Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

20/01/2013

التجربة الشعرية الجديدة

بيت الشعر بالمغرب يحتفي بالتجربة الشعرية الجديدة

 

عبداللطيف الوراري: يحقُّ لنا أن نتكلّم عن ألفيّةٍ شعرية مغربية جديدة بما للزمن من استحقاقاتٍ، تأتي عبر ما تراكم في مجال النّوع الشعري.

 

الدار البيضاء ـ احتفاءً بالتجربة الشعرية الجديدة في المغرب، نظّم بيت الشعر المغربي بمدينة الدارالبيضاء لقاءً شعريّاً ونقديّاً لتقديم الشعراء المغاربة: عبداللطيف الوراري، عبدالرحيم الخصار، نزار كربوط. وقدّم الشاعر محمد بوجبيري هذا اللقاء. هنا، نص الشهادة التي قدّمها الشاعر المغربي عبداللطيف الوراري، وهي تضيئ تجربته الشعرية وتجربة الجيل الذي ينتمي إليه.

 

في ضيافة القصيدة:

ما أذكر عن لقائي بالشِّعر أنّه تمَّ في لحظة متوتِّرة من وعيي بالحياة وشرطها الإنساني. لنقُلْ كان نداءً هامساً وحاسماً من عبوري ذلك الوعي بما يشترطه من انتقال وجدانيّ ـ ذهني بين الأمكنة المتعيّنة والمحلوم بها، في لحظة من زمنٍ مشدود بسؤال الكينونة.

warz.jpg

لم يكن التعليم وطرق تدريسه العقيمة والجافّة للأدب يُحيطني بهذا الوعي أو يُرشدني إليه، لولا انفتاحي على خارجه حيث كتب الشعر اليتيمة تٌناديني، من أمكنةٍ أخرى، على صبواتي الوليدة من الحبّ إلى معاناته بما في ذلك معاناة صوغه لغويّاً. لقد بدأ تاريخ كتابتي للشعر في هذه اللحظة التي أحسسْتُ فيها برغبة عارمة وغامضة في التعبير كأيّ شاعر وجد نفسه في حياة صعبة أعزل إلا من لواعج سريرته. لا أقول إن المصادفة هي التي قادتني إلى القصيدة، بل الضرورة التي تتغذّى على شرطنا الإنساني، وأفكر في جان كوكتو وهو يصرخ: "الشعر ضرورةٌ، وآه لو أعرف لماذا! ". في هذه الضرورة وجدت نفسي متورّطاً في ضيافة القصيدة، أقترب منها وأُعانيها. أذكر الآن كيف كانت تلك الأيام الأولى لكتابة القصيدة تتقاسم معي عمري الجميل والصعب في آن، والتي كان عليّ أن أتعلّم آداب ضيافتها منذ تلك اللحظة.

كانت قراءاتي للشعر العربي تتنوَّع بين القديم والحديث، فتعرّفتُ على سحر الجاهلية، وحداثات المتنبي وأبي تمام والمعري العابرة للأزمنة، ورقّة شعراء الغزل في نسج رؤاهم للحبّ ومعاناته، وفيما بعد ـ تحت شعورٍ بالعجب والصدمة ـ تعرّفتُ على حيويّة الشعر الحر في عبوره إلى العصر وحداثته ونهوضه بمتخيّل شعريٍّ جديد، وعلى مفارقات محمد الماغوط وأمل دنقل ومظفر النواب وأحمد مطر الساخرة في نقد الواقع السياسي والاجتماعي، وعلى شعريّات محمود درويش وسعدي يوسف وأدونيس وقاسم حداد وأنسي الحاج وسركون بولص العابرة بالشعر العربي إلى الكونيّ. كذلك تأثّرت باختيارات الشاعر من أصول فلسطينية وجيه فهمي صلاح والشاعر محمد بنعمارة في برنامجيهما الإذاعيين "مع ناشئة الأدب" و"حدائق الشعر"، حيث يُلقى الشعر شفويّاً، ويتصادى مع صوتي اليتيم. وأمّا حظّي من الشعر المغربي فكان ضئيلاً، إلّا ما وقع بين يديّ ممّا كان يُنشر متفرّقاً من شعر شعراء غذّوا في نفسي شعوراً بهويّتي الجريحة، من أمثال محمد الحلوي ومحمد بن إبراهيم وأحمد المجاطي، وإن كانت أشعار فنّي "العيطة" و"الملحون" الأصيلين أبلغ في وجداني؛ ثمّ سرعان ما انفتحتُ على الشعر الفرنسي وسواه من أشعار العالم مترجمةً إلى العربية، ولاسيما في مجلّتي "لوتس" و"الكرمل".

