Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

20/06/2013

الشعر والنثر: أي علاقة؟

 

مآزق النظرية وحلولها في الكشف عن قوانين الشعر والنثر في التراث البلاغيّ والنقديّ

التعددية داخل الثنائية

 tourath.jpg

عبد المجيد عبدالحميد

 

أثارت قضيتيّ “الشعر والنثر” منذ العصور الإسلامية إشكالية درسها وكتب فيها النقاد والبلاغيون العرب، حتى أفرد قسم منها كتاباً لهذه القضية. ورغم الجهود الجليلة التي بُذلت، والمعايير النقدية التي تمّ إعمالها، إلاّ أنّ الفكر النقدي لدى علمائنا لم يرتفع إلى مستوى سيشكل العلاقة بين الشعر والنثر كجنسين أدبيين نوعيين في جوهرهما، بدل البقاء في إطار المُفاضلة بينهما بين مُناصر أو مناوئ لهذا الجنس أو ذاك، داخل الثنائية التي كرستها “النظرية” التقليدية بهاجسها التقسيمي، فوضعت النثر مُقابلاً للشعر بصيغ مختلفة.

ومن أجل سبر أغوار هذه الثنائية التقسيمية بين الشعر والنقد، عقد الشاعر والناقد عبداللطيف الوراري فصول كتابه “الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي” الصادر عن سلسلة كتاب المجلة العربية السعودية بعددها 199، للحديث عن إشكالية قضيتيّ الشعر والنثر من خلال التراث البلاغي والنقدي العربي.

أشار المؤلف في مقدمة الكتاب إلى ما أثاره تراثنا النقدي والبلاغي من قضايا نظرية ومعرفية عبر تاريخه، لعل من أهمها وأدعاها للنظر قضية الشعر والنثر. فإلى جانب التباس حديثهما، وسجنهما في ثنائية على طرفي نقيض، لم تعدم العلاقة المتوترة بينهما أصلاً داخل الخطاب، من صراع العلماء بين منتصر لهذا الطرف أو ذاك.

وحدد الوراري: “بأن المشكلات النظرية والسياسية للكتابة وتاريخها يرتد معظمها إلى هذا التقابل، ليس في تاريخنا الثقافي فحسب، بل حتى في تاريخ ثقافات ثانية، بما فيها الثقافة الأوروبية مثلما يشير إلى ذلك “هنري ميشونيك”؛ فالتقابل بين النثر والشعر يكشف عن نفسه في ثلاثة معالم: البيت الشعري، الـ”الصورة” والتخيل، بما هي معايير استعمالية. الأول الذي يعرف الشعر من خلال البيت والإيقاع من خلال الوزن يجعل النثر تاليا؛ ويميز الآخر الشعر من خلال الصورة، فيما يكون النثر معقولية وتمثيلا ذهنيا. وفي كلتا الحالتين يكون الشعر مركزا عليه: النثر هو ما دون الإيقاع، وما دون الصورة. بينما النثر يكون مركزاً عليه في مهيمنة التخيل فحسب، والشعر بخلافه، وذلك وفق المقولات الجارية”.

كما تساءل في ختام المقدمة، قائلاً: “وبالتالي يدفعنا الاستشكال إلى طرح مثل هذا النوع من الأسئلة: كيف تشكلت ثنائية الشعر والنثر؟ هل كانت مقابلة أحدهما بالآخر تفيد في توضيح الحدود، وتجلو العلاقة بينهما؟ كيف خلط ربط الإيقاع بالوزن والبيت الشعري بين المنجز والمحتمل، وعقد وضعية الكتابة؟ ما هو أثر المُقدّس الذي خلفته البحوث الإعجازية حول المعجز القرآني في التباس الحدود بين أنماط الكتابة؟ كيف تدخلت استراتيجيات القراءة والتأويل في توجيه الثنائية، بلاغية كانت أو اعجازية أو فلسفية؟” وإذا كنا نعمل وفق إشكالية ترى إلى المعنى وتقاربه من مكان القراءة يستفيد من منجز النقد الحديث، فإنّه ليس في وسعنا أن نُحدد، من الآن، مسار الإشكالية ومنعرجاتها في ألأفق المحتمل الذي تسلكه الدراسة، لأنّ ذلك يبقى محلاً للسؤال وفتنته.

