Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

27/10/2012

تـــرياق

تعبّر الذات المفردة عن رغتبها في صياغة كنه القصيدة الشبيهة بالضوء 

 teryak.jpg

عبدالحق ميفراني

  

    « ترياق»، هو الديوان الذي توّجته مؤسسة شرق ـ غرب في سابقة ديوان الشعرية (دورة محمود درويش) للعام 2009م. وهي الدورة التي خصصت جوائزها لشعراء من العراق والمغرب، على أن تنفتح مستقبلاً على بلدان عربية أخرى «لفتح فضاء أوسع للشعرية العربية». وتتويج ديوان « ترياق» للشاعر المغربي عبداللطيف الوراري (1972- ) يُمثّل خطوة مضافة للاحتفاء بهذه التجربة الشابة التي تُؤسّس مساراً مزدوجاً في الكتابة الإبداعية والنقدية (إذ سبق أن توّجته جائزة الشارقة للإبداع العربي بالجائزة الأولى في النقد الأدبي للعام نفسه)، ممّا يجعله أبرز وجه إبداعي مغربي شاب حظي باحتفاء عربي لسنة 2009م، ولاندري كيف سقط اسمه من بيروت 39، وهو ما يثير الغرابة حقا!

الشاعر عبداللطيف الوراري نموذج لصوت المغرب العميق الذي يسكننا جميعا، أو بعضنا على الأقل، ممن لم تستهويهم ركوب «سلالم العبور السهلة» والإتاوات الثقافية ومباركة عرابي القناطر، إذ ترك لكتاباته أحقية التعبير عن أسئلته ومن عمقها وخصوصياتها. والأكيد أن الشهادات التي خطّت على الغلاف الأخير للديوان تعبر عن هذا المنحى: علي جعفرالعلاق، علوي الهاشمي، شوقي بزيغ، عبد الرضا علي. كثير من قصائد ترياق مهداة إلى شعراء رحلوا عنا في السنوات الأخيرة: (محمود درويش، محمد بنعمارة، سركون بولص، جمال الدين بن الشيخ)، إلى جانب حضور لافت لأسماء لازالت تواصل حضورها الشعري المجازي، بمن فيهم محمد بنطلحة؛ عدا ريان ابن الشاعر. وهكذا تتحوّل القصائد من حوارية شرق غرب إلى المغرب والمشرق، بإصرار القصائد نفسها على لعبة الحضور والغياب، مقدمة سلسلة من ثنائيات أصر ديوان « ترياق» على أن يجعلها ديدن رؤيته الشعرية: الحضور ـ الغياب، المغرب ـ الشرق، قصيدة النثر ـ التفعيلة، بغداد ـ طنجة، التراث ـ الحداثة، إلخ. وبين هذا الذهاب والإياب تعبر الذات المفردة بقلقها في ثنايا الديوان عن سياقين يكتملان في قدرتهما على صياغة كنه القصيدةالشبيهة بالضوء، التي يأمل شاعر « ترياق» أن يجعلها ممشاه إلى الأبدية:

«أحمل باباًعلى كتفي وأطوف

أسرّ إلى كل ورقاء تعبرني

 شاهداً

ومن الوقت أسحب ريحاً

على اللغةالوعد..» (ص67).

 

وهو الممشى الذي يزاوج فيه الديوان بين تنوُّع الصياغات المختارة في القصائد من تراكيب ذات نفس طويل وأخرى تميل إلى الشذري، وبين قيم دلالية تمتح من حقلين مختلفين هما التراث العربي وحاضر القصيدة. ومن ثمّ، أمكن لهذا الممشى أن يتحول لاختبار منهجي يهم أسئلة الكتابة الشعرية. لكن، القصيدة تعترف بأنّه ممشى شبيه بالريح لا حدود له وتعيش في المنتهى. لذلك تصر القصائد على حضور «الريح» بشكل لافت، كاختيار معجمي أمام المشمولة بالجراح/ القصيدة:

«أيتهاالمشمولة بالجراح،

ق

ص

ي

د

ت

ي» (ص77)

