Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

25/05/2012

الكتابة بوصفها استعادةً للمكان

podcast

 

الطفولة مصدر يُثري الكتابة الشعرية والأمكنة نجماتٌ تُضيء طريق المخيِّلة

عبداللّطيف الوراري

__1_~1.JPG

1

قد يجتهد الكاتب في الخلق فيُبْدع صوراً لم يسبق لمثلها، ويتأتّى له من الخيال ما يجتاز به مباذل الحياة اليومية وينسج البدائع والطرائف، ولكن ما لسان حاله ودأب جهده أمام وقائع ولّتْ واستحالت إلى رميمٍ وذرّات في نهر الزمن السحيق؟ هل استطاعت ذاكرته أن تحتفظ بألقها فأبقت له من شريط عمره، في السراء والضراء، ما يقدح زند زوّادته متى شاء؟ كيف تظلُّ علاقته بمكانه الأول، لا سيما إذا هجره بغتةً، هاجر إلى أمكنة أخرى كثيرة في الواقع والنفس؟ تلك بعض أسئلةٍ من فيض، ونحن نستعيد زمن الكتابة وتجربتها الأولى، مكانها الأول، روائحها وأطيافها وتخاريمها الأولى أيضاً ـ

2
بالنسبة لي، تأخذ الاستعادة، في الحقيقة، طعم الصعق. إنّي بصدد مغامرة من يُعيد إحياء ما كان ميْتاً، قلِقاً، مُرتجفاً من ريح المتاه، وبالغ الهباء إذا اقتصدنا في الوصف. تعود بي الذاكرة، الآن، إلى بادية نائية من بوادي دكّالة المترامية والمنسية، حيث فتحتُ عينيّ على عالمٍ أتخيّله أشبه بالسحر والخرافة: مساقط الماء، مواسم الحصاد الذي لم ينقطع، وما يعقبه من فرحٍ بالزواج والختان وسط أغاني العيطة وزغاريد النّسوة التي تخرق عنان السماء، صياح الصّبْية في الكُتّاب بآي القرآن، صرير أقلامهم على الألواح المرقوشة بهالات الصمغ، بيوتات الطين الواطئة التي تتحلّق حول فناء العائلة، فتنة الزّرابي الموشومة بأنفاس الحبّ والحياة، نبات الصبّار الذي يغمر الجميع بالغلال والظلال، ضباب الطرق المتعرّجة إلى السوق الأسبوعي كلّ أربعاء، خرق العوانس على شجرات التين طرداً للنحس، نداء النخلة السامقة من بعيدٍ وهي تحرس أنام القرية وأنعامها من اللصوص وقُطّاع الطرق. وفوق هذا وذاك، سذاجة الناس وغفلتهم تقرأهما من سحناتهم الناتئة التي تنمّ عن قسوةٍ وعراكٍ مريرٍ مع الوقت، أو مع الدنيا بتعبيرهم. فتحتُ عيني على هذا العالم الخصيب والقاسي في آن، وتشرّبْتُ مئات الأصوات والصور والمرويّات والتمثُّلات عمّا يحيط بي، تدريجيّاً. سمعتُ عن الله والشيطان بدون أن أفقه العلاقة بينهما، وانتبهْتُ إلى قصص الجنّ والعفاريت من أفواه الجدّات، وتساءلتُ مراراً هل سماء البادية تنتهي إلى حدّ، حتّى جاء مُهاجروها الأُوَل للتجارة أو للعمل فأخبرونا بأنّ هناك مدناً كبيرة وجميلة تزخر بما لذّ وطاب. وعرفتُ معنى اليتم وأنا صبيّ أرعى غنم الجدّ، ويُفْترى عليّ من امرأة العمّ، ويُنْظر لي بعيون الشفقة من كثيرين. كما شكوْتُ من العيّ في سنيّ تلك، ولم يُطلق الله لساني إلا بعد أن أُدْخلت 'الجامع'، وتهجّيْتُ بحروفه عزّ وجلّ، وزاد أن ختمْتُ 'السّلْكة' على يد الفقيه. ومنذ ذلك الوقت، كنت أرسم على الأبواب والحيطان بالفحم أو الجير، وأقرأ الرسائل التي ترِدُ على الأهل من بعيد، وأحياناً أجتهد في كتابة بعضٍ منها، بخوْفٍ وزَهْو. وكنْتُ أطالع بحماسٍ ما تقع عليه عيناي من مِزَق الصحف والمجلات التي كانت تقذفُ بها الريح إلى القرية، أو ممّا كانت تُلفُّ بها الحوائج المجلوبة من السوق الأسبوعي، وأجدُ في ذلك إمتاعاُ ينمّي شعوري ويقدح مخيّلتي. وكان يتردّد على بيت الجدّ من خارج القرية، شيخٌ ذو لحية بيضاء يُدعى الشافعي، وهو ممّن صحبهم أبي وأنزلهم الحظوة في مجلسه، لا يمنعه ورعه أن يلاعبني ويمسح بكفّيْه على رأسي، متوسّماً فيّ النباهة وميْلاً إلى المعرفة؛ ولم يأخذ أهلي وأقاربي ذلك بجدّ، حتّى سمعوا عن أقرانٍ من بني عمومتي المتكرّشين، أنّ العربي الطيمومي، وهو صاحب رأيٍ بأحد الصحف الوطنية وكراماتٍ من داخل حلقته المشهودة بالسوق، قد تنبّأ لي بأنّي سوف أركب الطائرة كنايةً عن موفور النجاح والسعة، وذلك لعظم شأنها في ذلك الوقت. ولا أنْسى أنّي كنْتُ أُغْرم ببعض الفتيات راعياتٍ للغنم في الخلاء أو ملثّمات في الدروب يسحبْنَ عجائزهنّ قبل شعورهنّ؛ ولم يسمع لي وضعي ولا الأعراف الجارية في النّهار بالبَوْح بمشاعري الوليدة. كانت الأشياء تمرُّ أمام عينيّ باردةً وغامضةً، وكثيرٌ منها لم يكن يعني لي بأكثر منْ وجيبٍ داخليّ ـ


