Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

24/06/2013

شهــادة

 

   عبد الكريم الطبال، ذلك الشاعر !

 69521_10151669619089898_244967676_n.jpg

      عبد اللطيف الوراري

 

  لمّا تعرّفتُ على الشعر، وأنا بعدُ على مقاعد الصفّ الدراسي بالثانوية، كنتُ مسحوراً بدواوين الشعر، روائح ورقها، صغر حجومها، وطرق توزيع أبياتها على الصفحة الشعرية؛ لكن ما كان يشدّني إليه أكثر هو أغلفة الدواوين إِذْ كانت تذوب في مشهدٍ طبيعيٍّ، أو تعبير تصويري حسّي، أو لوحة ذات منحى انطباعي وتجريدي، أو رسم  تستغرقه أجواء الرومانسية الجارية في ذلك الوقت، حتى لفت انتباهي وهزّ قناعتي الجمالية غلاف لوحة "الطريق إلى الإنسان" وهو يوحي إليّ بفكرةٍ خطيرة، وهو أنّ الشعر لا يمكنه أن يكون دائماً تعبيراً عن شعور نفسي أو داخلي يهمّ الذات الفردية للشاعر، أي أن يكون خالقاً لحالة صدام، مفارقة، مواجهة مع عالمٍ ليس أكثر أماناً واطمئناناً كما كنت أزعم. هذه سياسة الشعر، وهي التي خلقت في وعيي سيميولوجيا جديدة. ذلك ما أدركتُهُ في ما بعد.

  ففي سياق تعرُّفي على الشعر المغربي الذي بالكاد كنّا نعثر على دواوينه ضمن كتب الأدب التي كان أغلبها يفِدُ من الشرق، أُتيح لي أن أطّلع على مجاميع شعرية مغربية أولى، ومن ضمنها: "الطريق إلى الإنسان" الذي صدر للشاعر عبد الكريم الطبال في العام 1971.

    بقي من الشعراء الروّاد ثلاثة، لا يزال عطاؤهم الشعري متواصلاً وعابراً للأجيال منذ عقد الستينيّات، بقدرما تُمثّل تجاربهم، بعكس مجايليهم، حقل إلهام مدهش باستمرار؛ إذ تختصر تجربة كلّ واحد منهم ما في معنى الشعر وكتابته منمكابدة وصبر وشغف دائم بالجديد، ومن تعقيد وثراء وتشعب أخّاذ: محمد السرغيني، عبد الكريم الطبال ومحمد الميموني. هؤلاء الأساتذة يلتقون في كونهم أبناء جيل واحد، وفي أن الشعر رؤيا، صوفية أو إشراقية،  بسبب ما خبروه من فكر وساحوا في شعابه وأخاديده، وفي التأثُّر بالجوّ الحضاري الجارف الذي صادف في نفسهم ميلاً إلى التأمُّل برويّة والتفكير في الجوهريّ مُطلقاً. لكن سبل القصيدة تفرّقت بهم في حوار أيٍّ منهم مع نفسه، أو في تأمُّله للطبيعة والنظر إلى العالم منحوله.

  يتعقّب الشاعر عبد الكريم الطبال، ابتداءً من ديوانه "البستان" فصاعداً، سوانح الرؤيا عبر قصيدة ذات نفس شعري، فيلتقط مخايلها وأسرارها في تفاصيل الحياة الصغيرة ومفردات الطبيعية المنسية، بكثافة شديدة وشفافية عالية وذائقة فنّية قادرة على أن تختزل الموقف في لقطة عابرة أ وفي تفصيل عابر يجعل من وعي الأنا بما حواليها بؤرته الحادّة. وهو، بهذه المعاني، الشاعر النسّاج الذي لا يغزل فحسب، بل يُتابع ببصره وبصيرته ما يقع منه ويضعه في نسيج اللغة، ببساطة مدهشة وذات وهجٍ صوفيٍّ وإشراقيّ.

·         هذه الشهادة كُتبت في تحيّة الشاعر عبد الكريم الطبال الذي كان من المفترض أن يزور أكادير ويُكرّم بها في "مهرجان فنون للشعر المغربي"، لكنه اعتذر، لأسباب صحية، عن الحضور.

08:31 |  Facebook | |

20/06/2013

الشعر والنثر: أي علاقة؟

 

مآزق النظرية وحلولها في الكشف عن قوانين الشعر والنثر في التراث البلاغيّ والنقديّ

التعددية داخل الثنائية

 tourath.jpg

عبد المجيد عبدالحميد

 

أثارت قضيتيّ “الشعر والنثر” منذ العصور الإسلامية إشكالية درسها وكتب فيها النقاد والبلاغيون العرب، حتى أفرد قسم منها كتاباً لهذه القضية. ورغم الجهود الجليلة التي بُذلت، والمعايير النقدية التي تمّ إعمالها، إلاّ أنّ الفكر النقدي لدى علمائنا لم يرتفع إلى مستوى سيشكل العلاقة بين الشعر والنثر كجنسين أدبيين نوعيين في جوهرهما، بدل البقاء في إطار المُفاضلة بينهما بين مُناصر أو مناوئ لهذا الجنس أو ذاك، داخل الثنائية التي كرستها “النظرية” التقليدية بهاجسها التقسيمي، فوضعت النثر مُقابلاً للشعر بصيغ مختلفة.

