Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

12/02/2012

هجرة الأدب إلى الفضاء الأنترنيتي


podcast

 

 

في العصر الرّقْمي الذي يعبرونه ويتجاوبون معه،

أدباء المغرب يراهنون على كتابات تحتفي بهويّة مفتوحة متعددة قابلة للحوار وللتفاعل

1303220934.jpg

 

عبد اللطيف الوراري

 

   بوصفه واحداً من أهمّ وسائل الميديا الجديدة التي نشأت عن العولمة المعاصرة، يتعرّف المغاربة على الانترنت الذي تحوّل، بسرعة وبعد فترة تهيُّبٍ منه، إلى ضرورةٍ في حياتهم اليومية، وكيْف صار"انفجاراً"يأخذ الكثير من وقتهم وأحاديثهم.شرائح واسِعة ومشارب مختلفة من المجتمع باتت تتعاطى مع الانترنت بِشكْلٍ طبيعيّ ولافت؛ أما الشباب فإنّ لهم فيه مآرب شتّى، من غرف الشّات إلى محرّكات البحث فيما هو، بين أيديهم، يقرّب المسافات، ويعبر الحدود ويوسّع من مجالات الحرّية في التّعبير والإحساس والرّؤية؛ ثُمّ مواقع التواصل الاجتماعي التي فتحت أمامهم فرصة أن يتعرّفوا على بعضهم البعض وينفتحوا على العالم، ولاسيّما من لدن الأدباء ومبدعي الكلمة.

رعيل أوّل:

  في وَقْتٍ ظلّ فيه كثيرٌ من الرّعيل الأوّل ولاحقيه من الروّاد والمؤسّسين يتهيّبون من صورته الافتراضيّة، أي غير الواقعيّة في المعنى المادي، ومتحفّظين على الصّيغ الّتي يتمّ بها تدول الأدب الرقميّ، إخترق أدباء المغرب من المُعاصرين، والشّباب تحديداً، هذا الفضاء السبرنتيكي معرِّفين بكتاباتهم ورؤاهم ومواقفهم، وموّسعين دوائر حركتِهم من خلال نشْر نتاجهم في عددٍ من في المواقع الثّقافيّة الإلكترونيّة، بلْ أنْشأ البعض منهم مواقع إلكترونية بدايةً من أواخر التسعينيّات (رضا اكديرة/1996، المهدي المنجرة/1998، هشام فهمي/1999، سعيد يقطين/2000، محمد العمري /2000، يحيى اليحياوي/2002، محمد أسليم/2002، أحمد العمراوي/2002، محمد المصباحي/ 2002، سعيد بنكراد/2003...إلخ)، والكثير منْهم، بلا عددٍ، وضع مُدوّنات شخصية تهتمّ بنتاجات الثّقافة والأدب المغربيّيْن، كما يسجل حضورٌ طاغٍ في عملية إنشاء المنتديات وإدارتها أو حتى الإشراف عليها بشكل فعّال.ورغم هذا الدأب المبذول في اختراق عوالم الأدب الافتراضيّة لا زال أدباء المغرب يفتقدون لموقعٍ عظيم الشّأن والأثر ينقل صورة أدبهم وقضاياه بشكْل واسع يُضاهي كبريات المواقع الثّقافية الإلكترونيّة العربيّة التي سارت بذكرها الأجواء لرصانتها، وكفاءتها العالية، وأفكارها الّتي تُشيع روح الإبداع والتّسامح والديموقراطية وحقوق الإنسان، وتنفتح على الآداب والثقافات الأجنبيّة (إيلاف، جهة الشعر، الكلمة اللندنية، ديوان العرب، الامبراطور، ميدوزا...إلخ)، بل إن مواقع مؤسّسات وازنة تُعنى بالشأن الثّقافي والأدبي (وزارة الثّقافة، إتّحاد كتّاب المغرب، بيت الشّعر في المغرب...)لا تعمل إلّا ببطء، ولا تواكب ما يستجدُّ في الساحة، حتى أنّها باتت لا تُغري أحداً، وصارت طُرْفة في لسان الحال على الكسل والتقصير وسوء التدبير.