 

   فهي القصيدة الوحيدة في الديوان، التي تحدد في إطار حوار داخلي بين صوت الشاعر وقصيدته جزءاً من أسرار رؤية «ترياق» وبناها الدلالية والمعرفية، إذ أمكننا الاقتراب أكثر من «متاع» و«أدوات القصيدة». قصيدة عبداللطيف الوراري رديف للجرح والألم وسط «ضجيج اللغة»، حيث الشاعر يبني نصّه «بتواضع» لأن «السقف سحيق» (ص72)؛ وهو اعتراف للدلالة على أن الشعر ظلّ دوما مرتبطاً بمراس ودربة، بعيداً عن الاستسهال والاستنساخ. في زخم هذه الريح ـ المنتهى أمكن للقصيدة أن تمارس فعل التحقُّق:

« إذا لم يقل لك قلبك الجريح

إذا خلدت الى وسادة الرياح

إنّك شاعر

فمن سيخبرك إذن؟»  (ص75)

 

يظل السؤال معلّقاً بين ثنايا قصائد الديوان، إذ هي السبيل الوحيد كي تصل قصيدة الديوان إلى أفقها الذي تنشده، وحينها لا يمكننا أن نضع شعرية تجربة ديوان «ترياق» للشاعر عبداللطيف الوراري في سياق ما تبلوره من أسئلة ورؤى يجعلها أبعد ما تكون عن تحقيق فعل الحضور والتحقق، وإنما هي تجربة خصبة تبني تماسكها في اختياراتها النصية والبنائية وفي إذكائها.

 

09:22 |  Facebook | |

18/10/2012

في حوار مع الروائي الصيني الفائز بجائزة نوبل للآداب

ينبغي ألّا نسيء إلى اشتراكية ماو وإن كانت أحدثت شللاً بالمجتمع وعانى منها كلُّ صيني

2012_Mo_Yan.jpg 

 

ترجمة: عبد اللطيف الوراري

 

في هذا الحوار الذي أجرته معه مجلة (النوفيل أوبسرفاتور) الفرنسية في وقت سابق، يتحدّث مو يان عن بوذا، وماو تسي تونغ، ومآزق النظام الشيوعي، وهو يناقش أبعاداً من روايته العجائبية الموسومة بـ"قانون الكارما الثابت"، وهي الأحدث والأشهر بين نظيراتها.

 

ــ في روايتك الجديدة 'قانون كارما الثابت'، ترسم صورة الصين الشيوعية منذ تأسيسها في العام 1949 إلى يومنا هذا. من خلال هذه القصة التي تروي المحن المضحكة والمأساوية لشيمن ناو مالك الأرض الذي قتل في عام 1949، ويُبْعث تِباعاً إمّا في جلد حمار، وجاموس، وخنزير، وكلب، وقرد، قبل أن يعود له شكله البشري. ألسْتَ تحكي تاريخ الصين الشيوعية من خلال هذه الحيوانات..؟

ــ مويان: لقد سمحت لي شخصية شيمن بأن أقول ما أعتقد بأنّه يُمثّل، في نظري، الحدث الأهم بالنسبة لتاريخ الصين الحديث، ألا وهو الإصلاح الزراعي الذي فرضه الحزب الشيوعي عند مجيئه إلى السلطة. ملاك الأراضي أُبيدوا عن بكرة أبيهم ظلماً، فيما كان ضمنهم من اغتنى بفضل عملهم وتدبير ممتلكاتهم تدبيراً ذكيّاً. إنّهم لا يستحقون الموت. وبصورة أعمّ، فإنّ هذه هي حالةالمزارعين الذين عاملهم الشيوعيون بقسوة.

