Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

27/02/2012

The Waste Land/ T. S. Eliot

 

الأرض اليباب

 

ترجمة: د. عبدالواحد لؤلؤة

 

medium_eliot_2.jpg 

 

بعيني أنا رأيت (سيبيلاً) في (كومي) معلقة في قارورة، وعندما كان يصيح بها الأولاد: "سيبيلاً ماذا تريدين"؛ كانت تجيبهم دوماً: "أتمنى أن أموت".

 

 

1- دفن الموتى

 

نيسان أقسى الشهور، يخُرج

الليلك من الأرض الموات، يمزج

الذكرى بالرغبة، يحرك

خامل الجذور بغيث الربيع

 

5... الشتاء دفأنا، يُغطي

الأرض بثلج نساء، يغذي

حياة ضئيلة بدرنات يابسة

الصيف فاجأنا، ينزل على بحيرة (ستارنبركر)

بزخة مطر؛ توقفنا بذات العُمد

 

10.... ثم واصلنا المسير إذ طلعت الشمس، فبلغنا (الهوفكارتن)،

وشربنا قهوة، ثم تحدثنا لساعة

ما أنا بالروسية، بل من ليتوانيا، ألمانية أصيلة

ويوم كنا أطفالاً، نقيم عند الأرشيدوق،

ابن عمي، أخذني على زلاقة

 

15.... فأصابني الخوف، قال ماري،

ماري، تمسكي باحكام، وانحدرنا نزولاً

في الجبال، يشعر المرء بالحرية

اقرأ معظم الليل، وأنزل إلى الجنوب في الشتاء

ماهذه الجذور المتشبثة، أيه غصون تنمو

 

20.... من هذه التفايات المتحجرة؟ يابن آدم،

أنت لاتقدر أن تقول أو تزر، لأنك لا تعرف

 غيركومة من مكسر الاصنام، حيث الشمس تضرب،

والشجرة الميتة لا تعطي حماية، ولا الجندب راحة،

ولا الحجر اليابس صوت ماء. ليس

 

25... غير الظل تحت هذه الصخرة الحمراء،

(تعال إلى ظل هذه الصخرة الحمراء)،

فأريك شيئاً يختلف يخب وراءك

او ظلك في المساء ينهض كي يلاقيك؛

 

30.... لسوف أريك الخوف في حفنة من تراب.

 

نشيطة تهب الريح

تجاه الوطن

يافتاتي الايرلندية

أين تنتظرين؟

 

35...  "أعطيني زنابق أول الأمر منذ سنة؛

قصرت أدُعى فتاة الزنابق".

ولكن عندما رجعنا، متأخرين، من حديقة الزنبق،

ذراعاك ممتلئتان وشعرك مبلول، ما استطعن

الكلام، وخانتني عيناي، لم أكن،

 

40.... حياً ولا ميتاً، ولا عرفت شيئاً،

وأنا أنظر في قلب الضياْ، الصمت.

موحش وخالٍ هو البحر.

 

(مدام سوسوستريس، البصارة الشهيرة،

اصابها زكام شديد، ومع ذلك

 

45.... فهي معروفة كأحكم امرأة في اوربا

لديها رزمة ورق خبيثة. إليك، قالت،

هذه ورقتك، الملاح الفينيقي الغريق،

(لؤلؤتين كانتا عيناه. انظ!)

هذه (بيلادونا) سيدة الصخور

 

50.... سيدة المواقف

هنا الرجل ذو العصي الثلاث، وهنا العجلة،

وهنا التاجر وحيد العين، وهذه الورقة،

وهي خالية، هي شيء يحمله على ظهره،

محجوبة عني رؤيته. أنا لا أجد

 

55.... الرجل المصلوب. إخش الموت بالماء

ارى جموعا من الناس، يدورون في حلقة.

شكراً. اذا رأيت العزيزة (مسزإيكويتون)

قل لها إني سأجلب خريطة البروج بنفسي:

على المرء أن يكون حذراً هذه الأيام

60... مدينة الوهم،

تحت الضباب الاسمر من فجر شتائي،

إنساب جمهور على (جسر لندن)، غفير،

ماكنت أحسب أن الموت قد طوى مثل هذا الجمع.

حسراتٍ، قصيرة متقطعة، كانوا ينفثون،

 

65.... وكل امرىء قد ثبت ناظرية أمام قدميه.

انطلقوا صعداً ثم انحدروا في شارع (الملك وليم)

الى حيث كنيسة القديسة (ماري ولنوث) تعد الساعات

بصوت قتيل على آخر الدقة التاسعة.

هناك رأيت واحداً عرفته، فاستوقفته صائحاً: (ستتسن!)

70... "يا من كنت معي على السفائن في (مايلي!)

"تلك الجثة التي زرعتها السنة الماضية في حديقتك،

"هل بدأت تورق؟ هل ستزهر هذه السنة؟

"أم أن الصقيع المباغت قد أقض مضجعها؟

"ابعد الكلب عنها، فهو صديق للبشر،

 

75.... "وإلا فسيحفر بأظافره ويستخرجها ثانية!

"أنت، أيها القارىء المرائي! –ياشبيهي،- يا أخي!"

 

 

 

2- لعبة شطرنج

 

الأريكة التي جلست عليها، مثل عرش ممرد،

توهج فوق الرخام، حيث المرآة

ترفعها قوائم مشغولة بمثمر الكروم

 

80.... يطل منها (كيوبيدون) من ذهب

( وآخر قد حجب عينيه خلف جناحه)

تضاعف الشعلات من شمعدان مسبع الفروع

يعكس النور على المنضدة حيث

ألقً جواهرها يصاعد كي يقابله،

85.... من علب حرير تنداح في وفر عميم؛

في حقاق من عاجٍ وزجاجٍ ملون

ما عليها سداد، كانت تكمن طيوبها المصنعة الغربية،

دهون، مساحيق، سوائل – تقلق، تُربك

وتغرق الحس في روائح فاغمة يثيرها الهواء

 

90.... الهبوب من النافذة، فترتفع

وهي تضخم لهبات الشمع المتطاولة

وتقذف بدخانها الى المقرنسات،

فتضطرب الزخارف على السقف ذي التجاويف.

أحطاب بحر كبيرة، مطعمة بالنحاس

 

95... تشتعل خضراء برتقالية، مؤطرة بالحجر الملون،

في ضوئه الحزين يسبح دلفين منقوش

وفوق رف المطلى العتيق يُرى

كنافذة تطل على مشهد غابي

تحول (فيلوميل) التي اغتصبها بوحشية

 

100.... ذلك الملك البربري، ولكن العندليب هناك

تملأ القفر جميعاً بصوت لا يُغتصب

وبقيت تصيح، وبقي العالم يلاحقها،

زق زق لآذان قذرة.

وغير ذلك من بقايا الزمن الذاوية

 

105.... كانت مصورة على الجدران؛ شخوص محدقة

تطل أو تكبو، فتغلف الغرفة بالصمت

حفيف أقدام على السلم

تحت ضوء النار، تحت الفرشاة، انتثر

شعرها في ذوائب متقدة

 

110.... توهج في كلمات، ثم غاب في صمت قاس.

"أعصابي مُجهدةٌ هذه الليلة. أجل، مُجهدة، إبق معي.

"تكلم مع. لماذا لا تتكلم قط. تكلم.

"بماذا تفكر؟ ماذا تفكر؟ ماذا؟

"لا أعلم قط ماذا تفكر. فكر".

 

 

115.... أفكر بأننا في زقاق الجرذان

حيث أضاع الموت عظامهم

 

" ما ذلك الصوت؟"

الريح تحت الباب

" والآن ما ذلك الصوت؟ ما الذي تفعل الريح؟"

لا شيء ثانية لا شيء.

"هل"

"تعلم لا شيء؟ هل ترى لا شيء؟ هل تذكر

"لا شيء؟"

أذكر

125... لؤلؤتين كانتا عيناه.

"هل أنت حي، أم لا؟ هل يوجد لا شيء في رأسك؟"

لكن

 أوف أوف أوف أوف يا ألحان الجاز الشكسبهيرية-

ما أحلاها

 

130.... ما أذكاها

"ماذا سأفعل الآن؟ ماذا سأفعل؟"

"سوف انطلق خارجة كما أنا، وأذرع الشارع

"وشعري منسدل، هكذا. ماذا سنفعل غداً؟

"ماذا، سنفعل أبداً؟"

 

135...                     الماء الحار في العاشرة.

