Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

17/09/2013

حوار

 

عبد اللطيف الوراري: أتعلم من ذاتيّتي هذه الطريقة الخاصة بالإصغاء والعودة إلى الداخل حيث يصدر هذا الذي يأتي دائماً !

31qpt899.jpg

أجرى الحوار: سناء بلحور (شاعرة وقاصة مغربية)

عبد اللطيف الوراري شاعر وناقد مغربي من الجيل الجديد، يكتب قصيدته عن وعي كبير بآلياتها، فهي محرابه الأثير، وغوايته الماتعة، يخصص لها عالماً خاصّاً يستقي ملامحه من اشتغاله المتواصل على الذات، وبحثه المستمر والجاد في عالمي الشعر والنقد. وإيماناً منه بتطور القصيدة معرفيّاً وجماليّاً، فإنه يسعى جاهدا أن تكون قصيدته جوهراً وحقيقة للذات الإنسانية وعزاء لأحزانها وخيباتها. وللتذكير فقد أغنى الخزانة الشعرية بالإصدارات الشعرية التالية: ‘لماذا أشهدت علي وعد السحاب’/'ترياق’/'ذاكرة ليوم آخر’. إضافة إلى إصداراته النقدية، منها:’الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي’، و’نقد الإيقاع′.

 

 

ـ حدّثنا عن علاقتك بالقصيدة؟ 

   -علاقة غامضة وسرّية، لا أعرف متى تأتي وإلى أين تأخذني. إنّها أشبه بامرأة هُلامية لا نستطيع أن نكشف جمالها الحسّي إلّا محضناها الحبّ والصبر، وبالتالي أبهجتنا ووهبتنا كلمة سرّها إلى حين. أعتقد بأنّ مثل هذه العلاقة مهمّة وتُشكّل حافزاً على الكتابة: إغواء الكتابة.

ـ المطلع على دواوينك الشعرية يلمس تطوُّراً وتغييراً في قصائدك، انطلاقا من ذلك ما المسعى الذي تتحمّله لتقديم منجزك الشعري  بشكل مختلف؟

  -هناك تحوُّل أحرص عليه في كلّ عملٍ شعريٍّ أخوضه. من باكورتي الشعرية "لماذا أشهدتِ عليّ وعد السحاب؟" (2005) وإلى آخر مجموعة "ذاكرة ليوْمٍ آخر" (2013)، يلاحظ المتتبّع لشعري وجود تحوُّل معرفي وجمالي إلى حدّ أن نتحدث عن أقانيم تخصُّ تجربتي الشعرية: القصيدة بوصفها عمل الذات، العناية بإيقاع هامس ومرئيٍّ ومتنوّع داخل معمار النص، تنويع التراكيب، الانتقال ببن الشعري والنثري، الاهتمام بالتصوير الشعري وإدارته في إطار من الحوار الخارجي الذي يستبطن الحالات الشعرية المختلفة. إنّي أسعى باستمرار إلى كتابة نصّي الخاص، وأحرص على أن يكون النصّ الشعري مختلفاً بين نصوص أبناء جيلي على الأقلّ. لا أهتمّ، بموازاة ذلك، بالموضة وآخر التقليعات التي سرعان ما تنطفئ، لأنّ ما يعني الشعر هو الجوهري، وهذا الجوهري محكّي الحقيقي، وعزائي أيضاً. 

