Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

30/06/2012

شهادة

إدريس الملياني: هذا مما تعلّمته من حب موسكو التي لا تؤمن بالدموعwarari.JPG 

عبد اللّطيف الوراري

إدريس الملياني الذي يلقّبه أصدقؤه بـ (حبيبي) تندُّراً بطيبته وروحه المرحة، يُعدّ واحداً من أهمّ روّاد القصيدة المغربية الحديثة، وتمتدّ تجربته لأكثر من أربعة عقود لم يكفّ عن تطويرها باستمرار. منذ الستينيّات وهو هنا، عينه على الجمال، وفي طرف لسانه قصيدة على الأهبة والسعة.إدريس الملياني دائماً ما كنْتُ أنعته بالشاعر المغربي بحقّ، وذلك لأنّك تجد في شعره ملامح وأيقونات وروائح من المكان المغربي، والأسطورة المغربية، والطبع المغربي السمح الرقراق؛ من غير أن يعني ذلك أنّه أسير رؤية "هوياتيّة" مغلقة؛ فالشاعر منفتح ومتسامح، ومُطّلع على ما يكتبه الآخر الشعري، ومتفاعل مع  أحداث عصره، بلا مطلق ولا متعاليات. وإذا وقفنا على ما يميّز تجربة إدريس الملياني، من حيث المضمون،  فإنّه انتقل، تدريجيّاً، من الالتزام السياسي والاجتماعي المباشر الذي ارتبط بتجربته الحزبية والإيديولوجية، إلى الالتزام الإنساني الذي تغدو معه ذات الشاعر بوعيها الفردي ـ الجمعي معبراً لقول الحقيقة والصدع بها. وفي هذا الصدد، لم يكن تطوير المعنى الشعري عنده يتمُّ خارجاً، أو يشفُّ عن سيرورته لولا هذا الانشغال نفسه الذي يتمُّ على صعد أسطرة الذات واللغة والبناء النصي، فضلاً عمّا نلاحظه من اهتمامٍ عالٍ بالإيقاع الشعري وبنائه قلّما نجده عند مجايليه أو من جاء بعده ليس في الشعر المغربي فحسب، بل في خارطة الشعر العربي الحديث برمّتها.

يُجْمع الدارسون للشعر المغربي الحديث على أنّه واحدٌ من أهمّ رواد القصيدة المغربية الحديثة، إلّا أنَّ أكثرهم يحار في تصنيفك أجياليّاً وفقاً لما درج عليه الدرس النقدي في تقسيم تاريخ الشعر إلى أجيال، منذ الستينيّات إلى اليوم. سألته: هل أنت ستّيني أم سبعيني؟ فأجاب على البديهة: "هذه الحيرة آتية من أنّنا ـ أنا وبعضاً من أبناء جيلي ـ كُنّا بين مطرقة وسندان، أي بين مطرقة الشعراء الروّاد المؤسِّسين والمكرِّسين والمدرِّسين لحداثة الشعر المغربي من أمثال أحمد المجاطي المعداوي ومحمد السرغيني وعبد الكريم الطبال ومحمد الميموني ومحمد الخمار الكنوني وأحمد الجوماري، وبين سندان الشعراء ما بعد هؤلاء الروّاد؛ بمعنى أنّنا وسطٌ لا نحن من المؤسّسين، ولا نحن من جاء بعدهم من روّاد الحداثة(...) إلّا أنّ هؤلاء، من نهاية الخمسينيات إلى بداية الستينيات، كانت مرجعيّتهم واحدة. أما الريادة فقد كنت شبّهتُها بـ (سرير بروكست) الذي يتّسع ويضيق بحسب الهوى الحزبي والإيديولوجي والشخصي، إذ صار كلُّ شاعرٍ ينسب لنفسه أو تنسب له قيادة الريادة في الشعر المغربي الحديث". ولهذا لا يثق في مصطلح المجايلة، "لأنّ الشعر ـ في نظره ـ لا يُقاس بمثل هذا الزمن، إذ يمكن للجيل أن يستغرق وَقْتاً أطول أو أقصر"، ثم إنّ حركة الحداثة في الشعر مستمرّة ولها شروط سوسيوتاريخية.

وعن النّقْد في الشعر قال إنّه "لا يزال محكوماً بالهوى الحزبي والسياسي والشخصي وهلمّ شرّاً. هناك قبائل صيّرت الشعر ذا نزعةٍ قبليّةٍ، وهو ما أسمّيه النقد الطائفي الذي ينتصر لمذهب أو نزعة ما لا علاقة لها بالشِّعر نفسه. وفي هذا الإطار، كان هناك بعض الشعراء مرتبطين رمزيّاً بأحزابٍ ومشاريع حزبية، وكلُّ هذا، في نظري، كان يتمُّ خارج الشعريّة. حتّى أنا ضحّيْتُ بنفسي وفاءً لالتزامي الحزبي والسياسي والإيديولوجي". وهو ما جعله متحرّجاً ومنزعجاً من هذه الازدواجية في شعره، بمعنى كيف يكون وفيّاً لما هو حزبيّ وإيديولوجي، أو نضالي، بمقدار ما يكون وفيّاً لما هو فنّي وجماليّ في الشعر؛ لكن سرعان ما استطرد قائلاً: "إنّني لا أتنكّر لما هو إيديولوجي بالقدر الذي لم أَنْسَ فيه همّ التجديد الفني والجمالي في ما أكتب من شعر ، بل عملْتُ، باستمرار، على أن أتخفّف ممّا هو إيديولوجي لحساب الشعريّة، وهو ما جعل القرّاء والنقاد يُقْبلون عليه أو يتواصلون معه. إن السياسي يُغْني التجربة الشعرية، وتارة أخرى قد يفقرها ويجني عليها. ولكم نصحتُ الشعراء الشباب أن يكونوا حذرين في كتاباتهم من أيّ مرجعية سياسية أو حزبية، وأن يكونوا مخلصين لنداء الشعر الذي لا يُخيّب أملاً، ولا يخذل".