ومن أجل سبر أغوار هذه الثنائية التقسيمية بين الشعر والنقد، عقد الشاعر والناقد عبداللطيف الوراري فصول كتابه “الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي” الصادر عن سلسلة كتاب المجلة العربية السعودية بعددها 199، للحديث عن إشكالية قضيتيّ الشعر والنثر من خلال التراث البلاغي والنقدي العربي.

أشار المؤلف في مقدمة الكتاب إلى ما أثاره تراثنا النقدي والبلاغي من قضايا نظرية ومعرفية عبر تاريخه، لعل من أهمها وأدعاها للنظر قضية الشعر والنثر. فإلى جانب التباس حديثهما، وسجنهما في ثنائية على طرفي نقيض، لم تعدم العلاقة المتوترة بينهما أصلاً داخل الخطاب، من صراع العلماء بين منتصر لهذا الطرف أو ذاك.

وحدد الوراري: “بأن المشكلات النظرية والسياسية للكتابة وتاريخها يرتد معظمها إلى هذا التقابل، ليس في تاريخنا الثقافي فحسب، بل حتى في تاريخ ثقافات ثانية، بما فيها الثقافة الأوروبية مثلما يشير إلى ذلك “هنري ميشونيك”؛ فالتقابل بين النثر والشعر يكشف عن نفسه في ثلاثة معالم: البيت الشعري، الـ”الصورة” والتخيل، بما هي معايير استعمالية. الأول الذي يعرف الشعر من خلال البيت والإيقاع من خلال الوزن يجعل النثر تاليا؛ ويميز الآخر الشعر من خلال الصورة، فيما يكون النثر معقولية وتمثيلا ذهنيا. وفي كلتا الحالتين يكون الشعر مركزا عليه: النثر هو ما دون الإيقاع، وما دون الصورة. بينما النثر يكون مركزاً عليه في مهيمنة التخيل فحسب، والشعر بخلافه، وذلك وفق المقولات الجارية”.

كما تساءل في ختام المقدمة، قائلاً: “وبالتالي يدفعنا الاستشكال إلى طرح مثل هذا النوع من الأسئلة: كيف تشكلت ثنائية الشعر والنثر؟ هل كانت مقابلة أحدهما بالآخر تفيد في توضيح الحدود، وتجلو العلاقة بينهما؟ كيف خلط ربط الإيقاع بالوزن والبيت الشعري بين المنجز والمحتمل، وعقد وضعية الكتابة؟ ما هو أثر المُقدّس الذي خلفته البحوث الإعجازية حول المعجز القرآني في التباس الحدود بين أنماط الكتابة؟ كيف تدخلت استراتيجيات القراءة والتأويل في توجيه الثنائية، بلاغية كانت أو اعجازية أو فلسفية؟” وإذا كنا نعمل وفق إشكالية ترى إلى المعنى وتقاربه من مكان القراءة يستفيد من منجز النقد الحديث، فإنّه ليس في وسعنا أن نُحدد، من الآن، مسار الإشكالية ومنعرجاتها في ألأفق المحتمل الذي تسلكه الدراسة، لأنّ ذلك يبقى محلاً للسؤال وفتنته.

أرجحية الشعر

أفرد المؤلف سبعة فصول ومقدمة لمحتويات كتابه، التي بحث فيها لهذه المشكلات النظرية والمعرفية التي أثارها زَوج الشعر والنثر داخل مدونة تراثنا البلاغي والنقدي بتوجهاته الإعجازية والفلسفية والمنطقية، حيث أشار عبد اللطيف الوراري في الفصل الأول بعنوان “أرجحية الشعر وأولوية الوزن” تحدث فيه عن “الاحتفاء بالشعر”، حيث كان يُقصد بالشعر “الكلام المزوزن المُقفّى”، من البداية، وبلا التواء ولبس، عندما كانت الذاكرة الثقافية التي استقرت مع الوقت، لا تقبل شيئاً أسمه الشعر خارج هذا الحدّ، إجماع متواضع عليه، الأعمال الأساسية، الشروح، القواميس، الكُتيبات، والحَواشِي كلّها يقول بهذا، ونادراً ما تجد ومضة برقٍ خارج الإجماع.

تلاه الحديث حول “تحديدات ومفاهيم: نحو “معيرة” الشعر”، إذ يرى أنّه قد قرّ في وعي العلماء بالشعر ما للوزن والقافية من قيمة راسخة لا غنى عنهما في بناء الشعر، حتى صار “الوزن أعظم أركان حدّ الشعر”، بينما صارت القافية “حوافِر الشعر”، و”فضيلة مُختصة بلسان العرب”، وبالتالي لم تخل التعاريف الأولى التي وضعوها لتحديد الشعر من عُنصريّ الوزن والقافية، بل أكدوا أسبقيتهما فيه، وذلك بدءاً من تعريف قُدامة بن جعفر الأشهر بأنّه: “قولٌ موزونٌ مُقفّى يدلّ على معنى”. فلولا جهود الخليل بن أحمد الفراهيدي لما كان لذَينك العنصرين هذه المنزلة كلّها، بسبب ما أتاحه نظامه العَرُوضِيّ مِن زَخَم نظريّ ونقاش منهجيّ ومعرفيّ سيكون لهما، بالضرورة، شأن جليل في العِلِم بالشعر العربيّ وصناعته، لأحقابٍ طويلة. واستشهد المؤلف في حديثه بآراء وتعريفات عدد من النقاد العرب القُدامى كالقاضي الجُرجاني، وحازم القرطاجنيّ، ابن رشيق القيرواني، الجاحظ، ابن وهب، المظفر بن الفضل العلوي، متناولاً لسرد آراء كل واحد لما ذكروه في مُصنفاتهم النقدية.

