Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

02/11/2013

:::

 

مقاطع من "قِصّتي مع الشعر":

قصتي-مع-الشعر-سيرة-الوراري-في-الشعر-وعبره-160.jpg

استعادة تُضيء كنجماتٍ طريق مُخيّلتي:

   بالنسبة لي، تأخذ الاستعادة، في الحقيقة، طعم الصّعْـق. إنّي بصدد مغامرة من يُعيد إحياء ما كان مَيْتاً، قلِقاً، مُرتجفاً من ريح المتاه، وبالغ الهباء إذا اقتصدنا في الوصف. تعود بي الذاكرة، الآن، إلى بادية نائية من بوادي دكّالة المترامية والمنسية، حيث فتحتُ عينيّ على عالمٍ أتخيّله أشبه بالسحر والخرافة: مساقط الماء، مواسم الحصاد الذي لم ينقطع، وما يعقبه من فرحٍ بالزواج والختان وسط أغاني العيطة وزغاريد النّسوة التي تخرق عنان السماء، صياح الصّبْية في الكُتّاب بآي القرآن، صرير أقلامهم على الألواح المرقوشة بهالات الصمغ، بيوتات الطين الواطئة التي تتحلّق حول فناء العائلة، فتنة الزّرابي الموشومة بأنفاس الحبّ والحياة، نبات الصبّار الذي يغمر الجميع بالغلال والظلال، ضباب الطرق المتعرّجة إلى السوق الأسبوعي كلّ أربعاء، خرق العوانس على شجرات التين طرداً للنحس، نداء النخلة السامقة من بعيدٍ وهي تحرس أنام القرية وأنعامها من اللصوص وقُطّاع الطرق. وفوق هذا وذاك، سذاجة الناس وغفلتهم تقرأهما من سحناتهم الناتئة التي تنمّ عن قسوةٍ وعراكٍ مريرٍ مع الوقت، أو مع الدنيا بتعبيرهم. فتحتُ عيني على هذا العالم الخصيب والقاسي في آن، وتشرّبْتُ مئات الأصوات والصور والمرويّات والتمثُّلات عمّا يحيط بي، تدريجيّاً. سمعتُ عن الله والشيطان بدون أن أفقه العلاقة بينهما، وانتبهْتُ إلى قصص الجنّ والعفاريت من أفواه الجدّات، وتساءلتُ مراراً هل سماء البادية تنتهي إلى حدّ، حتّى جاء مُهاجروها الأُوَل للتجارة أو للعمل فأخبرونا بأنّ هناك مدناً كبيرة وجميلة تزخر بما لذّ وطاب. وعرفتُ معنى اليتم وأنا صبيّ أرعى غنم الجدّ، ويُفْترى عليّ من امرأة العمّ، ويُنْظر لي بعيون الشفقة من كثيرين. كما شكوْتُ من العيّ في سنيّ تلك، ولم يُطلق الله لساني إلا بعد أن أُدْخلت 'الجامع'، وتهجّيْتُ بحروفه عزّ وجلّ، وزاد أن ختمْتُ 'السّلْكة' على يد الفقيه.