"وإذا أمطرت، فعربةً مسقوفة في الرابعة.

وسوف نلعب لعبة شطرنج،

نطبق عيونا بلا أجفان وننتظر طرقة على الباب

 

لما سرّحوا زوج (ليل) قلت لها-

140... وما اختلفت كلماتي، قلت لها بنفسي،

أسرعوا رجاء انتهى الوقت

لأن (ألبرت) راجع، حسني حالك حبّة.

حتماً يريد أن يعرف الذي عملتيه بالفلوس التي أعطاك إياها

حتى تعملي لك بها أسنان. أعطاك، كنت حاضرة

 

145.... اقلعيهم كلهم يا (ليل) واعملي ضبة لطيفة،

  قال أقسِم أنني لا أتحمل النظر إليك.

ولا أنا أتحمل، قلت، وتذكري، (ألبرت) المسكين،

كان في الجيش أربع سنين، ويريد أن يتسلى

وإذا أنت لاتُسلّيهِ، هناك غيرك على استعداد، قلت

150... صحيح؟ قالت. يعني، قلت

إذن سأعرف من أشكر، قالت، وحملقت بوجهي

أسرعوا رجاء انتهى الوقت

إذا ما أعجبك الحال استمري على هذا المنوال، قلت

غيرك يقدر أن ينتقي ويختار إذا أنتِ لا تقدرين

155... ولكن إذا أفلت منك (ألبرت) لن يكون السبب

من قلة التنبيه

يجب أن تخجلي، قلت، من هذا المنظر الهرم

(وهي ماعبرت الواحدة والثلاثين)

ما بيدي حيلة، قالت، ومطت وجهها،

هذي الحبوب التي أخذتها، حتى أنزّله، قالت.

160... (صار عندها خمسة، وكادت تموت مع

الأصغر (جورج

الصيدلي قال كل شيء سيمضي على خير، ولكني ما عدت

مثل قبل.

أمّا صحيح مجنونة، قلت.

هه، إذا ما تركك (ألبرت) لحالك، سترين، قلت،

لأي شيء تتزوجون اذا ما تريدون أطفال؟

165... أسرعوا رجاء انتهى الوقت

أي، ذلك الأحد وصل (ألبرت) وعملوا فخذة مشوية،

ودعوني للعشاء، للاستمتاع بها حارة.

أسرعوا رجاء انتهى الوقت

أسرعوا رجاء انتهى الوقت

 

170... ليلسعيدة (بل). ليلسعيدة (لو). ليلسعيدة

(مي). ليلسعيدة

شكراً شكراً. ليلسعيدة. ليلسعيدة

ليلة سعيدة، سيداتي ليلةً سعيدةً، سيداتي اللطيفات.

ليلةً سعيدةً، ليلةً سعيدة

 

 

3- موعظة النار

 

 خيمة النهر هوت: أواخر الورقات

 تتشبث ثم تغور في الضفة الرطبة. الريح

175... تجتاح الأرض السمراء، غير مسموعة. الحوريات انصرفن.

 

أيها (التيمز) الحبيب، إجر الهوينا، حتى أتمّ اغنيتي.

النهر لا يحمل قناني فارغة، أوراق شطائر،

مناديل حرير، علَب مقوّى، أعقاب دخائن

أو شواهد أخرى من ليالي الصيف. الجوريات انصرفن.

180... ورفاقهن، المتسكعون من ورثة أرباب المال؛

 

انصرفوا، ولم يتركوا عناوين.

عند مياه (ليمان) جلستُ وبكيتُ..

أيها (التميز9 الحبيب، إجر الهوينا حتى أتمّ أعنيتي،

ايها (التمير) الحبيب، إجرِ الهوينا، لأني لا أرفع صوتي عالياً ولا

طويلاً.

 

185... ولكن ورائي في عصفة باردة أسمع

قرقعة العظام، وقهقهة تنداح من أذن لأذن.

إنسل جرذ رويداً خلال العشب

يجرجر بطنه الموحل على الضفة

بينما كنت أصطاد في القناة الكئيبة

 

190... في مساء شتائي خلف مصنع الغاز

أتأمل في تحطم سفينة الملك أخي

وفي موت الملك أبي من قبله.

أجساد بيضاء عارية في الأرض الواطئة الرطبة

وعظام مرميّة في عليّة ضيقة واطئة يابسة،

 

195... تقرقعها قدم الجرذ وحده، من عام لعام.

ولكنني أسمع ورائي من حين لحين

صوت الأبواق والمحركات، التي ستوصل

(سويني) الى (مسز بورتر) في الربيع

منيراً أطلّ القمر على (مسز يورتر)

200... وعلى ابنتها

تغسلان الأقدام بماء الصودا

يا لأصوات الأطفال هذه، تنشد تحت القبّة!

 

شق شق شق

زق زق زق زق زق زق

205... بغاية الوحشية اغتصبت.

تيريو

 

مدينة الوهم

تحت الضباب الأسمر من ظهيرة شتائية

(مستر يوكينيديس) التاجر الإزميري

210... غير حليق، بجيب مليء بالزبيب

"سيف" لندن: وثائق عند الاطلاع،

دعاني بفرنسية مبتذلة

الى غداء في فندق شارع (كانن)

يعقبة قضاء عطلة الاسبوع في (المتروبول)

 

215... في ساعة الشفق، عندما ترتفع العينان والظهر

عن المكتب، عندما تتوقف الماكنة البشرية

مثل سيارة اجرة تخفق في انتظار،

أنا (تايريسياس) رغم العمى، اختفقُ بين حياتين،

رجل عجوز بثديي أنثى متغضنين، أقدر أن أرى

220... في ساعة الشفق، ساعة المساء التي تغذ

نحو الدار، تُعيد الملاّح الى أهله من البحر،

والراقمة الى دارها وقت الشاي، تزيل بقايا فطورها، تشعل

مدفأتها، وتعدّ طعاماً من علب.

خارج النافذة منشورةً بصورة خطرة

225... ملابُسها الداخلية التي تتجفف وقد لوحتها

ذوائب الشمس،

وقد تكوّمت على الأريكة (في الليل سريرها)

جوارب، أخفافٌ، أجوابٌ، مشدّات.

أنا (تايريسياس) رجل عجوز بضرعين متغضّنين

رأيت المشهد وتنبأت بالبقية-

230... أنا كذلك انتظرت الضيف المرتقب

وهو يصل، ذلك الشاب المدمّل

موظف عند وكيل عقار صغير، ذو تخديقة جريئة،

طغامة تجلس عليه الثقة

جلوس قبعة حرير على رأس مليونير من (برادفورد).

235... الوقت مؤاتٍ الآن، كما يظن،

فالوجبة انتهت، وهي ضجرة متعبة،

يحاول أن يأخذها بمداعبات

لا ترغبها، لكنها لا تستهجنها.

وإذ يستثار ويصمم، يهاجم في الحال؛

240... بيدين تجوسان لا تقابلان صدودا؛

ولأن غروره لا ينتظر جوابا،

فهو يقبل اللامبالاة ترحابا.

(وأنا تايريسياس) سبق أن عانيتُ هذا كله

يجري على هذه الأريكة نفسها أو السرير؛

245... أنا الذي جلست قرب (طيبة) في ظل الجدار

ومشيت بين الأدنى من الأموات.

يطبع قبلة أخيرة متفضلة

ويتلمس طريق الخروج إذ يجد السلالم غير مضاءة..

