Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

17/07/2013

حوار

 

الوراري: خارطة الشعر المغربي ما بعد الثمانينيات وإلى الآن جديرة بالتأمُّل

alwar.jpg

حاورته: ليلى بارع


-(ذاكرة ليوم آخر) هو آخر أعمالك الشعرية، الذي وقّعته بالمعرض الدولي للكتاب، هل يمكننا أن تحدثنا عن الجديد فيه من حيث البناء والإيقاع؟

   يلاحظ المتتبّع لشعري وجود تحوُّل معرفي وجمالي إلى حدّ أن نتحدث عن خواصّ تعبر التجربة برُمّتها. فانطلاقاً من عمل الذات وإشراقاتها في علاقتها بالفضاء واللغة والتاريخ، بشكل غير محدود، ثمّة كتابة متحوِّلة. لا يعنيني في الكتابة التي أُكبّ عليها بقدر عنايتي بإيقاع الذات والعمل عليه داخل البناء النصّي الذي ترفده موسيقى هامسة من الإيقاع، ويسهم فيه تنويع التراكيب، مثلما عنايتي بالتصوير الشعري وإدارته في إطار من الحوار الخارجي الذي يستبطن الحالات الشعرية المختلفة. إنّها كتابة تُقاوم حتى لا تتلهّى عن حماية الأمل الذي يوقظ ولا يعمي الرؤية، ويترك الوعد بالحياة ولغتها قائماً على الدوام. إنّ ديوان «ذاكرة ليوم آخر» يُحقّق طفرة ويحدث انشقاقاً في التجربة، وفيه يتمُّ الإصغاء إلى الفردي بقدرما إلى الجمعي بشكلٍ غير قابل للفصل. كما اللغة المغمورة بإيحاءات الزمن الذي يتمّ نقله بالتقسيط إلى أن يصير بالكثافة التي تُؤذي في الصميم، وبالذكريات المنقوعة بماء الأمل، هنا الإيقاع الذي يحاول أن يتقفّى أثر الذاكرة ويتجاوب معها، لذلك أعمل على تنويع مصادر اشتغاله عبر اللغة وخارجها، إذ لا يعنيني التوقيع بقدر ما يعنيني الجَرْس الذي يلفت القرينة من غفلتها، ويبعث شتيت المعنى من سقطه المهدور. نلمس ذلك بأشكال متنوّعة ومُشظّاة من نصّ إلى آخر، ومن شذرة إلى أخرى، حيث يعبر الإيقاع في اللغة مدركاً ومحسوساً وباتراً ومرئيّاً أو غير مرئيٍّ.  وسواء كان داخل قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، فإنّ الإيقاع مُفكّرٌ فيه كأثر لا كعلامة، وهو يتّكئ، باقتصاد بليغ وعبور هامس، على مجمل «اللونيّات»  و«الفراغات» التي تأثر عن توتُّرات اللغة وتجاويفها في علاقتها بملفوظ الأنا. من ثمّة، يمكن لنا أن ننعت هذا الإيقاع، تجوُّزاً، بأنّه «إيقاع ثالث»، لا هو إيقاع الوزن الذي يتردّد على مسافات منتظمة، ولا هو إيقاع النثر السيّال كيفما اتّفق.