أرجحية الشعر

أفرد المؤلف سبعة فصول ومقدمة لمحتويات كتابه، التي بحث فيها لهذه المشكلات النظرية والمعرفية التي أثارها زَوج الشعر والنثر داخل مدونة تراثنا البلاغي والنقدي بتوجهاته الإعجازية والفلسفية والمنطقية، حيث أشار عبد اللطيف الوراري في الفصل الأول بعنوان “أرجحية الشعر وأولوية الوزن” تحدث فيه عن “الاحتفاء بالشعر”، حيث كان يُقصد بالشعر “الكلام المزوزن المُقفّى”، من البداية، وبلا التواء ولبس، عندما كانت الذاكرة الثقافية التي استقرت مع الوقت، لا تقبل شيئاً أسمه الشعر خارج هذا الحدّ، إجماع متواضع عليه، الأعمال الأساسية، الشروح، القواميس، الكُتيبات، والحَواشِي كلّها يقول بهذا، ونادراً ما تجد ومضة برقٍ خارج الإجماع.

تلاه الحديث حول “تحديدات ومفاهيم: نحو “معيرة” الشعر”، إذ يرى أنّه قد قرّ في وعي العلماء بالشعر ما للوزن والقافية من قيمة راسخة لا غنى عنهما في بناء الشعر، حتى صار “الوزن أعظم أركان حدّ الشعر”، بينما صارت القافية “حوافِر الشعر”، و”فضيلة مُختصة بلسان العرب”، وبالتالي لم تخل التعاريف الأولى التي وضعوها لتحديد الشعر من عُنصريّ الوزن والقافية، بل أكدوا أسبقيتهما فيه، وذلك بدءاً من تعريف قُدامة بن جعفر الأشهر بأنّه: “قولٌ موزونٌ مُقفّى يدلّ على معنى”. فلولا جهود الخليل بن أحمد الفراهيدي لما كان لذَينك العنصرين هذه المنزلة كلّها، بسبب ما أتاحه نظامه العَرُوضِيّ مِن زَخَم نظريّ ونقاش منهجيّ ومعرفيّ سيكون لهما، بالضرورة، شأن جليل في العِلِم بالشعر العربيّ وصناعته، لأحقابٍ طويلة. واستشهد المؤلف في حديثه بآراء وتعريفات عدد من النقاد العرب القُدامى كالقاضي الجُرجاني، وحازم القرطاجنيّ، ابن رشيق القيرواني، الجاحظ، ابن وهب، المظفر بن الفضل العلوي، متناولاً لسرد آراء كل واحد لما ذكروه في مُصنفاتهم النقدية.

التباس الحدود

عالج الوراري في “المُعجز والتباس الحدود” مادة الفصل الثاني ما ذكر أنّه إذا كان التفريق بين الشعر والنثر يقوم على أساس الوزن، والنظام الإيقاعي بالتالي، في مُقابل ذلك، كان علماء القرآن وبلاغيوه ينحُون بالقرآن إلى المُتعالي، فلم يسموه لا نثراً ولا شعراً، وإن كان هما يتجاوبان معه كنصٍ في مَنَاحٍ كثيرةٍ، وعبر جماليات اللغة التي نزل بها. وذكر إنّ تحرّج هؤلاء العلماء من الشعر، ورِيبتهم غير المُبررة مِن أن يُشبّه القرآن بالشعر، ومطاعنهم غير المُعلنة في الشعر نفسه لمجرد أنّه موزون مُقفّى “يتلهى به”، وربطهم الإيقاع بـ”الملاهي”، قد جعل مباحث قيمة وقادرة على تحليل المرجأ وغير المفكر تأخذ المنحى الذي سارت فيه ولم تخرج عنه في دوامة الشرح والنقل، كان الشعر هو الشعر، والنثر هو النثر، والقرآن ليس شعراً، وليس نثراً.