ولمّا سألته التجربة الشعرية الجديدة في المغرب، إن كانت قد استطاعت أن تُواصل مسار التحديث الشعري الذي بدأه جيل الروّاد، أم قطعت كلَّ صلةٍ بكم وتوجّهت إلى ضفاف أخرى؛ قال إنّه "سُنّة، أو حتمية تاريخية أن يأتي بعدنا هؤلاء الأبناء فيكونوا أوفياء للإرث الشعري الحديث الذي اختطّه الآباء، الرمزيون، وألا يقتلوهم، وألّا يكونوا عاقّين ومخيّبين لآمالهم في تحديث الشعر بحقّ".  لكنّه لم يُخْفِ نقده لشعراء هذه التجربة الذين بدوا في نظره "كتلة غير منسجمة لا ثقافةً، أو إحساساً، أو رؤيةً ولغة. إنّهم شتات، أرخبيلات، أو هم جزر متنائية"، آملاً أن تجتمع لتُشكّل قارّةً جميلة وصالحة للحياة، ومؤاخذاً عليها افتقارهم لكثير من المصداقية، وذلك من خلال مراهنتهم على قارئ وغد مجهول لا نعرفه، ثم إنّهم "يتزوجون على "القصيدة" ضرائر أخرى من "النثر" بل وينهكونها تنظيراً، وسرعان ما يطلقونها ثلاثاً أو يهجرونها في المطابع إن لم يضربوها".يقول ذلك لخشيته على مستقبل الشعر في المغرب، ممّا لاحظه من "اصطفاف شعري على غرار الغرور الحزبي والسياسي الانتخابي". من هنا "مكمن الخوف عندما يأتي إليك دخلاء يُفْسدون من حيث يدرون ولا يدرون، ويدّعون بأنّهم أحقُّ من غيرهم في مِلْكيّة هذا البيت الذي تسكن فيه أنت. وقد بدأت تظهر بعض الكتابات على شكل نقد ذاتي شعري لقصيدة النثر". ويستطرد قائلاً: "لكن، إذا افترضنا وجود أزمة شعرية فهي عامة تشمل الكتابة الشعرية كلها مغرباً ومشرقاً وكونيّاً لأسباب شتى كغياب كبار الشعراء والقضايا الكبرى، الحاضرة اليوم، ربيعاً عربيّاً وخريفاً شعريّاً، ومغربيّاً تبدو الذاتية المفرطة محور الكون الشعري. وإذا كان الشعر المغربي قليل الالتفات إلى وحدة "أرواحه" المتعددة المرجعيات المتوسطية فإنه كثير "الأسئلة الكونية" التي لا جواب لها في جميع الأطالس والجغرافيات. ربما المغربي بطبعه غير مغامر، كالمشرقي، الفينيقي".

إدريس الملياني هو، عدا عن طيبوبته وقفشاته الخفيفة وميله إلى الاستمتاع بالحياة، شاعرٌ مشّاء. يمشي في الشارع العام تثيره هذه الشجرة أو تلك الفكرة، متأبّطاً صحف اليوم التي لم تعد تروقه، وعلى طرف لسانه أتيٌّ من الشعر والنثر، وأحياناً تصلك دندناته الموقّعة رغم بؤس الثقافة في زمننا، وتبرُّمه من رجال الحال، ومن دار لقمان التي لا زالت على حالها. سألتُهُ إن كان راضياً عن نفسه وشعره بعد هذه السنين الطوال التي عاشها شاعراً وشاهداً: "هل أنا راضٍ؟ الجواب لا يمكن أن يكون إلّا بالنفي. لستُ راضياً، فما كنّا نحلم به سعينا إلى التعبير عنه، ولكن عندما نقرأ ما عبّرْنا عنه نجده قاصراً ودون ذلك الحلم. فالإنسان لا حدود لآفاقه وأبعاده، إذ هو دائماً يريد أن يتجاوز ذاته ليعانق ذاته الأخرى، الحقيقية. إنّه مُقسّمٌ بين ما هو عليه الآن وبين ما يحلم أن يكونه. أنا أحلم أن أكون مستحيلاً، وقد كفّ رامبو عن كتابة الشعر لمّا عجز عن التعبير عن هذا المستحيل. الإنسان مادّي بقدرما هو ميتافزيقي. ومع ذلك، المستحيل نُحقّقه فوراً وأما المعجزات فلا تحتاج إلا لوقت قليل جدّاً لتصبح منجزات، كان هذا مما تعلمته من حب موسكو التي لا تؤمن بالدموع".

 

22:27 |  Facebook | |

22/06/2012

(في كتابه (نقد الإيقاع

الوراري يكسر حاجز الصمت في علم العروض العربي

 

ika3.jpg

عبدالغني المقرمي

(شاعر وإعلامي يمني) 

    كان علم العروض ولا يزالُ منطقةً مهجورةً في ساحة الدراسات اللغوية العربية، لا يؤمّها إلا نفرٌ قليلٌ من الباحثين والمتخصّصين الذين شاءت أقدارهم أن يتعرّضوا لحرور هذا العلم إمّا دارسين، وإما مدرّسين، وفي كلا الحالتين يصبح التعاطي مع هذا العلم مهمّةً دونها خرط القتاد، نظراً لقضايا كثيرة تحول دون فهم هذا العلم وسبر أغواره، وإخراجه إلى دائرة النُّور مثله مثل باقي علوم العربية.

ولعلّ أهم القضايا المتعلقة بهذا العلم، ذلك الإغراق العميق في غرابة المصطلح العروضي الذي استقى مفرداته من البادية العربية القديمة، وكذا جمود مباحثه، وبقاؤها منطقةً عصيّةً على التجديد، وامتلاء أواسط هذا العلم وحوافيه بمباحث تضرّه ولا تنفعه، وخضوعه لتفسيراتٍ تنزع إلى تقديس الصوت الشعري القديم بما داخله من مظاهر التحريف والتصحيف، واعتباره مثالاً فوق النقد، فاستصعبت بذلك مفاتيح هذا العلم على الأفهام، وأصبحت هذه المفردات وتلك المباحث مُجرّد إشارات مبهمة تعجُّ بها المؤلفات العروضية في متوالية مملّة يستنسخ بعضها بعضاً، حتى أصبح من الاستحالة أن تجد فرقاً بين ما خطّه إسماعيل بن حماد الجوهري (المتوفي سنة 393هـ) وبين ما خطّه محمد بن علي بن موسى المحلي (المتوفي سنة 673هـ)، في كتابه "شفاء الغليل في علمي الخليل"، وبين ما جمعه أحمد الهاشمي المتوفي بداية القرن الفائت في كتابه "ميزان الذهب في صناعة شعر العرب"، وبين ما نسخه الدكتور عبد العزيز عتيق الذي لا يزال على قيد الحياة في كتابه "علم العروض".

على أنّ هناك أصواتاً ارتفعت منادية بإعمال معول التجديد في مداميك هذا العلم، وردّ الظاهرة العروضية إلى معايير الشعرية، محاولة لاستبعاد كلّ دخيل في هذا العلم عن ساحته، وسعياً صادقاً نحو تجديد مصطلحه، وإخراج مباحثه من تلك الرتابة القاتلة التي حوّلته إلى مادّة متحفية توضع لا في طاولة الدرس، بل في رفوف التاريخ المنسية.