-كيف يمكنك أن تنفلت من قلم الناقد في أعمالك الشعرية؟

  بالأحرى، هناك تجاوبٌ بين الشعر والنقد، إذ هما فعاليّتان تتحاوران في الذهاب-الإياب داخل معماري الكتابي، ولا يقعان على طرفي نقيض. فكل منهما يلبي حاجةً نفسيةً، علاوةً على ما ينهضان به من أعباء المعرفة والتأمل. وأحاول –بقدر ما أستطيع- أن أحتفظ بالتوازن الخلّاق بين الفعّاليتين معاً. كتابة القصيدة تحتاج-أوّلاً- إلى استغراق شبه كُلّي ينقطع إلى أسرارها وما يفعله دبيبها في الروح والوعي، لكنها لا تنفصل تماماً عن اشتراطات التي الكتابة تدبّر بؤر تشويشها وتخلّصها من زوائدها، كما لا تنفصل عن خصوصيّات الجنس الذي تنكتب في ضوئه. ثمّة عبء البوح وعبء المعرفة. أما في لحظة الكتابة النقدية فأنا أذهب إلى النصوص وأقترب منها مصغياً إلى فرادتها وشعريّتها، بانفتاحي على تجربتي ومقروئيتي التي راكمتُها بجوار القصيدة، وعلى أدوات النظرية التي أنتقي منها ما يفيد عبوراتي إلى تلك النصوص ولا يثقل عليها بداعي المنهاجية. أنا، ناقداً، مسكونٌ بالشعر، وبمعرفة الشعر. وبداخلي ثمّة فرح داخليّ، يحركني للكتابة عن هذا الشاعر أو ذاك، وعن هذا الديوان أو ذاك.

-ما رأيك في الحكم القائل بأنّ النقد الذي يكتبه الشعراء يظلُّ مختلفاً عن النقدالأكاديمي الصارم؟

    هو كذلك. مختلف ومغاير في لهجته وأفقه. وإذا رجعنا إلى تاريخ النقد الحديث وجدنا أنّ أهمّ الكشوفات والإضاءات التي أفادت شعرنا العربي وقدّمته إلى جمهور القراء، تمّت على أيدي شعراء نقاد، من أمثال: أدونيس، يوسف الخال، صلاح عبد الصبور، علي جعفر العلاق، محمد بنيس، تمثيلاً لا حصراً. أهمّ نقاد الشعر ومنظّريه هم الشعراء أنفسهم، الذي يعرفون أنّ الكتابة تذهب نحو ما لا تعرفه، نحو ما ليس لها، أي نحو مُمْكنها الذي تتنصّت عليه النظريّة. بطبيعة الحال، هذا لا ينتقص من نقاد أكاديميّين متمرّسين ساهموا بقدر وافر في الرقيّ بالذائقة النقدية. لكن يبدو لي أن نقد الشعراء هو أكثر سلاسة وأكثر كشفاً، يعنى بإبداعيّة اللغة ومحسوسيّة الرؤية في التحليل. وإن كان يهمُّه هو الآخر المعرفة بالمنهج، لكنّه لا يصير مريض النظرية، غارقاً في شكليات البحث والنزوع السكولائي.

-بصفتك ناقداً، كيف تنظر إلى مهرجان شفشاون هذه السنة، من حيث إحتفاؤه بالشعر المغربي الحديث؟

   كعادتها، ومنذ 1965 عام تأسيسه، لم تخذل شفشاون اللقاء بالقصيدة المغربية عبر فعاليات المهرجان الوطني للشعر المغربي، وقد شارك فيها وأحياها ثلّةٌ من شعراء أتوا من كلّ شِعْب وشِعْر. وقد بدا واضحاً، عبر الجلسات الشعرية الثلاث التي توزّعت بين دار القصبة ودار الثقافة بفضائهما المعماري التاريخي الفاتن، كيف اختلفت نصوصهم الشعرية وتفاوتت قيمتها ووظيفتها، بقدرما اختلفت أشكالها بالنسبة إلى صيغ تدبيرها للكتابة ونوعيّتها، وأجبال كاتبيها. لكن لوحظ الحضور المتوازن بين قصيدة التفعيلة بإشراقيّتها ودفق إيقاعها كما اقترحها-مثلاً- عبد الكريم  الطبال وأمينة المريني ومحمد علي الرباوي والزبير خياط، وبين قصيدة النثر بنزوعها إلى اليومي ورؤيتها اللوذعية كما اقترحتها أصوات من الحساسية الجديدة من قبيل عبد الجواد الخنيفي ومخلص الصغير وحميد زيد. فيما اقترحت وفاء العمراني وإيمان الخطابي وأمل الأخضر نصوصاً تتكئ على صيغة المؤنّث المفعمة بالعطر الأنثوي الذي سرى في جسد اللغة ونبض بالعاطفة والشهوة وبوجدانها الخصب الذي يتكلّم مجازات التاريخ الشخصي الموجع.