3
حصل، لحرص والدتي على تعليمنا وحسن تنشئتنا، أن رحلنا إلى المدينة فقراء، بعد أن سُرق من الأمّ لغفلتها رِزْقُ الأب من بني عمومته، وكان قد ترك وراءه ثروة هائلة من التجارة التي امتهنها بعرق جبينه. في مدينة الخميسات، التي كنّا نعبر إليها في طريق طويلةٍ وشاقّة عبر مدن الجديدة والدارالبيضاء والرباط التي كانت تشدّني وتقدح مخيّلتي كلّما اخترقْتُ شوارعها، وقفْتُ على معنى أن تكون مسؤولاً في أيّام العوز، قبل أن أشبّ عن الطّوْق. ربّتْ فيّ الحاجة الجدّ على حساب اللعب، وسرقت منّا البشاشة لصالح الحزم والتأمُّل في البعيد. ثُمّ سرعان ما طِرْنا ـ بما يُشبه الخلاص حقّاً ـ إلى بلدةٍ جميلةٍ اسمها سيدي علال البحراوي التي تقرب من الرباط شرقاً ببضعة كيلومترات. هنا، رعيْتُ بأمّ عينيّ وشغاف قلبي صور الجمال والبهاء والسحر في ما حبا الله هذه البلدة المخفورة بأشجار البلّوط السامقة والأضرحة العامرة من كثرة العيون ووفرة الغلّة وبسطة الحال بين ساكنتها. حرّرْتُ طفولتي المستلبة، وأشبعْتُ شغبي رفقة أقراني من الحيّ والمدرسة. وقد أتاح لي الصفّ الدراسي واجتهادي فيه أن أتعرّف، بعد كتاب الله، على كتُبٍ أخرى بما في ذلك المصوّرة التي كانت تقذف بي في أحلام اليقظة والعوالم العجيبة، مثلما واجهْتُ لأوّل مرّةٍ نصوصاً من الشعر في مادة المحفوظات، وتفتّقتْ موهبتي في موضوعات الإنشاء التي كنّا نُؤْمر بها، فأسرْتُ بمخيّلتي وخطّي الجميل أساتذتي وأضرابي في الفصل من الحسناوات والكسالى معاً. لمّا نِلْتُ شهادة الابتدائي، بعد ثلاث سنواتٍ من مقام الإمتاع والهناءة، عُدْنا أدراجنا إلى المدينة ذاتها، فجدّدْتُ عهدي بالمصاعب تحت وطأة الحياة وعوزها. لكنّ قدراً جميلاً كان بانتظاري في محطّة ما، بعد أن عاركتْني الحياة وزاد وعيي الشقيّ بها وقلّت الرفقة، إذ قادتْني يدايَ ـ لا أدري صُدْفةً أم هِبةً ـ إلى كتاب ' ميزان الذهب في صناعة أشعار العرب' الذي كان بمثابة كتاب مقدّس، ثمّ قادتْني خُطاي إلى مكتبة، فاقتنيْتُ دواوين من الشعر ممّا يدّخر صاحبها منه، وكانت علاقتي بالشعر بدأت تتوطّد من سماعه وقراءته بين برامج إذاعية وملاحق ثقافية. أذكر أنّي اقتنيْتُ: ' رباعيات الخيام' بترجمة أحمد رامي، ' الملاّح التائه' لعلي محمود طه، 'الحياة الحبّ 'لإبراهيم محمد نجا، 'الأجنحة المتكسرة' و'الأرواح المتمردة' لجبران خليل جبران. كما استعرت 'أغاني الحياة' لأبي القاسم الشابي، و' ديوان إيليا أبي ماضي'،و'ديوان بهاء الدين زهير'، و'أحلى قصائدي' لنزار قباني. وكنتُ أحمل معي هذه الدواوين، إلى جانب كتبٍ أخرى كنْتُ عثرْتُ عليها بثَمنٍ زهيدٍ في أسواق الخُرْدة، وضمْنَها روايتان لنجيب لحفوظ ومجلاّت متنوّعة ومراجع فلسفية وفكرية كانت محكّاً لعقلي قبل الأوان، إلى القرية النائية على رأس كلّ صيْف، بعد فراغي من سنةٍ دراسيّة ثقيلة بنتيجةٍ مرضية كانت تسبقني وتوغر صدور كثيرين، إلاّ جدّتي من أمّي وعمّي الذي كان يُسرّها في نفسه مخافة من سخط زوجته التي لم تُحِطها إلاّ بأبناء مغفّلين يتجشّأون بطعامٍ وسواه. كنْتُ أعتكفُ، طيلة الصيف، على قراءة الكتب بنَهمٍ، حتّى سمعْتُ من بعضهم أنّ ولد عبدالله به مسٌّ أو قد جُنّ. لقد فعلت فيّ هذه الدواوين فعل السّحْر، وقدحت ذهني، ووشمت وجداني، فصارت رؤيتي ـ نتيجةً لمقروئيّتي ـ رومانسيّةً وحالمةً ومتفائلةً. لقد أحسسْتُ في قرارة نفسي، بعد سنواتٍ من اغترابي النفسي والوجودي، أنّي عثرْتُ على أصفيائي من الشعراء، فقرأْتُ ما خطّوه بكلّ جوارحي، وذرفت معهم دموع هذه التجربة أو تلك، وارتفعْتُ وإيّاهم إلى مدارج الحلم والخيال. ثمّ، فجـأةً، كتبْتُ البيت والبيتيْن، حتّى استوت غيْمةُ الحال قصيدةً ـ