  منذ ذلك الوقت، كنت أرسم على الأبواب والحيطان بالفحم أو الجير، وأقرأ الرسائل التي ترِدُ على الأهل من بعيد، وأحياناً أجتهد في كتابة بعضٍ منها، بخوْفٍ وزَهْو. وكنْتُ أطالع بحماسٍ ما تقع عليه عيناي من مِزَق الصحف والمجلات التي كانت تقذفُ بها الريح إلى القرية، أو ممّا كانت تُلفُّ بها الحوائج المجلوبة من السوق الأسبوعي، وأجدُ في ذلك إمتاعاُ ينمّي شعوري ويقدح مخيّلتي. وكان يتردّد على بيت الجدّ من خارج القرية، شيخٌ ذو لحية بيضاء يُدعى الشافعي، وهو ممّن صحبهم أبي وأنزلهم الحظوة في مجلسه، لا يمنعه ورعه أن يلاعبني ويمسح بكفّيْه على رأسي، مُتوسّماً فيّ النباهة وميْلاً إلى المعرفة؛ ولم يأخذ أهلي وأقاربي ذلك بجدّ، حتّى سمعوا عن أقرانٍ من بني عمومتي المتكرّشين، أنّ العربي الطيمومي، وهو صاحب رأيٍ بأحد الصحف الوطنية وكراماتٍ من داخل حلقته المشهودة بالسوق، قد تنبّأ لي بأنّي سوف أركب الطائرة كنايةً عن موفور النجاح والسعة، وذلك لعظم شأنها في ذلك الوقت. ولا أنْسى أنّي كنْتُ أُغْرم ببعض الفتيات راعياتٍ للغنم في الخلاء أو ملثّمات في الدروب يسحبْنَ عجائزهنّ قبل شعورهنّ؛ ولم يسمع لي وضعي ولا الأعراف الجارية في النّهار بالبَوْح بمشاعري الوليدة. كانت الأشياء تمرُّ أمام عينيّ باردةً وغامضةً، وكثيرٌ منها لم يكن يعني لي بأكثر مِنْ وَجيبٍ داخليّ.

ينْقُر البَرْد على أعتاب ورار:

هكذا هي تبْرحُني في سُكون
ليْس تسْألُ عنّي الْمَدى كيْف أَصْبَح،
والْكاظمينَ الزُّهور، وصمْتَ الأُوَيْقات عِنْد الْمغيب
كأنّ أصابِعَ جدّي ـ الّذي لمْ تُصافحْ يدِي يدَهُ ـ
ألْقَمتْها الرّياحَ
فَجاء يُذرّر غرْبَتَه في الطَّريق
يُريدُ امْرأةً، وقطيعاً، وشاهِدةً على التَّلّ.
وقْتَ الْكلالَةِ أراها كما هي
يمشطُ غصَّتَها أهلُها الْبُسطاء..
حصادٌ
وتبْرٌ
وطِينْ
ما أجلَّك يا سِرُّ
ضاعفْ تلاوينَ رقْصِك
وانْسَ يديّ تُطالِعُ شَاهِدةَ الجَدِّ
صمْتاً
بِمرْأى الْغريبْ !

النزوح إلى المدينة إذ تعثّرْتُ بشعر:

لحرص والدتي على تعليمنا وحسن تَنْشئتنا،حصل  أن رحلنا عن قريتنا التي رأيْتُ فيها النور إلى المدينة ونحن فقراء إلّا من رحمة الله، بعد أن سُرق من الأمّ لغفلتها رِزْقُ الأب من بني عمومته، وكان قد ترك وراءه ثروة هائلة من التجارة التي امتهنها بعرق جبينه. في مدينة الخميسات، التي كنّا نعبر إليها في طريق طويلةٍ وشاقّة عبر مدن الجديدة والدار البيضاء والرباط التي كانت تشدّني وتقدح مخيّلتي كلّما اخترقْتُ شوارعها، وقفْتُ على معنى أن تكون مسؤولاً في أيّام العوز، قبل أن أشبّ عن الطّوْق. ربّتْ فيّ الحاجة الجدّ على حساب اللعب، وسرقت منّا البشاشة لصالح الحزم والتأمُّل في البعيد. ثُمّ سرعان ما طِرْنا ـ بما يُشبه الخلاص حقّاً ـ إلى بلدةٍ جميلةٍ اسمها سيدي علال البحراوي التي تقرب من الرباط شرقاً ببضعة كيلومترات. هنا، رعيْتُ بأمّ عينيّ وشغاف قلبي صور الجمال والبهاء والسحر في ما حبا الله هذه البلدة المخفورة بأشجار البلّوط السامقة والأضرحة العامرة من كثرة العيون ووفرة الغلّة وبسطة الحال بين ساكنتها. حرّرْتُ طفولتي المستلبة، وأشبعْتُ شغبي رفقة أقراني من الحيّ والمدرسة. وقد أتاح لي الصفّ الدراسي واجتهادي فيه أن أتعرّف، بعد كتاب الله، على كتُبٍ أخرى بما في ذلك المصوّرة التي كانت تقذف بي في أحلام اليقظة والعوالم العجيبة، مثلما واجهْتُ لأوّل مرّةٍ نصوصاً من الشعر في مادة المحفوظات، وتفتّقتْ موهبتي في موضوعات الإنشاء التي كنّا نُؤْمر بها، فأسرْتُ بمخيّلتي وخطّي الجميل أساتذتي وأضرابي في الفصل من الحسناوات والكسالى معاً. لمّا نِلْتُ شهادة الابتدائي، بعد ثلاث سنواتٍ من مقام الإمتاع والهناءة، عُدْنا أدراجنا إلى المدينة ذاتها، فجدّدْتُ عهدي بالمصاعب تحت وطأة الحياة وعوزها. لكنّ قدراً جميلاً كان بانتظاري في محطّة ما، بعد أن عاركتْني الحياة وزاد وعيي الشقيّ بها وقلّت الرفقة، إذ قادتْني يدايَ ـ لا أدري صُدْفةً أم هِبةً ـ إلى كتاب 'ميزان الذهب في صناعة أشعار العرب' الذي كان بمثابة كتاب مقدّس، ثمّ قادَتْني خُطاي إلى مكتبة، فاقتنيْتُ دواوين من الشعر ممّا يدّخر صاحبها منه، وكانت علاقتي بالشعر بدأت تتوطّد من سماعه وقراءته بين برامج إذاعية وملاحق ثقافية. أذكر أنّي اقتنيْتُ: ' رباعيات الخيام' بترجمة أحمد رامي، 'الملاّح التائه' لعلي محمود طه، 'الحياة الحبّ' لإبراهيم محمد نجا، 'الأجنحة المتكسرة' و'الأرواح المتمردة' لجبران خليل جبران. كما استعرت 'أغاني الحياة' لأبي القاسم الشابي، و'ديوان إيليا أبي ماضي'، و'ديوان بهاء الدين زهير'، و'أحلى قصائدي' لنزار قباني. وكنتُ أحمل معي هذه الدواوين، إلى جانب كتبٍ أخرى كنْتُ عثرْتُ عليها بثَمنٍ زهيدٍ في أسواق الخُرْدة، وضمْنَها روايتان لنجيب لحفوظ ومجلاّت متنوّعة ومراجع فلسفية وفكرية كانت محكّاً لعقلي قبل الأوان، إلى القرية النائية على رأس كلّ صَيْف، بعد فراغي من سنةٍ دراسيّة ثقيلة بنتيجةٍ مرضية كانت تسبقني وتوغر صدور كثيرين، إلاّ جدّتي من أمّي وعمّي الذي كان يُسرّها في نفسه مخافة من سخط زوجته التي لم تُحِطها إلاّ بأبناء مغفّلين يتجشّؤون بطعامٍ وسواه. كنْتُ أعتكفُ، طيلة الصيف، على قراءة الكتب بنَهمٍ، حتّى سمعْتُ من بعضهم أنّ ولد عبدالله به مسٌّ أو قد جُنّ. لقد فعلت فيّ هذه الدواوين فعل السّحْر، وقدحت ذهني، ووشمت وجداني، فصارت رؤيتي ـ نتيجةً لمقروئيّتي ـ رومانسيّةً وحالمةً ومتفائلةً.