ومن بين هذه المحاولات الجادة ما صدر عن الشاعرة الراحلة نازك الملائكة رحمها الله، في كتابها "قضايا الشعر المعاصر"، وما صدر عن الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه "موسيقى الشعر"، والملاحظ أنّ هذه الأصوات المخلصة ينتمي أصحابها إلى حقلي الشعر والنقد، ولأجل ذلك عملت المعايير الشعرية عملها في ضبط رؤاهم في تجديد هذا العلم.

ولعلّ من أحدث هذه المحاولات في تجديد هذا العلم كتاب "نقد الإيقاع: في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية وآليات تلقّيه عند العرب" للشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري الذي يحاول فيه تقصي مختلف التعبيرات الجمالية التي دلّ بها القدماء عليه، وذلك ارتباطاً بتلقّيهم له في سياقات فنّية مختلفة. فكان من هذه التعبيرات ما هو أدخل في حيّز المسموع، أو كان في حيّز المفهوم، استناداً على مبدإ التناسب الذي استفادوه من لقائهم بالآخر، الإغريقي تحديداً (فيثاغورس، أفلوطين، أرسطو)، وثمّروه في عقيدتهم التوحيديّة ورؤيتهم للإنسان والعالم.

ويعتمد الباحث عبر استراتيجيّة الكتاب رهاناً نقديّاً مُتعدّداً يتمثّل في نقد أهمّ فرضيّات العروض العربي، بقدرما نقد تصوّرات الشعرية العربية عن مفهوم الإيقاع وعمله وظواهره، كما يعمل على بحث القضايا المعرفية ذات الصلة التي طرحتها الأطر النظرية في حقل الدراسات القرآنية، وعلمي الموسيقى والتجويد، وتأمّلات الفلسفة.

يتركّب الكتاب من سبعة فصولٍ ومقدمة وخاتمة، ويشتمل على ثبت بأهمّ مصطلحات الإيقاع (العروضي، البلاغي، الموسيقي، التجويدي). يدرس الفصل الأول علم العروض وقضايا النظرية في الوزن والقافية، ويرتبط الفصل الثاني ببحث أوجه العلاقة المفترضة بين العروض والإيقاع في ارتباطهما بهويّة القصيدة العربية، وبالتالي جهود علماء البلاغة والنقد القدامى في تلقّي الإيقاع وبلورة المعرفة به، من خلال آرائهم في عناصر القصيدة ودوالّها. وهو ما تواصل البحث فيه الفصول الثلاثة الموالية، من منظور مُتطوّر يشرطُ حدوث الإيقاع بالتناسب الصوتي والدلالي، بتعبيراته البلاغية والموسيقية والفلسفية والإعجازية. أما الفصل السادس فيناقش ثنائية الشعر والنثر، وتاريخيّتها، ويكشف كيف أنّ المفاضلة بينهما حجبت الإيقاع لحساب أولويّة الوزن، فيما يتطرّق الفصل السابع إلى أشكال الإيقاع التوشيحي وتبلور بنائه المعماري في الموشّحات والأزجال، في المغرب والمشرق. وتنتهي الدراسة بخاتمة تُركّب الحصيلة النقدية، بقدر ما تنفتح على الإمكانات التي فتحتها اليوم دراسة الإيقاع، هذا المجهول واللانهائي.

وممّا جاء في كلمة ظهر الغلاف الكتاب، نقرأ: "لا ننكر الاهتمام المتّصل، في الثقافة العربية، منذ فجرها حتّى اليوم، بعنصر الإيقاع في الشعر. وعبر تلك العصور كُلِّها، يبدو لنا الإيقاع، كمفهومٍ ودالٍّ نصّيٍّ، إشكاليّاً أكثر من أيّ وقْتٍ مضى (...) إنّنا نرى أنّ إعادة بناء الموضوع المتعلّق بسؤال الإيقاع تدخل، بالضرورة، في سياق إعادة قراءة نظريّة الشعر العربي بمرجعيّاتها المتنوّعة وهوامشها المختلفة، النقدية والبلاغية والفلسفيّة؛ وذلك بعد نقده في إطار علم العروض العربي من مكانِ يجعل بحثنا متجاوباً مع هاجس بعض الدراسات الجديدة التي تمّت في الموضوع نفسه، بقدرما ينفتح على أوفاق الأنواع الأدبية وتحليل الخطاب ونقد الإيقاع، ويعمل على إدماجها في سيرورة القراءة والتأويل".

  

    المقالة منشورة بأسبوعية (الصحوة) اليمنية بتاريخ 18 أغسطس 2011

 http://www.alsahwa-yemen.net/arabic/pdf/201108181289/794_...       

19:04 |  Facebook | |

15/06/2012

مغامرة طه

فـي ذكـرى رحيله الستّين
الشـاعر علـي محمــود طه على مُفْتـرق طـرق الشّعر

cover_ali-20taha.jpg 

عبد اللطيف الوراري

:القراءة وسلطة الحجـاب

 عبر تاريخ الشعر العربي الحديث تتراصُّ الأمكنة، والاستراتيجيّات، والبرامج في النظر والممارسة، وتتنابذُ المشاريع والرؤى، وتشتبك في الطريق الأيدي والألسنة. ولهذا يحفل هذا التاريخ الجريح بالأشباه والنظائر من جهة، وبالأضداد والبدائل من جهة ثانية، غير أن الكتابات التي قرأته، بهذا الوعي أو ذاك، جعلته مليئاً بالشقوق والفخاخ، لنقصانها أو جهلها أو انحيازها أو تشيعها لهذا أو ذاك في الطابور الذي يقفه الشعراء، مُخلصين أو متبرِّجين، مما خلَّف معه سلطة القراءة المُغْرضة، وما أكثر الشعراء الذين ظلمهم منجز النقد الشعري بغير وجه حق؛ ولعلّ أكثر هؤلاء، بالنظر إلى مشروعه، علي محمود طه من ضمن آخرين، وفي اتجاهات عديدة، أمثال صلاح لبكي، الصيرفي، بدوي الجبل، عبدالله البردوني، خليل شيبوب، أمل دنقل، أحمد المجاطي، بشر فارس، أحمد دحبور، حميد سعيد، محمود البريكان، محمد بنطلحة، وغيرهم؛ وربما يكون الإشعاع الذي ضرب حول روّاد الحداثة في المشرق أمثال السياب والبياتي وأدونيس ومحمود درويش – مع أهميّتهم – قد ألقى بظلاله، ووجّه نظر الدارسين إلى هذه الوجهة، متنافسين ومتهافتين ـ