التباس الحدود

عالج الوراري في “المُعجز والتباس الحدود” مادة الفصل الثاني ما ذكر أنّه إذا كان التفريق بين الشعر والنثر يقوم على أساس الوزن، والنظام الإيقاعي بالتالي، في مُقابل ذلك، كان علماء القرآن وبلاغيوه ينحُون بالقرآن إلى المُتعالي، فلم يسموه لا نثراً ولا شعراً، وإن كان هما يتجاوبان معه كنصٍ في مَنَاحٍ كثيرةٍ، وعبر جماليات اللغة التي نزل بها. وذكر إنّ تحرّج هؤلاء العلماء من الشعر، ورِيبتهم غير المُبررة مِن أن يُشبّه القرآن بالشعر، ومطاعنهم غير المُعلنة في الشعر نفسه لمجرد أنّه موزون مُقفّى “يتلهى به”، وربطهم الإيقاع بـ”الملاهي”، قد جعل مباحث قيمة وقادرة على تحليل المرجأ وغير المفكر تأخذ المنحى الذي سارت فيه ولم تخرج عنه في دوامة الشرح والنقل، كان الشعر هو الشعر، والنثر هو النثر، والقرآن ليس شعراً، وليس نثراً.

كما ناقش المؤلف ما عالجته العديد من البحوث الاعجازية إلى الاهتمام بـ” نظم القرآن” منذ أن وضع الأديب الجاحظ كتاباً بهذا الاسم، وذلك لبيان كون النظم مُعجزاً يتوقف على بيان نظم الكلام، ثم بيان أنّ هذا النظم مُخالف لنظم ما عداه، إضافة إلى “الفاصلة لا السَجع” التي أعاب الرُّماني السَجَع، وزعم نفيه من القرآن الكريم، وتسمية ما فيه مِن سَجَع فواصل، مُدعياً أنّ الفواصل تابعة للمعاني، مع بيان رأي الباقلاني الذي استثمر آراء الرُّماني وأبي هلال العسكري وتوسع فيها، بازغاً في هذا المجال من التأليف الإعجازي، فهو يرفض وجود السَجَع في القرآن جُملة، لأنّه خرج عن النظام الذي وَضع له.

أما في “أفضلية المعنى ـ ذم الوزن”، فقال المؤلف ما أشار إليه عبدالقاهر الجُرجاني في كتابيه “دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة”، بنسب ومستويات متباينة، ما يمكن أن نصطلح عليه بتفسير لغوي ـ دلالي لوجوه النظم الذي بها يتحقق الإعجاز في القرآن، مُستنداً إلى خلفية نظرية تمنح لنحو المعاني/ معاني النحو فاعلية في تحليل المبادئ الناظمة للمعمار اللغوي...

مضايق الأخلاق

تضمن الفصل الثالث موضوع “الشعر والنظم والنثر تاريخ الكتابة ومضايق الأخلاق”، على أربعة محاور، أولها “الصنعة وصعود الكتابة”، إذ لم تكن أوضاع التلقي للأدب والثقافة ثابتة، بل تعرضت لتحول جَمَالي نتيجة صعود أنماط كتابية جديدة مثل أدب الرسائل، والخطب من جُملة بلاغات النثر التي تنافس فيها الكُتّاب والمتأدبون، بموازاة مع استجداد قضايا عقلية، ودينية، وفلسفية وسياسية أيام الخلافة العباسية وعصرهم الزاخر.

وفي المحور الثاني “تنازع الفضل على ميدان السلط”، فقد صار النثر قسيم الشعر في النتاج الثقافي، وظهرت سلطة تُعيد ترتيب المكتوب وأولياته، نكتشفها في كتابات مقطعية حوارية بديعية، في كتاب “الإمتاع والمُؤانسة” للأديب أبي حيّان التوحيدي (ت 414 هـ)، نعثر على نقاشات مُعاصريه الجادة التي لم يخل بعضها مِن طابعه الفلسفي والأخلاقي، وهي تتصدى لمشكلة العلاقة بين الشعر والنثر أو المُفاضلة بينهما، وأيّهما اشدُ أثراً في النفس... بينما جاء المحور الثالث تخت عنوان “تأويل “الثنائية” الأخلاقي” ليكشف لنا التنازع الذي كان يتم بين أصحاب الشعر وأصحاب النثر عن رغبة صريحة في الإجابة عن إشكالات الكتابة عموماً، وبالتالي تجاوز أولوية الوزن المُلتبس بالإيقاع... في حين عرض المحور الرابع “تمايز لا مُفاضلة” في هذا الفصل، منها أمنية أبي حيّان التوحيدي التي بقيت آهاتها عالقة في نفسه وأودعها في “الإمتاع والمُؤانسة” قائلاً: “أحبّ أن أسمع كلاماً في مراتب النظم والنثر، وإلى أيّ حدّ ينتهيان، وعلى أيّ شكل يتفقان، وأيّهما أجمع للفائدة، وأرجح للعائدة، وأدخل في الصناعة، وأولى بالبراعة”.