 ـ هذه الذات التي تُعنى بها في شعرك، هل هي المنطلق أم المآل؟ 

-هما معاً: المنطلق والمآل في سيرورة الكتابة ومختبرها، فالذّات في منطلقها ليست كما انتهت إليه. إنّها من المفترض أن تكون قد تأثّرت بمناخ ومزاج معيّنين، وانطبعت عليها علائم وخواصّ متنوّعة لا تُحصى. هذه الذّات هي التي لها هويّة مختلفة ومفتوحة تتحرّك في كلّ زمان، وهي بمثابة " المبدأ التحتي الدائم في تعاقب الأزمنة" بتعبير بول كلي، وهي تنظر إلى موضوعها  من منظور متعدد الجوانب، وإلّا فإنّهُ ليس بوسعها أن تجعل من الشعر أو الفنّ شكل حياة. لا أعني بالذّات هنا الفرد، إنّها أشمل من ذلك وأرحب. إنّني أتعلم من ذاتيّتي هذه الطريقة الخاصة بالإصغاء والعودة إلى الداخل حيث يصدر هذا الذي يأتي دائماً، ولا يشيخ أو يخذل. فقيمتها تأخذها من قوة الكلمات الفارغة داخل العمل الذي تُكبُّ عليه، والتي لا تفيض إلّا بما يوضع فيها، فيتغير بشكل لا محدود. هذه هي الذّات.

 من هنا، أفهم لماذا الذات والذاتيّة تُمثّل المبدأ الباني في الشعر تحديداً، والفنّ إجمالاً، بقدرما توسّع بوسائل شكلية حدودَ الحياة مثلما هي تظهر عادة، وتجعل من عمل هذا الوسائل، لغةَ أو إيقاعاً أو موضوعاً، مرئيّاً ومحسوساً. هذا الفهم يهمّني في الطريق الذين أذرعه ذهاباً وإياباً بين كتابة القصيدة والوعي بها نظريّاً.

 ـ تُحيلنا  مجموعة من أشعار ديوانك الجديد "ذاكرة ليوم آخر" على آثار لشعراء آخرين أمثال المتنبي والمعري والمعتمد بن عباد والشابي وأمل دنقل ونازك الملائكة وعبد الله راجع وسركون بولص... كيف تفسر هذا التناصّ الحاضر بقوة، وعلاقته بنوعية الذات؟

- أجل، هناك حضور شديد للتناصّ، أو بالأحرى للتّذاوُتية La trans-subjectivité.  تفاعلُ  ذاتي مع ذواتٍ أخرى تجمعني بها قواسم عزاء مشتركة من هذا الشاعر إلى ذاك،وهي غير منقطعة عن الزمن والفضاء اللّذين يستحيلان بدورهما إلى وظيفة اشتغال تضع العمل الشعر بمجمله في قلب السيرورة، وتطبعه بطابع بوليفيني تتجاوب فيه أصوات الحاضر مع التاريخ، والحبّ مع صمت الجهات، والضوء مع خطى الوحشة، والريح مع أصداء الميادين التي التهبت في الربيع. إن الذات، الذات الكاتبة، تنسج في علاقتها بكلّ ذات مرجعيّة أو متخيَّلة نوعيّةَ ما، صيغة ما من التشكُّل والاجتراح، عبر تبثيرها لتفصيل حياتي، أو تأويل جرح شخصي، أو تحرير لمعنى ومثل شارد. ولهذا نجد ديوان "ذاكرة ليوم آخر" فضاءً تسرح فيه، بشكلٍ لانهائيٍّ، حيوات الذات التي لها القدرة على تحويل الحاضر، والماضي كذلك. وهو ما يتيح للذات، هنا، الحركة، فلا تسجن نفسها في الزمن المعطى.  إنّها تتجاوز ذاتها بذاتها في عبوراتها إلى ذواتٍ أخرى، من غير تقديس أو شعور جارف بالحنين إلى ماضٍ ولّى.

 ـ هال أنت راضٍ عن متابعة النقد لأعمالك الشعرية؟ وما هي بعض آراء النقاد التي تعتزّ بها؟