• جيلٌ بين قرنين:

لم يكن عُكوفي على الشعر، قارئاً وكاتباً، يتمّ خارج وعيي بعصري بقدر فهمي لمعطياته وأحداثه وهزّاته وزلازله في نهايات القرن العشرين، التي كانت تُقدّم، بالنسبة لي، علاماتٍ مضطربة ومحكيّات يائسة: أحداث 1984م و1990 الاجتماعية بالدارالبيضاء وفاس، التي فجّرها واقع الفقر والاضطهاد بالمغرب. صمت المثقفين المطبق أو استقالتهم أو استخذاؤهم بعد "سنوات الرصاص". جنازة العاهل الحسن الثاني المهيبة التي أعقبها كشف حقائق مريعة. مآسي القضية الفلسطينية بعد أوسلو. الحرب على العراق وحصاره. المنايا المتقاربة لكلّ من عبدالله راجع وأحمد الجوماري وأحمد المجاطي وأحمد بركات، وانتحار كريم حوماري الفاجع. دويّ قصيدة النثر في المشرق والمغرب. منفى اللغة العربية. تراجع دور الأدب في المجتمع. صعود الأصوليّات من كلّ نوع. زحف العولمة في ظلّ انطلاق التكنولوجيات الجديدة التي بدّدت النزعة الإنسية، وحطّمت أطراً في الفكر والثقافة، ممّا ترتّب عنه ظهور أجيالٍ أدبية وفنّية جديدة لها صيغ أخرى في التفكير والرؤية والإحساس، وإن كان كثيراً لم يسلم من مثالب التهافت والسرعة والتجهيل، ومن صرعات "قتل الأب". ولقد بات الكثير مقتنعاً، قبيل ساعة من رحيله، بجنازات نهاية القرن العشرين ومآتمها وزلازلها، عكس تفاؤل البداية والصورة الطليعية التي ارتبطت به. ولم تكن بداية الألفية الجديدة إلّا نتاجاُ طبيعيّاً لمقدّمات قرن قيامي كالح، وإذا أوحت إلينا بشيء، فها هو مدبوغاً على ورقنا الذي نتنفّسه حزناً وإيلاماً. لذلك، لا يُخطئ القارئ أن يكتشف هذا المناخ من اليأس والاغتراب حيناً، ومن السوداوية والشعور بالعبث حيناً آخر، ذلك الذي يطبع شعر الجيل الذي أنتمي إليه، والمولود في بحر السبعينيّات.

في هذا المناخ، هناك الذّات فقط. الذّات المتشظّية، لكن المنفعلة والمركّبة التي تشي بهشاشتها، وتطفح بغيارات صوتها الحميم، وتنزع نحو المجهول، وقد ولّت ظهرها للمعضلات الكبرى، وعكفت بدل ذلك على ما يعجّ به اليومي والعابر والهامشيّ والخاصّ من تباريح ونقائض وتفاصيل وإيحاءات، مرتفعةً بانفعالاتها واستيهاماتها وعلاقاتها وحيواتها إلى مستوى أسطرتها، وبالتالي شخصنة متخيّلها الشعري. ونتيجةً لذلك، برزت رؤى شعرية جديدة في نصوص هذا الجيل والجيل الذي سبقه، تعكس في مجملها إمّا وضع الاغتراب واليأس والحزن التي تتملّك الذات، أو استقالة الذات من الواقع ونفض اليد عن إلزاماته وحاجياته، أو الرغبة الطافحة بالحب والأمل في إعادة صياغة الحياة والتحرُّر من القيود، أو التوق لتحقيق التوحُّد مع المطلق. لكنّ قليلاً من أفراده من عبر إيقاع التحوّلات وفكّر في ذاتيّته خارج الخطاطات المعروضة، فخرج ظافراً بقصيدته، وأكثريّتهم حاصرت نفسها في ضرب من التنميط عديم الموهبة والجهد الفني، فتشابهت تشابه الرمل.