  في ظلّ حكم ماو، فإنّ مثل هذه الحملات هي التي سدّدت، عبر سياسة الأسعار والاختيارات الفردية الخاصة بالميزانية، ثمن التصنيع الأول في الصين. واليوم، لدينا من أبناء الفلاحين مئة وعشرون مليوناً من (المينغونغ) الذين يتقاضون أجوراً هزيلة وخالية من جميع الحقوق، وإن كان هم من أدّوا فاتورة الازدهار الاقتصادي على عاتقهم. إنّ عوارض كارما المزعجة التي وقعت لشيمن ناو كانت بمثابة استعارة عن المأساة التي عاشها المزارعون الصينيون، بمن فيهم عائلتي التي ولدتُ بينها.

بعد عام 1949، عوملوا صراحة كالأبقار أو الحمير، وهم يُقْتادون كالقطيع داخل الكومونات الشعبية، فاقدين لكلّ حريةٍ لهم. كان عليهم أن يُطيعوا الأوامر، وينزلوا إلى الحقول من صافرة إلى أخرى، فيزرعون ما يُؤمرون بزرعه... ولم يستعيدوا شيئاً من الحرية إلا في الثمانينات. لكن، منذ ذلك الحين، تدهورت وضعيّتهم ثانية. عبر تحوّلاته الحيوانية، يبدو شيمن ناو أنّه عومل بقسوة، وتمّ استغلاله وخداعه. ورغم براءته، إلّا أنه يعاقب بشدة، ويحكم عليه ببعثه في شكل حيوانات. وإذا كان هناك ما يحدث الصدمة، فإنّما بفضل ذكائه وطاقته الحيوية الاستثنائية.

ــ لكن لماذا يعاقبه ملك الجحيم ظلماً؟

مو يان: شيمن ناو مزعج. يمضي وقته في الصراخ، والمطالبة بالعودة إلى قريته لمحاسبة جلّاديه. فملك الجحيم، والحالة هذه، يمثّل السلطة في بكين: إنّه يعاقب أولئك الذين يحتجّون. الجحيم كناية عن الصين. والفرق الوحيد أن الشياطين لا تضع لك رصاصة في رأسك، إنّما تقول لك: "موافق، سوف ندرس حالتك' حالاً، وهكذا تتجسّد في صورة جحش أو صغير الخنزير.

ــ دائماً ما كنْتَ تحيل على المفاهيم البوذية: كارما، سامسارا، بما يشبه حلقة من الولادات... وقد حاول الحزب الشيوعي، لفترة طويلة، اقتلاع أيّ جذور لها. هل وجدْتَها في الكتب التي ظهرت أيّام صارت البوذية نمط حياة؟

مو يان: عندما كنت صغيراً، كان أجدادي أميِّين لا يقرؤون الكتب، لكنّهم كانوا يستخدمون باستمرار هذه المقولات المألوفة التي ساعدتهم على مواجهة صعوبات الحياة العادية. إنّهم تشرّبوا الروح الصينية بعمق. فالمعنويات العامة تُركّز على البوذية، والكونفوشيوسية والطاوية، ومن أمد بعيدٍ كان مفهوم الكارما، أي التعويض التلقائي عن الأعمال (ثواب الخير ومعاقبة الشر)، يخدم الشعب من أجل التخلُّص من المشاعر المدمرة، والاستمرار بصحة جيّدة.

ـ وبالنسبة لك، هل كنت مهتمّاً بها؟

مو يان: كثيراً. أنا أقدّر الرؤية التي تقترحها البوذية للعالم والوجود الإنساني، وفيها وجدت أداة فعالة لمواجهة الصعوبات ومعاناة الحياة التي لا مفرّ منها. عندما تكون الأمور على ما يرام، لا أكاد أفكّر فيها. ولكن عندما أقع رهين حالٍ من الجمود، أستفيد منها حتّى أُحرّر نفسي من الغضب، والضغينة، والرغبة بالانتقام، ومن كلّ الأشياء التي لا تفيد في شيء وتُنغّص حياتك. في الواقع، لو كنْتُ في مكان الحكومة، لشّجعتُ في اتجاه تحويل شامل للبوذية (يضحك). هي بمثابة وسيلة رائعة لبلوغ مجتمع مسالم. فأكثر السرقات، وجرائم القتل، والكراهية، أو حتّى الحب نفسه، ولا الصراع من أجل السلطة مهما كان أقلّ، يمكن لنا أن نتداركه بدون رجال شرطة تماماً! من المستحيل، بطبيعة الحال: لن يحصل ذلك إلّا تدريجيّاً إذا كنت بوذيّاً بحقّ، وحينها سيكون هنا كائنات آدمية أكثر من تماثيل بوذا نفسها...