سخاء الأنترنيت:

  يُلاحظ، في غياب محفّزات النشر الورقي، إقبال على هذه الواجهة التواصليّة مِنْ شاشات الصفحات الافتراضية مع ما تُوفّره وسائطها التّفاعليّة مِنْ إمكانات العمل والانتاجية، وفُرص الفاعلية والتّأثير؛ وهو ما انعكس، سلباً أم إيجاباً، على تصوُّر الظاهرة الأدبية نفسها، ومُمْكنات فعاليّاتِها العابرة للذّوات والخطابات.إنّها، بلاشكّ، أتاحت هامشاً مُهمّاً من الحريّة وعملت على الحدّ من الطابوهات والإكراهات السياسيّة والاجتماعية، مثلما عملت على أرْشَفة النّصوص الأدبية والفكرية والفنية، وعلى رجّ أشجار النسب الثقافية والجماليّة بأكملها، كما أماطت اللّثام عن مواهب أدبية حقيقيّة هُمّشت لهذا السبب أو ذاك.

لكنّه سيْفٌ ذو حدّيْن.بقدرما كان لمسألة النّشْر الإلكتروني من أهميّة لا تُنْكر، فإنّه فتح الباب على مِصْراعيْه أمام التّهافت والتّرويج السّهْل والرّداءة المنفلتة من كلّ معيار، وأمام التّعليقات الّتي تغيب عنها روح المسؤولية وتتحول الحريّة فيها خطاباً للكراهية، ومجالاً لتصفية الحسابات والأحقاد الصّغيرة وراء الأقنعة والأسماء المستعارة.بل مِن المواقع الثقافية الالكترونية مَنْ نافس الصُّحف الورقيّة التقليدية سارِقاً مِنْها جماهيريّتها، ومِنْا مَنْ تحوّل إلى مؤسّسة لا تعدم منطق السُّلْطة الّتي جاءت للردّ عليها، والخروج على شرعتها مُحتمية في ذلك بالأسماء والقوانين والكليشيهات.

   بهذا الأفق، يمكن القول إنّ المواقع الالكترونية فتحت فضاءً بلا ضفاف في حياتنا الثقافية، ودشّنت عصراً جديداً من تاريخ الكتابة والتلقّي، وأنشأت مفاهيم وحساسيّات ورؤى جديدة في حياة كلّ أديب من أدباء العربيّة ينْضوي تحت هذا المجمع، أو يُحلّق في غير سماء، لكن أجنحته المحترقة هي زادٌ للسّالكين على عِلْم الرّيح.ففي ضوء فسحة الفضاء الأنترنيتي، والمساحة الهائلة التي خلقها، وحرية الاختيار التي فتحت الأبواب للتعبير عن الآراء ووجهات النظر بدون قيود، يصر طرح مثل هذه الأسئلة مشروعاً ومستعجلاً في آن:هل أتاحت المواقع الثقافية الإلكترونية للكتّاب فرصة إيصال إنتاجهم الأدبي إلى أوسع قطاع ممكن من القرّاء، بعيداً من إشكالات النشر في الصحافة الورقية المغربية، وحواجز المنع أمام الذين لا يمتلكون أسماء معروفة؟ وهل ما يتمُّ نشره من مساهمات أدبية أنترنتيّاً يصل إلى القرّاء المفترضين؟ وهل ما يساهم بنشره كاتبٌ أو أديبٌ يؤثّر إيجاباً في تجربته الكتابيّة؟ وفي مقابل ذلك، ألم يخلق النشر الإلكتروني ـ داخل فضاء المدوّنات ومواقع التواصل الاجتماعي ـ اختلالاً في القيم واختلاطاً في معايير الحكم الجمالي، فلا نعرف الرديء من الجيّد؟

سلطة، كتابة وهذيانات:

