Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

13/05/2012

حوار مع رولان بارت

كيف يتأتّى لكلامي أن يذهب إلى ماوراء كتابتي؟

                                         حوار غير منشور مع الناقد الفرنسي رولان بارت

BARTHES.jpg

 

ترجمة وتقديم: بنعيسى بوحمالة

 
أفردت شهرية "الماغازين ليتيرير" الفرنسية الذّائعة الصيت عددها (482)، لشهر يناير 2009، للناقد الفرنسي الراحل رولان بارت (12 نونبر 1915 ? 26 مارس 1980)، إحدى القامات الفارهة في المشهد النقدي و الثقافي، الفرنسي و العالمي، للقرن العشرين. فإلى جانب ميشيل فوكو و حفرياته العميقة، و المستفزّة في آن معا، في أنساق السلطة والمعرفة في البنية القيميّة و الثقافية الغربية.. كلود ليفي ستراوس واستكشافاته المذهلة للمعقلن، الدّال، و الغائي في أنظمة حياة ما تعوّدت الأدبيات الاستعمارية الغربية، المتمركزة والمتعالية، على نعتهم بالبدائيين.. بفضل هذا الثالوث الفكري المتشامخ أمكن لفرنسا أن تعثر ثانية على نكهتها الثقافية الجاذبة خصوصا مع غياب أسماء كبرى أخرى من عيار أندري مالرو، جان بول سارتر، وسان جون بّيرس.. وإذا ما نحن استأنسنا بالمثل السائر، المسكوك.. لربّ نقمة في طيّها نعمة.. لقلنا لولا أن كان رولان بارت ابتلي،في سني شبابه، بمرض سيلزمه السرير، لمدة طويلة، في أحد المستشفيات لما كان قرأ، على سبيل طرد الملل و تبديد القنوط الذي عادة ما ترخيه أيّما قعدة مديدة في فضاء استشفائي، مصنّفين أساسيين سيكون لهما أثر حاسم في مشروعه النقدي، ألا و هما "محاضرات في علم اللغة العام" لعالم اللسانيات السويسري فرديناند دي سوسور و"ما الأدب ؟ " للفيلسوف الوجودي جان بول سارتر. و هو يقرأ الكتابين و يتمعّن في افتراضاتهما وخلاصاتهما كانت حينها تتبلور، وئيدا، بذرة تفكيره في ماهيات اللغة و الكتابة، الأسلوب، المجتمع، و الالتزام..؛ ويتخلّق الإبدال النظري الفارق الذي سيعرف أجرأته القوية و الواعدة في كتابه الباكر و التّأسيسي "درجة الصفر في الكتابة"، وحيث يتبدّى، من جهة أولى، وعيه الغائر بجسامة اللغة كأداة فائقة التنسيق بأثر من جوهرها العلائقي الذي لا محلّ فيه للعشوائية أو المصادفة، الشيء الذي يفيده تشبيه دي سوسور فضاء اللغة برقعة شطرنج، فضلا عن تحبيذه لانفتاح علم السيميولوجيا على نتائج علم اللغة نظرا إلى الفوائد القصوى التي يمكن أن يجتنيها من الدرس اللساني، و ذلك ضدّا على أمل صاحب "محاضرات في علم اللغة العام" في أن يدرك هذا الدرس أقصى نجاعته النظرية و العملية اطّرادا مع تنامي استمداده لتقنيات علم السيميولوجيا و إنجازاته النّوعية، و من جهة ثانية اعتناقه الفطن ، الذي سينحدرإليه من الأطروحة النّيتشوية في هذا الصدد، بأن معترك الكتابة ليوجد، أوّلا وأخيرا، في صميم اللغة لا خارجها و، بالتالي، فلا التزام بالمعنى السّارتري، و لا موالاة لتطلّعات مستضعفي الأرض و المجتمع و التاريخ و الإيديولوجيا.. بالمعنى الماركسي، يجريان خارج حدود المعجم و التوليف و التّخييل، و لا مجابهة للسلطة السياسية، و معها السلطة الاستهلاكية بما هي أداة دوران الرأسمال و تجبّره ، إلاّفي القلب من اللغة بوصفها الآلة الرمزية الجهنّمية لفبركة السلطات المرئية واللاّمرئية، السلطات برمّتها.