ــ الشخصية الرئيسية الأخرى هو لان ليان- الطفل الذي يتمّ العثور عليه من لدن شيمن ناو-، أفلحت في أن تنقذ جلده طوال تلك الفترة. مع ذلك، كما بالنسبة لشيمن ناو، كان عنيداً واجه حياة من المتاعب وهو يصرُّ على أن يكون بمنأى عن التأميم، ورافضاً أن تكون قطعة أرضه التي عهد بها إلى الإصلاح الزراعي ضمن الكومونة الشعبية. إصراره على حقوقه الفردية كان أمراً لا يصدق بمرأى هستيريا العصر الجماعية. هل ابتكرته؟

 كلا، كان موجوداً. لقد عرفت في طفولتي مزارعاً كان يدعى في البلدة لان ليان ، "الوجه الأزرق"، لأنه كان مثل شخصيتي تغطي وجهه بقعة نبيذ كبيرة. في كلّ يوم، عندما كنّا نمارس الجمباز في الهواء الطلق، نسمع من بعيد صرير عجلات خشبية لعربة يجرّها حمار. وعندما يصل قريباً من المدرسة، نرشق بالحجر هذا الرجعي الإقطاعي نصير الثورة المضادة الذي لا يصلح لشيء. كان يقف لوحده ضدّ الجميع، واستمر في رفضه الانضمام إلى الكومونة الشعبية التي شملت جميع الأسر الأخرى، فيما كان أطفاله يتخلّوْن عنه. وقد علمت لاحقاً أنّه خلال الثورة الثقافية، عانى من "انتقادات شعبية" في منتهى الفظاظة. ضُرِب وعُذِّب وتُرِك عارياً يتلظّى تحت الشمس. وبما أنّه كان يعيش وحيداً، فقد مات بعد فترة وجيزة لافتقاره إلى الرعاية. أردْتُ أن أبقي لان ليان حيّاً في روايتي كنوع من "حلقة ميلاد" ذي طابع سياسي: بعد ثلاثين عاماً من التتابع غير المنقطع 'للحركات' المختلفة، بدا أنّ الجماعات قد انحلّت أخيراً في الثمانينات، وأن الأراضي قد اقتسمت من جديد، وأمّا لان ليان فقد رُدّ الاعتبار له. التاريخ اعترف له بالحقّ.

ـ نخمّن بأن لديك ميلاً خاصّاً نحو هذه الشخصية.

مو يان: بالنسبة لي، لان ليان يطرح سؤالاً رئيسيّاً، هو سؤال إمكانية المجتمع الشيوعي. وأعتقد بأنّه من المستحيل، لأنه مخالف للطبيعة البشرية. وكان أكبر فشل بالنسبة للشيوعية الصينية تجلّى في تطبيقها الحرفي لشعار ' تدمير الفرد، والحفاظ على الجماعة". لقد كان على جميع الصينيين الحديث بصوت واحد، وارتداء الملابس نفسها، واللون نفسه. إذا كان ذلك ممكناً، فإنّنا جميعاً يصير لنا وجه واحد... وهذا ما درج عليه الحزب الشيوعي الصيني منذ عام 1949 إلى سنوات الثمانين. كان لان ليان نفسه يحارب من أجل التنوع والتفرد الذين يتطابقان في نظري مع قوانين الطبيعة والمجتمع الإنساني، فضلاً عن القوانين الجمالية...

