Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

27/10/2012

تـــرياق

تعبّر الذات المفردة عن رغتبها في صياغة كنه القصيدة الشبيهة بالضوء 

 teryak.jpg

عبدالحق ميفراني

  

    « ترياق»، هو الديوان الذي توّجته مؤسسة شرق ـ غرب في سابقة ديوان الشعرية (دورة محمود درويش) للعام 2009م. وهي الدورة التي خصصت جوائزها لشعراء من العراق والمغرب، على أن تنفتح مستقبلاً على بلدان عربية أخرى «لفتح فضاء أوسع للشعرية العربية». وتتويج ديوان « ترياق» للشاعر المغربي عبداللطيف الوراري (1972- ) يُمثّل خطوة مضافة للاحتفاء بهذه التجربة الشابة التي تُؤسّس مساراً مزدوجاً في الكتابة الإبداعية والنقدية (إذ سبق أن توّجته جائزة الشارقة للإبداع العربي بالجائزة الأولى في النقد الأدبي للعام نفسه)، ممّا يجعله أبرز وجه إبداعي مغربي شاب حظي باحتفاء عربي لسنة 2009م، ولاندري كيف سقط اسمه من بيروت 39، وهو ما يثير الغرابة حقا!

الشاعر عبداللطيف الوراري نموذج لصوت المغرب العميق الذي يسكننا جميعا، أو بعضنا على الأقل، ممن لم تستهويهم ركوب «سلالم العبور السهلة» والإتاوات الثقافية ومباركة عرابي القناطر، إذ ترك لكتاباته أحقية التعبير عن أسئلته ومن عمقها وخصوصياتها. والأكيد أن الشهادات التي خطّت على الغلاف الأخير للديوان تعبر عن هذا المنحى: علي جعفرالعلاق، علوي الهاشمي، شوقي بزيغ، عبد الرضا علي. كثير من قصائد ترياق مهداة إلى شعراء رحلوا عنا في السنوات الأخيرة: (محمود درويش، محمد بنعمارة، سركون بولص، جمال الدين بن الشيخ)، إلى جانب حضور لافت لأسماء لازالت تواصل حضورها الشعري المجازي، بمن فيهم محمد بنطلحة؛ عدا ريان ابن الشاعر. وهكذا تتحوّل القصائد من حوارية شرق غرب إلى المغرب والمشرق، بإصرار القصائد نفسها على لعبة الحضور والغياب، مقدمة سلسلة من ثنائيات أصر ديوان « ترياق» على أن يجعلها ديدن رؤيته الشعرية: الحضور ـ الغياب، المغرب ـ الشرق، قصيدة النثر ـ التفعيلة، بغداد ـ طنجة، التراث ـ الحداثة، إلخ. وبين هذا الذهاب والإياب تعبر الذات المفردة بقلقها في ثنايا الديوان عن سياقين يكتملان في قدرتهما على صياغة كنه القصيدةالشبيهة بالضوء، التي يأمل شاعر « ترياق» أن يجعلها ممشاه إلى الأبدية:

«أحمل باباًعلى كتفي وأطوف

أسرّ إلى كل ورقاء تعبرني

 شاهداً

ومن الوقت أسحب ريحاً

على اللغةالوعد..» (ص67).

 

وهو الممشى الذي يزاوج فيه الديوان بين تنوُّع الصياغات المختارة في القصائد من تراكيب ذات نفس طويل وأخرى تميل إلى الشذري، وبين قيم دلالية تمتح من حقلين مختلفين هما التراث العربي وحاضر القصيدة. ومن ثمّ، أمكن لهذا الممشى أن يتحول لاختبار منهجي يهم أسئلة الكتابة الشعرية. لكن، القصيدة تعترف بأنّه ممشى شبيه بالريح لا حدود له وتعيش في المنتهى. لذلك تصر القصائد على حضور «الريح» بشكل لافت، كاختيار معجمي أمام المشمولة بالجراح/ القصيدة:

«أيتهاالمشمولة بالجراح،

ق

ص

ي

د

ت

ي» (ص77)

 

   فهي القصيدة الوحيدة في الديوان، التي تحدد في إطار حوار داخلي بين صوت الشاعر وقصيدته جزءاً من أسرار رؤية «ترياق» وبناها الدلالية والمعرفية، إذ أمكننا الاقتراب أكثر من «متاع» و«أدوات القصيدة». قصيدة عبداللطيف الوراري رديف للجرح والألم وسط «ضجيج اللغة»، حيث الشاعر يبني نصّه «بتواضع» لأن «السقف سحيق» (ص72)؛ وهو اعتراف للدلالة على أن الشعر ظلّ دوما مرتبطاً بمراس ودربة، بعيداً عن الاستسهال والاستنساخ. في زخم هذه الريح ـ المنتهى أمكن للقصيدة أن تمارس فعل التحقُّق:

« إذا لم يقل لك قلبك الجريح

إذا خلدت الى وسادة الرياح

إنّك شاعر

فمن سيخبرك إذن؟»  (ص75)

 

يظل السؤال معلّقاً بين ثنايا قصائد الديوان، إذ هي السبيل الوحيد كي تصل قصيدة الديوان إلى أفقها الذي تنشده، وحينها لا يمكننا أن نضع شعرية تجربة ديوان «ترياق» للشاعر عبداللطيف الوراري في سياق ما تبلوره من أسئلة ورؤى يجعلها أبعد ما تكون عن تحقيق فعل الحضور والتحقق، وإنما هي تجربة خصبة تبني تماسكها في اختياراتها النصية والبنائية وفي إذكائها.

 

09:22 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.