Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

03/05/2013

Stéphane Hessel

ستيفان هيسل .. وداعاً فيلسوف الغضب

stephane-hessel.jpg

عبد اللطيف الوراري


 توفي، مؤخراً، الكاتب والمفكر والمناضل الفرنسي، صديق القضية الفلسطينية، ستيفان هيسل، عن عمر ناهز الخامسة والتسعين، (27 شباط/فبراير)، بعدما عاش القرن العشرين بأحداثه الجسام، من حروب وكوارث وصراعات. وظل دائماً في مقدّمة الناقمين على الوضع الدولي والداعين إلى الاحتجاج عليه. ففي كلّ القضايا الراهنة بزغ نجمه، وعاش الراحل طويلاً ليحكي دروساً مفيدة للأجيال القادمة كيلا تستكين إلى واقع يائس يسوده العنف، ولا مصالحة فيه بين الثقافات المختلفة. 

ولد ستيفان هيسل في 20 أكتوبر 1917، عام الثورة السوفياتية، ببرلين لأب يهودي من أصل بولندي وأم بروتستانتية ألمانية، وانتقل إلى العيش في فرنسا وعمره لا يتجاوز سبع سنوات، ونال الجنسية الفرنسية وهو في العشرين من عمره. وأثناء احتلال فرنسا من قبل ألمانيا النازية انضمّ إلى لجنة المقاومة تحت قيادة الجنرال شارل ديغول. وعمل كرجل اتصال بين جماعات المقاومة والمركز الرئيسي البريطاني في فرنسا المحتلة، ثم اعتقلته القوات النازية بعد ذلك ونقلته إلى معسكر «بوخنفالد» النازي حيث جرى تعذيبه وحكم عليه بالإعدام، إلا أن تزويراً لهويته بإعطائه هوية رجل مات حديثاً هو الذي أنقذه من الموت، ثُمّ تمكّن من الفرار بأعجوبة ليصل إلى هانوفر ومنها إلى باريس. وحين تحرّرت فرنسا انتقل هيسل الى العمل في هيئة الأمم المتحدة، وهو يحمل برنامجاً قوامه اقتلاع جذور الديكتاتورية من الأنظمة القائمة على سلطة الفرد الواحد، وهي دعوة وجدت صداها عند أهمّ المثقفين والسياسيّين وقتئذٍ، فتكلّلت بصياغة أول بيان عالمي لحقوق الانسان، ثُمّ أصبح دبلوماسيّاً، ورقّاه الرئيس فرانسوا ميتران إلى سفير لفرنسا في عام 1981. وقد ظلّ طوال حياته يناضل ضد أعطاب المجتمع مدافعاً عن المقهورين والمهمّشين، كما ناضل من أجل المهاجرين بلا أوراق إقامة؛ وناضل بقوّة من أجل نيل الفلسطينيين لحقوقهم، وفي إحدى زياراته للأراضي المحتلة حيّا قدرتهم المدهشة على التأقلم مع كل الأوضاع الصعبة وتحدّيهم لها بروح من الدعابة والخفة.هذا اليهودي الناجي لم يتردّد في دعوته إلى «وضع إسرائيل على قائمة الدول الاستبداديّة التي تنبغي مقاطعتها». وفي أحد حواراته الأخيرة، لمّا سُئِل هيسل عن حلمه قبل الرحلة الكبرى، ردّ: «حلمي حقيقة، هو قيام دولة فلسطينية. هذا ما أريده وأرغب فيه قبل الانتقال إلى الضفة الأخرى من العالم». في السياسة كما في الفكر، عُرِف عن هيسل تشبُّثه بمواقفه التي خبرها من أيام «مجلس المقاومة»، وبآرائه اليسارية الملتزمة التي لم يتزحزح عنها قيد أنملة.

شاعر حالم ومثقّف بمزاج اليسار

ترجم هيسل بمعيّة الفيلسوف والتر بنيامين أعمال مارسيل بروست إلى الألمانية. ومع الوقت صار يجسّد نموذج المثقف الأوربي الذي يتحدّث الألمانية والفرنسية والإنجليزية، ويتتبّع مسار ميرلوبونتي، كما يقرأ سبينوزا وجان بول سارتر، لكنّه يبدو في أفكاره الاجتماعية قريباً من فلسفة إدغار موران الذي أجرى حواراً مطوّلاً معه في كتاب بعنوان «طريق الأمل» (2011). وكانت مقالاته بمثابة بيانات سياسية جريئة لا تهادن سلطة ما، فهي تحثّ في معظمها على الغضب وإعلان السخط والثورة ضد المجتمع، مثلما نجده في كتابه «مواطن بلا حدود»(2008). فقد انتقد طويلاً سياسات القمع الإسرائيلية، وهو ما جلب عليه غضب المنظمات الصهيونيَّة التي شنّت حملة إعلاميَّة ضده، واتّهمته بالخَرَف لكبر سنِّه، و«معاداة السامية». كما نشر مذكراته مع القرن العشرين في كتاب بعنوان «الرقص مع القرن» (1997) الذي كان شاهداً على أحداثه ومساهماً في بعضها. 