هل يمكن لنا أن نتصور روحاً جماعية لا تنفي الشخصية الفردية؟

في الحالة الراهنة، لا أعتقد بذلك؛ حتى لو كان انتصاراً للملكية الخاصة في الصين فلن يسلم من الوقوع في جميع عيوب الرأسمالية. في الرواية، تظهر شخصية سكرتير الحزب هونغ تايي بوجْهٍ مماثل ومعكوس لشخصية لان ليان. يظلّ هو نفسه وفيّاً للإيديولوجيا الشيوعية، مثل  العديد من الأطر الصغيرة التي تعرّفتُ عليهم في المناطق الريفية، والذين كانوا رافضين بكلّ قواهم لفكرة التحرير الاقتصادي التي أرادها دنغ شياوبينغ في الثمانينات. كيف يتمُّ التفويض لتركة ماو المقدسة وإصلاح النظام القديم!

   أنا لا أحتقر هونغ تايي، حتى وإن كنتُ أحكم على وفائه بلا طائل للمثل الاشتراكية التي يذهب إلى حدّ التضحية من أجلها – وهو يجازف بقفزة انتحارية لموت خليفته الإصلاحي. واليوم، فإنّ الأطروحات الماركسية قد عادت من جديد تستهوي العديد من الصينيّين. رُبّما نتّجه نحو اشتراكيّة جديدة بما يشبه ردّ فعلٍ على الإفراط في النزعة الفردية، وهو ما سيكون بمثابة 'حلقة' قد أخذت في الاكتمال، إلا أنّه ينبغي أن نتجنّب عبرها الإساءة إلى اشتراكية ماو التي أحدثت، لسنوات طويلة، شللاً بالمجتمع بقدرما عانى منها كلُّ صيني. 

 

18:58 |  Facebook | |

12/10/2012

الصيني مو يان يفوز بجائزة نوبل للآداب

رواياته تصدع بواقعيّة مذهلة إذ ترصد تحوُّلات المجتمع في الصين بقسوة ونقد لاذعين

 

عبد اللطيف الوراري

 

 69ec5dfc-13a8-11e2-9306-739d453f9445-493x328.jpg

 

   فيما انصرفت الأنظار إلى الروائي الياباني هاروكي موراكامي وتكهّنت بنيله لها هذا العام، ذهبت جائزة نوبل للآداب إلى الأقلّ منه شهرة، وهو الروائي الصيني مو يان (1955- ) حتى وإن كان هو نفسه ضمن قائمة المرشحين. وهذه هي المرة الثانية التي يحصل فيها صينيٌّ على الجائزة، بعد أن نالها في العام ألفين مواطنه غاو سينجيان، إلّا أن إعلام الصين الرسمي كان أكثر احتفاءً بنوبل مو يان، وعدّه "أول مواطن صيني" ينالها؛ وهو الذي انخرط مُبكّراً في الجبهة الثقافية الرسمية، ولم يكن كاتباً "منشقّاً" أو معارضاً لدوداً لنظام الحكم، مثل كثيرٍ من أبناء جيله.

  وجاء في حيثيّات الإعلان عن الجائزة أن مو يان 'يدمج، بواقعية مذهلة، قصصاً شعبية في التاريخ والحاضر'، كما أنّه أقام "من خلال مزجه بين الخيال والواقع وبين البعد التاريخي والاجتماعي، عالماً يذكّرنا في تعقيداتهبعوالم كتّاب أمثال وليام فولكنر وغابريال غارسيا ماركيز، عدا جذوره التي تضرب بأطنابها في الأدبالصيني القديم وتقاليد الحكاية الشعبية'، وبالتالي فقد "استلهمأفكاره من الخلفية الخاصة به" بأسلوبٍ يُميّزه.