-غير راضٍ، ولكن المسألة أعقد من مُجرّد شعور. إذا تأمّلنا سياقات النقد الشعري وجدناها تأخذ وظائف جديدة لم تعد تهتمّ بسؤال الشعر ومعرفته كما كان في السابق، بل أكثر ما يهمّها هو التسويق السريع للمعلومة وتسطيحها حتى تصل إلى شريحةٍ أوسع من الجمهور. في هذه المعادلة يضيع الشعر ولا يبقى منه شيء ذو بال، وهو ما يوهم القارئ أو المتتبّع بأنّ الشعر سلعة قلّ نفعها. لقد انعكس هذا الأمر سلباً على صورة الشعر، ووضعيّته، ومردوديّته في المجال الثقافي راهناً. وأمّا الشعراء فلا وجود لهم في واقع يتآكلون أمامه. هذا موضوعٌ آخر. وأمّا المؤلفات النقدية والأطاريح الجامعية التي أُنجزت عن الشعر، فلا أعتقد أنّها تُغيّر واقعاً، وأكثره تحصيل حاصل. في مثل هذا الواقع أخشى أن يتأثّر شعري بالقراءات المغرضة والمسيئة التي تضبط توقيتها تحت الطلب. لكن هناك إشارات نقدية لشعراء ونقّاد مغاربة وعرب أعتزّ بها، لكلّ من علي جعفر العلاق وشوقي بزيع وعلوي الهاشمي ورشيد يحياوي وعلي عبد الرضا؛ كما أنّ هناك شهادات وكلمات تقريظية أسمعها في هذا المحفل أو ذاك من آخرين تحملني على مضاعفة الجهد الذي نذرتُه للشعر.

-أين يلتقي عندك الناقد والشاعر؟ وأين تفضل الإقامة في النقد أم الشعر؟

كان الشاعر أوّلاً، ثُمّ التحق به الناقد بعد دراستي الأكاديمية في الجامعة على يد أساتذةٍ أكفاء. أشعر أنّ هذا اللقاء الذي تمّ بينهما كان ضروريّاً، فبعد الموهبة وشطحاتها لا مندوحة من خبرة ووعي وتأمُّل هي متاع الناقد نفسه. لنقل إنّ هناك تجاوباً بين الشعر والنقد، هو فعاليّتين تتحاوران في الذهاب-الإياب داخل معماري الكتابي، ولا تقعان على طرفي نقيض. فكل منهما يلبي حاجةً نفسيةً، علاوةً على ما ينهضان به من أعباء المعرفة والتأمل والبحث. وأحاول –بقدر ما أستطيع- أن أحتفظ بالتوازن الخلّاق بين الفعّاليتين معاً. كتابة القصيدة تحتاج-أوّلاً- إلى استغراق شبه كُلّي ينقطع إلى أسرارها وما يفعله دبيبها في الروح والوعي، لكنها لا تنفصل تماماً عن اشتراطات التي الكتابة تدبّر بؤر تشويشها وتخلّصها من زوائدها، كما لا تنفصل عن خصوصيّات الجنس الذي تنكتب في ضوئه. أما في لحظة الكتابة النقدية فأنا أذهب إلى النصوص وأقترب منها مصغياً إلى فرادتها وشعريّتها، بانفتاحي على تجربتي ومقروئيتي التي راكمتُها بجوار القصيدة، وعلى أدوات النظرية التي أنتقي منها ما يفيد عبوراتي إلى تلك النصوص ولا يثقل عليها بداعي المنهاجية. أنا، ناقداً، مسكونٌ بالشعر، وبمعرفة الشعر. وبداخلي ثمّة فرح داخليّ، يحركني للكتابة عن هذا الشاعر أو ذاك، وعن هذا الديوان أو ذاك. إنّ الإقامة هي ذلك الذهاب-الإياب الذي أذرعه في عمل الكتابة ومجهولها، وقد تكون على حوافّ الخطر.

صدر لك مؤخّراً كتابك النقدي "الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي"، برأيك هل ثمة حدود فاصلة بين الشعر والنثر؟