    مع ذلك، كانت حدود وعيي بالشعر لا زالت غائمة ومضطربة، بموازاة مع النزوع المدرسي الذي كان يُشيِّئ القصيدة ويُسطّح عمقها اللغوي والمجازي إلى حدٍّ فادح. مُعلّقات، قصائد ومقطوعات شعرية كانت تمرُّ أمامي عيني بدون أن تُثير فيّ إحساساً، ولا أن تحملني إلى مسافةٍ أخرى من الجمال والذوق. فقد كان مدرّسو العربية يتأفّفون من الشعر ويُكنّون عداءً خفيّاً إزاءه، ولهذا كانت حصة الشعر ثقيلةً ومُملّة وبلا معنى يُذكر، وبسبب ذلك غدا أقراني من تلاميذ السلكين الإعدادي والثانوي فالجامعي يكنّون العداء نفسه، بل يُجاهرون به. إنّ أيّ طالب بينهم يحسن إلقاء قصيدة، أو ينجزون عرضاً عن الشعر، أو يتدخّل برأي جمالي فيه كان يضع نفسه في موقف لا يُحسد عليه من السخرية والتنكيت، فلا يعود إلى ذلك مرّة ثانية. لم يكن الأمر يتعلّق بجيلي، بل بأجيالٍ سبقت وأخرى أتت تالياً. عداءٌ مستحكم، بالفعل.

   ولولا قدماي اللّتان ساقتاني إلى دواوين خارج الفصل الدراسي وإكراهاته، ولولا حاجة إلى تعويض كنْتُ أحِسّه بداخلي، لما وجدْتُ نفسي بينهم ناقماً على الشعر وأهله. كانت ساعاتي بين الدواوين الأولى ساعات حبّ وإصغاء وتعلُّم وصفاء، ثُمّ سرعان ما استحال ذلك إلى أجنحة أطير بها وأُغنّي من الحرمان، وعلى شفاهي هذا البيت الشعري لأبي ماضي:

         الشُّجاعُ الشُّجاعُ عندي من أَمْسى   يُغنّي والدّمْـــعُ في الأجفانِ

في ضيافة نزار قباني:

  كان الديوان الذي زلزل فهمي للشعر وأراني العالم بوجْهٍ آخر، وأنا بعدُ على مقاعد السلك الثانوي، هو ديوان "أحلى قصائدي" للشاعر السوري نزار قباني الذي كانت شهرته، وقتئذٍ، تطبق الآفاق. الديوان عبارة عن كتاب جيب يسهل عليّ حمله أنّى حللتُ وارتحلت، وكان بمثابة مختارات شعرية جمعها الشاعر وصدّرها بتقديم جاء في بعضه: " أحلى قصائدي! هل هذا ممكن؟ وهل يستطيع شاعر على وجه الأرض أن يقرر بمثل هذه السهولة والرعونة، ما هي أحلى قصائده. وإذا كانت القصائد التي اخترتها هي أحلى القصائد من وجهة نظري، فهل هي كذلك بالنسبة للآخرين؟(...) إن فكرة إصدار مختارات شعرية لي فكرة قديمة ولكنني كنت دائماً أؤجّلها وأخشاها كما يخشى المتهم قرار المحكمة. إلا أن مواجهتي اليومية للجمهور ووقوفي أمامه فاعلاً ومنفعلاً وردود الفعل المختلفة التي كانت تواجَه بها قصائدي أكسبتني بعض الخبرة في معرفة القصائد ـ المفاتيح في شعري. وأعني بالقصائد ـ المفاتيح تلك القصائد التي تركت وراءها أسئلة.. وحرائق.. وناراً.. ودخانا. واليوم وقد قررت أن أدخل قاعة المحاكمة أود أن أهمس في آذان المحلفين أن اختيار بضعة أشجار من غابة لا يمثل حقيقة الغابة، وأن قطف ثلاثين زهرة، ووضعها في آنية.. فيه ظلم كبير للبستان".