   لم يصدر أوّل كتاب لمو يان، وهو لقبه المستعار الذي استبدله باسمه الأصلي غوان موييه، إلّا عندما كان في الثلاثينات من عمره، وهو روايته السير ذاتية "الفجلة البلّورية" (1986) التي تحكي عن طفل يرفض الكلام ويروي الحياةفي الريف كما عاشها الكاتب نفسه في طفولته. ثمّ توالت رواياته من قبيل "أنشودة الثومالفردوسي" (1988)، و"بلد النبيذ" (1992)، و"فينغرو فيتون" (1996)، و"ضفادع" (1910)؛ إلّا أن روايته "الذرة الرفيعة الحمراء" (1987) التي تحكي تاريخ الثورة البطولية لقرية ضد الغزو الياباني بقدرما تعكس المصاعب التي تحمّلها المزارعون في السنوات الأولى من الحكم الشيوعي، وقد حُوّلت إلى فيلم ذاع صيته في العالم الغربي وفازت بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين عام 1988، تظلّ هي الأهمّ والأشهر بين نظيراتها. وتتّسم مجموع رواياته التي زادت عن عشر، بحسب دارسي نتاجه الأدبي، بطابعها الواقعي الذي لا يخلو من قسوة وسخرية ونقد لاذع في تناولها للتغيّرات المفاجئة التي شهدتها الصين، سواء  قبل الحقبة الشيوعية، أو إبّان الاجتياح الياباني، أو أيام الثورة الثقافية المشهودة، أو في فتراتأخرى من تاريخها المضطرب في ظل النظام الشيوعي. وممّا يرويه من ذلك التاريخ أنّه اضطر خلال المجاعة التي ضربت بلاده خلال  الخمسينات، إلى أن يقتات من غبار الفحم ولحاء الشجر والأعشاب ليسكت جوع معدته. ويدين مو يان في لهجته الحكائية لرائد الأدب الصيني الحديث لو شيون (1881 – 1946)، قبل أن يتأثر تالياً بأساليب الواقعية السحرية التي هبّت من أمريكا اللاتينية، وتوافقت مع محكيّاته التي فيها الكثير من حكايات الريف الصيني وأساطيره المليئة بالجنّ والأشباح. وبفضل تقنيّات الكتابة التي استوحاها من أجواء هذه الواقعية، استطاع مو يان أن يتحايل على مقصّ الرقابة النشط للغاية في الصين.

  ويصدق على مو يان الذي ينحدر من بلدة غاومي في مقاطعة شاندونغ الواقعة شرقاً لعائلة مزارعين، القول بأنّ الطفولة التعيسة التي عاشها كانت مصدر إلهام لا ينفد؛ فقد عمل في المزرعة حتى بلغ السابعة عشر من عمره، يتكفّل بالحيوانات ومحاصيل الذرة الرفيعة والثوم، ويرى في المناظر الطبيعية حوله شكلاً من أشكال العزاء. وفي شبابه التحق مو يان بصفوف جيش التحرير الشعبي، وتخرّج من الكلية العسكرية برتبة ضابط، ثمّ انتمى إلى الحزب الشيوعي. وبعد أن برزت موهبته وحقّق نجاحاً أدبياً، اختير نائباً لرئيس اتحاد الكتّاب الصينيين. وهو ما يُفسّر صمته أو تحرُّجه من أن يتعرّض لنقد النظام أو أن ينشقّ عنه، بل يؤاخذ عليه احتفاؤه بخطاب ماو تسي تونغ، ومسايرته لنظام غير ديموقراطي وهو يُروّج لمصالح الحكومة من خلال كتابة الخطاب، بعيداً عن أن يستخدم تأثيره ككاتب مُؤثِّر للدفاع عن مجايليه من المثقفين والسجناء السياسيين. وكما في أغلب المرّات، قد يكون واقعاً أن الجائزة لم تعدم توجّهها السياسي، حتى وهي تُمْنح للأدب الصيني غير المنشقّ، وكأنّها تريد أن تنفض الغبار عن أعوام طويلة من الحصار الذي ضرب على هذا الأدب منذ الثورة الثقافية التي أطلقها زعيم الصين الأكبر ماو تسي تونغ في العام 1966.