المنثور والمنظوم

خصّ مؤلف الكتاب الفصل الرابع “نظم المنثور وحلّ المنظوم مأزق “النظرية”، ليورد من خلاله الحديث عن “تعميمية من النظم إلى النثر، هل يختط الإيقاع المسار نفسه”؟ موضحاً لتعريف النثر في معاجم اللغة، وكيف كان النقد يتعاطى مع الشعر والنثرٍ، والعلاقة بينهما، ومع علاقة أحدهما بالآخر، إلاّ أنّ قواعد النقد من منظور البلاغة المعممة، كانت مشتركة في دراستهما معاً، كان ما ينطبق على الشعر ينطبق على النثر، ثم عرّج لإيضاح “استشكال العلاقة” من خلال محاولة بعض النقاد العرب القدامى لاستشكال العلاقة بين الشعر والنثر، بمنأى عن الأحكام الانطباعية في تفضيل أحدهما على الآخر، وفي “حل وعقد” أشار إلى ما تضمنه كتاب “الوشي المرقوم في حلّ المنظوم” لابن الأثير من أحكام نقدية عن هذا الموضوع...

الشعري والخطبي

“من النظم إلى الانزياح” هذا ما تناوله المؤلف في فصل كتابه الخامس عبر مباحثه: مسار فلسفي، المُحاكاة ثم الوزن، فعل الشعر، الصوت والمعنى، الذي عرض فيه متسائلاً: ما علاقة ذلك بالوزن، وبالإيقاع على نحو أشمل... وأورد في الفصل السادس “الشعري والخطبي... إعادة تأويل العلاقة” ما استخلصه الفلاسفة من تأملات أن الفرق بين الشعر والنثر، والخطابة تحديداً، ليس في مجرد الوزن، بل الفرق في وسيلة المُحاكاة كمياً ونوعياً... بعده أشار “لإيقاع الشعر... إيقاع النثر” مورداً لقول ابن سينا في “جوامع علم الموسيقى”: “الشعر كلام مخيل، مُؤلف من أقوال ذوات إيقاعات متفقة متساوية على وزنها، متشابهة حروف الخواتيم...”، أما “التخييل كمبدأ ناظم”، فعرض له المؤلف من خلال آراء حازم القرطاجني في “منهاج البلغاء وسراج الأدباء”.

كُليّات البلاغة

ومسك ختام الكتاب الفصل السابع “كُليّات البلاغة... تبديد جماليات النوع”، تناول فيه “قانون أبي طاهر”، وهو لأبي طاهر البغدادي في مصنفه “قانون البلاغة” إذ ينحو صوب تقنين البلاغة وتقويمها بوصفها صناعة، وليست فنّاً، أعقبه بـ”منزع السجلماني”، وهو مشروع أبي محمد القاسم السجلماني في كتابه “المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع” الذي يطرح من داخل تصور نظري ـ نسقي، رؤية جديدة تتغيا إعادة الاعتبار للعمل البديعي، وتنظيم صناعته في إطار علم البيان أو فلسفة أبنية الكلام، ودلالاته اللفظية والمعنوية... واختتم الفصل الكتاب بـ”روض ابن البنّاء” ليورد آراءه النقدية من خلال كتابه “الروض المريع في صناعة البديع”، والذي حاول أن يضع كُليّات لعلم البديع، ويحصرها في جملة قوانين تضبط أنماط الخطاب...

الكتاب: الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي

المؤلف: عبداللطيف الوراري

الناشر: سلسلة كتاب المجلة العربية السعودية

* نشرت المقالة بالملحق الثقافي لجريدة "الاتحاد" الإماراتية، 20 يونيو 2013.

http://www.alittihad.ae/details.php?id=59401&y=2013&article=full


 

15:40 |  Facebook | |

16/06/2013

حلقة إذاعية

خصّص الصديق الإعلامي جمال فواسي حلقة من برنامجه "إبداعات فكرية"، الذي تبثُّه إذاعة فاس الجهوية، عن كتاب "الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي".. للاستماع إلى الحلقة يرجى النقر على الرابط التالي:

fes.png
podcast


22:02 |  Facebook | |

10/06/2013

الشعر البصري عند العرب

 

اخترعه الشعراء العرب قبل الأوربيّين بمئات السنين

الشعر البصري: التوشية والرؤية

 

basari.jpg

عبد اللّطيف الوراري 

1. انحطاط أم انعطاف؟

 

  عانى الأدب، والشعر تحديداً، في العصر المملوكي والعثماني من حجاب مزدوج؛ ففضلاً عن شحّ أو ظلم النقد الموازي لكتابات أدباء هذا العصر، درج مستشرقون وكتّابٌ من عصرنا الحديث على وصم هذا الأدب بـتهمة "الجمود على القرائح" التي أطلقها جرجي زيدان (تاريخ آداب اللغة العربية، طبعة جديدة راجعها وعلق عليها شوقي ضيف، دار الهلال، مصر، د.ت، 3/ 293)، واتّبعوه فيها، من غير أن يتحرّوا إن كان الشعر العربي قد انْحطَّ بالفعل إلى مرتبةٍ غير مسبوقة في تاريخه من الإسفاف والتقليد عديم الجدوى. لكن ظهر فيما بعد جيلٌ من الباحثين العارفين قد أنصفه وردّ الاعتبار له، من أمثال محمد سيد كيلاني في "الأدب المصري في ظل الحكم العثماني" (1965)، وبكري شيخ أمين في "مطالعات في الشعر المملوكي والعثماني" (1972)، وعمر موسى باشا في "تاريخ الأدب العربي في العصر العثماني" (1989)، تمثيلاً لا حصراً.