بموازاة مع ذلك، كان هيسل شاعراً، أصدر في العام 2006، ديوانه الشعري: «آه ذاكرتي: الشعر، ضرورتي» (2006). يرى الراحل «أنّ الشعر يساعدنا على العيش على نحو أفضل، ويصالحنا مع الموت»، وأنّه «يُحدث تغييرات على الذات، قد تكون من الأهمية بمكان». وكان يغضبه أن مجتمعاتنا المعاصرة لا تقدر قيمة الشعر، إذ هي تُؤْثر قيم العقلاني والمادّي والاقتصادي على غيرها، حتى وإن كان للاقتصاد أهميته وفضله، فإن ذلك لا يمكن، ولا يجب أن يصبح البعد الوحيد لوجودنا. قائلاً: «أجل، إنّ الشعر يُحرّر الخيال ويساعدنا على فهم العالم، لأنه يفتح لنا عالماً آخر قد يكون واقعيّاً أو يوميّاً، إنّما بلا أعباء».
لكن، يبقى أشهر ما ألّفه هو كُتيّبه «اغضبوا»(2010) الذي بات يمثّل «مانيفستو السخط» الذي ألهم الشباب في ساحات التغيير، محرّضاً إياهم على التعبير عن الغضب والاحتجاج والانتفاض ضد الظلم، وكأنّه يستوحي مقولة الفيلسوف جان بول سارتر: «حين يبدأ الإنسان بالاحتجاج يصبح أكثر جمالاً». 

لقي كتيّب «اغضبوا» نجاحاً غير مسبوق، رغم أنّه صدر عن دار نشر صغيرة (أندجين). وقد كان القراء في فرنسا، كما في خارجها، يبتاعون الكتيّب، في الأسابيع الأولى التي تبعت صدوره، كما الخبز. وبيعت منه ملايين النسخ، وترجم إلى عشرات اللغات، بما فيها اللغة العربية. وبدت كّل ترجمة بلغة ما ـ في نظره ـ تشبه حيوان السيرك. 

يدعو هيسل فيه الشباب وكلّ المناضلين إلى العمل من أجل حياة أفضل، ومحاربة الظلم وتجاوز العقبات السياسية والاقتصادية التي تحول دون العيش في كنف حياة إنسانية كريمة. وَلَكَمْ كان مبتهجاً عندما علم بأنّ دعوته إلى الغضب قد لقيت تجاوباً معها من لدن معارضي العولمة والشباب المتظاهر في إسبانيا وفي اليونان، وهو يقول عن نجاح كتابه إنّه «يُمثّل بالنسبة لي مفاجأة، لكن ذلك لا يجد تفسيره إلأ في هذه اللحظة التاريخية بالذات. المجتمعات باتت تضيع، وتتساءل عن كيفية الخروج والبحث عن معنى للمغامرة البشرية» بحسب ما صرّح به لوكالة الأنباء الفرنسية في مارس 2012.

ما يحدث في فلسطين، كان من الأسباب وأبلغها وَقْعاً في نفسه ودفعته لكتابة « اغضبوا»، إذ وقف بأمّ عينيه على ما يعيشه أكثر من ثلاثة ملايين من أبنائها في مخيمات الأونروا، ويُلاقونه من ظلم وقهر، بعد أن طردتهم إسرائيل من أرضهم. ووجد غزة التي زارها بجواز سفره الديبلوماسي أشبه بسجن غير مسقوف. عندما نعود إلى بيانه الغاضب، يصب هيسل جام غضبه بخصوص فلسطين»، قائلاً: «يظلّ غضبي الرئيسي اليوم يخصُّ فلسطين، قطاع غزة والضفة الغربية. هذا الصراع هو مصدر الغضب نفسه. لا بدّ من قراءة تقرير ريتشارد غولدستون في سبتمبر 2009 حول غزة، وفيه يتّهم هذا القاضي الجنوب إفريقي اليهودي، والصهيوني كما يقول عن نفسه، الجيْشَ الإسرائيلي بارتكاب «أعمال تصل إلى جرائم حرب وربّما قد تكون، في ظروف معينة، جرائم ضد الإنسانية» خلال عمليّته المسماة «الرصاص المصبوب» والتي استمرّتْ ثلاثة أسابيع. وقد عدت بنفسي إلى غزة، في عام 2009، وتمكنت من دخولها مع زوجتي بواسطة جواز سفري الديبلوماسي، حتّى أقف بأمّ عيني على واقع ما ذكره التقرير. أما الناس الذين رافقونا فلم يسمح لهم بالدخول إلى قطاع غزة مثلما إلى الضفة الغربية. لقد زُرْنا مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي أقامتها وكالة الأونروا التابعة للأمم المتحدة منذ عام 1948، وبها يوجد نحو ثلاثة ملايين فلسطيني طردتهم إسرائيل من أراضيهم وينتظرون عودتهم التي لا تزداد إلّا تعقيداً. وأمّا بخصوص غزة فهي بمثابة سجن مفتوح لحوالي مليون ونصف مليون فلسطيني، ينتظمون بداخله لكي يبقوا على قيد الحياة. وعلاوةً على التدمير المادي الذي أتى حتى على مستشفى الهلال الأحمر من «الرصاص المصبوب»، فإنّ سلوك سكان غزة يوحي لك بحبّ الوطن بقدر حُبِّهم للبحر والشواطئ، إلا أنّهم لا يخفون قلقهم المستمر على رعاية أطفالهم الذين وسوسوا لذاكرتنا بعددهم وبشاشة مُحيّاهم. ولكم أُعْجبنا بطريقتهم البارعة في التعامل مع جميع حالات الخصاص التي تفرض عليهم، كما رأينا منهم من كان يضع الطوب بلا إسمنت لإعادة بناء آلاف المنازل التي دمّرتْها الدبابات».

نشر  المقال بمجلة "الدوحة"، العدد 66، أبريل 2013: 

http://www.aldohamagazine.com/article.aspx?w=d8c342a2-f2b...

19:02 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.