علي محمود طه من أهم الأصوات المنسية في ثقافتنا الشعرية الحديثة. كان شاعراً بالأساس، لم يترك لنا مصنّفاً حول رؤيته للقصيدة، وتجربته في الشعر والحياة، غير أنّ أعماله الشعرية تصدع بالحقيقة، وتسمح لنا بالتعرُّف إلى أبعاد تجربته، ومفهوماته للشعر ووظيفته ومقصديّته. وهذا ما كانت تحاوله قراءات شوقي ضيف، طه حسين، محمود أحمد فتوح، محمد مندور، أنور المعداوي، سهيل أيوب، نازك الملائكة، يسري العزب وسواهم، لشعر الشاعر، لكنّ المتمعن فيها لا يلمس فهماً عميقاً محايثاً له إلا لماماً، وربما أرجعنا ذلك إلى احتكام هؤلاء إلى نظريات الظروف الخارجية التي كانت تتمحّل في تعاملها مع القصيدة كشكل، وتغفل عن فِعْل الذّات في الخطاب، وتنظيمها للمعنى والإيقاع، فيما هي كانت تُركِّز، أساساً، على مستويات الخطاب الشعري منفصلة ومتجاوزة. من هنا، يحقُّ لنا تغيير مكان القراءة، يكون مُنشدّاً إلى دوالّ القصيدة، ومُحتفياً بالذات كمتعدِّد، والمعنى بوصفه لانهائيّاً يستعصي على الاختزال إلى ثنائية الدليل؛ وهو ما تتيحه لنا، اليوم، مقاربات الشعر وفق الاعتبار بإبستيمولوجيا الكتابة. وبقدر ما يفيدنا ذلك في قراءة الذات وتنظُّراتها وأوفاق تجربتها وأطياف متخيَّلها في الكتابة والحياة، من هذا الشاعر إلى ذاك، بقدر ما يسعفنا على رجّ شجرة النسب الشعري، وإعادة بناء السلالات الشعرية، بحثاً عن أصولٍ أخرى لحقائق أخرى في زمن القصيدة الحديث وإبدالاته ـ

ـ أنظر الدراسة كاملة في مجلة (الرافد) الإماراتية، العدد 178، يونيو 2012م

http://www.arrafid.ae/arrafid/p17.html

06:54 |  Facebook | |

12/06/2012

شعراء العراق.. أيتام سومر

 

شعراء العراق الستينيّون:

الناقد بنعيسى بوحمالة يبحث في مشروعٍ شعريٍّ طليعيّ، ويصف روّاده ب"أيتام سومر"!

عبد اللّطيف الوراري

 

aytam.jpg صدر للناقد بنعيسى بوحمالة دراسته اللمّاحة "أيتام سومر: في شعريّة حسب الشيخ جعفر" في جزئين منفصلين (الأول في 224 ص.، والثاني في 431 ص.)، التي تناول فيها، بالتوالي، جيل الستينيات في الشعر العراقي المعاصر، وتجربة الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر بوصفه أبرز الأصوات الشعرية داخل هذا الجيل المائز في تجربة الشعر العربي الحديث برمّتها.  يرى الناقد أنّه من الضروري، قبل قراءة شعر حسب الشيخ جعفر، أن تُقارب التجربة الشعرية الكلّية لجيل الستينيّات العراقي من حيث مرتكزاتها التصوُّرية والإبداعية من جهةٍ أولى، ومن حيث مؤشِّرات تطويرها أو تكريسها للمنجز الشعري الذي أرساه الروّاد العراقيون من أمثال السياب ونازك الملائكة والبياتي. وقد اعتمد الناقد، للنظر في ذلك واختباره، على مفهومين إجرائيّيْن أساسيين هما: مفهوم "الجيل"، ومفهوم "القطيعة"، على نحو يشخِّص الوضعية الفعلية والاعتبارية المحدِّدة لمجموعةٍ من الشعراء العراقيين المعاصرين الذين برزوا خلال عقد الستينيّات، وبالتّالي يُقيِّم طبيعة منجزهم الشعري والرُّؤياوي من جهة انقطاعه عن منجز شعريّة الريادة التي تأثَّر بها المجال الشعري العربي بأكمله. هكذا يتناول الناقد "سيرة جيل متألّق"، معتبراً أنّ "قتل الأب الرمزي" شكّلت، بالنسبة إليه، "طاقة تفعيل لمبدأ الاستخلاف الشعري". ينقسم الجيل إلى مجموعتين: مجموعة "الداخل"، لأنّ شعراءها مكثوا في العراق، وفيهم سامي مهدي، وحميد سعيد، وحسب الشيخ جعفر، وعبدالرحمان طهمازي، وعبد الأمير معلة، وياسين طه حافظ، وآمال الزهاوي، وجان دمّو، وحميد المطبعي؛ وأما المجموعة الثانية فأطلق عليها مجموعة "الشتات"، باعتبار أنّ شعراءها اختاروا مغادرة وطنهم العراق للإقامة في المهاجر الأوربية والأمريكية، وتضمّ كلّاً من فاضل العزاوي، وسركون بولص، وعبدالقادر الجنابي، وفوزي كريم، وجليل حيدر، وصلاح فائق، وصادق الصانع، ومؤيد الراوي، وأنور الغساني. وبرغم ذلك، فإنّ ما كان يجمع هؤلاء الشعراء أقوى مما يفرِّق بينهم، بحكم مواطنتهم العراقية وأقدارها العاصفة. فهم، من جهة أولى، ينتسبون إيديولوجيّاً إلى صفّ اليسار في شتّى شُعبه [البعثية، الشيوعية، الماوية، الغوارية الغيفارية]، مُوالين لقيمه وتحليلاته التي لم تكن لتسقطهم في وهم تغليب الإيديولوجي على الشعري، وبالتالي الانجرار إلى طمس الطاقة الشعرية للكتابة، بدعوى مراعاة الوضوح الإيديولوجي. ومن جهة أخرى، كانوا مهمومين بأسئلة أخرى مخالفة لأسئلة الروّاد، في ما يخصّ الإبداع، أو الوجود داخل وعي متقدّم بالمعرفة الشعرية، لا يعدم همّه التجريبي الّذي يتمثَّل في تشييد لغةٍ شعريّةٍ بِكْر، ونحت إيقاعاتٍ جديدة خارج المحظورات العروضية، والاعتناء بقصيدة النثر، والاحتفاء بالموضوع الشعري الجديد، والنزوع نحو بناء قصيدةٍ مركّبة متعدِّدة الأصوات واللّغات، عدا تمثُّل المرجع الشعري الغربي. وبما أنّ زمنهم كان مبعثاُ للخيبة واليأس، لم تكن أرواحهم المتطلّبة لينطلي عليها التفاؤل الرؤياوي الساذج، فكان طبيعيّاً أن تنزاح نصوصهم وتجاربهم الشعرية عن مدار الرُّؤيا التموزية، لتعانق رؤيات مضادّة بروميثيوسية، ونرسيسية، وأورفية.
هكذا دفع رعيل الشعراء الستينيّين بمشروعٍ شعريٍّ على درجة من الأهمية، وهو ما يشهد عليه منجز شعري يمثل قيمة مضافة للشعرية العربية المعاصرة، وفي هذا المنحى تبقى مجريات الشأن الشعري العراقي في أثناء الستينات جديرة بالتأمل، إذ يبدو الاقتدار الشعري المذهل الذي أعرب عنه شعراء هذا الرعيل، لكأنما هو تعبيرٍ لا واعٍ عن أحقيّة بغداد في مواصلة تحديث شعرية الريادة، حتّى وهم يحطّمون "أسطورة الأب الرمزي"، بمعاول المحبّة والعزاء.