دائماً ما كانت ثمّة حدود بين الشعر والنثر، ولا تزال إلى اليوم، وإن صارت بدرجة أخفّ وأقلّ حدة بالنظر إلى تحوُّل مفهوم الكتابة نفسه، وتبلبل نظريّة الأجناس برمّتها. إن المشكلات النظرية والسياسية للكتابة وتاريخيّتها يرتدُّ معظمها  إلى هذا التقابل، ليس في تاريخنا الثقافي فحسب، بل حتى في تاريخ ثقافات ثانية، بما فيها الثقافة الأوربية. فالتقابل بين النَّثْر والشِّعْر يكشف عن نفسه في ثلاثة معالم : البيت الشّعري، الـ"صُّورة" والتَّخييل، بما هي معايير استعماليّة. الأوّل الذي يُعرِّف الشعر من خلال البيت والإيقاع من خلال الوزن يجعل النّثْر تالياً؛ ويُميّز الآخر الشعر من خلال الصُّورة، فيما يكون النثر معقولية وتَمْثيلاً ذِهنيّاً. وفي كلتا الحالتين، يكون الشِّعْر مُركَّزاً عليه: النّثر هو ما دون الإيقاع، وما دون الصورة. بينما النثر يكون مُركَّزاً عليه في مهيمنة التخييل فحسب، والشعر بخلافه، وذلك وفق المقولات الجارية. لكنّي في الكتاب الذي أشرتِ إليه كنتُ بمثل هذه الأسئلة: كيف تشكّلت ثنائيّة الشعر والنثر؟ هل كانت مقابلة أحدهما بالآخر تفيد في توضيح الحدود، وتجلو العلاقة بينهما؟ كيف خلط ربط الإيقاع بالوزن والبيت الشعري بين المنجز والمحتمل، وعقّد وضعية الكتابة؟ ما هو أثر المقدّس الذي خلفته البحوث الإعجازية حول المعجز القرآني في التباس الحدود بين أنماط الكتابة؟ كيف تدخّلت استراتيجيّات القراءة والتّأويل في توجيه الثنائية، بلاغيّة كانت أو إعجازية أو فلسفية ؟

لقد وجد أنّ آراء البلاغيّين والنقّاد تُشير إلى ما يختصُّ به الشعر، وما يختصُّ به النثر عموماً، إلّا أنَّ تفكيرهم لم يتعدَّ إلى الاهتمام بمسألة الاختلاف في النّوْع لا الاختلاف في الدرجة، وربّما هذا ما منعها من إدراك الفروق النوعيّة بين الشعر والنثر كنمطين كتابيّيْن، ولم تُحِطْ بنوع العناصر والبنى والعلاقات النصّية التي يقومُ عليها كلٌّ منهما.

ـ ما تقييمك لحقل الكتابة الشعرية النسائية بالمغرب ؟ إلى أي منحى تتجه القصيدة النسائية في بلدنا؟

ألمحتُ في مقالة سابقة لي عن "الشعر النسائي المغربي"، إلى الغياب الطويل الذي كانت تُكرّسه كتب الأدب والتاريخ عن المرأة كأديبة، مترسّلةً أو شاعرة، لأسباب دينية واجتماعية ونفسية تحكّمت بآليّات الإنتاج الثقافي وسلطتها. ولكن ابتداءً من عهد التسعينيّات المضطرم، وبدايات الألفية الواعدة التي أطلقت زخم الحرية وفضاء النشر الإلكتروني، حتّى أصبح لدينا اليوم مئات المجاميع الشعرية، وكأنّ الشعر هو الجنس الأدبي الأثير لدى النساء المبدعات للتحرُّر من إسار القول والرغبة فيه. بطبيعة الحال، من الصعب علينا كنُقّاد ومهتمّين بالكتابة النسائية أن ندرج هذا العدد الكبير تحت مُسمّى الشعر، فإنّ هناك تبسيط فجّ، واستسهال في القول، وتهالك على خيال الشاعر كيفما اتّفق؛ ولقد وجدنا منهنّ من وقعنا تحت كلفة التَحرُّج وشعرن بذلك، فأعدنا تجنيس ما يكتبنه من (شعر) تحت مسمّيات جديدة، من قبيل: خواطر، شذرات، نصوص، إلخ. لكن ذلك لا يمنعنا من القول إن نستشفّ من بعض تلك المجاميع الشعرية ما نميّز فيه أنا الأنثى وهُويّتها ومُتخيَّلها، وهو ما يسمح لنا أن نُقرّ بوجود كتابة شعريّة تتكلّم صيغة المؤنّث وفتنته، ومفعمة بالنّفَس الأنثوي الذي سرى في جسد اللغة وفتّت آليّاتها، وأعاد تسمية كثيرٍ من مفرداتها المادّية والرمزية، بفضل التهوية التي أتاحتها أناها الكاتبة وهي تضع إصبعها في الجرح، وتسمّيه بنفسها، متمرّدةً ومتأمّلةً وونابضةً بالعاطفة والشهوة وبوجدانها الخصب الذي يتكلّم عهوداً من التاريخ الشخصي الموجع والتجربة الوجدانية المشعة. ومن نافل القول، أن أشير إلى أنّ أهمّ تحدٍّ يواجه المرأة في إبداعها، أيّاً يكن ذلك الإبداع، هو أن تعمل على شعرنة الأنثوي وتأنيث الشعر بشكلٍ غير قابلٍ للفصل، مُشبعٍ أنوثةً في رؤيتها إلى العالم والأشياء؛ وربّما بقيت الحداثة معطوبة ومتكلِّسة، وطال عليها العهد، إذا لم يكن للمرأة فيها حقّ المساهمة فيها، وحقّ تسميتها وتَشهّيها. 