 

تعود فتنتظر برهة في المرآة،

250... وتكاد لا تعي أن حبيبها قد انصرف؛

ذهنها يسمح لفكرة نصف مكتملة أن تمر:

" الآن قد جرى ما جرى: ويسرني أنه انتهى"

عندما تنحدر الحسناء إلى حماقة ثم

 تتمشى في غرفتها ثانية، وحيدة،

255.... تسرّح شعرها بحركة يد آلية،

وتضع اسطوانة على الحاكي

"هذه الأنغام انسابت بقربي على المياه"

وعلى امتداد (الستراند) حتى شارع الملكة (فكتوريا)

مدينةُ يا مدينةُ، أكاد أسمع احيانا

260... جوار حانة في شارع التميز الأدنى،

أنين ماندولين شجيّ

وقرقعة وثرثرة من الداخل

حيث يهجع السمّاكون في الظهيرة: حيث جدران

كنيسة (ماكنس) الشهيد تضم

265... روعة لا تفسر من أبيض وذهب أيوني

 

النهر يرشح

زيتاً وقاراً

الجنائب تنساب

مع المد الراجع

270... أشرعة حمرٌ

وساع

بوجه الريح، تخفق على السارية الثقيلة.

الجنائب تجرف

جذوعاً تنساب

275... نحو شطآن، كرينيج

بعد (جزيرة الكلاب)

ويالالا ليّا

ولا لا ليّا لالا

 

 

(اليزابيث) و (ليستر)

280.... مجاذيف تصطفق

الكوثل بشكل

محارة مذهبة

حمرة ودهب

اللجّة الطافرة

285... تماوج الشاطئين

وريح الجنوب

تحمل مع المسي

صداح النواقيس

أبراج بيضاء

290....                 ويالالا ليّا

ولا لا ليّا لالا

 

" حافلاتٌ وأشجار غبراء.

(هايبري) ولدتني، (رجموند) و (كيو)

دمرتاني. قرب (رجموند) رفعت ركبتي

295... مستلقية في قاع زورق ضيق..."

 

"قدماي في موركيت) وقلبي

تحت قدميّ. وبعد الفعلة

بكى. وعد (بداية جديدة)

ولم اتفوّه بتعليق. على م تراني أحتج؟"

 

"300...       "على رمال (ماركيت)

لا أقدر أن أربط

أي شيء بأي شيء

أظافر متقصفة من أصابع يدين قذرتين

قومي أناس مساكين لا يتوقعون

305... أي شيء."

ثم جئت الى قرطاجة

 

محترقاً محترقاً محترقاً محترقاً

ياربّ انت الذي تنتشلني

310... ياربّ انت الذي تنتشلني

 محترقاً

 

4- الموت بالماء

 

(فليباس) الفينيقي، ميت منذ اسبوعين،

نسي تصخاب النوارس، ولجة البحر العميق

والربح والخسارة.

315...                  تيار بغور البحر

فكك عظامه في همسٍ. وإذا راح يعلو ويسفّ

مرّ بمراحل شيخوخته والشباب

وهو يلج الدوامة.

 

أممي أم يهودي

320... أنت يا من تدير الدفّة وتنظر صوب الريح،

تأمل (فليباس) الذي كان يوماً وسيماً وفارعاً مثلك.

 

 

5- ماقاله الرعد

 

بعد وهج المشاعل على الوجوه العَرِقة

بعد صمت الصقيع في البساتين

بعد الآلام في الأماكن الحجرية

325... والصياح والعويل

والسجن والقصر وتجاوب

رعد الربيع على الجبال القصيّة

الذي كان حيّاً هو الآن ميت

الذين كنا أحياء نحن الآن نموت

330... بقليل من الصبر

 

لاماء هنا بل مجرد صخر

صخر ولا ماء والطريق الرملي

الطريق المتلوّي صعداً بين الجبال

التي هي جبال صخر بلا ماء

335... لو كان ثمة ماء لوقفنا وشربنا

بين الصخور لا يستطيع المرء ان يقف أو يفكّر

العرق جاف والأقدام في الرمل

لو كان ثمة ماء بين الصخر

فم جبلي ميت باسنان نخرة لا يقدر أن يبصق

340... هنا لا يقدر المرء أن يقف أو يستلقي أو يجلس

حتى الصمت لا يوجد في الجبال

بل رعد جاف عقيم بلا مطر

حتى الوحدة لا توجد في الجبال

بل وجوه حمراء عابسة تشخر وتنخر

345... من أبواب بيوت طين متصدّع

لو كان ثمة ماء

ولا صخر

لو كان ثمة صخر

وماء كذلك

350...         وماء

نبع

بركة بين الصخور

لو كان ثمة صوت الماء وحده

لا الزيز

ويابس العشب يغني

بل صوت ماء فوق صخرة

حيث الحسّون الناسك يغرّد في اشجار الصنوبر

سقسق سقسق سق سق سق

لكن ليس ثمة ماء.

 

360...         من الثالث الذي يسير دوماً الى جانب؟

كلّما أعدّ ليس إلاّك وأنا معاً

 

ولكن عندما أصعد الطرف نحو الطريق الأبيض

ثمة دوماً واحد آخر يسير الى جانبك

ينساب مدثراً بعباءة سمراء ملتفعاً

365... لا أعرف إن كان رجلاً أو امرأة

- فمن ذاك الذي الذي الى جهتك الأخرى؟

 

ما ذلك الصوت الصاعد في الهواء

نشيج نواح الأمهات

ما تلك الحشود المتلفعّة تفيض

370... على سهول مترامية، تتعثر بأرض متصدعة

يسوّرها الأفق المنبسط وحده

أيّة مدينة خلف الجبال

تتصدع وتعمر وتنفجر في الهواء الشفقي

بروج متهاوية

375.... أورشليم أثينا الاسكندرية

فيينا لندن

وهمٌ

 

امرأة شدّت شعرها الأسود الطويل

وعزفت الحان همس على تلك الأوتار

380.... وخفافيش بوجوه أطفال في ضوء الشفق

راحت تصفرّ، وتخفق بأجنحتها

وتزحف متدلية الرؤوس نزلاً على حائط مسوّد

وثمة بروج مقلوبة في الهواء

تدق نواقيس ذكرى، تعدّ الساعات

385.... وأصوات تغني من صهاريج خاوية وآبار ناضبة.

 

في هذه الحفرة النَّخِرة بين الجبال

في نور القمر الخابي، يغني العشب

فوق القبور المنقلبة، حول الكنيسة

ثمة الكنيسة الخالية لا تؤمّها غير الريح.

390... لا نوافذ فيها، والباب يتأرجح،

العظام اليابسة لا تؤذي أحداً.

ليس غير ديك انتصب على عارضة السقف

كو كو ريكو كو كو ريكو

في لمحة برق. ثم عصفة رطبة

395... تحمل المطر

كان (كانكا) قد غاض، والأوارق المنهكة

تنتظر المطر، بينما السحب السوداء

تجمعت في الأقاصي، فوق (هيمافانت).

الغابة قرفصت، محدودبة في صمت

400... ثم تكلم الرعد.

دا

أعطوا: ماذا أعطينا؟

يا صديقي، الدم يخض قلبي

الجرأة المرعبة في لحظة استسلام

405... لا يقوى على سحبها دهر من الحصافة

بهذه، بهذه وحدها، كان لنا وجود

وهو ما لا يمكن أن يوجد من مناعينا

أو في ذكريات يغشيها العنكبون الكريم

أو تحت اختام يفضها المحامي الهزيل

410... في غرفنا الخالية.

دا

تعاطفوا: لقد سمعت المفتاح

يدور في الباب مرة ويدور مرة واحدة

نفكّر بالمفتاح، كلٌّ يؤكد سجناً

عند هبوط الظلام فقط، أصداء أثيرية

تنعش لبرهة (كريولانس) مهزوماً.

دا

 سيطروا: استجاب الزورق

420... بمرح، لليد الخبيرة بالشراع والمجداف

كان البحر هادئاً، وكان قلبك سيستجيب

بمرح، لو دُعي، فيخفق طائعاً

لسيطرة يدين.

جلستٌ على الساحل

425... أصطاد، والسهل القاحل خلفي

أما يتوجّب علّي في الأقل ترتيب شؤوني؟

(جسر لندن) يتهاوى يتهاوى يتهاوى

ثم توارى في اللهب المطهرٍّ

متى سأصبح مثل السنون – سنونو يا سنونو

430... أمير (أكيتين) ذو البرج المنهار

هذه النثارة دعّمت بها خرائبي

إذن لأتدبّرن أمرك. (هيرونيمو) قد جُنّ من جديد

أعطوا، تعاطفوا، سيطروا.