ينطلق الناقد من فكرة لا نزاع حولها مفادها أن الشاعر حسب الشيخ جعفر هو أحد رواد الحداثة الشعرية منذ الستينيّات، ويحاول البرهنة على ذلك من خلال قراءة متنه الشعري على ضوء إشكالية الاستمرارية والقطيعة في الشعر العراقي الحديث. ولعل الأهمية الكبرى للكتاب تكمن في توسيع الناقد لحيّز التحليل فجاءت الإشكالية تلك قراءة في نموذج شعري يعبر عن تجربة حداثية واسعة شارك فيها جيل عراقي بكامله. إنّ حسب الشيخ جعفر، في نظر الناقد، يمثّل واحداً من ألمع شعراء الجيل و أكثرهم عمقا و حيويّة، وقد أمدّ الشعرية العربية المعاصرة، منذ وقت مبكّر، بجماليات فارقة في البناء الشعري، كالتدوير الإيقاعي، و تقنية الحكي الشعري، والإيهام الحلمي، أسطرة الوقائع والتوضّعات، والصدور عن رؤيا أورفية للعالم (نسبة إلى أورفيوس في الأسطورة الإغريقية)، بوصفها رؤيا قائمة على اعتناق 'اليأس والاستحالة والموت'، بديلاً عن الرؤيا التموزية (نسبة إلى تموز في الأسطورة السومرية) لجيل الرواد الذي آمن بالإمكان والانبعاث. ترتبط الرؤيا لدى الشاعر باليأس والقنوط والاستحالة، وبالموت أيضاً. ولا يعني ذلك أنّه يستبدل بالأسطورة السومرية أسطورة إغريقية، بل إنّ هذه الاستراتيجية الرؤيوية تهدف إلى تجاوز الرؤية السومرية وإشباعها كشفاً وتوكيدًا لمأساة الإنسان واغترابه ومحنته. ترافق ذلك الكشف الشعري من نمط الجملة الغنائية ـ البسيطة والعبور بتجربته الخاصة إلى ما يصطلح عليه الناقد بالجملة الشعرية الدرامية ـ المركبة.

لقد لاحت شعرية حسب الشيخ جعفر بأنّها مسكونة بهاجس القطيعة الشعرية وانفصالها عن الثوابت الأدائية لشعرية الريادة وآفاقها الرؤيوية. ذلك ما تبرزه أعماله الشعرية بدءاً من "نخلة الله 1969"، ومرورًا بـ"الطائر الخشبيّ 1972"، و"زيارة السيدة السومرية 1974"، و"عبر الحائط.. في المرآة"، ومرورًا بـ"في مثل حنو الزوبعة 1988"، و"جيء بالنبيين والشهداء 1988"، و"أعمدة سمرقند 1989"، و"كران البور 1993" وانتهاء بأعماله النثرية، وترجماته الشعرية. وسوف يقارب بوحمالة أعمال حسب الشيخ جعفر الشعرية الخمسة الأولى باعتبار أنّها تتعالق شعريّاً ورؤيويّاً ممّا يتيح لها الكشف عن خصوصية تجربة هذا الشاعر وموقعه داخل هويّة/ هويّات جيل بأكمله.

ينصب التحليل على المتن الشعري لحسب الشيخ جعفر واستنطاق بنائه الشكلي، من خلال البحث في الوحدات اللغوية والتركيبية والإيقاعية والمكانية والرمزية. فالدراسة لا تكتفي بوصف مكونات هذه الوحدات 'الشكلية' وطرق اشتغالها في المتن، بل ترقى بها إلى التأويل الدلالي لاستخلاص رؤية الشاعر إلى الكون والإنسان، وهي تبحث في العلاقات التناصية للمتن الشعري والبناء الدلالي، ثُمّ في العلاقة التركيبية بين الشعري والأسطوري والرؤياوي في متن الشاعر.

يستمدّ البحث عتاده المنهجيّ من دراسات المنهج السيميائي ــ الدلائلي كما تبلور في مجال الشعر مع الناقد الأمريكي ـ الفرنسي ميكائيل ريفاتير المتمحورة حول مفهوم الدّالية الذي يعنى بتوصيف و نمذجة السيرورة التكوينيّة المتنامية التي تمرّ بها القصائد المفردة أو المتون الشعرية العريضة، كما ينفتح على حقول منهجية أخرى مثل الأسلوبية ولسانيات التلفظ التي تأخذ بالاعتبار إنتاج الخطاب الشعري وغير الشعري في ارتباطه بالمتكلم والمتلقي وجميع السياقات الزمانية والمكانية والتناصية لإنتاج الكلام الشعري.
لقد قدّم لنا الناقد المغربي دراسة أكاديميّة رصينة تتخلّلها لغته المستقطرة ورؤيته النقدية النافدة، عن شاعر مهمّ مثل حسب الشيخ، وألقت ضوءاً ساطعاً على تجربته النوعيّة في حديث الشعرية العراقية خاصّة، والعربية عامّة. وأعتقد أنّ مثل الدراسات النقدية البعيدة عن الشحن الإيديولوجي والعاطفي أن تُعيد الحيوية إلى نقد الشعر العربي، بقدر ما تكشف للأجيال الشعرية الجديدة مثل تلك المشاريع الشعرية الخلّاقة التي نذر لها أصحابها من "أيتام سومر" أرواحهم المستهامة وأياديهم المرتجفة في محراب الشعر وأتونه. وهناك تجارب من جيل الستينيّات تستحقّ هي بدورها أن تُكشف ويُلقى عليها ضوء المعرفة النقدية، بما في ذلك تجارب آمال الزهاوي وعلي جعفر العلّاق ومؤيد الراوي، المخفورة بأنفاس اليتم.

 ولكم أصاب الناقد حين نعت هذا الجيل بـ"أيتام سومر"، قائلاً إنّها" النّعت الأوفى تشخيصاً لهوية جيل الستينات في الشعر العراقي المعاصر. ولعلّه يتم مركّب في حالة شعرائه: يتمهم في سومر مسقط رأسهم الحضاري العريق. سومر تلك الالتماعة الحضارية الراقية في سديم العالم القديم، و يتمهم في بدر شاكر السياب أبيهم الشعري الرمزي و رأس الحربة في شعرية الرّيادة".