4

لقد كنت، في الحقيقة، طيلة هذه الأيّام التي لا تُعدّ بغير ألسنة النّار ومشاغلها في الذّات، أستضمر الواقع والمجاز والمقدّس جنباً إلى جنب، حتّى أتت الكتابة في زخم الحياة، فأنقذتْني ! ـ


5
إنّ الطفل الّذي كنْتُه لا يزال يسكنني، ولا تزال الطفولة مصدراً يثري كتابتي الشعرية، ولا تزال الأمكنة التي أقمْتُها وعبرْتُها تتراءى لي كنجماتٍ تُضيء طريق مخيّلتي لهويّة تتحوّل باستمرار، وتسند أبْنيتي النصّية، ليكون تأريخها جميعاً بشكْلٍ ما، تأريخاً لزمنيّتي وسرديّاتي في الحياة بما تذّخر من خبرةٍ ودم. وأنا أهشّ بعصا ترحالي على جهات الأرض، بعيداً عن مسقط الرأس لأعوامٍ طوال، أرى أنّ تلك القرية وما تلاها قد تحوّل إلى حالةٍ شعريّة تستعيد تلك الطفولة التي عشْتُها وتخيّلْتُها؛ فنحن كلما تقدم بنا العمر نظلّ مسكونين أكثر بالعودة إلى طفولتنا وعوالمها الثريّة التلقائية. هذا قدر الإنسان. وما دمنا نركض باتجاه الموت فلا بُدّ لنا من العودة للطفولة بأسباب الحنين إليها، لأنّنا عشناها ببراءتنا، وأنا أرى إليها الآن كما لو كانت فردوساً مفقوداً، حتّى وهي أشْبه بخراب كما ورد إليّ. هكذا يتحوّل البحث في الكتابة بجُمْلته إلى بحثٍ عن 'المكان' وفيه، ومن ثمّة يمكن النظر إلى الكتابة على أنّه جهْدٌ متواصل يضع الذّات أمام هويّتها الخاصة الّتي تتحدّد بمدى ارتباطها بـ 'المكان' او انفصالها عنه، فتتحوّل بالنتيجة من مُجرّد فنٍّ إلى سلاحٍ يتمكن الكاتب بواسطته من إعادة إنتاج الأشياء بما في ذلك الذّات نفسها؛ ثمّ أليست 'الكتابة هي وسيلة استعادة المكان'؟ وذلك بتعبير إدوار سعيد الّذي لم يُخْف مشاعر الارتياب العميقة التي انتابتْهُ، وهو يؤلّف 'خارج المكان' ـ سيرته الذاتية ذائعة الصيت والعطر ـ


6 


ينْقُر البَرْد على أعتاب ورار
*

هكذا هي تبْرحُني في سُكون
ليْس تسْألُ عنّي الْمَدى كيْف أَصْبَح،
والْكاظمينَ الزُّهور، وصمْتَ الأُوَيْقات عِنْد الْمغيب
كأنّ أصابِعَ جدّي ـ الّذي لمْ تُصافحْ يدِي يدَهُ ـ
ألْقَمتْها الرّياحَ
فَجاء يُذرّر غرْبَتَه في الطَّريق
يُريدُ امْرأةً، وقطيعاً، وشاهِدةً على التَّلّ.
وقْتَ الْكلالَةِ أراها كما هي
يمشطُ غصَّتَها أهلُها الْبُسطاء..
حصادٌ
وتبْرٌ
وطِينْ
ما أجلَّك يا سِرُّ
ضاعفْ تلاوينَ رقْصِك
وانْسَ يديّ تُطالِعُ شَاهِدةَ الجَدِّ
صمْتاً
بِمرْأى الْغريبْ