من شرارة قراءته المسلّية تلك، تخفّفا من ألمالمرض و برحائه، سينبثق صرح فكري تأخذ أعمدته وطبقاته برقاب بعضها البعض و تشرع لغة نقدية أخرى، طريّة و مغوية، في السريان في مجال نقدي فرنسي، و غربي، سمته المحافظة والانغلاق و ذلك بأثر من رضوخه، كلّيا أو يكاد، لردح من الزمن لإملاءات المدرسة اللاّنسونية (نسبة إلى الناقد غوستاف لانسون) المنشدّة إلى اعتبارات بيوغرافيا المؤلّف و التاريخ و أحوال المجتمع و المواضعات الأخلاقية.. في التّعاطي مع النصالأدبي وتقييم معياريّته و وظيفته في آن معا. كذا سيزرع رولان بارت في ثلّة منالفتية النّجباء و المفعمين حيوية نقدية وإيديولوجية، ممّن التمّوا حوله في ستينيات القرن الماضي، روح وضع طابوهات الدرس الأدبي الفرنسي، ذي المرجعية اللاّنسونية الآخذة في الترهّل، موضع مساءلة و تفنيد، والتّجاسر على اجتراح بدائل مستجدة لمقاربة البعبع المنيع و المخيف الذي نتواطأ على نعته بالنص الأدبي، جاعلا من نفسه قدوة في هذا المضمار المجازف و هو يصدر كتابه "نقد وحقيقة" الذي هو بمثابة ضربة قاصمة أو، بالحريّ، تشييع نافد للاّنسونية، فكانت الموجة البنيوية الفرنسية الكاسحة التي ستراكم، و قد تقوّضت القلعة اللاّنسونية إلاّ ما كان من احتضار ماتبقّى من بعض مشايعيها المعاندين، كريمون بّيكار، أرصدة ثمينة، سواء من خلال حلقة "تيل كيل Tel Quel" أو مجلتي "نقد critique" و "عقل Esprit"، في التّشييد المصطلحي والتحليل والتوصيف و النّمذجة.. ستصل آثارها الفاعلة سريعا إلى المحافل الأكاديمية و الثقافية و الإعلامية في أكثر من جهة في العالم، و منها العالم العربي، بفضل ذكاء و مثابرة أولئك الفتية الذين ستصبح لهم، مع توالي السنين وتواتر الإصدارات، أسماء اعتبارية مفحمة من قبيل فيليب سوليرس وجيرار جنيت والفرنسيين من أصل بلغاري تزفيتان تودوروف وجوليا كريستيفا.

إنه، وبامتياز، العابر الهائل، تيمّنا، إن شئنا، بالصفة التقريظيّة التي انغدقت، استحقاقا، على مواطنه الشاعر البوهيمي آرثور رامبو. لم يكن لفرنسا، على بذخها و مغرياتها، أن تعتقله أوتصادر منه حق المعاينة الحميمة والمستبصرة لجغرافيات و ثقافات و متخيّلات مغايرة،لذلك فهو لن يتورّع عن الإقامة، لفترات لا يستهان بها، في بلدان كمصر و المغرب ورومانيا بصفته مدرّسا ألمعيّا تتلمذت على يدي فكره الثاقب أسماء سيكون لها شأنها الوازن في ثقافاتها، مثلما لن يتقاعس عن السفر إلى أقصى تخوم آسيا و حيث سيزور الصين، و بخاصة اليابان التي سوف يثمر منها كتابه الساحر "إمبراطورية العلامات".. العظة السيميولوجية الفذّة، التي لا يمكن أن يتبرّع بها أحد سواه، في استكناه متخيّل ثقافي ضارب في عتاقته و روحيّته. و بالمثل فإن شغفه باللغة، و ضمنيا بالأدبالذي هو حقل تحقّقها الماكر و الملتوي، لن يثنيه عن الارتحال العاشق، لكن اليقظ، في الأفضية المترامية، الملتبسة، للأجساد و الأشكال والمعاني والرّمزيات.. و من ثمّ انكبابه على الطبيعة والزّي النسوي والصورة الفوتوغرافية وبلاغة الإشهار وتقليعات الموضة و الثقافة الشعبية والتشكيل والسينما والرسائل الغرامية..؛ تماما كما انكبّ، من غير ما مفاضلة، على الشعر والرواية و القصة القصيرة و السيرة الذاتية و المسرح و التاريخ..؛ مستثمرا الأجهزة التصوّرية والأدائية للبنيوية والتحليل النفسي و علم الاجتماع و السيميولوجيا.. انتهاء إلى اختياره، في الطور الأخير من مساره الفكري و النقدي، مباشرة قراءة النصوص، الأدبية وغير الأدبية،قراءة متنصّلة من أيّما عدّة منهجية أو مصطلحية، قراءة حرّة، مبدعة، عاشقة كمايسمّيها، تصبّ، أوّلا و أخيرا، في الحساب الجسدي و الروحي الشخصي للناقد - القارئ أكثر ممّا تتماهى مع صرامة المنهج ووقاره النظري و الإجرائي، وهو ما يتلامح فيبعض من كتبه المائزة، مثل "متعة النص" و "الغرفة المضاءة" و "مقاطع من خطاب عاشق"،التي أعقبت مؤلفاته التي تمخّض عنها الطور الأول من مساره ذاك، مثل "درجة الصفر في الكتابة" و "نقد و حقيقة" و"مقالات نقدية" و "س.ز" و "حول راسين" و"نسق الموضة" و "درس السيميولوجيا" و "ساد، فوريي، لويولا".. وفي خضمّ هذا و ذاك فما من علامة،عظم أو تضاءل حجمها و محمولها، تتلابس و ماهيات المعرفة، الأدب، اللغة، الكتابة،الحداثة، الطليعة، التاريخ، الإيديولوجيا، السلطة، التيكنولوجيا، الصّرعات الاستهلاكية.. إلاّ وشاكسها بذهنه النّابه و حساسيّته المبهرة متحرّيا، بلغتهالسهلة الممتنعة، بتلويناته و تخريجاته التأويلية الأخّاذة، عن الجوهر الذي يجعل من المشهد الحضاري الغربي الحديث محض استعادة بهرجية، ليس أكثر، للاوعي ميثولوجي سحيق تغدو معه لا كبريات العلامات المستحدثة و لا مستدقّاتها مجرد قرائن لمعيش لا يفرق عن ذاك الذي اكتنف الأزمنة القديمة سوى في الشكل و النكهة اللذين أضفتهما عليه الطبقة البرجوازية واستراتيجياتها المادية والثقافية.