    في الحقيقة، اختار نزار قصائده التي تُمثّله ليس في تاريخه الشعري فحسب، بل في المخيال الجماعي الذي أدمن شعره أيّما إدمان. لقد عكست القصائد ظروف الشاعر التاريخية والنفسية والإنسانية التي كتبها تحت تأثيرها، وبالتالي كانت فكرة المختارات استراتيجية وكلمةَ سرٍّ وجواز سفر أمميّاً، في وقت حاسم من تجربته الشعرية. هذا الكلام لم أفهمه إلا لاحقاً، أمّا ما كان يستأثر باهتمامي ويستحوذ على مشاعري هو الموضوعات التي هرّبت أحلامي من مقصورة الرومانسيين وجعلتها في تماسّ مع الواقع ومحكّه اللاهب الذي كان يغلي في بداية التسعينيّات، قبل أن ينصرف اهتمامي إلى اللغة المتوتّرة الجذّابة التي كتب بها نزار، والإيقاع الذي عزف عليه شعره بنمطيه العمودي والتفعيلي مسموعاً وقويّاً. كانت قصيدة (اِختاري) فاتحةَ القصائد المختارة، وكلّما أشرعت دفّتي الديوان أتاني صوت نزار ثائراً ودافئاً، وحملني خياله الآسرُ بعشقه وحزنه وجنونه، وتارةً بزهده وكبريائه وهمومه. وتتوالى القصائد إذ يناصر نزار المرأة، ويتحدث عن الحبّ بمرارة، ويقلب أوجاع التاريخ ويسقط الأقنعة عن رجالٍ لا سياسة لهم، كما يتحدّث بشبوب عاطفي عن الأندلس وأبيه وأمه وطوق الياسمين الدمشقي. لا أزال أذكر قصائد "نهر الأحزان"، "حبلى"، "القصيدة الشريرة"، "الخرافة"، "خبز وحشيش وقمر"، و"الحب والبترول" و"الرسم بالكلمات". كما أذكر قصيدته "غرناطة" التي آذتني في الصميم، واستهلّها بقوله:

               في مدخل الحمراء كان لقاؤنا     ما أطيب اللُّقْيا بلا ميعاد

              عينانِ سوداوانِ في حِجْريهما        تتوالدُ الأبعادُ من أبعادِ

              هل أنتِ إسبانيّةٌ؟ ساءلتُها       قالتْ وفي غرناطةٍ ميلادي

              غرناطة؟ وصحَتْ قرونٌ سبعةٌ    في تينك العينينِ بعدَ رُقادِ

لقد أثر فيَّ نزار بمختاراته الشعرية، أوّلاً بعنايته بالإيقاع الذي ينطلق محسوساً ومرئيّاً، وثانياً بتشخيصه الحيوي للغة التي لا تحول مجازاتها دون التعبير عن جوهر الفكرة الشعرية بوضوح، ولهذا أفخر أنّي تعلّمت من نزار وأخذتُ عنه العمل على الشعر وسياساته. 

الشِّعر ضرورة:

    لقد أحسسْتُ في قرارة نفسي، بعد سنواتٍ من اغترابي النفسي والوجودي، أنّي عثرْتُ على أصفيائي من الشعراء من هؤلاء وأولئك؛ فقرأْتُ ما خطّوه بكلّ جوارحي، وذرفت معهم دموع هذه التجربة أو تلك، وارتفعْتُ وإيّاهم إلى مدارج الحلم والخيال. ثمّ، فجـأةً، كتبْتُ البيت والبيتيْن، حتّى استوت غيْمةُ الحال قصيدةًـ طيلة هذه الأيّام التي لا تُعدّ بغير ألسنة النّار ومشاغلها في الذّات، أستضمر الواقع والمجاز والمقدّس جنباً إلى جنب، حتّى أتت الكتابة في زخم الحياة، فأنقذتْني!

  وهكذا، فإنّ ما أذكر عن لقائي بالشِّعر أنّهُ تمَّ في لحظة متوتِّرة من وعيي بالحياة وشرطها الإنساني. لنقُلْ كان نداءً هامساً وحاسماً من عبوري ذلك الوعي بما يشترطه من انتقال وجدانيّ ـ ذهني بين الأمكنة المتعيّنة والمحلوم بها، في لحظة من زمنٍ مشدود بسؤال الكينونة.