 

  فإذا كان العصر المومأ إليه عصراً تشرذم واقتتال وصراع مرير على السلطة، إلّا أنَّه لم يكن يخلو من إضاءات مشرقة أبدعها الفكر العربي والإسلامي الموسوعي، إذ تميّز بظهور "الموسوعات الكبرى" في الأدب، اللغة، والتصوف، التاريخ، وعلوم الحديثوالفقه والتفسير وغيرها. وكثيرٌ من العلماء الذين نقرأ ونُقدّر إنتاجهم الفكري ظهروا في هذا العصر، من أمثال ابن خلدون، وابن منظور، والقفطي، النويري، وابن خلكان، وابن كثير، والقلقشندي، والزركشي، والأبشيهي، والقزويني، والزبيدي، والبوصيري، وابنحجر العسقلاني، وابنهشام، وابنعقيل،ونصير الدين الطوسي، وصفي الدين الحِلّي، ولسان الدين بن الخطيب، إلخ.

   ولم يعدم المجال الشعري بدوره بعضاً من تلك الإشراقات، فقد انعطف شعراء العصر بالقصيدة العربية التي كانت قد بلغَتْ ذروة تطوُّر جماليّاتها إبّان العصر العباسي الثاني، إلى ضفاف أخرى، أكثر من أنَّهم انحطّوا بها أو أسفُّوا القول فيها، بحيث استحدثوا فنوناً شعرية جديدة مُعلنة عن "مُتردّم أخرى" قد غلب عليها العمران. فقد ظهر شِعْرٌ عُنِي فيه بالبديع والتطريز والتدبيج والأحاجي والألغاز والألاعيب الشكلية، فكان بحقٍّ عنواناً لمرحلة أخرى حلّ فيها فنُّ التوشية والرؤية محلّ فنِّ السماع والإطراب، أو التشكيل البصري محلّ التشكيل الصوتي، وساد كثيراً من أشكال الشعر العربي في العصرين المملوكي والعثماني. ومن المُجْحف أن نذهب مع من "اعتبر اللعب بالأشكال الفنية سمة لعصور الانحطاط" (محمد نجيب التلاوي، القصيدة التشكيلية في الشعر العربي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط 1، 1998م، ص29). وأنْ ندّعي أنّ هذه الأشكال أو الفنون الشعرية كانت خالية من روح الابتكار؛ بل هي بالعكس كشفت ـ بنسب متفاوتة القيمة ـ عن قدرة مُدهشة على تشكيل إيقاع الشعر وتجسيمه بصريّاً، كأنّ الأذن أَخْلَت المجال لرؤية العين وفتنتها.

 

2. الفنون الشعرية البصرية: من الأذن إلى العين

 

    تكشف الفنون الشعريّة البصريّة عن جيلٍ جديدٍ من الشعراء جمعوا بين ملكة الشعر، وتوقُّد الخيال، وخبرةٍ بأفانين اللغة والبلاغة والتشكيل والحساب؛ إذ انعطفت بالشكل التقليدي للقصيدة العربية، في الغنائي والشفوي، والذي كان يُتغنّى به ويُنْشد إنشاداً بحكم انغلاقه على موسيقى شعرية عالية ومدهشة، إلى مَجالٍ آخر، وبُعْدٍ أخر أكثر ابتكاراً طال الوعي الإبداعي والكتابي نفسه. لقد انتقلت الفنون بشكل القصيدة إلى اشتغالٍ فضائيٍّ جديد، وسيميولوجيا شكل جديدة، بسبب الوعي بقيمة الكتابيّ ومادّيته واشتراطاته، متوافقاً مع روح العصر (الإبستيمي، بتعبير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو) الذي شاع فيه الاهتمام بأشكال الزخرفة والفسيفساء والنحت والعمارة داخل صرح الفنّ الإسلامي، وعبّر عن رقّة وشفافية مثيرتين للإعجاب. ولكم تحوّلتمقطوعاتٌ وأبياتٌ شعرية جرى بها المثل في الحبّ والوجد الصوفي إلى لوحاتٍ أيقوناتٍ بصرية-علاميّة لغرض الزخرفة والنقش على أسطح المساجد، أو بداخلها، أو المنابر، أو في القصور وساحاتها وما إلى ذلك، بحيث تناسب صياغتها الفنّية السيمترية غايات الزخرفة والتزيين. فنجد على سبيل المثال، مقطوعةٍ كاملة خالية تماماً من النقط، أو أبيات كل حروفها مهملة، ونجد الأخرى تتكرر فيها الراء في كل كلمة من كلماتها، وثالثة تبدأ كل كلماتها بحرف معين، بحيث تكون قابلة للرسم بشكل بديع.