لقد فجّرت "التجربة الشعرية الجديدة" في المغرب جماليّاتٍ كتابيّة جديدة، وعكست فهماً جديداً لآليّات تدبُّر الكيان الشعري، ممّا يمكن للمهتمّ أن يتتبّعه ويتقرّاه في دواوين شعرائها، التي شرعت في الظهور منذ أواخر التسعينيّات، ونُشرت على نفقتهم الخاصة بسبب غياب الدعم والعماء الذي ووجهوا به، أو في إطار سلسلة "الإصدار الأول" الذي أطلقته وزارة الثقافة بعد ردح من القهر. من تلك الجماليّات:

• العزوف عن المعضلات كبرى والهواجس التاريخية والسياسية الحرّى، والعكوف الانهمام بالذات في صوتها الخافت والحميم، وهي تواجه بهشاشتها وتصدُّعها الأشياء، العالم والمجهول.

• النزوع المستمرّ، في إطار قصيدة النثر، إلى بساطة القول الشعري، الانفتاح على السرد وجماليّاته البانية، كما الاعتناء بالكتابة الشذرية.

• إدخال اللغة الشعرية في شبكة علائق معجمية وتخييلية جديدة قلبت نظم بناء الدلالة.

• الاهتمام بهوامش الجسد وفضّ مسمياته المختلفة، بهذا البعد أو ذاك.

لكن نصوص التجربة في كثيرٍ من هوامشها لم تسلم من تشوُّهاتٍ في الخلقة والنموّ لا تزال تُعاني منها حتّى اليوم، طالما أنّها كانت معرضة للإهمال والنسيان والصمت بسببٍ من أنّ النقد انصرف عنها إلى شعر الروّاد بأسلوب اطمأنّ إليه من المجاملة والمحاباة، وإذا التفت إليها ظلمها ودفع في اتّجاه تأويلها تحت هذه اليافطة أو تلك، بنيّة النبذ والسخرية. أما الأنطولوجيات التي كانت توضع، من حينٍ إلى آخر، فقد صارت موضة تكرّس ما هو مكرس.

وأيّاً كان، يحقُّ لنا، في العقد الأول من الألفية الثالثة، أن نتكلّم عن ألفيّةٍ شعرية مغربية جديدة بما للزمن من استحقاقاتٍ، تأتي عبر ما تراكم في مجال النّوع الشعري والإضافات التي شهدتها القصيدة العربية المعاصرة.

• عبورٌ في تجربتي:

بصدد تجربتي الشعرية، فهي لا تزال فتيّة لا تذّخر جهداً للتعلّم والإصغاء إلى زمنها، كيما تبقى متيقّظة وحيّة. ولعلّ الروافد التي شكّلت تلك أقانيم تجربتي، فيما أرى، متنوّعة ومتجاذبة، منها ما يعود إلى التراث الشعري العربي، ومنها ما يمتح من اتّجاهات الشعر الحديث والمعاصر. وعلى العموم، أنا أنتمي إلى شجرة الشعرية العربية الأعرض التي تضرب بأطنابها في عمق التاريخ واللغة والثقافة، وما طفقت تجدّد آليات عملها الكتابي والتخييلي، وتأويلها الخصيب للذات والعالم. أنتمي إلى النصوص التي تحمي العمق، وتتطور داخل جماليات اللغة العربية. وهكذا، أزعم أن الصفحة التي أخط فيها شعري هي، سلفا، مسودّة بحبر أولئك الشعراء الذين أتقاسم معهم ميراثاً عظيماً من الحبّ والمسؤولية. وداخل هذا الانتماء الأعرض، أتعلّم كيف أنصت إلى ثقافتي المحلّية التي هي جزء أساسي ومختلف داخل الثقافة العربية الإسلامية. من ثقافتي المغربية، بجذورها الأمازيغية والإفريقية والأندلسية، أسترفد متخيّلاً مصطخباً يدلّني على التنوّع الذي يُلهمنا الحياة التي نتوجّه إليها، ويجعل الهويّة التي نتكلّمها أو نحلم بالعبور إليها دائمة التحوّل. من هنا، يهمّني التعبير عن روحيّة الشعر المغربي وروائحه وأمكنته ورموزه وهواجسه. ولا أفهم شاعراً مغربيّاً لا يعبّر عن ذلك، ويظلّ مغترباً في الأشباح بحثاً عن حداثةٍ مزعومة أو خلاصٍ كاذب. ومن الدالّ أن أذكر، هنا، أنّ أوّل قصيدة دشّنت بها ديواني"لماذا أشهدت عليّ وعد السحاب؟"، موسومة ب"مرآة أبودا وما فاض عنها في اللغة الأمازيغية"، ولم يكن هذا الديوان باكورتي الأولى، فقد سبقته بواكير أخرى كانت مسودّات ضمّت أخطائي الأولى، ووحيي الأول، ولغة عبوري الأولى، وقد مزجت أمشاجاً من الرومانسي والواقعي وأشكالاً من العمودي والرباعية والموشح والتفعيلة، لكنّها ضاعت منّي لكثرة تنقُّلي بين الأمكنة.