ــــ

07:13 |  Facebook | |

16/05/2012

Fernando Pessoa

أغاني فيرناندو بيسوا: لا أعرف ما سيأتي به الغد لي

عبد اللّطيف الوراري
 pessoa.jpg

يعدّ "ديوان الأغاني" واحداً من أهمّ أعمال الشاعر البرتغالي ذائع الصّيت فيرناندو بيسوا (1888ـ 1935)، والموقَّعة باسمه الحقيقي؛ وقد ظلّ بيسوا على مرّ سنوات يُغذّيه بالقصائد تلو القصائد، أغلبها موزون ومقفّى، وزاد عليها مترجمها الشاعر المغربي المهدي أخريف "قصائد أخرى" من الأعمال المنسوبة للشاعر بيسوا نفسه، من ذلك "هوامش على قصيدة درامية من فاوست" و"مطر مائل" و"فصول عن المومياء"، عدا مسرحيّته من فصل واحد "البحّار". وإذا كان العمل يؤّرخ قصائد بيسوا الثلاثينية الّتي طبعتْها السوداويّة وقوّة التعبير، فإنّ حواريّته "البحّار" المكتوبة عام 1913، مثّلت في الواقع بدايةً حقيقيّة ومدهشة لحداثته المتفردة، الّتي انطلقت شراراتها الكبرى ابتداءً من 8 مارس 1914، حين شهد ذلك اليوم التاريخي والاستثنائي ميلاد أنداد بيسوا أجمعهم في جلسة واحدة طويلة، كاييرو وريكاردو رييس وألبارو دي كامبوس وهم يؤلِّفون، بالتوالي، قصائد "راعي القطيع" و"أناشيد" ثم ّ "نشيد الظفر". لكنّ مجلة "أورفي"، ذات العدديْن اليتيمين، الّتي نُشِرت بها معظم هذه القصائد، وقصائد مُجايليْه ماريو ساكارنيرو وألمادا نيغريروس هي الّتي عرّفت بنتاج بيسوا وأنداده، بقدرما فجّرت الحداثة الشّعرية البرتغالية، حتّى وإنْ أثارت ردّات فعلٍ عنيفة في الصحافة من قبل مجتمع الأدب المحافظ والرسمي، إلى حدّ أنْ نُعِت ما تنشره المجلّة ب "أدب مستشفى المجانين" و"أحطّ درجات الانحطاط الشعري".

بيد أنّ بيسوا، بعد معاناته تقلُّباتٍ وأحداثاً عصفت بحياته وتركت نُدوبها اللّامعة في نصوصه، وسنواتٍ من الصمت في أشعاره وأشعار بعض أنداده، سوف يعثر في النهاية على مُخاطبين، متأخراً جدّاً كما هي العادة، بعد أن التأم جماعة من النقّاد الجدد للتعريف بأدبه في مجلة "حضور"، ابتداءً من عام 1927. ولم تتفتّق موهبة بيسوا وتنْشُط مخيّلة عن أقصاها إلّا في سنوات عمره الستّ الأخيرة، لمّا دفع بنتاجه الشّعري إلى ذروته، واقترح مشاريع كتابيّة لا تزال مثار جدالٍ حتّى اليوم، بما في ذلك "كتاب اللّاطمأنينة" المنسوب إلى برنارد سوارش. ولا أعرف إن كان بيسوا يتوقّع كلّ المجد الّذي حازه مشروعه الشّعري، وبزّ به كثيراً من شعراء الأرض الأفذاذ، وهو يكتب بيْتاً شعرياً له قبل يوم واحد من وفاته 30 نوفمبر 1935: لا أعرف ما سيأتي به الغد لي!
إنّ المتأمّل في "ديوان الأغاني" يكتشف خصوصيّة الكون الشّعري عند بيسوا، ودرجة تعبيره المتوتّرة والصادمة عن رؤيا شعريّة تستبطن ذات الشّاعر بطباعها المتقلّبة، والعالم بأشيائه ومفارقاته المتنوّعة، الّتي يصدع بها في شذراتٍ يُنادي فيها الشعر على التأمُّل والوساوس الميتافيزيقية، بمقدارنا ما تؤذينا كثافتها المضيئة في الصميم. على قصائد الأغاني تطغى لهجةٌ حادّة وضدّية وشكّاكة كأنّ لا هوية لها. في دليلها الأبيض، تسبح بلا نهاية، ولا مرجع يدمغ شهادتها إلّا رَجْع من صدى العدم. إلى ذلك، نعثرعلى شعورٍ فاجعٍ يهجع في المتخيَّل الّذي يتكلّم السآمة والضجر واللّعنة، ثمّ يترك الشذرات تستسلم من تلقاء بنائها لميتافيزيقا الغياب، الّتي تسندها هشاشة الذّات التي تُداري خيباتها بسخريّة سوداء، وبفائض معنى جريح يستدعي ذواتاً وأقنعة مختلفة لا تُحدث في الأغاني بحمولتها الرومانسية إلّا تكريساً لمنطق الهذيان والجنون والانتشاء ب"دوران الرّيح".
لم يفت الشّاعر المغربي المهدي أخريف، الّذي اعتكف منذ عقْدٍ ونصف على ترجمة شعر بيسوا وأنداده بصبر المحبّ وأريحيّته، أن يحرص على تقديم القصائد الّتي تعتبر، في نظره، الأجود والأكثر تمثيليّة لعوالم الشاعر البرتغالي السراديبيّة بتنويعاتها الفارهة والخصبة، مُذيِّلاً إيّاها بملحقيْن ضمّ أولهما رسالتيْن من بيسوا إلى محرِّر مجلة "حضور" الّتي ردّت الاعتبار له أدبيّاً، وثانيهما مختاراتٍ واسعة من قراءة مطوَّلة كتبها ألبار ودي كامبوس عن أستاذه ومعلِّم الأنداد كلّهم ألبرطو كاييرو. مثلما لم يفت المترجم للتحرّي في ما يترجمه أن يرجع إلى الأصول البرتغالية الّتي لديه، وأن يعتمد شروح الباحثين الّذين اختصّوا أدب في بيسوا من البرتغاليّين والإسبان، لأنّ من أحبّ أحداً أفنى عمره من أجله.

