّ عن ذات الشاعرة وشرطها الإنساني، وهي التي كانت حياتها في جميع أطوارها مأساة ما قبل الجائزة وبعدها. وبسببٍ من ذلك، بقيت هذه الشاعرة بعيدة عن السياسة، ومخلصةً لبعد الحياة الروحي الذي يأتي قبل كل شيء. كما نلمس في هذه القصائد وعي شيمبورسكا بالشرط الإنساني الذي  يجعلها أمام شعور فادح بالخسارة: من الطفولة والتاريخ إلى الصداقة والحب. وربّما من أجل ذلك كلّه، كافأتها اللجنة الملكية السويدية بمنحها جائزة نوبل، إذ قالت، في حيثيات اختيارها، إنّه جاء من أجل "شعرها الذي يكشف في سياق تاريخي وبسخرية دقيقة الحقيقة الإنسانية المشتّتة". وقد أصاب وزير خارجية بلدها عندما وصف رحيلها بأنّه "خسارة لا تُعوَّض للثقافة البولندية".

 

وممّا قالته في قصيدتها "شاهدة قبر"، وكأنّها ترثي نفسها:

 

"هنا تضطجع كعلامة الفاصلة،

 

عتيقة الطراز، مؤلفة من بضعة أشعار.

 

راحة أبديّة،

 

ارتأت الأرض أن تمنحها لها.

 

ورغم أن الجثة لم تنتسب لأيّ جماعة أدبية،

 

إلا أنّه لا شيء لديها على هذا القبر،

 

أفضل من هذه القوافي، ونبتة الأوركيديا، وطائر البوم.

 

أيها العابر، أخرج من حقيبتك دماغاً إلكترونياً،

 

وفكّرْ

 

للحظةٍ في مصير شيمبورسكا".

 

**

 

08:07 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.