في ديواني"لماذا أشهدت عليّ وعد السحاب؟"، والديوانين التاليين "ما يُشبه ناياً على آثارها" و"ترياق"، أحاول قدر الإمكان أن أطوّر تجربتي، بدءاً من الغنائية التي أعمل عليها باستمرار بجذريْها العاطفي والرمزي، وانتهاءً برفْد المتخيّل الذي يدفع بالذّات إلى أقصاها في مخاطبة المطلق عبر وجوهٍ وحيواتٍ وعوالم متعدّدة، بهذا الشكل أو ذاك. فلا يعنيني في الأشكال التي اُكبّ عليها بقدر عنايتي بإيقاع الذات والعمل عليه داخل البناء النصّي الذي ترفده موسيقى هامسة من الإيقاع، ويسهم فيه تنويع التراكيب، مثلما عنايتي بالتصوير الشعري وإدارته في إطار من الحوار الخارجي الذي يستبطن الحالات الشعرية المختلفة، وهي تشفّ عن ذاتيّتي وشرطها الثقافي والوجودي.

لنقل هي تجربة تتنامى في عبورها الخاص، وفي انتباهها الخاص، منحازةً أكثر إلى كتابة تشفُّ عن ذاتٍ تعاني عزلتها، وتواجه هشاشتها، فيما هي تطفح بالحب والغناء والأمل في إعادة صياغة الحياة والتحرُّر من القيود والأوهام. بهذا المعنى، لا أنسى أن أحتفظ بقدر من التفاؤل الذي لا يُعمي الرؤية، ويترك الوعد بلغة الحياة مستأنَفاً، على الدوام.

منشور بـ (يدل إيست أون لاين) على الرابط التالي:

http://middle-east-online.com/?id=100802

وبـ(جهة الشعر) على الرابط التالي:

http://www.jehat.com/Jehaat/ar/ShahadatShe3reya/shahadat/31-12-09.htm

00:19 |  Facebook | |

14/01/2013

الرؤيا في الشعر، شعر الرؤيا

شعريّة الحداثة بوصفها تجاوزاً للتقليد وسلطة الشفاهية

                   «رُؤْيا» الشعر

 

_1_~1.JPG

 

 

 

شكّل بروز “الشعر الحرّ” مُنْعطفاً لافِتاً في تاريخ الشّعرية العربية بأسره، حيث انْهارَ المعمار التّقليدي للقصيدة بعد المحاولات التجديديّة المتعاقبة الّتي تمّت سواء مع شعراء البند أو الموشّح أو الرّومانسيّة، فصار الشّكل الشعري مثاراً لشهوة الكتابة المتحرّرة من لواحق القيد العروضيّ، والمنفتحة على ممكِناتٍ كامنة، وتصوُّراتٍ بديلةٍ. لهذا، لم يكن “الشّعر الحر” ـ مع ما تحتمله التّسمية من التباس ـ إلّا “ظاهرة عروضيّة” في بادئ الأمر، وكان لا يزال يجترُّ “الإرث الرومانسي” ولا يُفارِقه الوعْيُ به، حتّى مع روّاده الأوائل، بمن فيهم بدر شاكر السياب. لكنّ المستقبل الّذي بدأ يختطّه كتابيّاً وجماليّاً، ويستأنِف به الوعد بحداثة اللّغة وحيويّة المعنى، كان ظاهٍراً لدى جيلٍ شعريّ بأكمله، متمرّدٍ على التّقاليد التي انتهت إليها القصيدة، وتكلّست في معتقدها الجمالي.

فإلى جانب الثّورة على الإيقاع التّقليدي، وما صاحبَها من تغيّرات في البناء النصّي، بدأت علاقة الشّاعر باللّغة تأخذ مناحيَ وجماليّات جديدة من الصّوغ والانْبِناء والتّدليل، من خلال الاستخدام الفرديّ لها، وإعادة تشكيلها خارج طبيعتها الرّاسخة وأوضاعها القاموسيّة الثّابتة، وهو ما سينعكس، بقوّةٍ، على البنية الدّلالية للقصيدة وسياقها وفاعليّتها في إنتاج المعنى: شعريّة الكتابة لا شعريّة الإنشاد.