كان التحوُّل من الاعتماد على الشفاهية (الأذن) إلى الاعتماد على الرؤية (العين) في منظور الشكل الشعري تدشيناً لشكل جديد من الوعي الإنساني في رؤيته للعمل الفنّي بخاصّة، وللعالم بعامّة، أو كما يرى والتر أونج أنّه "من دون الكتابة لا يستطيع العقل الكتابي أن يفكر على النحو الذي يفعله ليس فقط عندما يمارس الكتابة، بل حتى في حالة إنشائه أفكاره في شكل شفهي. لقد غيرت الكتابة شكل الوعي الإنساني، أكثر من أي اختراع آخر" (والتر ج. أونج، الشفاهية والكتابية، ترجمة حسن البنا عز الدين، 1994، ص 157).  

  وأشهر هذه الفنون البصرية التي تنقلها لنا كتب الشعر والأدب والبلاغة، وأهمّها بالدرجة والترتيب، هي:

المدبّجة: ويعنى بها "ابتداع معجز تدبيجه فاق حدَّ الشعر"، إذ هي تركيبٌ شعريٌّ، من مطلق ولزومي، كثيراً ما يمتزج بالنثر، تتناسج فيه كلمات القصائد وتتقاطع وتتداخل وتتواشج وتخرج من بعضها بعض لتتشكل من الصورة الواحدة عدة قصائد. وقد ابتدعها عبد المنعم بن عمر بن حسان الغساني الجلياني الأندلسي (ت603هـ) في عمله المعروف: "ديوان التدبيج" (تحقيق كمال أبو ديب ودلال بخش، دار الساقي ودار أوركس للنشرـ الأحاجي والألغاز: لم يسلم منها شاعر، ولم يخل منها ديوان، وكانت عنواناً على قدرة الشاعر على اختراع صورة لفظية تتوارى المعاني وراءها، وهي وسيلة من وسائل التسلية في المجالس، وربما عمد صاحبها إلى مكاتبة إخوانه بها، وطلب منهم أن يحلّوها. وتذهب الرسالة الحاملة للقصيدة اللغزية من بلد إلى بلد، وغالباً ما يعود الجواب بحل اللغز في قالب شعري، ويكون متبعاً بلغز آخر يطالب صاحبه بحلّه، وهكذا. كان من أعلام هذا اللون صفي الدين الحلّي والشَّرف الأنصاري وابن عنين (ت630هـ) ومحيي الدين بن عبد الظاهر (ت692هـ) وإبراهيم بن عبد الله القبراطي (ت781هـ) وابن حجة الحموي (ت837هـ). ـ الأحاجي والألغاز: لم يسلم منها شاعر، ولم يخل منها ديوان، وكانت عنواناً على قدرة الشاعر على اختراع صورة لفظية تتوارى المعاني وراءها، وهي وسيلة من وسائل التسلية في المجالس، وربما عمد صاحبها إلى مكاتبة إخوانه بها، وطلب منهم أن يحلّوها. وتذهب الرسالة الحاملة للقصيدة اللغزية من بلد إلى بلد، وغالباً ما يعود الجواب بحل اللغز في قالب شعري، ويكون متبعاً بلغز آخر يطالب صاحبه بحلّه، وهكذا. كان من أعلام هذا اللون صفي الدين الحلّي والشَّرف الأنصاري وابن عنين (ت630هـ) ومحيي الدين بن عبد الظاهر (ت692هـ) وإبراهيم بن عبد الله القبراطي (ت781هـ) وابن حجة الحموي (ت837هـ).، بيروت، 2009). ففي ديوانه يرسم الجلياني في لوحات مذهلة: فهنا شجرة وطفاء، وهنا سجَّادة باهرة، وهنا فراشة مرفرفة، وهنا صدَفة أسرار ودرر لا تضاهى، وهنا تشكيلات هندسية يزوغ لها البصر، تتعدّد فيها ألوان الكلمات والأغصان والأوراق والأشكال، لتولِّد منظراً رائعاً للعين كما هي مروِّعة للفكر. ووراء كلِّ ذلك يحتجب تصوُّر باطنيٌّ صوفيٌّ يكتنه العالم ببصيرة لا يملكها سواه، وبراعة شعرية وثراء لغة وجمال صور لا يملكها إلا الذين يختصُّهم الله بما يشاء لهم من امتياز, ومن ثمّة، فالديوان كان بحقّ عملاً إبداعيّاً "لم يسبق إلى مثله سابق ولا يلحق مدى الدهر شأوَه لاحق"، كما يقول الجلياني نفسه. 

 

الشعر الهندسي: ويُعنى به نوع من الشعريأخذ شكل الدائرة، والمثلث، والمربع، والمخمّس، والمَعِين، وغيرها من الأشكالالهندسيّة. فإذا مثّلنا بالدائرة فهي لهامركز، وفي هذا المركز حرف من الحروف، ومن هذا الحرف يبتدئ البيت، وإلى هذا الحرفينتهي البيت. والدّوائر منها : الدائرة المركّبة، والدائرة البسيطة .وشعر الدّائرة المركّبةيتطلّب رسم دائرة أصلية كبرى، وحولها على المحيط دوائر صغيرة، وعلى حواف هذهالدّائرة الكبيرة والصغيرة يمرُّ البيت ابتداءً وانتهاءً، ليعود من جديد منطلقاً منالمركز إلى الدّائرة الصغيرة الثانية، ثمّ ينتهي إلى الكبيرة في مركزها .ويختلف عدد الأبيات باختلاف عدد الدّوائر، فكلّما كثرت الدّوائر طالت القصيدة،والعكس بالعكس. 

