Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

05/09/2013

عن الدخول الثقافي

ليس ترفاً، بل حاجة حضارية تعكس عناصر قوّة الثقافة وحركيّتها في المجتمع 

عبد اللطيف الوراري

 26a-na-43155.jpg

   الدخول الثقافي، مثل هذه العبارة تظلّ بلا معنى إذ نستوردها، ضمن ما نستورده من أجهزة التقنية الحديثة، للدلالة على واقع غير موجود يمكن أن تتطابق معه أو تجهر به. إنّي أشعر بالخجل والغُصّة عندما أرى بعض الناس يتحدّثون عن الدخول الثقافي أو الأدبي في المغرب وكأنّه واقع، فيتكلّفون الكلام للاحتجاج به عليه، في وقت لا تزال فيه الدولة ومؤسساتها تحتقر الثقافة وأطر الوعي وتستبدل بهما صيغاً من "التلهية" التي تشغل بها الناس عن واقعهم ولا تحرّضهم على تغييره، بما في ذلك صيغة الإعلام المُدجّن والمهرجانات الغنائية التي تنهب من مال الخزينة العمومية وتظل تستأثر بالاهتمام طوال العام. لا أعتقد أنّ هناك دخولاً ثـقافيّاً بالمعنى المتعارف عليـه في أوربا، إذ لا نمتلك تـصـوُّراً مـتـكاملاً لسياسة ثقافية تـتـضافـر من خلالها الجهود المتطلعة إلى جـعل الثقافة شأناً يوميّاً لدى الإنسان المغربي وزاداً حـاضـراً على مائدته كما يحضر خبزه اليوميّ ويتعيّش عليه. ففي فرنسا، مثلاً، نجد أن ذلك الدخول بات "تقليداً" سنويّاً، إذ يترافق مع الكمّ الهائل من الإصدارات الأدبية التي تتنافس فيها دور النشر، وتتلقّفها أيدي القراء بيسر، وتعرضها البرامج التلفزية أو الملاحق الأدبية في كبريات الصحف مثل لوموند ولوفيغارو وليبراسيون ولومانيتي بالنقاش والتحليل، عدا غمار التنافس على جوائز الدخول الرفيعة والسخية. بهذا المعنى، فإنّ الدخول الثقافي ليس ترفاً، بل حاجة حضارية تعكس عناصر قوّة الثقافة وحركيّتها المجتمعية والسياسية بالنسبة للدول التي تحترم ثقافتها وتدافع عن خصوصيتها وتحمي وجودها باستمرار.

    في غياب استراتيجية واضحة لدعم الكُتّاب وتحفيزهم بجوائز مهمّة، وتقديم تحفيزات ضريبية لصالح دور النشر حسب دفاتر تحملات متّزنة، وإشهار الكتاب العلمي والفكري والأدبي وتسويقه وتوسيع دائرة تلقّيه داخل الفضاء العمومي، وتوفير بنيات استقبال مهمّة للعرض والتنشيط، لا يمكن لنا الحديث عن دخول أدبي أو ثقافي، مترافقاً مع "دخولات" أخرى متزامنة ومتداخلة ينتفع بعضها من بعض: الدخول المدرسي، والجامعي، والسياسي، إلخ. وإلّا فإنّ ذلك الدخول سيظلّ مقترناً لدى كثيرين بالمعرض الدولي للكتاب والنشر بالدارالبيضاء، وذلك بعد أيّام من "العطلة للجميع". وهكذا، فإنّنا لا نملك إلى اليوم ملامح أو مظاهر لمثل هذا الدخول الذي يفيد بأنّ هناك انطلاقة جديدة لموسم جديد يعد بالنشاط والحيوية في مجالات الحياة الإنسانية.

   لقد كان من المفروض، بعد إقرار دستور جديد، أن تكفّ الدولة عن "بهدلة" الثقافة وصُنّاعها الحقيقيّين، وأن يصير الاهتمام بها هاجساً ضاغطاً وأولويّة ضرورية، حتى نطرد، نحن مُواطنيها، عن عقولنا الخمول وندخل التاريخ من جديد، بعد أن نكون قد هيّأنا أسباب الدخول الثقافي وعشناه واقعاً متجدّداً طيلة العام، وعاركناه بعقولنا وأحلامنا الكبيرة التي تشقُّ طرق الأمل وبعزّة وثبات، بقدرما تنتصر لقيم المواطنة والعصر ضدّ مخاطر التحجُّر والانغلاق والعجز عن صناعة الحياة الكريمة.

 

18:45 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.