 ـ نشرت المقالة بجريدة (أخبار اليوم) المغربية، بتاريخ 07 يونيو 2012م

21:43 |  Facebook | |

05/06/2012

حوار

يرى أنهم يهمشونه في وسائل الإعلام

         عبداللطيف الوراري: السياسيون يخافون الشعر

205616.jpg

القاهرة-"الخليج": عبداللطيف الوراري شاعر وناقد مغربي، يعد من أصفى وأعمق الأصوات في تاريخ الإبداع المغربي المعاصر، حيث أسهم هو وآخرون في تحديث الإبداع الشعري والدرس النقدي المغاربي، وهو من أبرز المهتمين بقضايا الشعر العربية قديمها وحديثها، صدر له في مجال الشعر: “لماذا أشهدت عليّ وعد السحاب؟”، “ما يشبه نايا على آثارها”، “ترياق” . وفي النقد: “تحولات المعنى في الشعر العربي”، “نقد الإيقاع: في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية، وآليات تلقيه عند العرب”، “الخليج” أجرت هذا الحوار مع “عبداللّطيف الوراري” بخصوص تجربته في كتابه الشّعر ونقده .

 

أسهمت بطريقتك الخاصة في السؤال الخاص بتحديث الإبداع الشعري والدرس النقدي، كيف تشكل لديك الوعي بأهمية ذلك؟

هو الوعي نفسه بالحياة وشرطها الإنساني الصعب، دائماً ما كان الإبداع الأدبي والفنّي، بما فيه الشعر، ينشأ من رحم المعاناة . وهكذا، فبداية تشكُّل وعيي بالشعر وكتابته، كانت في بادئ عهدها خربشات وخواطر ثمّ أبيات تحاول أن تجد لها نظاماً أو قوانين كانت تُدرّس لنا، ينطلق من هنا . إنّها بداية كلّ شاعرٍ أو باحثٍ عن الشعر وجد نفسه في حياة صعبة، أعزل إلا من رغبته وسريرته التي تعلمه أن يخضع طريقه بشرط الوجود، أيّاً تكن درجة معاناته . لذلك، لا أقول إن الصدفة هي التي قادتني إلى القصيدة، بل الضرورة التي تتغذّى على شرطها الإنساني والوجودي في آن .

 

الملاحظ وجود تحول معرفي وجمالي داخل تجربتك الشعرية، في البداية كان هناك ذلك التشبع الأيديولوجي، لكنك عدت مؤخراً وبقوة لتتوحد بالذات وإشراقاتها وتحولاتها في علاقتها بالتاريخ، كيف تفسر هذا التحول؟

صحيح، وإلا ما معنى أن تكتب من دون أن تكون لديك هذه الرغبة في أن تتحوّل باستمرار، في قصائدي الأولى، التي قرضتها على نظام البيتين وبات اليوم أغلبها إمّا ضائعاً أو غير منشور في ديوان، كان لديّ مفهوم مبذول لمعنى الالتزام الذي يجد تعبيراته الأثيرة في قضايا جماعية وقومية، بما في ذلك قضية فلسطين والعراق تحديداً، في سياق انشغالي الفكري والجمالي، كمواطن مغربي، بقضايا الصراع المرير الذي تجتازه الأمة من أجل إثبات هويتها واستحقاق حياتها ووجودها، لكن من غير أن يرقى الأمر إلى ما تُسمّيه ب “التشبع الأيديولوجي” . هذا المفهوم تطوّر، مع الوقت، إلى صيغة أن يكون للالتزام واجبٌ إنسانيّ تتّخذه الأنا الشعرية للتعبير عن رؤيتها الخاصة للعالم، حتى وهي تسرح في فضاء الأيقونة التاريخي والرمزي، كأن تتلفّظ بأنا- بغداد، أو أنا - القدس، أو أنا - المعتمد بن عباد، وسوى ذلك . إنّها ذات فرديّة بقدر ما هي جمعيّة . ذات التّلافُظ إذا جاز القول . منذ ديواني “لماذا أشهدْتِ عليّ وعد السحاب؟” أجتهد في كتابة هذه الذات وأصغي إليها، وهي بمقدار ما تكتب ملامح من سيرتها الشعرية المسكونة بالأمكنة والمحاصرة بالتخوم والأسئلة، تشفُّ عن عزلتها وهشاشتها من جهة، وعن تشوُّفها الشاق عبر معراج الذكريات والأشواق إلى المطلق . إنّها تُقاوم حتى لا تتلهّى عن حماية الأمل الذي يوقظ ولا يعمي الرؤية، ويترك الوعد بالحياة ولغتها قائماً باستمرار . لقد صار قلق الكتابة، حقيقةً، يتلبّسني أكثر من ذي قبل .

 

لديك العديد من الدراسات عن الإيقاع والشعرية العربية، كيف جاءت قراءتك النقدية لهذا المنجز؟ وهل يتعلق الأمر بقراءة خاصة لتاريخيته وأهم تحولاته المعرفية والجمالية؟

 

 تولّد الاهتمام لديّ بالمنجز النقدي والبلاغي للشعرية العربية من دراستي الجامعية، بموازاة مع اهتمامي الشخصي بتجارب الشعر العربي الحديث التي كانت تنادي عليّ من أمكنة بعيدة . أنجزتُ بهذا الخصوص دراستين، هما: “تحوُّلات المعنى في الشعر العربي”، و”نقد الإيقاع: في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية وآليّات تلقِّيه عند العرب” . في الأولى، درستُ المعنى في الشعرية العربية قديمها وحديثها، مبرزاً كيف انتقل الاهتمام من تراتبية المعنى وأسبقيّته في شعريتي البيان والتخييل من خلال التشديد على المقصديّة ووضوح الدّلالة أو على المحاكاة والتأويل النفساني، إلى الاهتمام بدلاليّة الخطاب في سياق ما تمّ إبدالات معرفية وجمالية تأثّر بها بناء المعنى وآليّات اشتغاله في الشعر الحديث، وما ترتَّب على ذلك من أزمة تلقِّي المعنى الجديد .وفي الثانية، قادتني قراءتي للشعر العربي وشغفي بموسيقاه إلى لملمة كثير من القضايا التي تتّصل بالعروض والإيقاع في الشعر العربي ونظريّته، مبرزاً كيف تطوّر تأمُّل مفهوم الإيقاع في الدراسات ذات الصلة، وتطوّرت آليّات تلقّيه من طرف عروضيّين، وعلماء بالشِّعر، وبلاغيّين، وموسيقيّين، وتجويديّين، وفلاسفة، وقد كانت تعبيراتهم الجماليّة نابعة من تأمُّل إمكانات عمله في الشعر العربي بأشكاله المختلفة (الرجز، القصيدة، الموشّح والزجل) . ومثلما في تحوُّلات المعنى، كان انشغالنا النظريّ يصدر في منهج التحليل عن تصوُّرٍ ينظرُ إلى الإيقاع متلبّساً بتاريخيّته، حيث قوانين الإيقاع وآليّات عمله، داخل الشعر العربي، ليست واحدة، كما أنّ زمن بروز بعض أشكاله وظواهره يظلّ مُرْتبطاً بالتحوُّلات التي تُصيب هويّة القصيدة العربية بتنوُّع أنماط بنائها . وهكذا، فالمنهج الذي نعتمده ونراقبه هو منهج الشعرية عبر إستراتيجية الذّهاب  الإياب بين النصّ والنظرية .