 

مختارات من ديوان بيسوا:

 

طحلب


في الليل الساكنِ
 يهبُّ صمتُ النسيم…
 أشياء غير واضحة
تحدث لي في الرّوح…

 بابٌ مُوارَب
ابتسامة متشكّكة
قلقٌ لا يتواءَمُ
مع ما يحدُث.

يحلُم، يتشكَّك، أرفَعه
 إلى من أظنُّني إيّاه.
فيحتكُّ صوْتُه الذي من دخان
 بالنُّعاس الذي بداخلي.

 يدٌ مباغتة لشبح خفيّ
تهزُّني فيما أحلامي تخترقُ الليل،
تهزُّني فأصحو؛ لكن، مُغمى عليَّ.
 لا أجِد في الليل أيَّ شبح أو علامة.

 لكن رعباً قديماً لم يدفن،
أحمله في القلب، كما لو نازلاً
من عرش، يؤكِّده إلا هي
بلا أوامر، بلا إشارة ولا شتيمة.

 وأنا أحسٌ فجأة حياتي
مشدودة بحَبْل لا وعْيٍ ما
 إلى يَدٍ ليليّة هي دليلي

لا أحسُّني أحداً
عَدا ظلّ شبح لا أراه يُفْزعني
 وأنا موجود لأجل لا شيْءٍ
مثْلَ ضبابٍ بارد.

[صص.27 ـ 29، ديوان الأغاني]

 

 

هكذا

 

عندما كنتُ شابّاً، كنت أقولُ لنفسي:
كيف تمْضي الأيّام، يوماً بعد يوم،
بدونِ أنْ تَحصُل على شيء أو تُحاول
الحصول على شيء!
لكنّني، وأنا كبير، بنفس الغيْظ أقول:
كيْف، يوماً بعد يوم، لم يفْعل الجَميع
شيْئاً، ولا شيء يُنْوى فعله.
 هكذا، طبعا، وأنا شَيُخٌ، سأقول
 بنفْس الصوت ونفس المَعْنى:
ذات يوم سيَأتي اليوم
الذي لن أقول فيه شَيْئا.
من لم يكن شيئاً ولا هو بشيء
لن يقول أي شيء.

[ص.31، ديوان الأغاني]

زمن بعيد

 

أيَّتها الموسيقى الفقِيرة القديمة!
لا أدري أيّ فرح
يملأُ نظري العاطل بالدموع!
 أتذكَّر استماعاً آخرَ لكِ.
 لا أدري إنْ كنت سمعتُك
 في الطفولةِ التي
 تُذكِّرنِي بك.
بأيِّ الْتِياع مُغْتاظٍ
أهوى ذلك الزمن البعيد!
 هل كنْتُ سعيداً؟ لا أعلم:
في زمنٍ قدِيم كنْتُ الآن.

[ص.32، ديوان الأغاني]

 

 

في غضون ذلك


خَرير مياهٍ أريدُ،
خرير مياه وحسْبُ،
جنْبَ نومةٍ،
أحمل نُعاساً، أحزاناً
أحملُ معي ما لا أريد.

وكما لم أحبَّ شيئاً
ولا فعلتُ شيئاً،
كذلك أبغي أن أستريح من لا شيء
 غداً سأكون سعيداً
 إن وُجِد طريقٌ غداً

في غضون ذلك، في نُزْل
عَدم انشغالي بي،
سيجعلني النسيم أستمتع
 بأزهار بستانٍ آخر.
في غضون ذلك، في غضون ذلك،
في غضون ذلك لا أعرف ما..
مسكينة يا روحي، تبكين بلا دموع
وتسمعين كمَنْ يرى.

[ص.73ـ74، ديوان الأغاني]

 

 

مُذْ ولدت

 

منبوذٌ أنا
 في ذاتي حبسوني مُذْ ولدتُ
آه، لكنّني لُذْتُ بالفرار.

 إنْ كان الواحد يضجر
من المكان ذاته
 فكيف له من كونه واحدا ً
ألّا يضجر؟

 روحي تبحثُ عنّي
لأنني
أسير كمثل أمير
ليتها لا تعثُر أبداً عليَّ

كوني واحداً قَيْدٌ
كوني أناي عدَمُ كينونة
هارباً سأحْيا
لكن حيّاً بذلك سأكون.

[ص.99ـ100، ديوان الأغاني]

  

من جهة الجبل
 
تقول لي أغنية آتية
 من جهة الجبل، أنّ الروح
مهما امتلكَتْ،
 ستبقى تعِسة دائماً

 هذا العالم ليس بيْتَها
وكلُّ ما يقدِّمه لها
هي أشياء تقدَّم لمنْ
لا يرغبُ فيها.

 أتقول ذلك لي؟ لا موسيقى ولا صوت
 يصل إلى النافذة المفتوحة
حيث أسْرح ُوحيداً
مثل سطوع نجمة
[ص.99ـ100، ديوان الأغاني]

 

 

بإشارات نبيلة

منْ أعماق نهايات العالم
 أتوني سائلين:
أيّ رغبة عميقة في الحياة
 دفعتني إلى البكاء؟!