للأسف أنه غادر الحياة في سنّ كانت قد توهّجت أثناءها في مخيّلته العديد من الالتماعات التي كان سيحوّلها،كما دأبه، إلى كتب قيّمة تنضاف إلى تراثه التأليفي الحافل و المتعدّد. لقد كانت الكلمة الفصل في انصرام أجله، ومعه حضوره الفكري و النقدي، لشاحنة عمياء تخبط خبط عشواء ذات صباح من شهر مارس 1980 في أحد شوارع باريس مهيّئة له، بينما هو يذرع طريقه راجلا إلى حيث ينتظره طلبته في قاعة الدرس، مصرعه المأساوي، بله العبثي،مصادرة، هكذا، من فرنسا هذا الاسم الاستثنائي، و لعل قمّة العبث أو، بالأولى،المفارقة أن لم يدر السّائق الجاني، العاثر الطّالع، بماذا ابتلي و هو يرى حشود السّاسة والإعلاميين والمفكرين والكتّاب والطلاّب.. يتدافعون بالمناكب حوالي جسد رولان بارت، هو من كتب عن الجسد على نحو لم يطاوله فيه أحد وقوّله بنبرة مستجدّة و صميمة، المضرّج بدمائه الفائرة.. إذ لم يكن يعرف، و كيف له ذلك و هو المواطن النّمطي الصالح، أنه قد حرم، بفعلته غير المنتواة، الثقافة الفرنسية والعالمية من أحد أهمّ نشطائها تفكيرا و إبداعية. وإذن كنوع من تحيّة رمزية لأيقونة الثقافة الفرنسية و ذاكرته، كاستعادة لمنجزه و أدواره المختلفة و المتراكبة في هذه الثقافة جاء هذا الملف الذي يضم دراسات ومقالات وتغطيّات وحوارات منالغنى و التكامل بمكان و ينتظمه عنوان شامل ودالّ ألا و هو "بارت يبعث بإشارة ثانية". و من بين موادّ الملفّ حوار أجري مع رولان بارت منذ ما يقرب من أربعين سنة لكنه ينشر لأول مرة، و إذا ما أردفنا هذا المعطى إلى أهمية ما يرد فيه من أفكار ورؤى وتحليلات أمكننا اعتباره، أي الحوار، وثيقة ذات فائدة قصوى في سيرة بارت،إنسانا و كاتبا، خصوصا و أنه يقتادنا إلى ضفاف فترة باكرة في سيرته كانت تتشكّل خلالها النّواة الصلبة لما أسميناه، قبل حين، صرحا فكريا و ذلك بكل ما في الكلمة من معنى. فالحوار يركّز على الكتاب-المفتاح "درجة الصفر في الكتابة"، على خلفياته، إوالياته، وأطروحاته الأساسية.. على ثنائية الكلام و الكتابة.. أي على نقطة انطلاق مشوار فكري و نقدي سيتمفصل عناوين ورهانات وفتوحات ستبصم، و لا شك، وعي أطياف مختلفة من المشتغلين بالأدب و النقد.

لقد تمّ توثيق هذا الحوار بزنقة سيرفادوني في المقاطعة الباريسية السادسة، بمقرّ إقامة رولان بارت، و ذلك يومي 23 و 24 نونبر 1970. كانت أمنية جان جوزي مارشان، المدير، ساعتها، لمصلحة السينما في هيئة البثّ الإذاعي و التلفزي الفرنسية، أن يصوّر شريط حول بارت لفائدة سلسلة "أرشيفات القرن العشرين" فحصل أن كان هناك استعداد لإنجازه. كذا سيهيّئ بارت،الكاتب وعالم السيميولوجيا، نفسه لهذه المأمورية بمنتهى ما تتطلّبه من عناية.. فهو من سيقترح، مثلا، معاودة إجاباته، في اليوم الموالي، عن الأسئلة التي انصبّت على مقالاته المبكّرة. لنقل بأن ما ننشره اليوم يمثّل أقلّ من نسبة % 10 من إجمالي الحوار، و من أجل تدقيق صياغته (تفريغا له من آلة اختزال) كان هناك إزماع على الوفاء، ما أمكن، للغة بارت التي تسلس له القياد على نحو يثير الدهشة فعلا.

:أنظر الحوار مترجماً على الرابط التالي 

18:49 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.