   تُرْجمت روايات مو يان، أو "فولكنر الصيني"، إلى لغات عالمية كثيرة بصفته رائداً من روّاد الأدب الصيني المعاصر، ما جعله في مصافّ كتاب الرواية الأكثر تأثيراً في عالمنا اليوم، لكن ولا واحدة من رواياته نُقلت إلى العربية. وعدا بعض الشذرات التي خصّته بها  جريدة "أخبار الأدب" المصرية قبل ثلاث سنوات، يظلّ مو يان مجهولاً لدى قرّاء العربية. هكذا، بفوزه الذي خيّب توقُّعات الرأي السائد، سوف تشغل صور مو يان وحواراته وشذراتٌ من حياته وأدبه الصفحات الثقافية لكُبْريات الصّحف والمجلات لأيّامٍ وأسابيع تُعرّف قرّاءها المنتشرين في المعمورة عليه ليس ككاتب من الشرق فحسب، بل ككاتِبٍ صينيٍّ إشْكاليّ "غير منشقّ" بالضرورة،  وضع رواياته المعاصرة لزمننا في التأريخ لمسار التحوُّلات المادّية والروحية العميقة التي شهدَتْها أرضٌ تعجّ بالمتناقضات والأساطير والتحدّيات مثل الصين؛ ذلك التنّين الأحمر حالاً ومآلا !

:أنظر فيديو يتحدث عن فوز مو يان بجائزة نوبل للآداب، من قناة زوم إن تي في التي تُبث من أمستردام 

http://www.youtube.com/watch?v=dAgjHBWmjJM

18:02 |  Facebook | |

09/10/2012

مئة ألف شاعر من أجل التغيير

شعراء أكادير يطالبون بـ «التغيير» بلغات العالم !

 latif22.jpg

  على غرار ما جرى في الرباط وفاس، شهدت مدينة أكادير احتفالية "مئة ألف شاعر لمواكبة التغيير" التي نظّمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية- جامعة ابن زهر بمدينة أكادير، بتنسيق مع جمعية سوس ماسة درعة للتنمية والثقافة، وجمعية تايوغت للثقافة والتنمية الاجتماعية، وجمعية إسافن ن تكوري للشعر الأمازيغي. وكانت الاحتفالية قد شارك فيها شعراء من المغرب وخارجه (العراق والولايات المتحدة) جاؤوا ليلقوا أشعارهم ويستمعوا إلى بعضهم البعض من خلال القراءات الشعرية، بما يشي بأنّ شيئاً ما مشتركاً بينهم يجعل العالم الذي يحلمون به أفضل وأجمل.

   بعد الكلمات التقريظية في جدوى التظاهرة الشعرية وسياقها لممثّلي الجهات المنظّمة، صعد إلى خشبة المسرح بفضاء المركب الثقافي محمد خير الدين الواقع بوسط المدينة، مجموعة من الشعراء وهم يصدحون بقيم الحبّ والأمل والحياة ويدعون إلى مناهضة الاستبداد والعنف والمطالبة بالتغيير، بلغات مختلفة تنوّعت بين التقرير والإيحاء والرمز، إلّا أن الشعور بجدوى الشعر وضرورته كان يجمع بينهم ويوحد بوصلتهم إليه؛ فقرأ بالعربية الشعراء: عبد اللطيف الوراري وعبد الله الحاوفي وسعيد الباز والشاعر العراقي محمد الأمين، وبالأمازيغية الشعراء: أحمد صابر وعبد الله المناني وسعيد إد بناصر ورشيد جدل وعائشة أمرزاك، وبالفرنسية: عبد الهادي أيت لحسن وعبد الخالق جيد وسعيد فرتاح والمهدي كرز، وباللغة الانجليزية قرأ الشاعر الأمريكي مو سيغر الذي لفت بقراءته التي تحيي تقاليد الشعر الشفوي وتمزج بين لغة الشعر وموسيقى الجاز. وكانت القراءات البابلية تتخلّلها وصلات موسيقية لمجموعة إسدواس الغنائية.