قلتُ أنا: ما حاول الشُّعراء تقديمه
في أعمال لا مكتملة على الدوام
 فيها وَضَعوا كينونتهم

هكذا بإشارة نبيلة،
أجَبْتُ مَنْ لَسْتُ أدري

 

فرناندو بيسوا، ديوان الأغاني وقصائد أخرى، ترجمة وتقديم: المهدي أخريف،منشورات وزارة الثقافة، مطبعة دار المناهل،ط، 2007.

 

09:48 |  Facebook | |

13/05/2012

حوار مع رولان بارت

كيف يتأتّى لكلامي أن يذهب إلى ماوراء كتابتي؟

                                         حوار غير منشور مع الناقد الفرنسي رولان بارت

BARTHES.jpg

 

ترجمة وتقديم: بنعيسى بوحمالة

 
أفردت شهرية "الماغازين ليتيرير" الفرنسية الذّائعة الصيت عددها (482)، لشهر يناير 2009، للناقد الفرنسي الراحل رولان بارت (12 نونبر 1915 ? 26 مارس 1980)، إحدى القامات الفارهة في المشهد النقدي و الثقافي، الفرنسي و العالمي، للقرن العشرين. فإلى جانب ميشيل فوكو و حفرياته العميقة، و المستفزّة في آن معا، في أنساق السلطة والمعرفة في البنية القيميّة و الثقافية الغربية.. كلود ليفي ستراوس واستكشافاته المذهلة للمعقلن، الدّال، و الغائي في أنظمة حياة ما تعوّدت الأدبيات الاستعمارية الغربية، المتمركزة والمتعالية، على نعتهم بالبدائيين.. بفضل هذا الثالوث الفكري المتشامخ أمكن لفرنسا أن تعثر ثانية على نكهتها الثقافية الجاذبة خصوصا مع غياب أسماء كبرى أخرى من عيار أندري مالرو، جان بول سارتر، وسان جون بّيرس.. وإذا ما نحن استأنسنا بالمثل السائر، المسكوك.. لربّ نقمة في طيّها نعمة.. لقلنا لولا أن كان رولان بارت ابتلي،في سني شبابه، بمرض سيلزمه السرير، لمدة طويلة، في أحد المستشفيات لما كان قرأ، على سبيل طرد الملل و تبديد القنوط الذي عادة ما ترخيه أيّما قعدة مديدة في فضاء استشفائي، مصنّفين أساسيين سيكون لهما أثر حاسم في مشروعه النقدي، ألا و هما "محاضرات في علم اللغة العام" لعالم اللسانيات السويسري فرديناند دي سوسور و"ما الأدب ؟ " للفيلسوف الوجودي جان بول سارتر. و هو يقرأ الكتابين و يتمعّن في افتراضاتهما وخلاصاتهما كانت حينها تتبلور، وئيدا، بذرة تفكيره في ماهيات اللغة و الكتابة، الأسلوب، المجتمع، و الالتزام..؛ ويتخلّق الإبدال النظري الفارق الذي سيعرف أجرأته القوية و الواعدة في كتابه الباكر و التّأسيسي "درجة الصفر في الكتابة"، وحيث يتبدّى، من جهة أولى، وعيه الغائر بجسامة اللغة كأداة فائقة التنسيق بأثر من جوهرها العلائقي الذي لا محلّ فيه للعشوائية أو المصادفة، الشيء الذي يفيده تشبيه دي سوسور فضاء اللغة برقعة شطرنج، فضلا عن تحبيذه لانفتاح علم السيميولوجيا على نتائج علم اللغة نظرا إلى الفوائد القصوى التي يمكن أن يجتنيها من الدرس اللساني، و ذلك ضدّا على أمل صاحب "محاضرات في علم اللغة العام" في أن يدرك هذا الدرس أقصى نجاعته النظرية و العملية اطّرادا مع تنامي استمداده لتقنيات علم السيميولوجيا و إنجازاته النّوعية، و من جهة ثانية اعتناقه الفطن ، الذي سينحدرإليه من الأطروحة النّيتشوية في هذا الصدد، بأن معترك الكتابة ليوجد، أوّلا وأخيرا، في صميم اللغة لا خارجها و، بالتالي، فلا التزام بالمعنى السّارتري، و لا موالاة لتطلّعات مستضعفي الأرض و المجتمع و التاريخ و الإيديولوجيا.. بالمعنى الماركسي، يجريان خارج حدود المعجم و التوليف و التّخييل، و لا مجابهة للسلطة السياسية، و معها السلطة الاستهلاكية بما هي أداة دوران الرأسمال و تجبّره ، إلاّفي القلب من اللغة بوصفها الآلة الرمزية الجهنّمية لفبركة السلطات المرئية واللاّمرئية، السلطات برمّتها.