وقد سبق أن قاسمنا بعض كُتّابنا مثل هذه الأسئلة؛ فهذا الكاتب رشيد يحياوي يشير إلى أنّ الصحف الحزبية كانت تمارس الإقصاء وتبدو غير مهتمّة بالثقافي عموماً، وبالتالي لم يعد لها سوى وجود رمزي في سوق القراءة بعد أن تراجعت مبيعاتها بصورة حادة.ويستدرك قائلاً:"إنّ المسألة لا تخصّ الأحزاب، ولكن وجود بعض الكتاب ذوي النظر القصير والمزاج الضيق، على رأس تحرير الصفحات الثقافية في العديد من الصحف الحزبية وغير الحزبية معاً. وهذه الفئة تستغل مواقعها لإرضاء صداقات وخلق أخرى دون أن تكون لها استراتيجية ثقافية معينة".وعن علاقة بفضاء النّشر الإلكتروني، لفت إلى أن الكتّاب المغاربة لم ينجحوا حتّى الآن في إنشاء مواقع إلكترونية ثقافية ذات نسبة عالية من التصفح وعدد الزيارات.لكن ذلك لم يحل دون انتشار الكتاب المغاربة داخل هيئات الإشراف على الكثير من المواقع الإلكترونية الثقافية العربية، بحيث تستقبل كتاباتهم بكيفية محترمة من لدن الصحافة العربية والمواقع الإلكترونية، وإن كان فيها الكتّاب فعلاً وأنصاف الكتاب وأرباعهم من الناشئين ومن يهذون من زمنٍ ولم يصبحوا كتّاباً بعد".

فوضى القيم واختلاط معايير الجمال:

ويرى القاصّ حسن البقالي أنّ الأمر كان بالفعل انتقالاً من جدول صغير إلى شساعة البحر..إلى كون يعيش انفجاره العظيم ويتمتع بجاذبية آسرة، وإن كانت هذه الخاصية (شساعة المساحات الافتراضية بدون حد)هي ذات رأسين اثنين:الكاتب الذي تجاوز الحواجز والمعيقات التقليدية التي ظل يفرضها النشر الورقي القائم على الانتقاء، وهو انتقاء مبرر بضيق المساحة الورقية المتوفرة، لكنه غير خاضع بالضرورة لمعايير الجودة والإبداع فحسب.ثُمّ المتلقي الذي تجاوز بدوره حدود الدولة القطرية.وفي أحسن الأحوال الرقعة العربية إلى فضاء العالم الفسيح. ويؤكّد على أن الانترنت خير تمظهر لمقولة "ماكلوهان"التي جعلت من العالم قرية كونية مشرعة على الفضاءات اللامحدودة..وبشكلٍ ما هي أيضاً قرية "جوبوسكي"المدفونة وقد خرجت للشمس،إذ أليس الانترنت في النهاية شكلاً من أشكال الإبداع الإنساني الماحق؟".كما أنّ هناك دوماً مساحة بيضاء بين القارئ المفترض والقارئ الفعلي.. وما يحدث الآن مع الانترنت هو أنه يؤسس لتقاليد قرائية جديدة وعلائق من نوع آخر بين الكاتب والقارئ، لعل أهم تجلياتها ما يمكن وسمه –إحالة على الحقل التربوي-بالتغذية الراجعة الفورية.وعن تجربته، يؤكّد أنّ الانترنت لعب دوراً محفّزاً وداعماً للمرحلة الجديدة من مساري الإبداعي الذي عملت جهات متعددة فيما قبل سواء عن جهل أو سوء طوية أو حساسية حزبية/إيديولوجية وحتى شخصية..إن أول خطوة على أرض الانترنت لا تختلف عن خطوة كولومبس الأولى فوق جسد قارته الجديدة..انزلاق عبر رسالة جديدة للغفران". ومن الفضائل الأساسية التي أرجعها للانترنت هي أنّه كشف بعض المستور وعرض للشمس العديد من السلوكات المحسوبة شططاً على الثقافة والتي ظلت تطبع العلاقات الثقافية في هذه المنطقة من العالم مستفيدة من السراديب المعتمة للنشر الورقي..إلّا أنّه من الطبيعي أن يختلط الحابل بالنابل في ظل واقعٍ إفتراضيٍّ كهذا، إذ يصير العادي بله المبتذل إبداعاً والإبداع لغواً والصحو محواً والسرقة تناصّاً، ليكرس بذلك لفوضى القيم واختلال المعايير والذائقة. ويستطرد قائلاً: "ليس الأمر – مع ذلك- بهذه القتامة, فما تزال هناك واحات مخضرّة في صحرائنا الممتدة..أقلام مبدعة لنشر الجمال والدفء،سأبقى مديناً للانترنت بالتعرف عليها والدنو من عوالمها".