ـ كيف تستشرف أفق الشعر مستقبلاً في وطننا العربي عامة؟ 

-في ظلّ تهالك الشعراء الروّاد الذين صاروا ينتجون أنفسهم بدون تجديد يُذكر، أعتقد بأنّ مستقبل الشعر هو للشعراء الجدد الذين يُمثّلون اليوم رؤى وحساسيّاتٍ جديدة، سواء في المغرب أو المشرق. لكن هؤلاء الشعراء هم، في الغالب، جيل ضائع لا يثق في المؤسسة، ويشعر بأنّ الكلمة وفرصة اقتسام المجال لم تُعْطَ له. فمن خلال متابعتي لإنتاج الشعراء الجدد، يبدو لي أن ثمّة الكثير ممّا يجب أن يُحتفى يه ويُستمع إليه.

  ـ كمؤسس لموقع "أفق الشعر المغربي"، أوّل أنطولوجيا إلكترونية، ما الذي أضافه هذا الموقع للمشهد الشعري بالمغرب؟

-في الحقيقة، جاء هذا الموقع من قتاعة تولّدت لديَّ أن الشعر المغربي يكاد يكون يتيماً ولا يعرفه أحد، سواء بين أوساط الباحثين وطلبة الجامعة المغربية، أو من المشرق الذي يجهله ولا يذكر منه شيئاً ذا بال. وهكذا أمكن لروّاد الموقع الذي وفدوا عليه، منذ 2008 عام تدشينه، أن يتعرّفوا على تاريخ هذا الشعر وروّاده ونماذج من شعره وإصداراته الجديدة التي كانت تترى بشكل لافت. وأشعر بأنّي أسديتُ خدمة، ولو بسيطة، من أجل أن ينتشر هذا الشعر وينطلق في الفضاء الأنترنيتي. ولديّ اليوم رغبة في تطويره قلباً وقالباً.

ـ ولو عاد بك الزمن إلى الماضي، أي قصيدة كنْتَ ستكتبها؟

-وهل يستطيع شاعر على وجه الأرض أن يوقّع على موته، إلا إذا كان هذا العود أبديّاً، فإنّ الأمر سيأخذ شكل عزاء.



ـ نُشر الحوار بجريدة "القدس العربي"، بتاريخ الخميس 01 غشت 2013م.

http://www.alquds.co.uk/?p=68652

وأعاد نشره موقع "جهة الشعر":