من شرارة قراءته المسلّية تلك، تخفّفا من ألمالمرض و برحائه، سينبثق صرح فكري تأخذ أعمدته وطبقاته برقاب بعضها البعض و تشرع لغة نقدية أخرى، طريّة و مغوية، في السريان في مجال نقدي فرنسي، و غربي، سمته المحافظة والانغلاق و ذلك بأثر من رضوخه، كلّيا أو يكاد، لردح من الزمن لإملاءات المدرسة اللاّنسونية (نسبة إلى الناقد غوستاف لانسون) المنشدّة إلى اعتبارات بيوغرافيا المؤلّف و التاريخ و أحوال المجتمع و المواضعات الأخلاقية.. في التّعاطي مع النصالأدبي وتقييم معياريّته و وظيفته في آن معا. كذا سيزرع رولان بارت في ثلّة منالفتية النّجباء و المفعمين حيوية نقدية وإيديولوجية، ممّن التمّوا حوله في ستينيات القرن الماضي، روح وضع طابوهات الدرس الأدبي الفرنسي، ذي المرجعية اللاّنسونية الآخذة في الترهّل، موضع مساءلة و تفنيد، والتّجاسر على اجتراح بدائل مستجدة لمقاربة البعبع المنيع و المخيف الذي نتواطأ على نعته بالنص الأدبي، جاعلا من نفسه قدوة في هذا المضمار المجازف و هو يصدر كتابه "نقد وحقيقة" الذي هو بمثابة ضربة قاصمة أو، بالحريّ، تشييع نافد للاّنسونية، فكانت الموجة البنيوية الفرنسية الكاسحة التي ستراكم، و قد تقوّضت القلعة اللاّنسونية إلاّ ما كان من احتضار ماتبقّى من بعض مشايعيها المعاندين، كريمون بّيكار، أرصدة ثمينة، سواء من خلال حلقة "تيل كيل Tel Quel" أو مجلتي "نقد critique" و "عقل Esprit"، في التّشييد المصطلحي والتحليل والتوصيف و النّمذجة.. ستصل آثارها الفاعلة سريعا إلى المحافل الأكاديمية و الثقافية و الإعلامية في أكثر من جهة في العالم، و منها العالم العربي، بفضل ذكاء و مثابرة أولئك الفتية الذين ستصبح لهم، مع توالي السنين وتواتر الإصدارات، أسماء اعتبارية مفحمة من قبيل فيليب سوليرس وجيرار جنيت والفرنسيين من أصل بلغاري تزفيتان تودوروف وجوليا كريستيفا.

إنه، وبامتياز، العابر الهائل، تيمّنا، إن شئنا، بالصفة التقريظيّة التي انغدقت، استحقاقا، على مواطنه الشاعر البوهيمي آرثور رامبو. لم يكن لفرنسا، على بذخها و مغرياتها، أن تعتقله أوتصادر منه حق المعاينة الحميمة والمستبصرة لجغرافيات و ثقافات و متخيّلات مغايرة،لذلك فهو لن يتورّع عن الإقامة، لفترات لا يستهان بها، في بلدان كمصر و المغرب ورومانيا بصفته مدرّسا ألمعيّا تتلمذت على يدي فكره الثاقب أسماء سيكون لها شأنها الوازن في ثقافاتها، مثلما لن يتقاعس عن السفر إلى أقصى تخوم آسيا و حيث سيزور الصين، و بخاصة اليابان التي سوف يثمر منها كتابه الساحر "إمبراطورية العلامات".. العظة السيميولوجية الفذّة، التي لا يمكن أن يتبرّع بها أحد سواه، في استكناه متخيّل ثقافي ضارب في عتاقته و روحيّته. و بالمثل فإن شغفه باللغة، و ضمنيا بالأدبالذي هو حقل تحقّقها الماكر و الملتوي، لن يثنيه عن الارتحال العاشق، لكن اليقظ، في الأفضية المترامية، الملتبسة، للأجساد و الأشكال والمعاني والرّمزيات.. و من ثمّ انكبابه على الطبيعة والزّي النسوي والصورة الفوتوغرافية وبلاغة الإشهار وتقليعات الموضة و الثقافة الشعبية والتشكيل والسينما والرسائل الغرامية..؛ تماما كما انكبّ، من غير ما مفاضلة، على الشعر والرواية و القصة القصيرة و السيرة الذاتية و المسرح و التاريخ..؛ مستثمرا الأجهزة التصوّرية والأدائية للبنيوية والتحليل النفسي و علم الاجتماع و السيميولوجيا.. انتهاء إلى اختياره، في الطور الأخير من مساره الفكري و النقدي، مباشرة قراءة النصوص، الأدبية وغير الأدبية،قراءة متنصّلة من أيّما عدّة منهجية أو مصطلحية، قراءة حرّة، مبدعة، عاشقة كمايسمّيها، تصبّ، أوّلا و أخيرا، في الحساب الجسدي و الروحي الشخصي للناقد - القارئ أكثر ممّا تتماهى مع صرامة المنهج ووقاره النظري و الإجرائي، وهو ما يتلامح فيبعض من كتبه المائزة، مثل "متعة النص" و "الغرفة المضاءة" و "مقاطع من خطاب عاشق"،التي أعقبت مؤلفاته التي تمخّض عنها الطور الأول من مساره ذاك، مثل "درجة الصفر في الكتابة" و "نقد و حقيقة" و"مقالات نقدية" و "س.ز" و "حول راسين" و"نسق الموضة" و "درس السيميولوجيا" و "ساد، فوريي، لويولا".. وفي خضمّ هذا و ذاك فما من علامة،عظم أو تضاءل حجمها و محمولها، تتلابس و ماهيات المعرفة، الأدب، اللغة، الكتابة،الحداثة، الطليعة، التاريخ، الإيديولوجيا، السلطة، التيكنولوجيا، الصّرعات الاستهلاكية.. إلاّ وشاكسها بذهنه النّابه و حساسيّته المبهرة متحرّيا، بلغتهالسهلة الممتنعة، بتلويناته و تخريجاته التأويلية الأخّاذة، عن الجوهر الذي يجعل من المشهد الحضاري الغربي الحديث محض استعادة بهرجية، ليس أكثر، للاوعي ميثولوجي سحيق تغدو معه لا كبريات العلامات المستحدثة و لا مستدقّاتها مجرد قرائن لمعيش لا يفرق عن ذاك الذي اكتنف الأزمنة القديمة سوى في الشكل و النكهة اللذين أضفتهما عليه الطبقة البرجوازية واستراتيجياتها المادية والثقافية.

