Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

14/01/2013

الرؤيا في الشعر، شعر الرؤيا

شعريّة الحداثة بوصفها تجاوزاً للتقليد وسلطة الشفاهية

                   «رُؤْيا» الشعر

 

_1_~1.JPG

 

 

 

شكّل بروز “الشعر الحرّ” مُنْعطفاً لافِتاً في تاريخ الشّعرية العربية بأسره، حيث انْهارَ المعمار التّقليدي للقصيدة بعد المحاولات التجديديّة المتعاقبة الّتي تمّت سواء مع شعراء البند أو الموشّح أو الرّومانسيّة، فصار الشّكل الشعري مثاراً لشهوة الكتابة المتحرّرة من لواحق القيد العروضيّ، والمنفتحة على ممكِناتٍ كامنة، وتصوُّراتٍ بديلةٍ. لهذا، لم يكن “الشّعر الحر” ـ مع ما تحتمله التّسمية من التباس ـ إلّا “ظاهرة عروضيّة” في بادئ الأمر، وكان لا يزال يجترُّ “الإرث الرومانسي” ولا يُفارِقه الوعْيُ به، حتّى مع روّاده الأوائل، بمن فيهم بدر شاكر السياب. لكنّ المستقبل الّذي بدأ يختطّه كتابيّاً وجماليّاً، ويستأنِف به الوعد بحداثة اللّغة وحيويّة المعنى، كان ظاهٍراً لدى جيلٍ شعريّ بأكمله، متمرّدٍ على التّقاليد التي انتهت إليها القصيدة، وتكلّست في معتقدها الجمالي.

فإلى جانب الثّورة على الإيقاع التّقليدي، وما صاحبَها من تغيّرات في البناء النصّي، بدأت علاقة الشّاعر باللّغة تأخذ مناحيَ وجماليّات جديدة من الصّوغ والانْبِناء والتّدليل، من خلال الاستخدام الفرديّ لها، وإعادة تشكيلها خارج طبيعتها الرّاسخة وأوضاعها القاموسيّة الثّابتة، وهو ما سينعكس، بقوّةٍ، على البنية الدّلالية للقصيدة وسياقها وفاعليّتها في إنتاج المعنى: شعريّة الكتابة لا شعريّة الإنشاد.

ويمكن لنا أن نشير، تجوُّزاً، أنّه بدأنا ننتقل من بنية العروض، حيث هيمنة الوزن وأسبقيّته في تحديد مكوّن الشّعرية داخل النصّ، إلى بنية الدلالة، حيث التركيز على المعنى وطرائق تمثيله وتشكيله فنّياً، كأنّنا بصدد هذه المعادلة: “يبدو في تاريخ الشّعر العربي بشكْلٍ خاصّ أنّ طُغيان الانتظام الوزني في الشعر يُرافقه انحسارٌ للصّورة الشعرية عنه. وكلّما خفّ طُغيان الانتظام الوزني كلّما ازْداد بُروز الصّورة الشعرية في النصوص المنتجة”. ولقد ثبت بالتّدريج أنّ جماليّات الشعر الحديث تحوّلت من جماليّات انتظامٍ وتجانُسٍ واتّصالٍ ووضوحٍ واستقرارٍ نجمت عن ثبات البيت النمطي والمفهوم البياني للمعنى إلى جماليّات لا انْتِظام ولا تجانُس وانقطاعٍ وتوليدٍ وغموضٍ تولّدت عن تحوُّل مفاهيم الكتابة وتراتُبيّتها في تمثيل الذات والعالم.