  لم يكن التعليم وطرق تدريسه العقيمة والجافّة للأدب، كما أومأْتُ إلى ذلك، يُحيطني بهذا الوعي أو يُرشدني إليه، لولا انفتاحي على خارجه حيث كتب الشعر اليتيمة تٌناديني، من أمكنةٍ أخرى، على صبواتي الوليدة من الحبّ إلى معاناته بما في ذلك معاناة صوغه لغويّاً. لقد بدأ تاريخ كتابتي للشعر في هذه اللحظة التي أحسسْتُ فيها برغبة عارمة وغامضة في التعبير كأيّ شاعر وجد نفسه في حياة صعبة أعزل إلا من لواعج سريرته. لا أقول إن المصادفة هي التي قادتني إلى القصيدة، بل الضرورة التي تتغذّى على شرطنا الإنساني، وأفكر في جان كوكتو وهو يصرخ: "الشعر ضرورةٌ، وآه لو أعرف لماذا! ". في هذه الضرورة وجدت نفسي متورّطاً في ضيافة القصيدة، أقترب منها وأُعانيها. أذكر الآن كيف كانت تلك الأيام الأولى لكتابة القصيدة تتقاسم معي عمري الجميل والصعب في آن، والتي كان عليّ أن أتعلّم آداب ضيافتها منذ تلك اللحظة.

    بعدما كانت في الأوّل رُومانسيّةً غالباً، صارت قراءاتي للشعر العربي تتنوَّع بين القديم والحديث، فتعرّفتُ على سحر الجاهلية، وحداثات المتنبي وأبي تمام والمعري العابرة للأزمنة، ورقّة شعراء الغزل في نسج رؤاهم للحبّ ومعاناته، وفيما بعد ـ تحت شعورٍ بالعجب والصدمة ـ تعرّفتُ على حيويّة الشعر الحر في عبوره إلى العصر وحداثته ونهوضه بمتخيّل شعريٍّ جديد، وعلى مفارقات محمد الماغوط وأمل دنقل ومظفر النواب وأحمد مطر الساخرة في نقد الواقع السياسي والاجتماعي، وعلى شعريّات محمود درويش وسعدي يوسف وأدونيس وقاسم حداد وأنسي الحاج وسركون بولص العابرة بالشعر العربي إلى الكونيّ. كذلك تأثّرت باختيارات الشاعر من أصول فلسطينية وجيه فهمي صلاح والشاعر محمد بنعمارة في برنامجيهما الإذاعيين "مع ناشئة الأدب" و"حدائق الشعر"، حيث يُلقى الشعر شفويّاً، ويتصادى مع صوتي اليتيم. وأمّا حظّي من الشعر المغربي فكان ضئيلاً، إلّا ما وقع بين يديّ ممّا كان يُنشر متفرّقاً من شعر شعراء غذّوا في نفسي شعوراً بهويّتي الجريحة، من أمثال محمد الحلوي وشاعر الحمراء محمد بن إبراهيم وأحمد المجاطي وإدريس الملياني، وإن كانت أشعار فنّي "العيطة" و"الملحون" الأصيلين أبلغ في وجداني؛ ثمّ سرعان ما انفتحتُ على الشعر الفرنسي وسواه من أشعار العالم مترجمةً إلى العربية، ولاسيما في مجلّتي "لوتس" و"الكرمل".

قصائد أولى من العزلة:

   مع ما كان في نفسي من ميل شديد إلى العزلة، ونفورٍ غير مفهوم من عامّة الناس، إذ كنتُ أختلي لساعاتٍ طويلة بذاتي، تحت هذه الشجرة، أو على مقعد من مقاعد إحدى الحدائق العامة التي كانت تنعم بها مدينة الخميسات قبل أن يزحف عليها الإسمنت. أقرأ وأخطّ مقولات جُرْحي الأوّل مجازاً، وأعاني من أجل التعبير عن ذلك بتمارين لغوية وإيقاعية كثيرة. ولا زلتُ أذكر أنّ خطّي أثار لغرابته وصغر حجمه أنظار زملائي وأساتذتي وأفهامهم، فكانوا يتجشّمون العناء لقراءة ما أكتبه، وفكّ رموزه، وكأنّهم حقيقةً أمام طلاسم ورُقىً سحريّة، وليس أمام قصائد أولى لشاعر ناشئ كان يكتبُ ما يردُ عليه بارتعاش غامض. لكنّني سرعان ما اكتشفْتُ أنّي ليس الوحيد الذي أسره فنّ الأدب أو أغوَتْه ربّة الشعر، وأذاقته لذاذاتهما المعذِّبة، فقد وجدْتُ بين زملائي في الثانوية من انتهى مصيره إلى مصيري، وكابد مكابدتي. فقد تعرّفْتُ،على الأقلّ، على لفيفٍ منهم ممّن ضاق ذرعاً بدروس الثانوية الطويلة والمملّة، وكان يسترق الوقت لإشباع موهبته الأدبية في كتابٍ أو في مجلس من المجالس الأدبية التي كُنّا نعقدها فنناقش هذه القضية، أو نتحاور حول هذه الظاهرة، أو نتذوّق هذه الصورة أو اللطيفة ممّا كان يغدقه علينا الأدب شعره ونثره. ولم تكن مناقشاتنا تخلو من اختلافٍ في الرأي أو الذّوْق، بل كُنّا نجد في ذلك دليلاً على بداية نضجنا الفكري. كان بعضهم اتّجه إلى كتابة القصّة، والآخر إلى إلى فنّ التمثيل داخل فرق مسرحية هاوية، والثالث ممسوس بشيءٍ اِسْمُه الشعر. لكن كثيراً من هؤلاء من طلّقَ، لاحقاً، مزاج الأدب بعد توجُّهه إلى دراسة الحقوق أو العلم الشرعي، أو نتيجة انشغاله بأمورٍ معسرة. كنْتُ أحد القلّة الناجين، وإن كانت ظروفي أعسر، وذات يدي أضيق، غير أنّ شغفي بالشعر كان لا يُعادله أيُّ شغف، إذ وجدتُ فيه مُعادلاً لليتم الشخصي والإنساني الذي عانيْتُهُ منذ صباي.

  كانت اختياراتي الشعرية، والتزامي النمط العمودي في بدايات كتابتي الشعرية، ودفاعي عنهما باستماتة وفهم، لا يُرْضي أكثر هؤلاء. فكان يُلقّبونني، لمزاً وغمزاً، بألقاب الشعراء المشهورين من القديم والحديث. الحطيئة. البحتري. الشابي. السياب. أمّا أنا فقد كنتُ أشعر بالفخر عندما يرنُّ أحد هذه الأسماء في أذني، أو أقيس-وهماً- قامتي بقاماتهم الباسقة. كانت أولى قصائدي عموديّةً تُذاع على أثير الإذاعة الوطنية في برنامج "مع ناشئة الأدب" الذي اشتهر به الشاعر المغربي إدريس الجاي، قبل أن يتولّاه بعد رحيله الشاعر من أصل فلسطيني وجيه فهمي صالح. كان وجيه يقدّمني على غيري ويثني عليّ ويضرب المثل بي في بروز الموهبة. مثّل ذلك بالنسبة لي حافزاً على المضيّ قدماً في درب الكتابة وتطويرها، مثلما افتضح أمري كشاعر بين أصدقائي وأفراد عائلتي، وأنا الذي اعتبرْتُ الشعر حالة فرديّة خاصة يُكتب بمنأى عن أعين النّاس وفضولهم، إلّا أنّه في الحقيقة أشعرني بالزّهو والتفرُّد. كانت إحدى القصائد غزليّةً عنونتُها بـ (يا مُنْيتي)، وفيها سكبتُ أنفاس هواي الجريح، ولمّا سُمِع إليها يوم كان للإذاعة شأنٌ عظيمٌ، اعتقد النّاس أنّي نظَمْتُها تَغزُّلاً بفتاة كانت تدرس معنا في الثانوية نفسها، تُدعى "مُنْية"، وأنّي أريد بذلك التقرُّب إليها والظفر بها. ذاع الأمر في الثانوية، وعلمت به الفتاة، وووجدْتُ حالتي بين رجاء وخوف، لكن "شيطنة" بعضهم للقصيدة، وتحاملهم عليها، حمّلَ معناها ما لا تحتمل.

 

07:45 |  Facebook | |