سلام سلام سلام

 

 

21:48 |  Facebook | |

26/02/2012

مغامرة الكتاب الأوّل

!وعد السحاب.. لقد كان استئنافاً للوعد باللغة ومعنى الذّات

162622.jpg

عبد اللطيف الوراري

1 

منذ أن تفتّقتْ ملكتي وشرعتُ في نَظْم الشِّعر، وأنا دون العشرين من عمري، كنتُ أحلم أن يصدر لديوانٌ. ديوانٌ لي مدبوغاً بحرّ أنفاسي، وعليه صورتي واسمي، إسوة بالشعراء الحديثين الذين بدأتُ أقرأ لهم. كُلّما تأخّر الحلم عن التحقٌّق، عاماً بعد عام، مثّل ذلك بالنسبة لي حافزاً للإصغاء إلى يفاعة تجربتي وتطويرها باستمرار، مثلما مثّل توُّرطاً، قاسياً وغير مفهوم، في الشعر الذي يُنادي عليك من أمكنة بعيدة. كان الحلم، في أحيان كثيرة، يتحوّل إلى يوتوبيا، ولاسيما في بلدٍ لا مكان فيه للشعر والشعراء تحت الشمس، مثل المغرب. والّذي أذكره، قبل أن يُطبع كتابي الأوّل، أنّ هناك مشاريع كتب دالّة كنتُ أصمّمها بنفسي وأضع أغلفتها وعناوينها بمناسبة أو بدونها، ثُمّ سرعان ما ضاعت منّي إلى الأبد. كان ديوان 'عرائس الصبا' الذي جمعتُه وأنا طالب في الثانوية، هو كتابي الأوّل حقّاً؛ ففيه آثارٌ مجروحة ٌبأنفاس حبّي الأوَّل، ومتاع ذاتي الشحيح، ودهشتي الأولى بالأشياء والعالم، كما نثرتُها في قصائد وجدانية وعاطفية، منظومة بين شكلي القريض والموشّح. كان مجمل هذه القصائد قد أُذيع في برنامج 'مع ناشئة الأدب' الشعري، وقد افتضح أمري كشاعر بين أصدقائي وأفراد عائلتي، وأنا الذي اعتبرْتُ الشعر حالة فرديّة خاصة يُكتب بمنأى عن أعين النّاس وفضولهم، إلّا أنّ ذلك أشعرني بالزّهو بين أقراني وقتئذٍ. لكن هذا الديوان الذي هيّأْتُه للطبع، وأرسلْتُه إلى البرنامج بعدما سمعْتُ ـ أنا وآخرون ـ وَعْـداً بذلك من مُعدِّه الشاعر وجيه فهمي صلاح، لم يكن إلّا حلماً في الكرى، ولا أعرف أين هو الآن؟

2
 

هكذا، بعد عقد ونصف من ملازمتي الشِّعر وعذابه، وبعدما لم يتحقّق الوعد من أيّ جهةٍ، ظهر كتابي الأوّل مطبوعاً على نفقتي الخاصّة التي دبّرتُها بِدَيْنٍ مع شقّ النفس، في أواخر العام 2005م. كان عنوان الديوان في بادئ الأمر هو 'فراديس العزلة'، ثُمّ استقرّ رأيي، بمشورة صديقي الكاتب محمد بازي، على عنوان أكثر دلالةً: 'لماذا أشْهَدْتِ عليّ وعد السحاب؟'.بعد الطبع، بدأت قصّة توزيعي للديوان، بغلافه الأبيض الذي تخترقه صورة تجريديّة لصديقي الرسام محمد حستي، من مكتبة إلى أخرى، ومن كشك إلى آخر؛ ولمّا كان أصحابها يعلمون أنّي أحمل إليهم شعراً، يرفضون استلام النُّسخ منّي، أو يأخذون أقلّها بمضض، تحت نظرات الفضوليّين المشفقة، بذريعة أنّ الشعر بضاعة كاسدة. لقد آلمني أن أسمع مثل هذا الكلام أكثر من مرّة بما يشبه إجماعاً. ساعاتٌ طويلةٌ قضيْتَها في الشعر وعلى حوافّه تبدو لك كأنّها هباء. وُوجِهْتُ بمثل هذا السؤال: هل أستمرّ في الكتابة أم أنقطع عنها إلى شأنٍ آخر؟ ـ لكن سرعان ما انفتح أمام عينيّ أفقٌ مثل هِبة، حيث وجدْتُ نفسي، داخل الثانوية التي أعمل بها، مُحاطاً بِتلقائيّة تلامذتي ودهشة عيونهم المُشعّة وانطباعاتهم العفويّة عن ديواني الذي ناقشوني في لغته وفضاءاته، وأثارهم ما وجدوا فيه من حزن، فتأثّروا بذلك جميعاً. صار الشعر، من هذه اللحظة بالذّات، التزاماً إنسانيّاً لا رجعة عنه.وأمّا الذين قرأوا الكتاب، من أصدقاء ونقّاد، فقد أثارهم تصميم الكتاب، ولغته، وغموضه المُشْبع بالرمز والخيال، مثلما بالجوع والخيبات. لكن أنّى لهم أن يعرفوا أنّ 'وعد السحاب' لم يكن، في حقيقة الأمر، كتابي الأوّل، بل كان استئنافاً للوعد باللُّغة ومعنى الذّات. ضمّ الديوان بين دفّتيه حوالي أربعة وعشرين نصّاً شعريّاً متفاوت الطّول. كانت النصوص التي اخترتُها كُتِبتْ في خضمّ السنين الخمس الماضية، ونُقّحتْ ورُتّبتْ في خريف 2005م، وهي تنتسب إلى شعر التفعيلة وقصيدة النثر معاً. وممّا جاء في كلمة صديقي الناقد رشيد يحياوي على ظهر الغلاف: 'تفتح اللغة في هذا العمل موطنها لمأساة عارية (...) وكأس الشاعر راودتها الطريق نحو آبار المعنى'. صحيح، لقد أهرقْتُ في الديوان حبراً عن ملامح من سيرتي الحزينة عبر ذاتٍ تعيش تجربة العبور في ترحالها بين الأمكنة الهاربة، بمقدار ما عمّقتُ فيها ملامح من شعريّتي الخاصّة.بعد ستّ سنوات من ذلك التاريخ، فإنّ الذي تبقّى لي من ديواني الأوّل هو ذلك الوعد لا يزال يُنبئ به ويتطلّبه منّي باستمرار. وعد السحاب. ليس السحاب حيث مكمن الماء والضوء إلّا الأمل من نقطة التماسّ تلك، بين ما كان وما سيكون؛ وهو ما يجعل المعنى في رؤيتي إلى الذات والعالم مُستأنفاً، باستمرار..ـ

3

ما بي أرى جُرْحي
أخفّ إليّ منْ سَقْف الغُبارْ؟
أَهُش في ليلٍ، على ظلًي وأنظرُ في السّماء
كأنّ منْ حجرٍ رُؤَى الموْتى تَصيح،
أقول في نفسي: خفافا تعْبر الطّيْرُ الطّريقَ
إلى سحاب سدوم ناياتٍ، وتأثرُ بعْد عيْنْ
  واريتُ مرآتي التُرابْ كأيً أعْمى؛ 
في دمي تغْفو نساءُ الاستعارة
يفترين عليّ:كمْ رؤْيا، صباحَ اللًيْلِ، لَـووصل الغريبةَ وارفُ الأنقاضِ؛
،لَوْ رَعَيا مياهاً في الدّخائل
!واْستحمّا مرّتيْنْ

00:18 |  Facebook | |

12/02/2012

هجرة الأدب إلى الفضاء الأنترنيتي


podcast

 

 

في العصر الرّقْمي الذي يعبرونه ويتجاوبون معه،

أدباء المغرب يراهنون على كتابات تحتفي بهويّة مفتوحة متعددة قابلة للحوار وللتفاعل

1303220934.jpg

 

عبد اللطيف الوراري

 

   بوصفه واحداً من أهمّ وسائل الميديا الجديدة التي نشأت عن العولمة المعاصرة، يتعرّف المغاربة على الانترنت الذي تحوّل، بسرعة وبعد فترة تهيُّبٍ منه، إلى ضرورةٍ في حياتهم اليومية، وكيْف صار"انفجاراً"يأخذ الكثير من وقتهم وأحاديثهم.شرائح واسِعة ومشارب مختلفة من المجتمع باتت تتعاطى مع الانترنت بِشكْلٍ طبيعيّ ولافت؛ أما الشباب فإنّ لهم فيه مآرب شتّى، من غرف الشّات إلى محرّكات البحث فيما هو، بين أيديهم، يقرّب المسافات، ويعبر الحدود ويوسّع من مجالات الحرّية في التّعبير والإحساس والرّؤية؛ ثُمّ مواقع التواصل الاجتماعي التي فتحت أمامهم فرصة أن يتعرّفوا على بعضهم البعض وينفتحوا على العالم، ولاسيّما من لدن الأدباء ومبدعي الكلمة.