http://www.jehat.com/Jehaat/ar/Ghareeb/Abdulatif22-8-2013.htm


09:13 |  Facebook | |

05/09/2013

عن الدخول الثقافي

ليس ترفاً، بل حاجة حضارية تعكس عناصر قوّة الثقافة وحركيّتها في المجتمع 

عبد اللطيف الوراري

 26a-na-43155.jpg

   الدخول الثقافي، مثل هذه العبارة تظلّ بلا معنى إذ نستوردها، ضمن ما نستورده من أجهزة التقنية الحديثة، للدلالة على واقع غير موجود يمكن أن تتطابق معه أو تجهر به. إنّي أشعر بالخجل والغُصّة عندما أرى بعض الناس يتحدّثون عن الدخول الثقافي أو الأدبي في المغرب وكأنّه واقع، فيتكلّفون الكلام للاحتجاج به عليه، في وقت لا تزال فيه الدولة ومؤسساتها تحتقر الثقافة وأطر الوعي وتستبدل بهما صيغاً من "التلهية" التي تشغل بها الناس عن واقعهم ولا تحرّضهم على تغييره، بما في ذلك صيغة الإعلام المُدجّن والمهرجانات الغنائية التي تنهب من مال الخزينة العمومية وتظل تستأثر بالاهتمام طوال العام. لا أعتقد أنّ هناك دخولاً ثـقافيّاً بالمعنى المتعارف عليـه في أوربا، إذ لا نمتلك تـصـوُّراً مـتـكاملاً لسياسة ثقافية تـتـضافـر من خلالها الجهود المتطلعة إلى جـعل الثقافة شأناً يوميّاً لدى الإنسان المغربي وزاداً حـاضـراً على مائدته كما يحضر خبزه اليوميّ ويتعيّش عليه. ففي فرنسا، مثلاً، نجد أن ذلك الدخول بات "تقليداً" سنويّاً، إذ يترافق مع الكمّ الهائل من الإصدارات الأدبية التي تتنافس فيها دور النشر، وتتلقّفها أيدي القراء بيسر، وتعرضها البرامج التلفزية أو الملاحق الأدبية في كبريات الصحف مثل لوموند ولوفيغارو وليبراسيون ولومانيتي بالنقاش والتحليل، عدا غمار التنافس على جوائز الدخول الرفيعة والسخية. بهذا المعنى، فإنّ الدخول الثقافي ليس ترفاً، بل حاجة حضارية تعكس عناصر قوّة الثقافة وحركيّتها المجتمعية والسياسية بالنسبة للدول التي تحترم ثقافتها وتدافع عن خصوصيتها وتحمي وجودها باستمرار.

    في غياب استراتيجية واضحة لدعم الكُتّاب وتحفيزهم بجوائز مهمّة، وتقديم تحفيزات ضريبية لصالح دور النشر حسب دفاتر تحملات متّزنة، وإشهار الكتاب العلمي والفكري والأدبي وتسويقه وتوسيع دائرة تلقّيه داخل الفضاء العمومي، وتوفير بنيات استقبال مهمّة للعرض والتنشيط، لا يمكن لنا الحديث عن دخول أدبي أو ثقافي، مترافقاً مع "دخولات" أخرى متزامنة ومتداخلة ينتفع بعضها من بعض: الدخول المدرسي، والجامعي، والسياسي، إلخ. وإلّا فإنّ ذلك الدخول سيظلّ مقترناً لدى كثيرين بالمعرض الدولي للكتاب والنشر بالدارالبيضاء، وذلك بعد أيّام من "العطلة للجميع". وهكذا، فإنّنا لا نملك إلى اليوم ملامح أو مظاهر لمثل هذا الدخول الذي يفيد بأنّ هناك انطلاقة جديدة لموسم جديد يعد بالنشاط والحيوية في مجالات الحياة الإنسانية.

   لقد كان من المفروض، بعد إقرار دستور جديد، أن تكفّ الدولة عن "بهدلة" الثقافة وصُنّاعها الحقيقيّين، وأن يصير الاهتمام بها هاجساً ضاغطاً وأولويّة ضرورية، حتى نطرد، نحن مُواطنيها، عن عقولنا الخمول وندخل التاريخ من جديد، بعد أن نكون قد هيّأنا أسباب الدخول الثقافي وعشناه واقعاً متجدّداً طيلة العام، وعاركناه بعقولنا وأحلامنا الكبيرة التي تشقُّ طرق الأمل وبعزّة وثبات، بقدرما تنتصر لقيم المواطنة والعصر ضدّ مخاطر التحجُّر والانغلاق والعجز عن صناعة الحياة الكريمة.

 

18:45 |  Facebook | |