ويمكن لنا أن نشير، تجوُّزاً، أنّه بدأنا ننتقل من بنية العروض، حيث هيمنة الوزن وأسبقيّته في تحديد مكوّن الشّعرية داخل النصّ، إلى بنية الدلالة، حيث التركيز على المعنى وطرائق تمثيله وتشكيله فنّياً، كأنّنا بصدد هذه المعادلة: “يبدو في تاريخ الشّعر العربي بشكْلٍ خاصّ أنّ طُغيان الانتظام الوزني في الشعر يُرافقه انحسارٌ للصّورة الشعرية عنه. وكلّما خفّ طُغيان الانتظام الوزني كلّما ازْداد بُروز الصّورة الشعرية في النصوص المنتجة”. ولقد ثبت بالتّدريج أنّ جماليّات الشعر الحديث تحوّلت من جماليّات انتظامٍ وتجانُسٍ واتّصالٍ ووضوحٍ واستقرارٍ نجمت عن ثبات البيت النمطي والمفهوم البياني للمعنى إلى جماليّات لا انْتِظام ولا تجانُس وانقطاعٍ وتوليدٍ وغموضٍ تولّدت عن تحوُّل مفاهيم الكتابة وتراتُبيّتها في تمثيل الذات والعالم.

أوهام الحداثة

لقد شكّلت البدايات الأولى من تجربة “الشعر الحرّ”، الّتي اختطّها الروّاد أمثال نازك والسياب وسواهما، واستمرّت زهاء عقد، زمناً انتقاليّاً. وإذا كانت تلك السّنوات من عمر القصيدة لافتةً ومؤسِّسةً لقيم الإبداع والحريّة والتّحديث، وحشدت الجهود التوّاقة للانتساب إلى العصر وروحه فكريّاً وجماليّاً، فإنّ ما تلاها من عمل التّجارب الشعريّة وغناها وانفتاحها وتصادمها ـ مع أفرادٍ أو داخل جماعاتٍ ـ مثَّل مخاضاً حقيقيّاً لولادة الحداثة في الشّعر. وسوف تُواصل قصيدة النّثر مهمّات التحديث بكلّ ما تحمله الحداثة من إشكاليّةٍ ومشاغبةٍ وتغييرٍ على مستويات البناء الشعري الخارجي والإيقاع واللغة والدلالة، من دون أن يعني ذلك بداهة انتماء كلّ أفراد النصوص المكتوبة تحت لافتتها إلى الحداثة الشّعرية أو شعريّة الحداثة. فبعض النصوص المُدّعية الانتماء إليها لا تتجاوز نثر الأبيات الشعرية وإيهام القارئ بمغايرة الشّكل السائد من دون الاستناد إلى مبرّرات فنّية مُقْنعة.

ولا مندوحة من القول إنّ أعمال محمد النويهي وشكري محمد عياد وعز الدين إسماعيل ويوسف الخال وأدونيس وجابر عصفور وكمال أبو ديب وخالدة سعيد وحاتم الصكر ومحمد مفتاح وسواهم، حقّقت مكسباً معرفيّاً به تعرّفت الشعرية العربية إلى حرّيتها المعتقلة، وعلى اختلافها المتلازم معها. وعلى الرغم من أنّها تتباين من حيث مكانُها النظريّ وإشكاليّتها، فهي تأتلف في الإعلان عن قراءة مغايرة لهذه الشّعرية، محتميةً بمناهج نقديّة حديثة من نفسية واجتماعية وبنيويّة وسيميائية، أتاحت لها معالجة إشكاليّات متعدّدة برزت مع قصيدة الحداثة الّتي ما فتئت، بدءاً من الانفجار الحداثيّ الأول، تُحدث انْقلاباً تصوُّريّاً جوهريّاً طال أطر الكتابة الشعرية وعلاقاتها بالحساسيّة والذّات والعالم، ودوالّها البنائيّة والدّلالية، حتّى أنّ حداثتَها باتت تُضارع في بعض وجوهها الحداثة الشعرية الغربية.

ضدّ التّقليد وسلطة هيمنته في الكتابة، حمل “بيان” يوسف الخال مشروعاً واعِداً بتحديث الشعر اللبناني خاصّةً، والعربي بوجهٍ عامّ، يتعدّى حقْل العَرُوض إلى تجذير أهميّة الرُّؤية والمعرفة و”الخبرة الكيانيّة في الحياة” للشّعر، ويرتبط بـ”روح العصر” كفعْلٍ له وضعيّة الشمول والمغايرة والاختلاف عمّا سواه. ونظر الخال إلى الحداثة في الشعر بأنها “إبداعٌ وخروجٌ به على ما سلف”، ولم يقصرها على زمنٍ من دون زمن، بل هي “حركة إبداع تُماشي الحياة في تغيُّرها الدّائم”، ثمّ أضاف بلسان حال زمنه “أنّ جديداً ما طرأ على نظرتنا إلى الحياة، فانْعَكس في تعبيرٍ غير مألوف”.