 

تتابع عن كثب التراكم الكمي والكيفي الذي تشهده القصيدة المغربية على وجه الخصوص، ما تقييمك النقدي باعتبارك قارئاً لهذا التراكم؟

لقرون طويلة، مع الأسف، كرّست الهامشية الجغرافية وبعض كتب تاريخ الأدب العربي صورةَ أدبٍ مغربيّ هامشي ومجهول وغير متّضح الهوية، وهو ما جعل أغلب إخواننا المشارقة لا يعرفون شيئاً عن أدبنا، والحقّ أن هذا الأدب، أسوةً بغيره من الآداب الإنسانية، عرف تطوُّراً مُهمّاً، بما في ذلك تطوُّر القصيدة المغربية الحديثة التي أمكنها، منذ الاستقلال في خمسينيّات القرن العشرين إلى اليوم، أن تُسْمع صوتها وتفرض حضورها، وبالتالي لم يعد النبوغ مُقيماً في تفاصيل التاريخ وشوارده، بل لافتاً وجالباً للإعجاب والمكرمة بحقّ . لقد تضاعف الإنتاج الشعري بشكلٍ لافت، وارتبط الارتفاع الكمي للإنتاج بديمومة توسًّع بنية منتجي الأعمال الشعرية، حيث انتقل عددهم من أقلّ من المئة شاعراً إلى المئات، وضمنها تأكّد الحضور القويّ للصوت الشعري النسائي الذي رفد خطاب الكتابة الشعرية بمتخيّل جديد ووشمه بتلويناتٍ وصيغ وتعبيرات جديدة كان في حاجةٍ إليها . ونعوز هذا الارتفاع إلى ازدياد دور النشر، وتعايش مختلف الأجيال الشعرية جنباً إلى جنب، وظهور قصيدة النثر التي بدت وسيلة تعبير الجميع حتّى لمن هم خارج تصنيف الشعراء . مثلما امتدّت جغرافيا الشعر المغربي لتشمل هوامش وأطرافاً وأراضي جديدة في المنافي بأوروبا وكندا والولايات المتحدة . ولم يعد لسان الكتابة الأدبية، شعرها ونثرها، محصوراً في لغات كالعربية والأمازيغية والفرنسية، بل تعدّاها إلى لغاتٍ أخرى مثل الهولندية والإسبانية والانجليزية والألمانية . لكلّ هذه الاعتبارات، نقول إنّ القصيدة المغربية اليوم تشهد مرحلة انعطاف كمّي بارز، ونوعيّ بلا شكّ، في مسارات شعرنا وثقافتنا الحديثين معاً .

 

هل تعتقد أن قصيدة النثر قد تمكنت رغم الجدل النقدي حولها من تجذير حضورها في الأدب المغربي؟

يتقاسم فضاء القصيدة المغربية اليوم نمطا قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، في ما انحصر نمط القصيدة العمودية في فضاء مناسباتٍ قومية ووطنية معيّنة وآنية، بسبب ما يفرضه ذلك النمط من إشباع ثابت ولا واعٍ لوجدان الجماعة . وقد بدا يثبت، باستمرار، أنّ قصيدة النثر باتت لسان حال الشعراء الجدد الذين لا يُخفي قطاعٌ كبير منهم تهافته على كتابتها بغير علم أو عن حسن نيّة إذا جاز القول . من هنا، لا يخفى على المتتبّع للحركة الشعرية الواقع الطاغي الذي أخذت تحتلّه قصيدة النثر التي تعني كلّ شعر خارج شرط الوزن والقافية، حتى وإن كانت هذه القصيدة لا ترتقي إلى مستوى الشعرية . الكلّ يكتب، ولكن لا سجال نقديّاً يضيء ويوجّه ويسمّي الأشياء بأسمائها، بلا ادّعاء ولا محاباة . وأعتقد أنّ هذا الواقع نجده في كلّ البلاد العربية، كأنّ هناك إجماعاً على واقع “الرعب في الآداب” .

 

كيف تتخلق بداخلك القصيدة؟ وكيف تنقلها إلى الكتابة؟ هل تتدخل باعتبارك ذاتاً في سيرورة تشكل القصيدة من خلال التنقيح وإعادة الصياغة؟

 عليّ أن أتوقع مجيء السطر الأول للقصيدة، كإشراقة، في أيّ لحظة، ومن ثمّة عليّ أن أرعاه وأحميه من الاستسهال بما أمكن جهد فنّي . وأحبُّ هنا أن أذكر ما كان الشاعر الألماني ريلكه يقوله في “دفاتر مالت لوريدز بريج” عن العمل بصدد القصيدة، إذ إن أبياتاً من الشعر ليست، كما يعتقد بعضهم، مجرد أحاسيس، إنها تجارب ويجب أن تكون ذكريات تعرف نسيانها، وأن يكون لها صبر شديد في انتظار عودتها، وهو ما لا يتمُّ إلا عندما تصير في دمنا ونظرتنا وحركتنا، ولا يحدث هذا إلا في ما يمكن أن يأتي، أي في الساعة الأندر، حيث تشرق بين ظهرانينا الكلمة الأولى للبيت .

 

كيف تقرأ شكل الانعكاس بين الشعرية نفسها كصورة فنية وبين شعر الموقف والشعر السياسي؟

 

 لنتّفق أوّلاً على أنّ الشعر هو، قبل كل شيء، عمل فنّي . لذلك من المهمّ أن نؤكّد القيمة الفنّية في الشعر وعبره، غير أنّ الشعر ليس خطاباً لازماً، بل هو متعدّ يعكس زمن الذات الكاتبة ورؤيتها وموقفها من العالم والأشياء . وإذا عدنا إلى تاريخ الشعر العربي وغير العربي وجدنا أنّ أهمّ الشعراء الذين خلّدهم الزمن هم من نقلوا عبر شعرهم جوهر التجربة الإنسانية في صراعها المرير مع السلطة، أو الموت، أو المرض، أو النبذ الاجتماعي، أو عذاب الحبّ . إن الشعر سياسة، وإلا لما كان السياسيّون يخشونه ويتفّهونه عبر أساليب الدعاية الشعبوية في وسائل الإعلام وبرامج التلفزيون . لكنّ أنّى لهم أن يُخرسوا صوت شاعرٍ لسان حاله ما عبّر عنه الشاعر الفرنسي يوجين غيفيلك، بقوله: “إن المرأة لتلهمني أكثر مما تلهمني الإضرابات” .

