Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

28/07/2013

هذا هو نزار الذي أعرفه

 

(أحلى قصائدي)..

زلزلت فهمي للشّعر وأرَتْني العالم بوجْهٍ آخر ! 

AHLAQASAIDI.jpgNizarqabbani.jpg 

عبد اللطيف الوراري

 

     كانت حدود وعيي بالشعر لا زالت غائمة ومضطربة، بموازاة مع النزوع المدرسي الذي كان يُشيِّئ القصيدة ويُسطّح عمقها اللغوي والمجازي إلى حدٍّ فادح. مُعلّقات، قصائد ومقطوعات شعرية كانت تمرُّ أمامي عيني بدون أن تُثير فيّ إحساساً، ولا أن تحملني إلى مسافةٍ أخرى من الجمال والذوق. فقد كان مدرّسو العربية يتأفّفون من الشعر ويُكنّون عداءً خفيّاً إزاءه، ولهذا كانت حصة الشعر ثقيلةً ومُملّة وبلا معنى يُذكر، وبسبب ذلك غدا أقراني من تلاميذ السلكين الإعدادي والثانوي فالجامعي يكنّون العداء نفسه، بل يُجاهرون به. إنّ أيّ طالب بينهم يحسن إلقاء قصيدة، أو ينجزون عرضاً عن الشعر، أو يتدخّل برأي جمالي فيه كان يضع نفسه في موقف لا يُحسد عليه من السخرية والتنكيت، فلا يعود إلى ذلك مرّة ثانية. لم يكن الأمر يتعلّق بجيلي، بل بأجيالٍ سبقت وأخرى أتت تالياً. عداءٌ مستحكم، بالفعل.

   ولولا قدماي اللّتان ساقتاني إلى دواوين خارج الفصل الدراسي وإكراهاته، ولولا حاجة إلى تعويض كنْتُ أحِسّه بداخلي، لما وجدْتُ نفسي بينهم ناقماً على الشعر وأهله. من ديوان "أغاني الحياة" لأبي القاسم الشابي، إلى الأعمال الكاملة لإيليا أبي ماضي و"الحب الحياة" لإبراهيم نجا و"الملاح التائه" لعلي محمود طه، وليس آخرها أعمال جبران التي زوّجت الشعر للنثر. كانت ساعات بين هذه الدواوين ساعات حبّ وإصغاء وتعلُّم وصفاء، ثُمّ سرعان ما استحال ذلك إلى أجنحة أطير بها وأُغنّي من الحرمان، وعلى شفاهي هذا البيت الشعري لأبي ماضي: ( الشُّجاعُ الشُّجاعُ عندي من أمسى:: يُغنّي والدمع في الأجفانِ).

   لكن الديوان الذي زلزل فهمي للشعر وأراني العالم بوجْهٍ آخر، وأنا بعدُ على مقاعد السلك الثانوي، هو ديوان "أحلى قصائدي" للشاعر السوري نزار قباني الذي كانت شهرته، وقتئذٍ، تطبق الآفاق. الديوان عبارة عن كتاب جيب يسهل عليّ حمله أنّى حللتُ وارتحلت، وكان بمثابة مختارات شعرية جمعها الشاعر وصدّرها بتقديم جاء في بعضه: " أحلى قصائدي !هل هذا ممكن؟ وهل يستطيع شاعر على وجه الأرض أن يقرر بمثل هذه السهولة والرعونة، ما هي أحلى قصائده. وإذا كانت القصائد التي اخترتها هي أحلى القصائد من وجهة نظري، فهل هي كذلك بالنسبة للآخرين؟(...) إن فكرة إصدار مختارات شعرية لي فكرة قديمة ولكنني كنت دائماً أؤجلها وأخشاها كما يخشى المتهم قرار المحكمة. إلا أن مواجهتي اليومية للجمهور ووقوفي أمامه فاعلاً ومنفعلاً وردود الفعل المختلفة التي كانت تواجَه بها قصائدي أكسبتني بعض الخبرة في معرفة القصائد ـ المفاتيح في شعري. وأعني بالقصائد ـ المفاتيح تلك القصائد التي تركت وراءها أسئلة.. وحرائق.. وناراً.. ودخانا. واليوم وقد قررت أن أدخل قاعة المحاكمة أود أن أهمس في آذان المحلفين أن اختيار بضعة أشجار من غابة لا يمثل حقيقة الغابة، وأن قطف ثلاثين زهرة، ووضعها في آنية.. فيه ظلم كبير للبستان".

    في الحقيقة، اختار نزار قصائده التي تُمثّله ليس في تاريخه الشعري فحسب، بل في المخيال الجماعي الذي أدمن شعره أيّما إدمان. لقد عكست القصائد ظروف الشاعر التاريخية والنفسية والإنسانية التي كتبها تحت تأثيرها، وبالتالي كانت فكرة المختارات استراتيجية وكلمةَ سرٍّ وجواز سفر أمميّاً، في وقت حاسم من تجربته الشعرية. هذا الكلام لم أفهمه إلا لاحقاً، أمّا ما كان يستأثر باهتمامي ويستحوذ على مشاعري هو الموضوعات التي هرّبت أحلامي من مقصورة الرومانسيين وجعلتها في تماسّ مع الواقع ومحكّه اللاهب الذي كان يغلي في بداية التسعينيّات، قبل أن ينصرف اهتمامي إلى اللغة المتوتّرة الجذّابة التي كتب بها نزار، والإيقاع الذي عزف عليه شعره بنمطيه العمودي والتفعيلي مسموعاً وقويّاً. كانت قصيدة ( اِختاري ) فاتحةَ القصائد المختارة، وكلّما أشرعت دفّتي الديوان أتاني صوت نزار ثائراً ودافئاً، وحملني خياله الآسرُ بعشقه وحزنه وجنونه، وتارةً بزهده وكبريائه وهمومه. وتتوالى القصائد إذ يناصر نزار المرأة، ويتحدث عن الحبّ بمرارة، ويقلب أوجاع التاريخ ويسقط الأقنعة عن رجالٍ لا سياسة لهم، كما يتحدّث بشبوب عاطفي عن الأندلس وأبيه وأمه وطوق الياسمين الدمشقي. لا أزال أذكر قصائد "نهر الأحزان"، "حبلى"، "القصيدة الشريرة"، "الخرافة"، "خبز وحشيش وقمر"، و"الحب والبترول" و"الرسم بالكلمات". كما أذكر قصيدته "غرناطة" التي آذتني في الصميم، واستهلّها بقوله:

               في مدخل الحمراء كان لقاؤنا    ما أطيب اللُّقْيا بلا ميعاد

              عينانِ سوداوانِ في حِجْريهما        تتوالدُ الأبعادُ من أبعادِ

              هل أنتِ إسبانيّةٌ؟ ساءلتُها       قالتْ وفي غرناطةٍ ميلادي

              غرناطة؟ وصحَتْ قرونٌ سبعةٌ    في تينك العينينِ بعدَ رُقادِ

لقد أثر فيَّ نزار بمختاراته الشعرية، أوّلاً بعنايته بالإيقاع الذي ينطلق محسوساً ومرئيّاً، وثانياً بتشخيصه الحيوي للغة التي لا تحول مجازاتها دون التعبير عن جوهر الفكرة الشعرية بوضوح، ولهذا أفخر أنّي تعلّمت من نزار وأخذتُ عنه العمل على الشعر وسياساته.

- نشرت الشهادة بزاوية (كاتب وكتاب) التي تعدها خديجة بوعشرين في جريدة "الخبر" المغربية، 24 يوليوز 2013.

18:38 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.