وفي السياق نفسه، يقدّم أدونيس في “محاولة في تعريف الشعر الحديث” تصوُّره للشعر الحديث بأنّه “تجاوُزٌ وتخطٍّ”، وله “حقيقة العالم” الّذي “يراه الشاعر ويكشف عنه”، ولهذا فإنّ الأخير “لا يرضى بالمعنى الّذي تضفيه العادة الإنسانية على الأشياء، مهما كان مفيداً، ويبحث لها عن معنى آخر”. يصدر هذا التصوّر في فهم أدونيس عن اعتبار الشّعر “رُؤْيا”، ومجمل القضايا النظريّة والمعرفيّة الّتي ساقها فيما بعد تنتج عن هذا الاعتبار الرّئيس.

وفي زعمنا أنّ بيان الخال حول الشعر الحديث، ومحاولة تعريف أدونيس اللّافتة لمجمل خواصّه المائزة، كانا يتوجّهان إلى المستقبل، لأنّهما من إمضاء شاعريْن حديثيْن معنيّيْن به، وأنّ إحالاتهما قادمة من مصادر نظريّة حديثة، وأنّ سجالهما لم يكن يعْنِ قصيدة التفعيلة فحسب، بل قصيدة النّثر أيضاً. من هنا، اغتنمت شعريّة الحداثة النّاشئة واقع الأسئلة الجديدة الّذي شرع أفقها على محتمله النظريّ، ولا سيّما سؤال المعنى الّذي يأخذ ملْحاحيّته، في النصّ والنظريّة. وإذا كانت النظريّة نهائيّة، فإنّ النصّ لا نهاية له.

سباحة معرفية

لقد بدأ سؤال الحداثة ضاغِطاً على نصوص الشّعراء وتجاربهم في تمثيل الذّات والحقيقة بأكثر أدوات التّعبير الشعري أصالةً وجدّةً، مُشارِفين الرّؤيا للشعر والعالم، وغير مُنْصرفين عن هموم الجماعة. وكانت مرحلة التحوُّل هي تلك الّتي اجْتازها أوائل الروّاد أمثال بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي وأدونيس وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي. وعلى الرّغم من أنّ شعر هؤلاء جميعاً لم ينفكّ عن ارتباطهم السياسي المباشر، إلّا أنّه كان على درجةٍ من الصّدْق الفنّي والنُّضج الفكري أعلى بكثيرٍ من شعر المرحلة ككلّ، سُرْعان ما آثروا التّحليق في آفاق الرُّؤيا الشعرية الحديثة بعيداً عن الرّؤية الفكرية للواقع والفنّ.

وفي خضمّ التجربة الجديدة، بات في وسع الشّاعر الحديث أن يسبح “في بحار المعرفة السبعة” بتعبير صلاح عبد الصبور، وأن ينهل من معارف العصر وثقافاته المتنوّعة الواردة من وراء البحر، وأن يدعها تمتزج في نفسه وفكره بثقافته العربيّة، ليستعين بها على تحليل واقعه، والوقوف على المتناقضات والملابسات الّتي تكتنفه، وإدراكها إدراكاً موضوعيّاً، ومن ثمّة التعبير عن ذلك كلّه بصوته الذّاتي المفرد، بشيْءٍ من المعاناة والقلق والسخرية ومراوغة الشكّ والتمرّد على واقع الهزيمة. بل إنّ شاعراً مثل البياتي كان يشعر أنّ لغته لغةٌ مصنوعةٌ، وأنّ الأشياء التي يصِفُها موجودة سلفاً، كما فقدت الكلمات الكثير من أصالتها، وأنّ عليه أن يتخطّى، ويحيا العصر وإمكاناته.