رعيل أوّل:

  في وَقْتٍ ظلّ فيه كثيرٌ من الرّعيل الأوّل ولاحقيه من الروّاد والمؤسّسين يتهيّبون من صورته الافتراضيّة، أي غير الواقعيّة في المعنى المادي، ومتحفّظين على الصّيغ الّتي يتمّ بها تدول الأدب الرقميّ، إخترق أدباء المغرب من المُعاصرين، والشّباب تحديداً، هذا الفضاء السبرنتيكي معرِّفين بكتاباتهم ورؤاهم ومواقفهم، وموّسعين دوائر حركتِهم من خلال نشْر نتاجهم في عددٍ من في المواقع الثّقافيّة الإلكترونيّة، بلْ أنْشأ البعض منهم مواقع إلكترونية بدايةً من أواخر التسعينيّات (رضا اكديرة/1996، المهدي المنجرة/1998، هشام فهمي/1999، سعيد يقطين/2000، محمد العمري /2000، يحيى اليحياوي/2002، محمد أسليم/2002، أحمد العمراوي/2002، محمد المصباحي/ 2002، سعيد بنكراد/2003...إلخ)، والكثير منْهم، بلا عددٍ، وضع مُدوّنات شخصية تهتمّ بنتاجات الثّقافة والأدب المغربيّيْن، كما يسجل حضورٌ طاغٍ في عملية إنشاء المنتديات وإدارتها أو حتى الإشراف عليها بشكل فعّال.ورغم هذا الدأب المبذول في اختراق عوالم الأدب الافتراضيّة لا زال أدباء المغرب يفتقدون لموقعٍ عظيم الشّأن والأثر ينقل صورة أدبهم وقضاياه بشكْل واسع يُضاهي كبريات المواقع الثّقافية الإلكترونيّة العربيّة التي سارت بذكرها الأجواء لرصانتها، وكفاءتها العالية، وأفكارها الّتي تُشيع روح الإبداع والتّسامح والديموقراطية وحقوق الإنسان، وتنفتح على الآداب والثقافات الأجنبيّة (إيلاف، جهة الشعر، الكلمة اللندنية، ديوان العرب، الامبراطور، ميدوزا...إلخ)، بل إن مواقع مؤسّسات وازنة تُعنى بالشأن الثّقافي والأدبي (وزارة الثّقافة، إتّحاد كتّاب المغرب، بيت الشّعر في المغرب...)لا تعمل إلّا ببطء، ولا تواكب ما يستجدُّ في الساحة، حتى أنّها باتت لا تُغري أحداً، وصارت طُرْفة في لسان الحال على الكسل والتقصير وسوء التدبير.

سخاء الأنترنيت:

  يُلاحظ، في غياب محفّزات النشر الورقي، إقبال على هذه الواجهة التواصليّة مِنْ شاشات الصفحات الافتراضية مع ما تُوفّره وسائطها التّفاعليّة مِنْ إمكانات العمل والانتاجية، وفُرص الفاعلية والتّأثير؛ وهو ما انعكس، سلباً أم إيجاباً، على تصوُّر الظاهرة الأدبية نفسها، ومُمْكنات فعاليّاتِها العابرة للذّوات والخطابات.إنّها، بلاشكّ، أتاحت هامشاً مُهمّاً من الحريّة وعملت على الحدّ من الطابوهات والإكراهات السياسيّة والاجتماعية، مثلما عملت على أرْشَفة النّصوص الأدبية والفكرية والفنية، وعلى رجّ أشجار النسب الثقافية والجماليّة بأكملها، كما أماطت اللّثام عن مواهب أدبية حقيقيّة هُمّشت لهذا السبب أو ذاك.

لكنّه سيْفٌ ذو حدّيْن.بقدرما كان لمسألة النّشْر الإلكتروني من أهميّة لا تُنْكر، فإنّه فتح الباب على مِصْراعيْه أمام التّهافت والتّرويج السّهْل والرّداءة المنفلتة من كلّ معيار، وأمام التّعليقات الّتي تغيب عنها روح المسؤولية وتتحول الحريّة فيها خطاباً للكراهية، ومجالاً لتصفية الحسابات والأحقاد الصّغيرة وراء الأقنعة والأسماء المستعارة.بل مِن المواقع الثقافية الالكترونية مَنْ نافس الصُّحف الورقيّة التقليدية سارِقاً مِنْها جماهيريّتها، ومِنْا مَنْ تحوّل إلى مؤسّسة لا تعدم منطق السُّلْطة الّتي جاءت للردّ عليها، والخروج على شرعتها مُحتمية في ذلك بالأسماء والقوانين والكليشيهات.

   بهذا الأفق، يمكن القول إنّ المواقع الالكترونية فتحت فضاءً بلا ضفاف في حياتنا الثقافية، ودشّنت عصراً جديداً من تاريخ الكتابة والتلقّي، وأنشأت مفاهيم وحساسيّات ورؤى جديدة في حياة كلّ أديب من أدباء العربيّة ينْضوي تحت هذا المجمع، أو يُحلّق في غير سماء، لكن أجنحته المحترقة هي زادٌ للسّالكين على عِلْم الرّيح.ففي ضوء فسحة الفضاء الأنترنيتي، والمساحة الهائلة التي خلقها، وحرية الاختيار التي فتحت الأبواب للتعبير عن الآراء ووجهات النظر بدون قيود، يصر طرح مثل هذه الأسئلة مشروعاً ومستعجلاً في آن:هل أتاحت المواقع الثقافية الإلكترونية للكتّاب فرصة إيصال إنتاجهم الأدبي إلى أوسع قطاع ممكن من القرّاء، بعيداً من إشكالات النشر في الصحافة الورقية المغربية، وحواجز المنع أمام الذين لا يمتلكون أسماء معروفة؟ وهل ما يتمُّ نشره من مساهمات أدبية أنترنتيّاً يصل إلى القرّاء المفترضين؟ وهل ما يساهم بنشره كاتبٌ أو أديبٌ يؤثّر إيجاباً في تجربته الكتابيّة؟ وفي مقابل ذلك، ألم يخلق النشر الإلكتروني ـ داخل فضاء المدوّنات ومواقع التواصل الاجتماعي ـ اختلالاً في القيم واختلاطاً في معايير الحكم الجمالي، فلا نعرف الرديء من الجيّد؟

سلطة، كتابة وهذيانات:

وقد سبق أن قاسمنا بعض كُتّابنا مثل هذه الأسئلة؛ فهذا الكاتب رشيد يحياوي يشير إلى أنّ الصحف الحزبية كانت تمارس الإقصاء وتبدو غير مهتمّة بالثقافي عموماً، وبالتالي لم يعد لها سوى وجود رمزي في سوق القراءة بعد أن تراجعت مبيعاتها بصورة حادة.ويستدرك قائلاً:"إنّ المسألة لا تخصّ الأحزاب، ولكن وجود بعض الكتاب ذوي النظر القصير والمزاج الضيق، على رأس تحرير الصفحات الثقافية في العديد من الصحف الحزبية وغير الحزبية معاً. وهذه الفئة تستغل مواقعها لإرضاء صداقات وخلق أخرى دون أن تكون لها استراتيجية ثقافية معينة".وعن علاقة بفضاء النّشر الإلكتروني، لفت إلى أن الكتّاب المغاربة لم ينجحوا حتّى الآن في إنشاء مواقع إلكترونية ثقافية ذات نسبة عالية من التصفح وعدد الزيارات.لكن ذلك لم يحل دون انتشار الكتاب المغاربة داخل هيئات الإشراف على الكثير من المواقع الإلكترونية الثقافية العربية، بحيث تستقبل كتاباتهم بكيفية محترمة من لدن الصحافة العربية والمواقع الإلكترونية، وإن كان فيها الكتّاب فعلاً وأنصاف الكتاب وأرباعهم من الناشئين ومن يهذون من زمنٍ ولم يصبحوا كتّاباً بعد".