أوهام الحداثة

لقد شكّلت البدايات الأولى من تجربة “الشعر الحرّ”، الّتي اختطّها الروّاد أمثال نازك والسياب وسواهما، واستمرّت زهاء عقد، زمناً انتقاليّاً. وإذا كانت تلك السّنوات من عمر القصيدة لافتةً ومؤسِّسةً لقيم الإبداع والحريّة والتّحديث، وحشدت الجهود التوّاقة للانتساب إلى العصر وروحه فكريّاً وجماليّاً، فإنّ ما تلاها من عمل التّجارب الشعريّة وغناها وانفتاحها وتصادمها ـ مع أفرادٍ أو داخل جماعاتٍ ـ مثَّل مخاضاً حقيقيّاً لولادة الحداثة في الشّعر. وسوف تُواصل قصيدة النّثر مهمّات التحديث بكلّ ما تحمله الحداثة من إشكاليّةٍ ومشاغبةٍ وتغييرٍ على مستويات البناء الشعري الخارجي والإيقاع واللغة والدلالة، من دون أن يعني ذلك بداهة انتماء كلّ أفراد النصوص المكتوبة تحت لافتتها إلى الحداثة الشّعرية أو شعريّة الحداثة. فبعض النصوص المُدّعية الانتماء إليها لا تتجاوز نثر الأبيات الشعرية وإيهام القارئ بمغايرة الشّكل السائد من دون الاستناد إلى مبرّرات فنّية مُقْنعة.

ولا مندوحة من القول إنّ أعمال محمد النويهي وشكري محمد عياد وعز الدين إسماعيل ويوسف الخال وأدونيس وجابر عصفور وكمال أبو ديب وخالدة سعيد وحاتم الصكر ومحمد مفتاح وسواهم، حقّقت مكسباً معرفيّاً به تعرّفت الشعرية العربية إلى حرّيتها المعتقلة، وعلى اختلافها المتلازم معها. وعلى الرغم من أنّها تتباين من حيث مكانُها النظريّ وإشكاليّتها، فهي تأتلف في الإعلان عن قراءة مغايرة لهذه الشّعرية، محتميةً بمناهج نقديّة حديثة من نفسية واجتماعية وبنيويّة وسيميائية، أتاحت لها معالجة إشكاليّات متعدّدة برزت مع قصيدة الحداثة الّتي ما فتئت، بدءاً من الانفجار الحداثيّ الأول، تُحدث انْقلاباً تصوُّريّاً جوهريّاً طال أطر الكتابة الشعرية وعلاقاتها بالحساسيّة والذّات والعالم، ودوالّها البنائيّة والدّلالية، حتّى أنّ حداثتَها باتت تُضارع في بعض وجوهها الحداثة الشعرية الغربية.

ضدّ التّقليد وسلطة هيمنته في الكتابة، حمل “بيان” يوسف الخال مشروعاً واعِداً بتحديث الشعر اللبناني خاصّةً، والعربي بوجهٍ عامّ، يتعدّى حقْل العَرُوض إلى تجذير أهميّة الرُّؤية والمعرفة و”الخبرة الكيانيّة في الحياة” للشّعر، ويرتبط بـ”روح العصر” كفعْلٍ له وضعيّة الشمول والمغايرة والاختلاف عمّا سواه. ونظر الخال إلى الحداثة في الشعر بأنها “إبداعٌ وخروجٌ به على ما سلف”، ولم يقصرها على زمنٍ من دون زمن، بل هي “حركة إبداع تُماشي الحياة في تغيُّرها الدّائم”، ثمّ أضاف بلسان حال زمنه “أنّ جديداً ما طرأ على نظرتنا إلى الحياة، فانْعَكس في تعبيرٍ غير مألوف”.

وفي السياق نفسه، يقدّم أدونيس في “محاولة في تعريف الشعر الحديث” تصوُّره للشعر الحديث بأنّه “تجاوُزٌ وتخطٍّ”، وله “حقيقة العالم” الّذي “يراه الشاعر ويكشف عنه”، ولهذا فإنّ الأخير “لا يرضى بالمعنى الّذي تضفيه العادة الإنسانية على الأشياء، مهما كان مفيداً، ويبحث لها عن معنى آخر”. يصدر هذا التصوّر في فهم أدونيس عن اعتبار الشّعر “رُؤْيا”، ومجمل القضايا النظريّة والمعرفيّة الّتي ساقها فيما بعد تنتج عن هذا الاعتبار الرّئيس.