 

التطريز: ويعنىبه أن يجعلالشاعر الحروف أوائل الأبيات تشكل اسما معيناً.فإذا أراد الشاعر تطريز اسم " أحمد"، جعل الحرف الأول من البيت الأول ألفاً، و جعل الحرف الأول من الثاني حاءً، وهكذا إلى آخر المقطوعة. وللمعتمد بن عباد قطعةٌ مُطرّزةٌ في "اعتماد"زوجته، إذ يقول فيها:

 

           أغائبة الشخص عن ناظري          وحاضرة في صمـيم الفــؤادِ
           عليكِ سلام ٌبقدر الشجونِ      ودمع الشؤون و قدرالسهـادِ
           تملّكْتِ منِّيَ صعب المـرا مِ         وصادفْتِ ودّي سهل القيـادِ
           مراديَ لُقْياكِ في كلِّحـينٍ         فيا ليـت أنّي أُعْطـى مـرادي
           أقيميعلى العهد ما بيننـا         ولا تستحيلـي لطـول البعـادِ
           دسسْتُ اسمكِ الحلو في طيِّه     وألّفتُ فيهِ حروف "اعتـمـاد"

 

التشجير :ويعنى به تفريع كلمة منمعنى كلمة أخرى، وهكذا دواليك في استطراد وتسلسل. فهو نَظْمٌ يجعل في تفرّعه على أمثال الشجرة، وسمّي مُشجّراً لاشتجاربعض كلماته ببعض، أي تداخلها. فالشاعر ينظم البيت الذي هو جذع القصيدة، ثمّ يفرّع على كلّ كلمة منه تتمّةله من نفس القافية التي نظم بها، وهكذا من جهتيه اليمنى و اليسرى، حتّى يخرج منهمثل الشجرة .وإنّما يشترط فيه أن تكون القطع المكملة كلّها من بحر البيت الذيهو جذع القصيدة، وأن تكون القوافي على رويّ قافيته أيضاً.

 

التأريخ الشعري :وهو فنَّ التاريخ على حساب الجمل، وما دَلَّ على ابتداء زمنبطريق جمل حروف معدودة، أو ما في معناها .ويعتمد هذه الفنّ على حسابالتاريخ تبعاً لترتيب الحروف الهجائيّة العربيّة، وهي : أبجد هوز حطي كلمن سعفصقرشت ثخذ ضظغ .فكلّ حرف له قيمة عدديّة. لكن هناك شروط يجب توافرها في هذا الفنّ، ومنهاأن يتقدّم على ألفاظه كلمة " أرّخ"، أو "أرّخوا"، أو ما يدلّ على التاريخ. ومنها أيضاً ألا يكونفي بيتين، بل في بيت واحد، ويستحسن أن يقع في عجز البيت أو في قسم من العجز .ومنها أنّ الحروف تحسب على صورتها دون مراعاة لفظها.

 

ذات القوافي :ويعنى بها أن يبني الشاعر بيته الشعري على وزنين وقافيتين، فإذا أسقط جزءاً أوجزأين صار ذلك البيت من وزن آخر غير الأول. وتُسمّى التشريع والتوأم بتعبير ابن الحموي وابن أبي الإصبع على التوالي. ومثل ذلك قول الحريري:

 

يــا خـاطــب الـدّنـيـا الـدنـيّـة إنّـهــا    شَـــرَك الــــرّدى   وقــــرارة الأكــــدارِ

دارٌ متى ما أضحكتْ في يومها       أبـكــتْ غـــدا    تـبّــاً لـهــا مــــن دارِ

 

الطّرد والعكس :ويعنى به أن ينظم الشاعر قصيدة، فتقرأ على وجوه متعدّدة دونأن يكون وراء ذلك معانٍ جديدة في أغلب الأحيان. ومن ذلك ما ابتدعه صفي الدينالحلّي في هذه الأبيات التي تُقرأ طولاً فتؤدّي معنى، وتقرأ عرضاً فتؤدّيالمعنى نفسه:

 

ليـت شعـري، لــك عِـلْـمٌ من سقامي،  يا شفائي

لــك عـلـْمٌ، مــن زَفـيــري ونــُحــولــي وضــنــائـــي

مـن سقامـي، ونحـولـي داونــي إذْ  أنــت دائــي

يــا شـفـائـي،  وضـنـائـي، أ نـــت دائــــي ودوائــــي

 

أو هذه الأبيات التي تُقرأ طَرْداً وعكساً، فيبقى مبناها دون تغيير، ويمكن قراءة كل بيت من اليمين إلى الشمال، والعكس بالعكس، لأن ترتيب الحروف هو نفسه:
                قَبَسٌ يدعو سناهُ إنْ جَفا  فَجناهُ أنْسُ وعدٍ يسبقُ
                قرّ في إلْف نــداها قلبـُهُ     بِلُقاها دَنــفٌ لا يــفـرقُ

وهو أقسام، منها: المخلّعات، وما لا يستحيل بالانعكاس، والطرد مدح والعكس هجاء، مثل هذين البيتين الذين هما في المدح:
                              حلموا فما ساءَتْ لهُمْ شِيَمٌ   سمحوا فما شحّتْ لهم مِنَنُ
                                  سلموا فما زلـّـتْ لهم قدَمٌ    رشدوا فما ضلّتْ لـهم سُنَنُ
فيصيران هجاءً بعكس ترتيب كلماتها:
                                 مننٌ لهم شحّتْ فما سمحوا   شيم لهم ساءت فما حلموا
                                 سننٌ لهم ضلّتْ فما رشدوا      قدمٌ لهم زلّتْ فما سلموا