فوضى القيم واختلاط معايير الجمال:

ويرى القاصّ حسن البقالي أنّ الأمر كان بالفعل انتقالاً من جدول صغير إلى شساعة البحر..إلى كون يعيش انفجاره العظيم ويتمتع بجاذبية آسرة، وإن كانت هذه الخاصية (شساعة المساحات الافتراضية بدون حد)هي ذات رأسين اثنين:الكاتب الذي تجاوز الحواجز والمعيقات التقليدية التي ظل يفرضها النشر الورقي القائم على الانتقاء، وهو انتقاء مبرر بضيق المساحة الورقية المتوفرة، لكنه غير خاضع بالضرورة لمعايير الجودة والإبداع فحسب.ثُمّ المتلقي الذي تجاوز بدوره حدود الدولة القطرية.وفي أحسن الأحوال الرقعة العربية إلى فضاء العالم الفسيح. ويؤكّد على أن الانترنت خير تمظهر لمقولة "ماكلوهان"التي جعلت من العالم قرية كونية مشرعة على الفضاءات اللامحدودة..وبشكلٍ ما هي أيضاً قرية "جوبوسكي"المدفونة وقد خرجت للشمس،إذ أليس الانترنت في النهاية شكلاً من أشكال الإبداع الإنساني الماحق؟".كما أنّ هناك دوماً مساحة بيضاء بين القارئ المفترض والقارئ الفعلي.. وما يحدث الآن مع الانترنت هو أنه يؤسس لتقاليد قرائية جديدة وعلائق من نوع آخر بين الكاتب والقارئ، لعل أهم تجلياتها ما يمكن وسمه –إحالة على الحقل التربوي-بالتغذية الراجعة الفورية.وعن تجربته، يؤكّد أنّ الانترنت لعب دوراً محفّزاً وداعماً للمرحلة الجديدة من مساري الإبداعي الذي عملت جهات متعددة فيما قبل سواء عن جهل أو سوء طوية أو حساسية حزبية/إيديولوجية وحتى شخصية..إن أول خطوة على أرض الانترنت لا تختلف عن خطوة كولومبس الأولى فوق جسد قارته الجديدة..انزلاق عبر رسالة جديدة للغفران". ومن الفضائل الأساسية التي أرجعها للانترنت هي أنّه كشف بعض المستور وعرض للشمس العديد من السلوكات المحسوبة شططاً على الثقافة والتي ظلت تطبع العلاقات الثقافية في هذه المنطقة من العالم مستفيدة من السراديب المعتمة للنشر الورقي..إلّا أنّه من الطبيعي أن يختلط الحابل بالنابل في ظل واقعٍ إفتراضيٍّ كهذا، إذ يصير العادي بله المبتذل إبداعاً والإبداع لغواً والصحو محواً والسرقة تناصّاً، ليكرس بذلك لفوضى القيم واختلال المعايير والذائقة. ويستطرد قائلاً: "ليس الأمر – مع ذلك- بهذه القتامة, فما تزال هناك واحات مخضرّة في صحرائنا الممتدة..أقلام مبدعة لنشر الجمال والدفء،سأبقى مديناً للانترنت بالتعرف عليها والدنو من عوالمها".

رأي عامّ جديد:

  وعن سؤال هل أتاحت المواقع الثقافية الإلكترونية للكتّاب فرصة إيصال إنتاجهم الأدبي بعيداً من الإكراهات؟ يُجيب الشاعر عبدالحق ميفراني:"أفترض أن الجواب ب"نعم"لن يمثل كشفاً جديداً في هذا المجال، بحكم أن هذه المواقع الإلكترونية الثقافية بعضها لا يمثل رقابة ذاتية، لكن بعضها الآخر لم يتخلص بعد من هذه العقدة، سواء عبر تمثلها لخط تحريري، إن وجد، يساهم في بلورة مفهوم رقابة جديدة، أو عبر احتضان مفهوم معين من أنواع الثقافة".ولم يجد مناصاً من الاعتراف بأننا أمام ثقافات بالجمع وليس أمام ثقافة بالمفرد، ناهيك عن الصدام النفسي لأنواع الخطابات التي قد تلتقي على فكرة وقد تلتقي لتفترق.هنا يأتي دور الهيئة التحريرية لهذه المواقع في رسم "خارطة طريق"لنقاش حضاري أوسع، على أساس توسيع قاعدة القراءة وتحفيز هوامش عريضة من كتّاب مفترضين بعيداً عن معيار الجودة الذي لا زال يفتح نقاشاً يهم آليات وجود هذه الوسائط.وعن الإمكانات التي فتحها الشّاشة الافتراضية في زمنا الموسوم بالتحوّلات، قال:"إنّ النشر الإلكتروني حضر في واقع ثقافي خاص ومعقد، بحكم أن هذا السيلان المعرفي وهذا الحضور الواسع لهوامش "الحرية"دفع بالفاعل الثقافي أينما كان، عربياً على الخصوص، إلى توظيف هذه الآلية المكشوفة والواسعة في تقعيد تمظهرات ثقافية لا تمثل كشفا معرفيا اليوم، ولا تقعد لأيّ دينامية على مستوى بنية الخطاب.فقط يمكن الإشارة إلى أن هذا الواقع الجديد والوليد القادم من جغرافيات أخرى، حضر في وقت أمسى فيه الواقع الثقافي العربي يعيش أسئلة الهوية وانشطارات الكينونة، بل إن واقع العولمة، اليوم، يدفعنا إلى إعادة التفكير في آليات التوظيف النشر الالكتروني بما يتوافق مع إنتاج كتابات تحتفي بهوية مفتوحة متعددة قابلة للحوار وللتفاعل؛ والأكيد أن النشر بهذه الطريقة، في نطاق أوسع، سيساهم في بلورة رأي عام جديد بدون ملامح، وبالتّالي يساهم، ربما، في بلورة مشروع ثقافي عربي يمثل الأنترنيت آلية إنتاجه وقاعدة بياناته الجديدة.

وبرغم ما يسبّبه الفضاء الأنترنيتي، بكلّ تمظهراته، من فوضىً في القيم واختلاطاً في معايير الحكم الجمالي، إلّا أنه الفضاء ـ بحسب رأيه ـ يساهم في بلورة قيم أخرى ليست بالضرورة معرفية، ولا تهم الجانب الأدبي ولا حتى التواصلي؛ ويمكن لحقل السوسيولوجيا الرقمية أن يفيدنا على مستوى تدبير إواليات خطابية لفهم واستبصار عمق هذه الممارسة وديدنها.لكن، مع ذلك، يجب الاعتراف أن فسحات وجرعات الحرية التي تتبلور في هذا الفضاء الواسع تخلق هي أيضا وازعاً "اخلاقياً"قد يساهم، إذا أردنا أن نسمي الأمور بمسمياتها، في تحريف قدرة هذه الشبكة الواسعة المعلوماتية في توسيع هامش التداول المعرفي، وفي قدرتها على بلورة ما يمكن أن نصطلح عليه "رأياً عامّاً" جديداً، وآليات خطابية جديدة. 

 

 

12:40 |  Facebook | |

07/02/2012

الإبداع الأدبي والهجرة إلى مواقع التواصل الاجتماعي

بمناسبة المعرض الدولي للكتاب بالدارالبيضاء:

tawasil.jpg

 

   في إطار فعاليات الدورة 18 للمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء، نُظّمت يوم الأربعاء 15 فبراير 2012م بقاعة صالح الشرقي، ما بين الساعة الحادية عشرة والواحدة زوالاً، ندوة حول موضوع "الإبداع الأدبي والهجرة إلى مواقع التواصل الاجتماعي". ففي خضمّ  التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، من طفرات حاصلة في تقانات الاتصال، وأزمات إقتصادية تصيب البنيات المجتمعية بالخلل، وديناميات سياسية تطرح سؤال التعاقد الاجتماعي، يعود إلى الواجهة سؤال: دور الأدب وفعاليته وتفاعلاته، وسؤال الأجناس الأدبية ومواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن صرنا نرى الأسماء الأدبية تهاجر إلى مواقع التواصل الاجتماعي لتنشر عبرها إبداعاتها.