   والمؤمّل اليوم من جمعية أصدقاء المعتمد، الجهة المنظّمة للمهرجان، أن تعمل على إبداع صيغ جديدة لفعاليّاته وتطويرها بالانفتاح على مزيدٍ من "الحساسيات الجديدة"، وطباعة أنطولوجيات شعرية ووقائع الندوة النقدية للمشاركين فيه كلّ عام، وإدماج فنون بصريّة وموسيقية مصاحبة للقراءات الشعرية ليس فقط في الفضاءات المغلقة، بل حتى الخارجية منها (حديقة، ساحة، مشهد طبيعي..) في بلدة طبيعية غنية وساحرة مثل شفشاون. ولكن من الواجب على وزارة الثقافة والجهات ذات الصلة أن تدعم هذا المهرجان بقوّة وبلا تردُّد، ليس لأنّه أعرق مهرجان شعري، أو لأنّه يمثّل ذاكرة حيويّة للشعر المغربي الحديث، بل بوصفه وجهاً بازغاً لذائقتنا وإبداعنا وحبّنا للفنّ والجمال، وعلامة دالة على حيويّة ثقافتنا اليوم.

-بموازاة القراءات الشعرية، انعقدت الندوة النقدية في موضوع: "القصيدة المغربية.. إلى أين؟" شارك فيها خيرة نقاد المغرب.في نظرك، إلى أين تسير القصيدة المغربية الحديثة؟ وهل تستجيب للتحولات الجارية في عالمنا اليوم، لا سيما وأنّ لديك كتاباً يصدر قريباً بعنوان:"حساسيات جديدة في الشعر المغربي المعاصر"؟

     في الحقيقة، شخّصت مداخلات النقاد من مثل نجيب العوفي وبنعيسى بوحمالة ويوسف ناوري ومحمد المسعودي، عبر منظورات مختلفة، واقع القصيدة المغربية وأعطابها ورهاناتها. كما أنّ المداخلات لم تمرّ بدون أن تثير آراء الحضور وتساؤلاتهم التي أغنت محور الندوة العريض، إذ فيهم شعراء وباحثون خبروا مضايق القصيدة. ويظلّ من الزعم القول إنّالمداخلات أجابت عن سؤال مصير القصيدة المغربية، بقدرما أنّها لململت جوانبه وفتحته على تهوية جديدة عبر سيرورات القراءة والتأويل. وفي اعتقادي الذي تسنده متابعتي المستمرة لراهن الشعر المغربي، يبدو لي أن الخارطة التي اختطّها الشعر المغربي منذ ما بعد الثمانينيات وإلى الآن، جديرة بالتأمُّل، لأنها شكّلت بتضاريسها المتنوعة آفاقاً جديدة، وقطعت مع ما سبقها، بقدرما كرّست وعياً جديدة بالمسألة الشعرية برُمّتها، بعد أن رفعت عنها السياسي والإيديولوجي، ويمّمت بوجهها شطر المغامرة، حتّى أنّ ما كان مُتخفِّياً ومأمولاً يصبح أكثر حضوراً في تجربة الراهن. ولعلّ من أهم ملامح الراهن هو صعود حساسيات جديدة رافقه صعود قصيدة النثر التي باتت لسان حال الشعراء الجدد الذين لا يُخفي قطاعٌ كبير منهم رغبته في الحرية، وإن كان ذلك لا يخفي تهافته على كتابتها، ثمّ الاهتمام بالذات في صوتها الخافت والحميم وهي تواجه بهشاشتها وتصدُّعها الأشياء والعالم والمجهول، والعكوف على ما تعجّ به الحياة اليومية من اختلاطات ومشاهدات وتفصيلات وعلائق خفية، وتناولها بأشكال من اللوذعية والمفارقة والسخرية. والكتاب الذي أومأتِ إليه سيكون كتاباً بوليفونيّاً، توثيقيّاً وأنطولوجيّاً إذ يضمّ بين دفتيه تأملات وشهادات ونصوصاً شعرية لنحو أربعين شاعراً يمثّلون، في نظري، روح الحساسية الجديدة ومغامرتها.