وإذا كانت اللّغة، فيما مضى، يمتحها الشّعراء من قواميس التّداول أعرافاً دلاليّة ثابتة، وكانت مخزوناً من الدّلالات المرجعيّة المشتركة في كلّ عصر معطى، وكانت تتحرّك داخل المعيار بطرفيْه النّحوي والدلالي، فإنّ لغة القصيدة الحديثة كسّرت مرجعيّة المعيار المطّرد، وخلقت بدل ذلك مرجعيّتها الّتي تنجم عن بلاغتها الخاصّة القائمة على الانزياح الّذي يُحدث تحويلاً مستمرّاً في العلاقة بين حقول الدّلالة ومستوياتها.

وما من شكّ في أنّ نوع المصادر الكتابيّة الجديدة الّتي صار شعر الحداثة يغترف منها ويُدْمنها قد ساهم في تكثيف المعنى إلى درجة التّعقيد والغموض. إنّنا أمام إشكاليّة الدلالة، ومن خواصّها:

تكسير الدّلالة الواحدة، وتفجير دلالاتٍ جديدة.

إغناء اللّغة بأشكال من المفارقة والتّجريد والتّرميز والتناصّ.

توسيع مدلول الصُّورة بوصفها طاقة احتماليّة تتغذّى من بلاغة التكثيف والانزياح.

تشظّي البناء النصّي الذّي لا يبين إلّا عن التشتُّت والانتشار والتشذُّر بلا رابطٍ منطقيّ.

وهذه الخواصّ قد نقلت حركة انبثاق المعنى من دائرة الدّلالة المعجميّة إلى دائرة الدّلالة السياقية المفتوحة على إمكاناتٍ مهمّة لا تعتقل أجروميّة المعنى المتحرّك بقيد معجميّ أو إيقاعي أو تركيبي. فيما نكتشف أنّ القصيدة غيَّرت علاقاتها الخاصّة بها كخطابٍ مخصوصٍ، والعلاقات الوظيفيّة بين اللّغة والمعنى، الوعي والعالم. لكنّها، بسببٍ من ذلك، سوف تتّسم بـ”صدمة التلقّي” الّتي قد قرنتْها بالغموض.

ومع تحوُّلات المعنى داخل حداثة الشّعر بوصفها تمثّل شعريّةً مُفارِقةً ومُتحرِّرةً “انفرط العقد الدّلالي”، وتمّ بلبلة منظومة المعيار الدلالي الّذي استقرّ في النسيج الشّعري ، وكرّستْه قواعد البلاغة المعروفة. فلم يعد ثمّة مجالٌ للاحتكام إلى السُّلّم التصنيفي المعهود الذي يتّكئ على بلاغة المعيار ذات المرعيّة النظامية، فيما هو يضبط مراسم انْتِقال اللّفظ من مدلولٍ إلى مدلولٍ سواه. لقد فضّ المجاز، مثلاً، قالبه المجرّد الّذي يسوغ انتقالاته الدّلالية، ليدلّ على “حركة المعنى” ، أو على التموُّجات الطارئة على خريطة الدّلالة، والمؤثِّرة في شبكة العلاقات القائمة بين دوالّ اللّغة وتجربة الشّاعر المستقطرة لذخيرته في الحياة والقصيدة.

وقد وقف كثيرٌ من دراسات الشّعرية على ما يثيره المتن الشعري الحداثي من غموض في ذهن النّاقد والقارئ على السواء، ووجدت في استراتيجيّات التأويل والقراءة الّتي أشاعتها النظريّة الأدبية الحديثة إمكاناتٍ مهمّة لفكّ شفرات النصّ وملء فجواته وسبر أغواره البعيدة، مبتعدةً عن المعنى الّذي تقسره القراءات المغرضة والتّفسيرات الإيديولوجية وترغم عليه بنية النصّ. ودائماً ما كانت ثمّة ضرورةٌ للتأويل والعمل بسيرورته لأحد مقولتيْن: “أولاهما غرابة المعنى عن القيم السّائدة، القيم الثقافية والسياسية والفكرية، وثانيتهما بثّ قيمٍ جديدة بتأويل جديدة؛ أي إرجاع الغرابة إلى الألفة، ودسّ الغرابة في الألفة”، مثلما ذهب إلى ذلك محمد مفتاح. ومثل هذه الغرابة في المعنى وتلك القيم الجديدة قد نشأت مع شعر الحداثة واقترنت به، فكان طبيعيّاً أن تُثار موضوعاتٌ مثل “الغموض” و”لغة الغياب” و”إشكالية الدلالة” و”الإبهام” و”غياب المعنى” و”تفجير اللغة”، إلخ.