كما ناقش المؤلف ما عالجته العديد من البحوث الاعجازية إلى الاهتمام بـ” نظم القرآن” منذ أن وضع الأديب الجاحظ كتاباً بهذا الاسم، وذلك لبيان كون النظم مُعجزاً يتوقف على بيان نظم الكلام، ثم بيان أنّ هذا النظم مُخالف لنظم ما عداه، إضافة إلى “الفاصلة لا السَجع” التي أعاب الرُّماني السَجَع، وزعم نفيه من القرآن الكريم، وتسمية ما فيه مِن سَجَع فواصل، مُدعياً أنّ الفواصل تابعة للمعاني، مع بيان رأي الباقلاني الذي استثمر آراء الرُّماني وأبي هلال العسكري وتوسع فيها، بازغاً في هذا المجال من التأليف الإعجازي، فهو يرفض وجود السَجَع في القرآن جُملة، لأنّه خرج عن النظام الذي وَضع له.

أما في “أفضلية المعنى ـ ذم الوزن”، فقال المؤلف ما أشار إليه عبدالقاهر الجُرجاني في كتابيه “دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة”، بنسب ومستويات متباينة، ما يمكن أن نصطلح عليه بتفسير لغوي ـ دلالي لوجوه النظم الذي بها يتحقق الإعجاز في القرآن، مُستنداً إلى خلفية نظرية تمنح لنحو المعاني/ معاني النحو فاعلية في تحليل المبادئ الناظمة للمعمار اللغوي...

مضايق الأخلاق

تضمن الفصل الثالث موضوع “الشعر والنظم والنثر تاريخ الكتابة ومضايق الأخلاق”، على أربعة محاور، أولها “الصنعة وصعود الكتابة”، إذ لم تكن أوضاع التلقي للأدب والثقافة ثابتة، بل تعرضت لتحول جَمَالي نتيجة صعود أنماط كتابية جديدة مثل أدب الرسائل، والخطب من جُملة بلاغات النثر التي تنافس فيها الكُتّاب والمتأدبون، بموازاة مع استجداد قضايا عقلية، ودينية، وفلسفية وسياسية أيام الخلافة العباسية وعصرهم الزاخر.

وفي المحور الثاني “تنازع الفضل على ميدان السلط”، فقد صار النثر قسيم الشعر في النتاج الثقافي، وظهرت سلطة تُعيد ترتيب المكتوب وأولياته، نكتشفها في كتابات مقطعية حوارية بديعية، في كتاب “الإمتاع والمُؤانسة” للأديب أبي حيّان التوحيدي (ت 414 هـ)، نعثر على نقاشات مُعاصريه الجادة التي لم يخل بعضها مِن طابعه الفلسفي والأخلاقي، وهي تتصدى لمشكلة العلاقة بين الشعر والنثر أو المُفاضلة بينهما، وأيّهما اشدُ أثراً في النفس... بينما جاء المحور الثالث تخت عنوان “تأويل “الثنائية” الأخلاقي” ليكشف لنا التنازع الذي كان يتم بين أصحاب الشعر وأصحاب النثر عن رغبة صريحة في الإجابة عن إشكالات الكتابة عموماً، وبالتالي تجاوز أولوية الوزن المُلتبس بالإيقاع... في حين عرض المحور الرابع “تمايز لا مُفاضلة” في هذا الفصل، منها أمنية أبي حيّان التوحيدي التي بقيت آهاتها عالقة في نفسه وأودعها في “الإمتاع والمُؤانسة” قائلاً: “أحبّ أن أسمع كلاماً في مراتب النظم والنثر، وإلى أيّ حدّ ينتهيان، وعلى أيّ شكل يتفقان، وأيّهما أجمع للفائدة، وأرجح للعائدة، وأدخل في الصناعة، وأولى بالبراعة”.