  وقد صرحت منسقة النشاط الأستاذة ثورية ناقوش إلى أن الاحتفالية "تأتي هذا العام من أجل خدمة الفنون الحية التي تواكب التغيرات السوسيو ثقافية والاقتصادية لبلادنا، كما تهدف  إلى انفتاح الجامعة على محيطها الخارجي وخاصة المجتمع المدني، وإلى تنوير الرأي العام بأهمية الفنون من شعر وموسيقى في تهذيب الحس الفني داخل إطار التعددية الثقافية واللغوية. وسمحت هذه المقاربة التشاركية التي من خلالها تمّ إشراك أكبر عدد ممكن من الساكنة في أن تخلق دينامية ثقافية حقيقية تساهم في التنمية البشرية، وأن تقيم جسراً بين الثقافة والتنمية، إذ لا تنمية حقيقية بدون ثقافة حقيقية".وأضافت: "أن الاحتفالية تميّزت في نسختها الثانية بإقبال شديد لدى طلبة كلية الآداب على إبراز مواهبهم الأدبية وحسّهم الجمالي في إطار المسابقة الشعرية التي نظمتها بالمناسبة شعبة الدراسات الإنجليزية لفائدتهم، وذلك باللغات العربية، الأمازيغية، الإنجليزية والفرنسية، تحت إشراف نخبة من الأساتذة".

وأما الشاعر عبد اللطيف الوراري، أحد المشاركين في تظاهرة مئة ألف شاعر لمواكبة التغيير، فقد قال: "إنّ الاحتفالية بالشعر وعبره فرصة سانحة لنا للمطالبة بالتغيير أو مواكبته في سياق الربيع العربي العاصف والمثير للجدل. ولمّا نحن نطالب بالتغيير، فإنّنا لا نقصد به التغيير المادي سياسيّاً واجتماعيّاً بالضرورة، لأنّ قدراتنا محدودة ومدى كلماتنا ممتدّ في الزمن؛ بل نقصد التغيير الذي يمسّ إحساسنا وتفكيرنا ورؤيتنا إلى الأشياء. ومثل هذا التغيير ملحٌّ ومتنوّع في آن" وزاد: "لقد بدت قيمة هذه التظاهرة التي تُقام في أكثر من مئة بلد، في أنّها تربط الشعر بالتغيير، وتحيي سياسات القصيدة عبر تثوير فعلها الكتابي الذي انطفأ خلال السنين الأخيرة. لا يجب أن نقصر وظيفة الشعر في ما هو فنّي وجمالي صرف فحسب، وإنّما علينا أيضاً أن نجدّد في بعده السياسي بمعناه الواسع الذي لا يبتذله ما هو إيديولوجي وواقعي وتعبوي مباشر وضيّق. وبهذا المعنى، يصير للشعر معنى في حياتنا، وضرورة لإنسانيّتنا المعذّبة اليوم".

   وللإشارة فإنّ هذه التظاهرة الشعرية التي احتضنها المركب الثقافي محمد خير الدين يومه 29 شتنبر 2012م، تقام في الوقت نفسه بـ 850 مكاناً حول العالم من 115 دولة، بمشاركة شعراء يجتمعون لإلقاء أشعارهم ويستمعون لبعضهم البعض. وقد انطلقت فكرتها من أميركا منذ عشر سنوات حيث اتفق شعراء وموسيقيون وأدباء وصناع أفلام في أميركا، على أن يلتقوا في كل عام في مكان ما ويقوموا بإلقاء قصائدهم. وقد بادر الشاعر الأمريكي ميكائيل غوتنبرغ إلى إطلاق فكرة (مئة ألف شاعر من أجل التغيير) عبر مبادرات فردية، وهي لا تمولها أي جمعية أو مؤسسة رسمية أو غير ذلك، وهو ما يعني أن على الشعراء أن يأخذوا المبادرة ويطلقوها بإمكاناتهم المتاحة في كلّ بلد على حدة، في المدن والارياف والمداشر على حدّ سواء.

نُشر الخبر بـ:

 

 http://www.alarab.qa/mobile/details.php?issueId=1762&artid=211087

http://www.alittihad.press.ma/def.asp?codelangue=29&id_info=159118&date_ar=2012-10-8 20:54:00

http://www.diwanalarab.com/spip.php?article34561

22:44 |  Facebook | |