رأي عامّ جديد:

  وعن سؤال هل أتاحت المواقع الثقافية الإلكترونية للكتّاب فرصة إيصال إنتاجهم الأدبي بعيداً من الإكراهات؟ يُجيب الشاعر عبدالحق ميفراني:"أفترض أن الجواب ب"نعم"لن يمثل كشفاً جديداً في هذا المجال، بحكم أن هذه المواقع الإلكترونية الثقافية بعضها لا يمثل رقابة ذاتية، لكن بعضها الآخر لم يتخلص بعد من هذه العقدة، سواء عبر تمثلها لخط تحريري، إن وجد، يساهم في بلورة مفهوم رقابة جديدة، أو عبر احتضان مفهوم معين من أنواع الثقافة".ولم يجد مناصاً من الاعتراف بأننا أمام ثقافات بالجمع وليس أمام ثقافة بالمفرد، ناهيك عن الصدام النفسي لأنواع الخطابات التي قد تلتقي على فكرة وقد تلتقي لتفترق.هنا يأتي دور الهيئة التحريرية لهذه المواقع في رسم "خارطة طريق"لنقاش حضاري أوسع، على أساس توسيع قاعدة القراءة وتحفيز هوامش عريضة من كتّاب مفترضين بعيداً عن معيار الجودة الذي لا زال يفتح نقاشاً يهم آليات وجود هذه الوسائط.وعن الإمكانات التي فتحها الشّاشة الافتراضية في زمنا الموسوم بالتحوّلات، قال:"إنّ النشر الإلكتروني حضر في واقع ثقافي خاص ومعقد، بحكم أن هذا السيلان المعرفي وهذا الحضور الواسع لهوامش "الحرية"دفع بالفاعل الثقافي أينما كان، عربياً على الخصوص، إلى توظيف هذه الآلية المكشوفة والواسعة في تقعيد تمظهرات ثقافية لا تمثل كشفا معرفيا اليوم، ولا تقعد لأيّ دينامية على مستوى بنية الخطاب.فقط يمكن الإشارة إلى أن هذا الواقع الجديد والوليد القادم من جغرافيات أخرى، حضر في وقت أمسى فيه الواقع الثقافي العربي يعيش أسئلة الهوية وانشطارات الكينونة، بل إن واقع العولمة، اليوم، يدفعنا إلى إعادة التفكير في آليات التوظيف النشر الالكتروني بما يتوافق مع إنتاج كتابات تحتفي بهوية مفتوحة متعددة قابلة للحوار وللتفاعل؛ والأكيد أن النشر بهذه الطريقة، في نطاق أوسع، سيساهم في بلورة رأي عام جديد بدون ملامح، وبالتّالي يساهم، ربما، في بلورة مشروع ثقافي عربي يمثل الأنترنيت آلية إنتاجه وقاعدة بياناته الجديدة.

وبرغم ما يسبّبه الفضاء الأنترنيتي، بكلّ تمظهراته، من فوضىً في القيم واختلاطاً في معايير الحكم الجمالي، إلّا أنه الفضاء ـ بحسب رأيه ـ يساهم في بلورة قيم أخرى ليست بالضرورة معرفية، ولا تهم الجانب الأدبي ولا حتى التواصلي؛ ويمكن لحقل السوسيولوجيا الرقمية أن يفيدنا على مستوى تدبير إواليات خطابية لفهم واستبصار عمق هذه الممارسة وديدنها.لكن، مع ذلك، يجب الاعتراف أن فسحات وجرعات الحرية التي تتبلور في هذا الفضاء الواسع تخلق هي أيضا وازعاً "اخلاقياً"قد يساهم، إذا أردنا أن نسمي الأمور بمسمياتها، في تحريف قدرة هذه الشبكة الواسعة المعلوماتية في توسيع هامش التداول المعرفي، وفي قدرتها على بلورة ما يمكن أن نصطلح عليه "رأياً عامّاً" جديداً، وآليات خطابية جديدة. 

 

 

12:40 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.