وفي زعمنا أنّ بيان الخال حول الشعر الحديث، ومحاولة تعريف أدونيس اللّافتة لمجمل خواصّه المائزة، كانا يتوجّهان إلى المستقبل، لأنّهما من إمضاء شاعريْن حديثيْن معنيّيْن به، وأنّ إحالاتهما قادمة من مصادر نظريّة حديثة، وأنّ سجالهما لم يكن يعْنِ قصيدة التفعيلة فحسب، بل قصيدة النّثر أيضاً. من هنا، اغتنمت شعريّة الحداثة النّاشئة واقع الأسئلة الجديدة الّذي شرع أفقها على محتمله النظريّ، ولا سيّما سؤال المعنى الّذي يأخذ ملْحاحيّته، في النصّ والنظريّة. وإذا كانت النظريّة نهائيّة، فإنّ النصّ لا نهاية له.

سباحة معرفية

لقد بدأ سؤال الحداثة ضاغِطاً على نصوص الشّعراء وتجاربهم في تمثيل الذّات والحقيقة بأكثر أدوات التّعبير الشعري أصالةً وجدّةً، مُشارِفين الرّؤيا للشعر والعالم، وغير مُنْصرفين عن هموم الجماعة. وكانت مرحلة التحوُّل هي تلك الّتي اجْتازها أوائل الروّاد أمثال بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي وأدونيس وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي. وعلى الرّغم من أنّ شعر هؤلاء جميعاً لم ينفكّ عن ارتباطهم السياسي المباشر، إلّا أنّه كان على درجةٍ من الصّدْق الفنّي والنُّضج الفكري أعلى بكثيرٍ من شعر المرحلة ككلّ، سُرْعان ما آثروا التّحليق في آفاق الرُّؤيا الشعرية الحديثة بعيداً عن الرّؤية الفكرية للواقع والفنّ.

وفي خضمّ التجربة الجديدة، بات في وسع الشّاعر الحديث أن يسبح “في بحار المعرفة السبعة” بتعبير صلاح عبد الصبور، وأن ينهل من معارف العصر وثقافاته المتنوّعة الواردة من وراء البحر، وأن يدعها تمتزج في نفسه وفكره بثقافته العربيّة، ليستعين بها على تحليل واقعه، والوقوف على المتناقضات والملابسات الّتي تكتنفه، وإدراكها إدراكاً موضوعيّاً، ومن ثمّة التعبير عن ذلك كلّه بصوته الذّاتي المفرد، بشيْءٍ من المعاناة والقلق والسخرية ومراوغة الشكّ والتمرّد على واقع الهزيمة. بل إنّ شاعراً مثل البياتي كان يشعر أنّ لغته لغةٌ مصنوعةٌ، وأنّ الأشياء التي يصِفُها موجودة سلفاً، كما فقدت الكلمات الكثير من أصالتها، وأنّ عليه أن يتخطّى، ويحيا العصر وإمكاناته.

وإذا كانت اللّغة، فيما مضى، يمتحها الشّعراء من قواميس التّداول أعرافاً دلاليّة ثابتة، وكانت مخزوناً من الدّلالات المرجعيّة المشتركة في كلّ عصر معطى، وكانت تتحرّك داخل المعيار بطرفيْه النّحوي والدلالي، فإنّ لغة القصيدة الحديثة كسّرت مرجعيّة المعيار المطّرد، وخلقت بدل ذلك مرجعيّتها الّتي تنجم عن بلاغتها الخاصّة القائمة على الانزياح الّذي يُحدث تحويلاً مستمرّاً في العلاقة بين حقول الدّلالة ومستوياتها.

وما من شكّ في أنّ نوع المصادر الكتابيّة الجديدة الّتي صار شعر الحداثة يغترف منها ويُدْمنها قد ساهم في تكثيف المعنى إلى درجة التّعقيد والغموض. إنّنا أمام إشكاليّة الدلالة، ومن خواصّها:

تكسير الدّلالة الواحدة، وتفجير دلالاتٍ جديدة.

إغناء اللّغة بأشكال من المفارقة والتّجريد والتّرميز والتناصّ.

توسيع مدلول الصُّورة بوصفها طاقة احتماليّة تتغذّى من بلاغة التكثيف والانزياح.

تشظّي البناء النصّي الذّي لا يبين إلّا عن التشتُّت والانتشار والتشذُّر بلا رابطٍ منطقيّ.