 

محبوك الطّرفين :ويعنى به نوع من المنظوم تكون كلّ أبيات القصيدة أوالقطعة مبتدَأة ومختتمة بحرف واحد من حروف المعجم. وكان ابن دريد قد نظم قطعاً مربعة علىعدد حروف الحروف لم يلتزم فيها مجرى واحداً، بل جعل كلّ قطعة منها مستقلّة عنسائرها بالوزن، كما هي مستقلّة في الرويّ، وأوّلها قوله في حرف الألف :

 

أَبقَيـتَ لـي سَقَـمـاً يُـمـازِجُ عَبـْرَتـي  مَـــنْ ذا يـلــذُّ مَـــعَ الـسَـقــامِ بَــقــاءَ

أَشمَتَّ بي الأَعداءَ حينَ هَجَرتَني   حـاشــاكَ مِــمّــا يُـشـمِــتُ الأَعــــداءَ

أَبـكَـيـتَـنـي حَــيـــن ظَـنَــنــتَ بِـأَنَّــنــي   سَيصيـرُ عُمـري مــا حَيـيـتُ بُـكـاءَ

أُخـفــي وَأُعـلِــنُ بِـاِضـطِــرارٍ أنَّــنــي     لا أَسـتَـطـيــعُ لِــمـــا أُجِـــــنُّ خَــفـــاءَ

    مع ذلك، كما في كلّ عصر، لا ننكر أنّ هناك غثّاً غير قليل قد ساد في شعر هذه العصور، وفي فنونها التي لم تكن تطاوع أيّ شاعر إلا إذا كانتلديه ملكة شعريّة، وصاحب خيال متوقّد يتفيّأ ظلال الشعرواللغة والبلاغة، فيبدع فيها بمقدار ما: (للاطلاع على نماذج من الأشكال الهندسية والدوائر الشعرية في التراث العربي، انظر: بكري شيخ أمين، مطالعات في الشعر المملوكي والعثماني. ومحمد نجيب التلاوي، القصيدة التشكيلية في الشعر العربي).

 

3. ابتداعٌ لا اتّباع:

 

   من المؤكّد أن هذه الأشكال الشعرية التي استحدثت خلال تلك العصور من تاريخ الشعر العربي، ولا سيما العصرين المملوكي والعثماني، تكشف لنا أن الشعر البصري Poésie Visuelle، أو المُجسّمconcrète، إنّما ابتدعه الشعراء العرب قبل الأوربيّين بمئات السنين. ومن المعروف أنّ أحد مظاهر الحداثة الشعرية في أوربا قام على التصوُّر المادّي-البصري للكتابة كما نلمس ذلك في خَطّيات Calligrammes الشاعر الفرنسي غيوم أبولينير Apollinaire، الذي استبدل بالنقط والفواصل إشارات رياضية وموسيقية؛ كما أولى الشاعر ستيفان مالارميه Mallarméأهمية قصوى في التجسيد العلامي- البصري للصفحة الشعرية كما الحال في قصيدته ذائعة الصيت "ضربة نرد". وفي تجارب بعض من شعراء السوريالية نراهم جسّدوا هذا البعد في تصوُّرهم لآليّة الكتابة، أو في محاولات الشاعر السويسري أوجين غومرينجر Gomringer، الذي يمزج في نصوص من ديوانه "Constellation" بين عناصر بصرية وصوتية وأيقونية، فتتحوّل الكلمات إلى مادة ذات قيمة تشكيلية. وفي السويد، أصدر ويفيند فالستروم Fahlströmمجموعةً من القصائد المجسّمة وبياناً (من أجل الشعر المجسم) عام 1953م. وفي متحف الفنّ الحديث بمدينة ساو باولو، عام 1956م،  نظّم شعراء برازيليون من أمثال الأخوين أوغستو وهارولدو دو كامبوس، وديسيو بيغناتاري ورونالدو أزيريدو، معرضاً للفنّ المجسم، قبل أن يصدروا بعد نحو سنتين بياناً في مجلة"Noigandres". ونحو عامي 1962-1963 ظهرت أولى أعمال الشعر البصري، التي تأثّرت بالتيار المستقبلي، في عدد كبير من البلدان.

ولقد وقع أصحاب الاتجاه التجسيمي-البصري في الشعر خاصة، والفنّ عامة، تحت تأثير المدرستين الدادائية والمستقبلية. ويمكن اعتبار كلٌّ من مالارميه، وأبولينير، وباوند، وغومينغز وجويسرُوّاد هذا الاتجاه.

 واليوم، نجد أنّ مصطلح "الشعر المجسم" يُستعمل للدلالة على قطاع رحب ومتنوّع من الإبداعات والتجارب الشعرية، ومن أشكال الشعر التجريبي، حتى داخل الشعر العربي المعاصر نفسه، وبالتالي من الصعب أن نعطي له تعريفاً وحيداً ودقيقاً.

نشرت الدراسة بـ(المجلة العربية)، العدد( 439 ) شعبان 1434هـ - يوليو 2013م:

 http://www.arabicmagazine.com/arabic/ArticleDetails.aspx?Id=2752

 


 

06:56 |  Facebook | |