للأسف أنه غادر الحياة في سنّ كانت قد توهّجت أثناءها في مخيّلته العديد من الالتماعات التي كان سيحوّلها،كما دأبه، إلى كتب قيّمة تنضاف إلى تراثه التأليفي الحافل و المتعدّد. لقد كانت الكلمة الفصل في انصرام أجله، ومعه حضوره الفكري و النقدي، لشاحنة عمياء تخبط خبط عشواء ذات صباح من شهر مارس 1980 في أحد شوارع باريس مهيّئة له، بينما هو يذرع طريقه راجلا إلى حيث ينتظره طلبته في قاعة الدرس، مصرعه المأساوي، بله العبثي،مصادرة، هكذا، من فرنسا هذا الاسم الاستثنائي، و لعل قمّة العبث أو، بالأولى،المفارقة أن لم يدر السّائق الجاني، العاثر الطّالع، بماذا ابتلي و هو يرى حشود السّاسة والإعلاميين والمفكرين والكتّاب والطلاّب.. يتدافعون بالمناكب حوالي جسد رولان بارت، هو من كتب عن الجسد على نحو لم يطاوله فيه أحد وقوّله بنبرة مستجدّة و صميمة، المضرّج بدمائه الفائرة.. إذ لم يكن يعرف، و كيف له ذلك و هو المواطن النّمطي الصالح، أنه قد حرم، بفعلته غير المنتواة، الثقافة الفرنسية والعالمية من أحد أهمّ نشطائها تفكيرا و إبداعية. وإذن كنوع من تحيّة رمزية لأيقونة الثقافة الفرنسية و ذاكرته، كاستعادة لمنجزه و أدواره المختلفة و المتراكبة في هذه الثقافة جاء هذا الملف الذي يضم دراسات ومقالات وتغطيّات وحوارات منالغنى و التكامل بمكان و ينتظمه عنوان شامل ودالّ ألا و هو "بارت يبعث بإشارة ثانية". و من بين موادّ الملفّ حوار أجري مع رولان بارت منذ ما يقرب من أربعين سنة لكنه ينشر لأول مرة، و إذا ما أردفنا هذا المعطى إلى أهمية ما يرد فيه من أفكار ورؤى وتحليلات أمكننا اعتباره، أي الحوار، وثيقة ذات فائدة قصوى في سيرة بارت،إنسانا و كاتبا، خصوصا و أنه يقتادنا إلى ضفاف فترة باكرة في سيرته كانت تتشكّل خلالها النّواة الصلبة لما أسميناه، قبل حين، صرحا فكريا و ذلك بكل ما في الكلمة من معنى. فالحوار يركّز على الكتاب-المفتاح "درجة الصفر في الكتابة"، على خلفياته، إوالياته، وأطروحاته الأساسية.. على ثنائية الكلام و الكتابة.. أي على نقطة انطلاق مشوار فكري و نقدي سيتمفصل عناوين ورهانات وفتوحات ستبصم، و لا شك، وعي أطياف مختلفة من المشتغلين بالأدب و النقد.

لقد تمّ توثيق هذا الحوار بزنقة سيرفادوني في المقاطعة الباريسية السادسة، بمقرّ إقامة رولان بارت، و ذلك يومي 23 و 24 نونبر 1970. كانت أمنية جان جوزي مارشان، المدير، ساعتها، لمصلحة السينما في هيئة البثّ الإذاعي و التلفزي الفرنسية، أن يصوّر شريط حول بارت لفائدة سلسلة "أرشيفات القرن العشرين" فحصل أن كان هناك استعداد لإنجازه. كذا سيهيّئ بارت،الكاتب وعالم السيميولوجيا، نفسه لهذه المأمورية بمنتهى ما تتطلّبه من عناية.. فهو من سيقترح، مثلا، معاودة إجاباته، في اليوم الموالي، عن الأسئلة التي انصبّت على مقالاته المبكّرة. لنقل بأن ما ننشره اليوم يمثّل أقلّ من نسبة % 10 من إجمالي الحوار، و من أجل تدقيق صياغته (تفريغا له من آلة اختزال) كان هناك إزماع على الوفاء، ما أمكن، للغة بارت التي تسلس له القياد على نحو يثير الدهشة فعلا.

:أنظر الحوار مترجماً على الرابط التالي 

18:49 |  Facebook | |