ومن الطبيعيّ أيضاً أن تبحث ذائقة القراءة عن تاريخٍ جديد لها في طرق التّعامل مع النصّ الشّعري وتأويله. لم تكن القراءة القديمة تتحرّك إلّا ضمن نموذجٍ ثقافيّ ـ جماليّ سائد لا يخرق قوانين اللغة المعياريّة، وينفتح على معاني الذّاكرة الجماعية بسلاسةٍ، وبالتّالي كان القارئ يتوكّأ عليه للفهم والتذوّق في الغالب. أمّا القراءة الجديدة فإنّها تكسّر عمود “المرجعيّة” فيما هي تؤسِّس لسياقٍ مغايرٍ لكلّ نموذج سائد وقارّ، وذلك انسجاماً مع التصوُّر الانقلابي الذي تؤمن به الحداثة الشعريّة.

 

15:27 |  Facebook | |

07/01/2013

Tzvetan Todorov

بمناسبة صدور كتابه 'أعداء الديمقراطية الحميمون':

تزفيتان تودوروف: الديمقراطية باتت مُهدَّدة من الداخل والأمل في 'ربيع أوروبي'!


تقديم وترجمة: عبد اللّطيف الوراري

livre.jpg

في عمله (أعداء الديمقراطية الحميمون) الصادر حديثاً، يختبر تزفيتان تودورف برؤية الفيلسوف اللحظة التي غدت فيها الآثار المنحرفة للديمقراطية تُهدّد وجودها في حدّ ذاته. وهكذا يتناول في الكتاب 'الديمقراطية المريضة' في العصر الراهن، داعياً إلى القيام بما وصفه بـ'ربيع أوربي' على غرار الثورات العربية. بموازاة مع ذلك، صرّح بأن 'العدو يكمن بداخلنا نحن.. فالديمقراطية في الغرب باتت مريضة بسبب المبالغة التي تحيط بها'، وحذّر من أن التهديد الأساسي للغرب يكمن في التوجهات الجديدة التي تتزايد داخل المجتمع مثل كراهية الأجانب والنزعة الوطنية المفرطة والليبرالية المتوحشة، كما يرى أنّ العصر الحالي يشهد عدة عوامل تضرُّ بالديمقراطية مثل هيمنة الجانب الاقتصادي الذي بات يُشكِّل الأولوية على حساب السياسي، وأنّ وسائل الإعلام صار لها نفوذٌ قويّ. إلى ذلك، لفت إلى أنّ التهديد لم يعد يقدم من الخطر الخارجي المتمثّل في الإرهاب الناجم عن التطرف الديني أو وجود الأنظمة الديكتاتورية من فاشية وشيوعية، بل أصبح يكمن في مخاطر داخلية بما في ذلك تحوُّل الحرية إلى طغيان، أو في تحوُّل الرغبة في الدفاع عن التطور إلى روح صليبية. فمن الأطروحة التي تقول بأن الديمقراطية مهدّدة في وجودها من الداخل، ومن الأعداء الذين أفرزتهم، يطوّر تودوروف إشكالات الكتاب (منشورات روبير لافون- باريس، 257ص). وترتيباً على ذلك، يظهر لنا أن تودوروف متذمّر من الديمقراطية الغربية، ويوحي من كلامه بأنّها تحتضر، لأنّ واقعها بات مُخيِّباً للآمال ومتناقضاً مع روحها. هكذا، بعد كتبه التي كرّسها للنقد الجيوسياسي، بما في ذلك ''ذاكرة الشر، إغواء الخير'' 2000، و''الفوضى العالمية الجديدة'' 2003، و'روح الأنوار' 2007، و''الخوف من البرابرة..ما وراء صدام الحضارات'' 2008، ينتصر هذا الكاتب والمؤرّخ الفرنسي من أصول بلغارية في كتابه الجديد للفكر المتأني الؤصين الذي لا يقع ضحيّة المخيال الغربي وأحابيله، مُؤْثراً روح الحوار والتواصل على فكرة الصدام بين الثقافات، رافضاً عداء الغرب الشديد اتجاه الديانة الإسلامية، ومعتبراً وصف الآخر بالمتوحش بمثابة اعتداء على فكر الأنوار. هنا، حوارٌ نشرته نوفيل أوبسرفاتور الفرنسية، أجراه معه، بمناسبة صدور كتابه، الناقد والفيلسوف دانييل سالفاتور شيفر.

ـ اِقرأ الحوار منشوراً بمجلة (الدوحة) القطرية، العدد 63، يناير 2013م.

http://www.aldohamagazine.com/article.aspx?n=BDAA3C85-EFB...

14:42 |  Facebook | |