 

كيف حال علاقة اللغة بالشعر في هذا العصر، هل ما زال الشعر يثري اللغة في هذه اللحظة الراهنة؟

 أعتقد أنّ هذا أحد الأسئلة الجوهرية التي تهمُّ وضع الشعر والجدوى منه، وعلى نقّاد الشعر ودارسيه أن يضعوها في صلب انشغالاتهم النظرية والمعرفية . بالنسبة إليّ، أرى أن الشعر كان دائماً مصدر ثراء للغة، وكان علماء النحو واللغة والتفسير يرجعون إليه لتأكيد البعد التعليمي والجمالي في الشعر، كما كان الشاعر مسؤولاً على حماية العمق في اللغة . غير أنّ العلاقة اليوم تبلبلت بين الشعر واللغة، فلم يعد مصدراً لإثراء اللغة وابتكار صيغها، بسبب تراجع دوره في المدرسة والمجتمع من جهة، وطغيان التكنولوجيا وطابعها التسطيحي والآني من جهة أخرى، بل إنّ قطاعاً غير قليل من الشعراء أنفسهم يشعر بأنّ اللغة التي يكتبون بها متشابهة تشابه الرمل، وبعضهم يرتكب الأخطاء في اللغة والنحو . إنّ الشعر فنٌّ لغويٌّ إذا لم يحافظ على جوهريّته، فلا أعتقد أنّ حاجتنا إلى الشعر ضروريّة إلى هذا الحد .

 

كيف تجد التلقي الشعري بعد ثورات الربيع العربي؟

لو حدث هذا الربيع العربي قبل هذه الفترة بعقود لكانت درجة التلقّي والتفاعل أكبر ممّا هي عليه اليوم، أي أيّام كان الشعر يُستقبل بحفاوة، وكان الشعراء يُشخّصون الصراع بين السياسي والثقافي في الشعر العربي الحديث، وكانت موضوعاتهم القومية والاجتماعية تُمثّل ضغطاً متصاعداً على نصوصهم الشعرية، حتى أدمنت الذّائقة على التعامل معهم بوصفهم الصوت السياسي للثورة العربية في كل تجلّياتها من أجل التغيير والتقدم والرفاه الاجتماعي . لكن ثورات الربيع العربي حدثت بعد أن خفت ذلك الصوت، وشهد الشعر تراجعاً، وغدت الشقّة تتوسّع بين الشعراء والجمهور الّذي أحسّ بأنّهم كانوا يبيعونه الزيف والكذب، وأنّ ما وعدوا به لم يجلب إلا المأساة، كما أحسّ الشعراء أنفسهم بالخيبة واللاجدوى والشعور بالفاجعة من فشل المشروع الثوري والنهضوي، وتشرذم الكيانات السياسية الوطنية، وانطفاء روح العقل والنّقد، ومن لا جدوى “بحار المعرفة السّبعة” الّتي رفدوها نحتاً من لحمهم ودمهم . ومع ذلك، عندما اندلعت شرارة الثورة من تونس، وردّد الجميع فيها قصيدة “إرادة الحياة” لأبي القاسم الشابي، عاد الوعي من جديد بأن الشعر هو، بالفعل، المعبِّر الحقيقي عن الوجدان الجماعي العربي . ولقد قرأنا خلال هذه الأشهر الأخيرة من عمر الربيع العربي “شعراً ثوريّاً”  على علاته  ساخناً كأنّه خرج للتوّ من الأتون، أتون التاريخ والأسطورة . وشاهدنا كيف عادت الذاكرة الشعرية تجد لها صدىً في الوجدان الجماعي، من خلال إقبال الناس على قراءة شعر الشابي ونزار قباني ومحمود درويش وأمل دنقل وأحمد فؤاد نجم، وتكريمهم رمزيّاً في المنتديات الافتراضية والمهرجانات الشعرية . وأعتقد أنّ ثورات الربيع سيكون لها تأثير عميق في روح الشعر العربي، بعد أن تهدأ آثار الزلزال وتختمر في دمنا وروحنا ونظرتنا.

*الحوار منشور بالملحق الثقافي لجريدة (الخليج) الإماراتية بتاريخ 4/6/2012

http://www.alkhaleej.ae/portal/98a22055-b37f-4c06-b5f7-20...

09:36 |  Facebook | |

01/06/2012

Henri Meschonnic

   أفق الشِّعريـــــــــة

مداخل إلى شعريّة هنري ميشونيك

Meschonnic_Henri_1984.jpg     

     عبد اللّطيف الوراري  

لم تكن شعرية هنري ميشونيك (1932- 2009م)، الشاعر والمترجم وعالم اللغة، إلا إحدى شعريّات القرن العشرين التي سافرت، بمهماز النّقد والمغامرة، في تأمل الخطاب النظري والتحليلي الخاص بالشعر وقراءة أجروميّاته الأساسية، بلا مطلق ولا متعاليات. تاريخ من السؤال وإعادة السؤال يصاحب برنامج ميشونيك النقدي الذي يرتبط بتأمل مختلف الخطابات من وجهة نظر الشعرية الّتي نظّر لها كمعرفةٍ تبحث في صيغ الدلالة النَوعية للنص الأدبي. لكن ما يبدو لنا مهمّاً ومستعجلاً في هذا المقام الاحتفائي، هو أن نُشير إلى أهمّ القضايا النظرية والإبستيمولوجية التي شغلت ميشونيك، وبلْورت تصوُّره للشعر والشعرية، وضمن ذلك علاقة النظرية بالممارسة، والشعر بالفلسفة، وإبستيمولوجيا الكتابة، وشعرية الترجمة وسياستها في آن. وقد انبثق ذلك التصوُّر من نقـد نظريّات الدليل شعريّةً كانت أو سيميائيّةً، مُعيداً بناء مفاهيم أساسيّة من مثل الإيقاع، والقصيدة، والمعنى، والذات والحداثة، عبر استراتيجيتي النقد والسجال...أنظر الدراسة بأكملها منشورة في مجلة (نزوى) العمانية، العدد 70، على الرابط التالي: ـ

http://www.nizwa.com/articles.php?id=3855

09:49 |  Facebook | |