شارك في الندوة، التي تنظّمها وزارة الثقافة، كلٌّ من الشاعر صلاح بنعياد (تونس)، والكاتبة زهور كرام، والنقّاد سعيد يقطين وأحمد شراك ومحمد أسليم ومحمد الداهي؛ وسيّرها عبداللطيف الوراري.

:صورٌ من الندوة

DSC01627.JPG DSC01630.JPGDSC01631.JPGDSC01632.JPG

17:51 |  Facebook | |

05/02/2012

Wisława Szymborska

 

أيقونة الشعر البولوني فيسوافا شمبورسكا (1923-2012) ـ 

مختاراتٌ من شعرها.. وذاتها

ترجمة: هاتف جنابي

noh.jpg

 

لا شيء يحدث مرتين 

ما من يوم سيُكرّر نفسَه
لا توجد ليلتان متماثلتان
ولا قبلتان متساويتان
.ولا نظرتان في الأعين متطابقتان

أمس، حينما اسمك
ردده أحدٌ على مسمعي
 شعرتُ كما لو أن وردة
.قُذفتْ في غرفتي من نافذة مشرعة

 

،اليومَ  ونحن معا
.أدرتُ وجهي للحائط
الوردةُ ؟ كيف تبدو الوردة ؟
هل هي زهر؟ أو ربما حجر؟

 

لماذا أنت أيتها الساعة السيئة
تضطربين بحذر لا داعي له؟
.أنت موجودة- إذن ينبغي أن تنقضي
.ستنقضين- وهذا شيء جميل

 

مبتسمين, نصف متعانقين
،نحاول البحث عن الوئام
رغم كوننا مختلفين عن بعضنا
.كقطرتين من الماء الزلال

 


علانية
هذانِ نحن، عاشقان عاريان
-جميلان لأنفسنا - وهذا كثير
بأوراق الأجفان متدثران
.مستلقيان في عمق الليل

 

لكنها تعرفنا بلى تعرفنا
،هذه الزوايا الأربعةُ والمدفئةُ الخامسة
،الظلانِ المفترضان الجالسانِ على الكرسيين
.والمنضدةُ التي تستغرق في صمتها ذي المغزى

 

ويعرف القدحان لماذا بقايا
الشايِ تبرد في القاع
أما السقفُ فلا رجاء له
.إذْ لا أحد الليلةَ يقرأه

 

:والطيورُ؟ لا تُعَوّلْ أبدا على الأوهام
أمسِ رأيتُ كيف كانتْ فوق السماء
تخطُّ بوقاحةٍ ووضوح
.هذا الاسمَ الذي أُناديك به

 

والأشجارُ؟ قلْ لي ماذا يعني
همسُها الذي لا يكلّ؟
تقول: ربما الريحُ بمعرفتها تمنّ
وإلا فمنْ أين لها أنْ تعرف الريحُ عنا؟

 

دخلتْ فراشةٌ ليليةٌ عبر النافذة
وراحتْ ذهابا وإياباً
بجناحيها الأزغبينِ تحلّقُ 
تحفّ بعزمٍ فوقنا

 

ربما ترى هي أكثرَ منّا
بحدّةِ النظر الحشريّ؟
،أنا لم أحِسَّ أنك خمّنتَ
.أن قلبينا ينيران في الظلام

 

 

 الغياب

 

كان ينقص القليل
كي تتزوج أمي
السيد زبيغنيف باء من منطقة (زْدونْسْكا فولا)ـ
.لو كانت لهما بنتٌ – لما كنتُ أنا هي
،ربما ستكون لها ذاكرة أفضل على تذكر الأسماء والوجوه
 .وكل لحن تسمعه مرة واحدة
.ستميز كل طائر بدقة
،ستكون لها درجات عالية في الفيزياء والكيمياء
،غير أنها ستكون أسوأ في اللغة البولندية
لكنها ستكتب سرا قصائد أكثر
.متعة من قصائدي
 

كان ينقص القليل
كي يتزوج أبي في الوقت ذاته
الآنسة يادفيغا راء من مدينة (زاكوبانه)ـ
.لو كانت لهما بنت – لما كنتُ أنا هي
.ربما تكون أكثر مني إصرارا على رأيها
.ستقفز بدون خوف للماء العميق
.وأكثر مرونة للتأثر بالمشاعر الجماعية
،وتُرَى بلا انقطاع في آن ٍ واحد في أماكن عدة
،نادراً أمام كتاب، غالبا في الساحة
.حيث تركل الكرة مع الأولاد

 

ربما ستلتقيان معا
.في نفس المدرسة ونفس الصف
،لكنهما لن تكونا زميلتين
،لن تكونا قريبتين
.وفي الصورة الجماعية ستكونان مفترقتين

،يا بنات، قِفْنَ هنا
-ينادي المصور-
.القصيرات في الأمام، وخلفهن الطويلات
.ابتَسِمْنَ جيّداً، عند الإشارة
،لكن تأكدنَ مرة أخرى
هل الكل حاضرات؟
 

.نعم، أيها السيد، كلنا                                              

ألف باء

،لن أعرف أبداً
.بماذا كان يفكر حولي ألف
.وهل باء سامحتني للنهاية
.لماذا تاء تظاهر بأن كل شيء على ما يرام
.وماذا كان دور ثاء في صمت جيم
.ماذا كان يتوقع حاء، إن كان يتوقع
.لماذا تظاهرت خاء، رغم أنها عرفتْ جيدا
.ماذا كان يخفي دال
.ماذا أرادتْ ذال أن تضيف
،هل حقيقة كوني كنتُ بالقرب
كان له أيّ معنى
.بالنسبة لراء، وزاي وبقية الألف باء 

منظور

،تقابلا في الطريق مثل غريبين
،دون إشارة أو كلمة
،هي في طريقها للحانوت
.وهو إلى السيارة

،ربما بفزع
،أو ذهول
،أو نسيان
هما وبوقت قصير
.قد أحب بعضهما الآخر حتى النهاية
،لا شيء يضمن
.أنهما قد كانا هما
،نعم، ربما من بعيد
.لا من قريب أبدا

،رأيتهما من النافذة
،مَنْ ينظر من الأعلى
.من السهل أنْ يخطئ

،هي غابت وراء الأبواب الزجاجية
وهو جلس وراء المقود
.وانطلق بسرعة
يعني لم يحدث شيء
.حتى لو أنه قد حدث
وأنا متأكدة مما رأيتُ
،عبر لحظة فقط
أحاول الآن في قصيدة عرضية
،أن أقنعكم، أيها القراء
.بأن ذلك كان حزينا


بعد غدٍ – بدوننا

.يتوقع أن يكون الصباح باردا وضبابيا
تأخذ السحب الممطرة بالتجمع
 .من الغرب
.ستكون الرؤية ضعيفة
.والطرقات زلقة

تدريجيا سيكون ثمة صحو محلي
،أثناء النهار
تحت تأثير الضغط العالي من الشمال
لكنه لدى هبوب رياح شديدة متغيرة في عصفها
.قد تقع العواصف

ليلاً
،سيعم الصحو كلّ البلاد تقريبا
فقط في الجنوب الشرقي
.لا يستبعد سقوط المطر

ستنخفض الحرارة إلى حد ما
.لكن الضغط سيرتفع

من المتوقع أن يكون
،اليوم التالي مشمسا
لكن المظلة ستكون
.مفيدة لمن سيبقون على قيد الحياة

ـــــــ

23:14 |  Facebook | |

03/02/2012

فيتسوافا شيمبورسكا.. وداعاً

أيقونة الشعر البولوني

فيسوافا شيمبورسكا وضعت شعرها لكشف الشرط الإنساني الصعب والحقيقة الإنسانية المشتّتة، وجاهرت بعدائها للشيوعيّة ! Wislawa-Szymborska.jpg

 

عبد اللطيف الوراري

 

 عن عمر يناهر الثمانية والثمانين، وبعد معاناة مع المرض، رحلت عن عالمنا الشاعر البولونية فيسوافا شيمبورسكا "بهدوء خلال نومها" في منزلها بمدينة كراكوفا التاريخية التي تقع جنوب البلاد، حيث عاشت بها طوال حياتها، وفي جامعتها تابعت دروسها في كلية الآداب وعلم الاجتماع، وتفتّقت موهبتها ككاتبة حيث نشرت أولى قصائدها، وكان من المفترض أن تنشر أول كتبها في العشرينيّات من عمرها، إلّا أن الرقابة لم تصرح بدعوى أنّه لا يتماشى مع المناخ الاشتراكي التي كان يُخيّم ثقيلاً على بلدها. 