المنثور والمنظوم

خصّ مؤلف الكتاب الفصل الرابع “نظم المنثور وحلّ المنظوم مأزق “النظرية”، ليورد من خلاله الحديث عن “تعميمية من النظم إلى النثر، هل يختط الإيقاع المسار نفسه”؟ موضحاً لتعريف النثر في معاجم اللغة، وكيف كان النقد يتعاطى مع الشعر والنثرٍ، والعلاقة بينهما، ومع علاقة أحدهما بالآخر، إلاّ أنّ قواعد النقد من منظور البلاغة المعممة، كانت مشتركة في دراستهما معاً، كان ما ينطبق على الشعر ينطبق على النثر، ثم عرّج لإيضاح “استشكال العلاقة” من خلال محاولة بعض النقاد العرب القدامى لاستشكال العلاقة بين الشعر والنثر، بمنأى عن الأحكام الانطباعية في تفضيل أحدهما على الآخر، وفي “حل وعقد” أشار إلى ما تضمنه كتاب “الوشي المرقوم في حلّ المنظوم” لابن الأثير من أحكام نقدية عن هذا الموضوع...

الشعري والخطبي

“من النظم إلى الانزياح” هذا ما تناوله المؤلف في فصل كتابه الخامس عبر مباحثه: مسار فلسفي، المُحاكاة ثم الوزن، فعل الشعر، الصوت والمعنى، الذي عرض فيه متسائلاً: ما علاقة ذلك بالوزن، وبالإيقاع على نحو أشمل... وأورد في الفصل السادس “الشعري والخطبي... إعادة تأويل العلاقة” ما استخلصه الفلاسفة من تأملات أن الفرق بين الشعر والنثر، والخطابة تحديداً، ليس في مجرد الوزن، بل الفرق في وسيلة المُحاكاة كمياً ونوعياً... بعده أشار “لإيقاع الشعر... إيقاع النثر” مورداً لقول ابن سينا في “جوامع علم الموسيقى”: “الشعر كلام مخيل، مُؤلف من أقوال ذوات إيقاعات متفقة متساوية على وزنها، متشابهة حروف الخواتيم...”، أما “التخييل كمبدأ ناظم”، فعرض له المؤلف من خلال آراء حازم القرطاجني في “منهاج البلغاء وسراج الأدباء”.

كُليّات البلاغة

ومسك ختام الكتاب الفصل السابع “كُليّات البلاغة... تبديد جماليات النوع”، تناول فيه “قانون أبي طاهر”، وهو لأبي طاهر البغدادي في مصنفه “قانون البلاغة” إذ ينحو صوب تقنين البلاغة وتقويمها بوصفها صناعة، وليست فنّاً، أعقبه بـ”منزع السجلماني”، وهو مشروع أبي محمد القاسم السجلماني في كتابه “المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع” الذي يطرح من داخل تصور نظري ـ نسقي، رؤية جديدة تتغيا إعادة الاعتبار للعمل البديعي، وتنظيم صناعته في إطار علم البيان أو فلسفة أبنية الكلام، ودلالاته اللفظية والمعنوية... واختتم الفصل الكتاب بـ”روض ابن البنّاء” ليورد آراءه النقدية من خلال كتابه “الروض المريع في صناعة البديع”، والذي حاول أن يضع كُليّات لعلم البديع، ويحصرها في جملة قوانين تضبط أنماط الخطاب...

الكتاب: الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي

المؤلف: عبداللطيف الوراري

الناشر: سلسلة كتاب المجلة العربية السعودية

* نشرت المقالة بالملحق الثقافي لجريدة "الاتحاد" الإماراتية، 20 يونيو 2013.

http://www.alittihad.ae/details.php?id=59401&y=2013&article=full


 

15:40 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.