وهذه الخواصّ قد نقلت حركة انبثاق المعنى من دائرة الدّلالة المعجميّة إلى دائرة الدّلالة السياقية المفتوحة على إمكاناتٍ مهمّة لا تعتقل أجروميّة المعنى المتحرّك بقيد معجميّ أو إيقاعي أو تركيبي. فيما نكتشف أنّ القصيدة غيَّرت علاقاتها الخاصّة بها كخطابٍ مخصوصٍ، والعلاقات الوظيفيّة بين اللّغة والمعنى، الوعي والعالم. لكنّها، بسببٍ من ذلك، سوف تتّسم بـ”صدمة التلقّي” الّتي قد قرنتْها بالغموض.

ومع تحوُّلات المعنى داخل حداثة الشّعر بوصفها تمثّل شعريّةً مُفارِقةً ومُتحرِّرةً “انفرط العقد الدّلالي”، وتمّ بلبلة منظومة المعيار الدلالي الّذي استقرّ في النسيج الشّعري ، وكرّستْه قواعد البلاغة المعروفة. فلم يعد ثمّة مجالٌ للاحتكام إلى السُّلّم التصنيفي المعهود الذي يتّكئ على بلاغة المعيار ذات المرعيّة النظامية، فيما هو يضبط مراسم انْتِقال اللّفظ من مدلولٍ إلى مدلولٍ سواه. لقد فضّ المجاز، مثلاً، قالبه المجرّد الّذي يسوغ انتقالاته الدّلالية، ليدلّ على “حركة المعنى” ، أو على التموُّجات الطارئة على خريطة الدّلالة، والمؤثِّرة في شبكة العلاقات القائمة بين دوالّ اللّغة وتجربة الشّاعر المستقطرة لذخيرته في الحياة والقصيدة.

وقد وقف كثيرٌ من دراسات الشّعرية على ما يثيره المتن الشعري الحداثي من غموض في ذهن النّاقد والقارئ على السواء، ووجدت في استراتيجيّات التأويل والقراءة الّتي أشاعتها النظريّة الأدبية الحديثة إمكاناتٍ مهمّة لفكّ شفرات النصّ وملء فجواته وسبر أغواره البعيدة، مبتعدةً عن المعنى الّذي تقسره القراءات المغرضة والتّفسيرات الإيديولوجية وترغم عليه بنية النصّ. ودائماً ما كانت ثمّة ضرورةٌ للتأويل والعمل بسيرورته لأحد مقولتيْن: “أولاهما غرابة المعنى عن القيم السّائدة، القيم الثقافية والسياسية والفكرية، وثانيتهما بثّ قيمٍ جديدة بتأويل جديدة؛ أي إرجاع الغرابة إلى الألفة، ودسّ الغرابة في الألفة”، مثلما ذهب إلى ذلك محمد مفتاح. ومثل هذه الغرابة في المعنى وتلك القيم الجديدة قد نشأت مع شعر الحداثة واقترنت به، فكان طبيعيّاً أن تُثار موضوعاتٌ مثل “الغموض” و”لغة الغياب” و”إشكالية الدلالة” و”الإبهام” و”غياب المعنى” و”تفجير اللغة”، إلخ.

ومن الطبيعيّ أيضاً أن تبحث ذائقة القراءة عن تاريخٍ جديد لها في طرق التّعامل مع النصّ الشّعري وتأويله. لم تكن القراءة القديمة تتحرّك إلّا ضمن نموذجٍ ثقافيّ ـ جماليّ سائد لا يخرق قوانين اللغة المعياريّة، وينفتح على معاني الذّاكرة الجماعية بسلاسةٍ، وبالتّالي كان القارئ يتوكّأ عليه للفهم والتذوّق في الغالب. أمّا القراءة الجديدة فإنّها تكسّر عمود “المرجعيّة” فيما هي تؤسِّس لسياقٍ مغايرٍ لكلّ نموذج سائد وقارّ، وذلك انسجاماً مع التصوُّر الانقلابي الذي تؤمن به الحداثة الشعريّة.

 

15:27 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.