وكانت شيمبورسكا قد ولدت في الثاني من يوليو 1923م، وعاشت أجواء الحرب العالمية الثانية، والخوف الذي تركته في النفوس يوم النّاس وقتئذٍ. كما أنّها تأثّرت بالمناخ الاشتراكي إلى حدّ أنّها لم تتردّد في مديح لينين وستالين والشيوعية في كتاباتها، وانضمّت لحزب العمال البولنديين المتحدين، ثمّ سرعان ما تخلّت عن أفكارها الشيوعية، وجاهرت بعدائها للشيوعيّة التي تقمع حرية الرأي والتعبير، وبمعارضتها للنظام الحاكم. وفي عام 1953، انضمّت لفريق مجلة "الحياة الأدبية" المتخصصة في النقد الأدبي، وحرّرت بها عمودها "قراءة غير ملزمة" لثلاثة عقود كانت من أخصب أيّام مشروعها الكتابي. وقد ألّفت شيمبورسكا زهاء عشرين ديواناً شعريّاً تميز معظمها بنظرةٍ فلسفيّةٍ إلى مسائل أخلاقية ووجودية آنية، صاغتها في قالب شعريٍّ رفيع للغاية، تغلبُ عليه أساليب التكثيف الموحي والطباق والمفارقة الساخرة التي تستدعي التأمل في بواطن الأشياء. كما ترجمت مختارات من الشعر العالمي إلى البولندية، ولاسيما من كلاسيكيّات الشعر الفرنسي.

   ورغم أنّ أعمالها الشعرية تكشف عن عمقٍ إنسانيٍّ ومعرفةٍ بجماليّات الشعر، إلّا أن شيمبورسكا ظلّتْ دائرة تلقّي شعرها ضيّقة حتى داخل بلدنا بولونيا، إلى أن حصلت على جائزة نوبل للآداب العام 1996، إذ فتحت لها باب الشهرة ولفتت مُحبّي الشعر في العالم، وتحوّل بعض إنتاجها إلي أعمال موسيقيّة، حتى وإن كان شعرها قد ترجم إلى نحو ثلاثين لغة، بما في ذلك اللغة العربية، إذ نشرت لها مجلة "الثقافة الأجنبية" العراقية، في عام 1990، مجموعة من قصائدها مع مقدمة وافية حول شعرها، وأفرد لها الكاتب العراقي ياسين طه حافظ مساحة واسعة في كتابه "القمم العالية، من الشعر العالمي المعاصر" (دار المأمون، بغداد 1992)، مثلما ترجم لها هاتف جنابي قصيدتين في مجلة "فراديس" (العدد 6-7). وقد تناولت هذه الأعمال في معظمها ثيمتي الحرب والإرهاب ونافست مبيعات أعمالها في بولندا أهم الأدباء، رغم أنها صرحت في قصيدة لها تدعى " شيء مثل الشعر" أن إثنين لا غير من كلّ ألف شخص يهتمّان بالفنون.  

  وقد مثّل شعر شيمبورسكا، إلى جانب الشعراء بياووشفسكي وهربرت وتشافروفسكي وزبينيو هيربرت وتادوتش روزيفيتش كاربوفيتش ونوفاك وسواهم ممّن كان يطلق عليهم اسم "الشعراء المجددين المتأخرين"، ابتداءً من خمسينيّات القرن العشرين، نقطة تحوُّل مفصلية في سياق حركة الشعر البولوني الحديث، بما أبان عنه من نضج فنّي يعكسه التوجه الطليعي في مجال اللغة والتأثر الواضح بفن الباروك داخل بنية الشعر ونسيجه، سوف يتكشّف للعالم بعد انتهاء الحقبة الستالينية المتشددة، التي استمرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وانفراج جوّ الحرية وهامش الديموقراطية المتساهلة بعض الشيء. وقد عدّ الدارسون دواوينها، بدءاً من "أبحث عن كلمة" 1952م، ومروراً بعمليها "أسئلة لنفسي" 1956م، و"نداء إلى يني" 1957م الذين غلبت عليهما قصائد الحبّ والغنائية التي تمتدّ في التاريخ والمجتمع بصوت الذات الجريحة، بدلاً من الهمّ السياسي والاجتماعي كما في الأوّل، بأنّها مهَّدت لقيام تلك الحركة التي وضعت الشعر البولوني الحديث في مصاف الحركات الشعرية في العالم. وابتداءً من تاريخه، لن تتواني شيمبورسكا في أن تُقدّم نفسها كشاعرة ما فتئت تبدع موضوعات "طازجة وتبتدع تكتيكاً جديداً"، بحيث كان شعرها يتميّز بالجدية العالية والإبداع المبهج وحيوية الخيال، بقدرما كان يبتعد عمّا يمكن أن نصطلح عليه بالالتزام؛ وهي سمات جمالية ظاهرة يكتشفها المتتبّع لشعرها الذي امتدّ بعد لسنوات وافرة الخصب والضوء، حتّى استحقّت أن تدعى أيقونة الشعر البولوني بحقّ.

وبحسب هاتف جنابي، مترجمها إلى العربية، فهي "شاعرة التفاصيل والتناقضات"، وشاعرة "الجزالة الشعرية" و"السهل الممتنع". كل قصيدة من قصائدها، مهما كان مستواها، هي قصيدة جديدة تشكّل حضورًا وتفرُّداً بامتياز. كما عُرف عن شيمبورسكا أنّها شاعرة مُقلّة ومقتصدة في القول الشعري، إذ تنزع قصائدها إلى القصر والإيجاز، وتشفّ عن ذات الشاعرة وشرطها الإنساني، وهي التي كانت حياتها في جميع أطوارها مأساة ما قبل الجائزة وبعدها. وبسببٍ من ذلك، بقيت هذه الشاعرة بعيدة عن السياسة، ومخلصةً لبعد الحياة الروحي الذي يأتي قبل كل شيء. كما نلمس في هذه القصائد وعي شيمبورسكا بالشرط الإنساني الذي  يجعلها أمام شعور فادح بالخسارة: من الطفولة والتاريخ إلى الصداقة والحب. وربّما من أجل ذلك كلّه، كافأتها اللجنة الملكية السويدية بمنحها جائزة نوبل، إذ قالت، في حيثيات اختيارها، إنّه جاء من أجل "شعرها الذي يكشف في سياق تاريخي وبسخرية دقيقة الحقيقة الإنسانية المشتّتة". وقد أصاب وزير خارجية بلدها عندما وصف رحيلها بأنّه "خسارة لا تُعوَّض للثقافة البولندية".

 

وممّا قالته في قصيدتها "شاهدة قبر"، وكأنّها ترثي نفسها:

 

"هنا تضطجع كعلامة الفاصلة،

 

عتيقة الطراز، مؤلفة من بضعة أشعار.

 

راحة أبديّة،

 

ارتأت الأرض أن تمنحها لها.

 

ورغم أن الجثة لم تنتسب لأيّ جماعة أدبية،

 

إلا أنّه لا شيء لديها على هذا القبر،

 

أفضل من هذه القوافي، ونبتة الأوركيديا، وطائر البوم.

 

أيها العابر، أخرج من حقيبتك دماغاً إلكترونياً،

 

وفكّرْ

 

للحظةٍ في مصير شيمبورسكا".

 

**

 

08:07 |  Facebook | |