-شاركت في مهرجان الشعر المتوسطي الذي احتضنته الجديدة"، حيث الحضور العالمي للشعر، هل يمكنك تقريبنا من الأجواء العامة التي تمارس فيها القصيدة الشعرية اليوم؟

     لم تكن أيّام المهرجان ثلاثة فحسب، بل أزمنة تحبل بمعنى الأمكنة التي ساكنت الشعر في أصواته الحيّة من لغة إلى أخرى، ومن إيقاع إلى آخر. تحت جذع شجرة. بين أغصان مدلّاة أو معرّاة. بمحاذاة أشجار (الروكاريا) و(السون دراكَون) السامقة. وسط خيمة شبيهة بالخيام التي كانت تضرب للشعر منذ الأزل. حديقة محمد الخامس التي احتضنت معظم قراءات "مهرجان الشعر المتوسطي"، وضبطت توقيتها على إيقاعه، بدت حديقة غير عادية. تحوّلت الحديقة إلى ما يُشبه سوق عكاظ، إذ استمتع جمهور الشعر الحاضر بقصائد الشعراء الذين وفدوا من بلدان البحر الأبيض المتوسط، وهي تُلقى بلغات وأصواتٍ متعددة، وفي أشكال وموضوعات تعبيرية مختلفة، من الحبّ والإيروتيكا إلى عوالم الطبيعة وفضاء الموت، ومن هموم الذات إلى الأسئلة الكونية الواخزة، ومن التأمل الفلسفي إلى الوجد الصوفي والاستغراق الغنائي. ووجدتُ من هؤلاء الشعراء من كان يُجسّد جيل الشعراء المخضرم الذي يتشبّت بالبناء التقليدي للقصيدة الحديثة التي تنهل من التراث الإنساني ومُتخيّل الثقافة المتوسطية المشترك؛ ومنهم من كان يُعبّر عن الجيل الجديد الذي اختار الانفتاح على البناء الجديد الذي يستثمر أشكال التعبير المختلفة، بما في إحياء تقاليد الشعر الشفوي الذي يقوم على الإيقاع والأداء الموسيقي كما لدى شاعرين مثل الإيطالي كلوديو بوزاني والفرنسي أنطوان سيمون. وفي بعض القراءات الشعرية تمّ، بطريقة مؤثرة من أحد المؤدين على الخشبة، نقل قصائد المشاركين إلى لغة الإشارات لفائدة الصم.وقد قرأ بعض الشعراء قصائدهم في قوارب على نهر "أم الربيع" الذي يخترق بلدة أزمور العريقة، بينما كانت بعض شوارع المدينة تُوشّيها لافتات تومض بشذرات شعرية لشعراء مشاركين، كما بدت مسرحاً لبعض الأنشطة المقامة على هامش المهرجان. لقد أضفى الغناء والموسيقى والتشكيل بعداً آخر للشعر، وحوّلاه إلى ما يشبه عيد حقيقي أبهج الناس في عاصمة دكالة، وفرحوا به.

-هل يعني هذا أن مشكلة تلقّي الشعر يمكن مواجهتها ببعض الذكاء التنظيمي؟

   صحيح. تغيّر الشعر، وتّغيّر الخطاب الجاري حول الشعر، فلم لا تتغيّر أشكال تلقّيه، عبر إبداع صيغ جديدة تشرك الفنون الجميلة وتستثمر التكنولوجيات الجديدة كما تعمل على البحث عن دوائر تلقٍّ جديدة غير عادية، يمكنها أن نجدها في كلّ مكان حيث ينتظرنا هناك من سبق أن صافحناه أو حلمنا به وكتبنا عنه في غفلة منّا.


* نُشر الحوار بجريدة "الخبر" المغربية، الأربعاء 17 يوليوز2013

wariani.pdf

15:50 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.