Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

08/03/2014

شهادة

 

لا أدّعي أنّي مُنظِّر للشعر، لكن عملي على نقد الشعرية العربية وتأويل النصوص والتجارب الشعرية الجديدة مُهمّ في هذا السياق

DSCF9998.JPG

   إلى الرعيل الشّاب المتأخّر من النّقاد المغاربة، المسبوقين بأجيال التأسيس، والتجريب، والمتابعة والتجذير، أنتمي. وفي السياق الذي يرفد تصوُّره من منهج الشعرية النقدية وفروضها المعرفية والإجرائية، يأتي العمل النقدي الذي أزعم أنّي أبذله وأعمل على ترقيته، متجاوباً مع الكشوفات النقدية والإضاءات المعرفية لطلائع النقد العربي الحديث، والتي أفادت شعرنا القديم والحديث وقدّمتها إلى جمهور القراء، وحقّقت مكسباً معرفيّاً به تعرّفت الشعرية العربية على حُرّيتها المعتقلة، وعلى اختلافها المتلازم معها. ورغم أنّها تتباين من حيث مكانُها النظريّ وإشكاليّتها، فهي تأتلف في الإعلان عن قراءة مغايرة لهذه الشّعرية، محتميةً بمناهج نقديّة حديثة من لسانية وبنيويّة وسيميائية وتفكيكية وتأويلية، أتاحت لها معالجة إشكاليّات متعدّدة برزت مع قصيدة الحداثة الّتي ما فتئت، بدءاً من الانفجار الحداثيّ الأول، تُحدث انقلاباً تصوُّريّاً جوهريّاً طال أطر الكتابة الشعرية وعلاقاتها بالحساسية والذات والعالم، ودوالّها البنائيّة والدّلالية بأكملها. وقد كان ضمن هذه الطلائع شعراء نقّاد، من أمثال: أدونيس، ويوسف الخال، وصلاح عبد الصبور، وعلي جعفر العلاق، ومحمد بنيس، تمثيلاً لا حصراً. وهم كانوا يعرفون أنّ الكتابة تذهب نحو ما لا تعرفه، نحو ما ليس لها، أي نحو مُمْكنها الذي تتنصّت عليه النظريّة. فساهموا، بجانب أولئك النقاد الأكاديميّين المتمرّسين نظراً وبحثاً، بقدر وافر في الرقيّ بالذائقة النقدية، وبدا لي أنّ نقد هؤلاء الشعراء أكثر سلاسة وأكثر كشفاً، إذ يعنى بإبداعيّة اللغة ومحسوسيّة الرؤية في التحليل. وإن كان يهمُّه هو الآخر المعرفة بالمنهج، لكنّه لا يصير مريض النظرية، غارقاً في شكليات البحث والنزوع السكولائي.

  لقد تولّد الاهتمام لديّ بالمنجز النقدي والبلاغي للشعرية العربية من دراستي الجامعية، بموازاة مع اهتمامي الشخصي بتجارب الشعر العربي الحديث التي كانت تنادي عليّ من أمكنة بعيدة . ظهرَتْ بهذا الخصوص ثلاثُ دراسات: “تحوُّلات المعنى في الشعر العربي” (الشارقة 2009)، و”نقد الإيقاع: في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية وآليّات تلقِّيه عند العرب” (الرباط 2011)، “الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي” (الرياض 2013).

-في الأولى، درستُ المعنى في الشعرية العربية قديمها وحديثها، مبرزاً كيف انتقل الاهتمام من تراتبية المعنى وأسبقيّته في شعريتي البيان والتخييل من خلال التشديد على المقصديّة ووضوح الدّلالة أو على المحاكاة والتأويل النفساني، إلى الاهتمام بدلاليّة الخطاب في سياق ما تمّ إبدالات معرفية وجمالية تأثّر بها بناء المعنى وآليّات اشتغاله في الشعر الحديث، وما ترتَّب على ذلك من أزمة تلقِّي المعنى الجديد.

-وفي الثانية، قادتني قراءتي للشعر العربي وشغفي بموسيقاه إلى لملمة كثير من القضايا التي تتّصل بالعروض والإيقاع في الشعر العربي ونظريّته، مُبْرزاً كيف تطوّر تأمُّل مفهوم الإيقاع في الدراسات ذات الصلة، وتطوّرت آليّات تلقّيه من طرف عروضيّين، وعلماء بالشِّعر، وبلاغيّين، وموسيقيّين، وتجويديّين، وفلاسفة، وقد كانت تعبيراتهم الجماليّة نابعة من تأمُّل إمكانات عمله في الشعر العربي بأشكاله المختلفة (الرجز، القصيدة، الموشّح والزجل) . ومثلما في تحوُّلات المعنى، كان انشغالنا النظريّ يصدر في منهج التحليل عن تصوُّرٍ ينظرُ إلى الإيقاع متلبّساً بتاريخيّته، حيث قوانين الإيقاع وآليّات عمله، داخل الشعر العربي، ليست واحدة، كما أنّ زمن بروز بعض أشكاله وظواهره يظلّ مُرْتبطاً بالتحوُّلات التي تُصيب هويّة القصيدة العربية بتنوُّع أنماط بنائها. وهكذا، فالمنهج الذي نعتمده ونراقبه هو منهج الشعرية عبر إستراتيجية الذّهاب-الإياب بين النصّ والنظرية.

-وأمّا في الثالثة فقد أظهرتْ أنَّ أهمّ المشكلات النظرية والسياسية للكتابة وتاريخيّتها يرتدُّ معظمها إلى هذا التقابل بين الشعر والنثر، ليس في تاريخنا الثقافي فحسب، بل حتى في تاريخ ثقافات ثانية، بما فيها الثقافة الأوربية. في الكتاب واجهتني مثل هذه الأسئلة: كيف تشكّلت ثنائيّة الشعر والنثر؟ هل كانت مقابلة أحدهما بالآخر تفيد في توضيح الحدود، وتجلو العلاقة بينهما؟ كيف خلط ربط الإيقاع بالوزن والبيت الشعري بين المنجز والمحتمل، وعقّد وضعية الكتابة؟ ما هو أثر المقدّس الذي خلفته البحوث الإعجازية حول المعجز القرآني في التباس الحدود بين أنماط الكتابة؟ كيف تدخّلت استراتيجيّات القراءة والتّأويل في توجيه الثنائية، بلاغيّة كانت أو إعجازية أو فلسفية؟ وقد وجد أنّ آراء البلاغيّين والنقّاد تُشير إلى ما يختصُّ به الشعر، وما يختصُّ به النثر عموماً، إلّا أنَّ تفكيرهم لم يتعدَّ إلى الاهتمام بمسألة الاختلاف في النّوْع لا الاختلاف في الدرجة، وربّما هذا ما منعها من إدراك الفروق النوعيّة بين الشعر والنثر كنمطين كتابيّيْن، ولم تُحِطْ بنوع العناصر والبنى والعلاقات النصّية التي يقومُ عليها كلٌّ منهما. لكن دائماً ما كانت ثمّة حدود بين الشعر والنثر، وهي لا زالت إلى اليوم، وإن صارت بدرجة أخفّ وأقلّ حدّةً بالنظر إلى تحوُّل مفهوم الكتابة نفسه، وتبلبل نظريّة الأجناس برمّتها.

   إلى جانب هذه الأعمال النقدية التي زاوجت فيها بين همّ تأصيلي ونزوع تركيبي، منفتحةً على آليّات الوصف والتحليل والتأويل ونقد النقد؛ ثمّة أعمال/ مشاريع أخرى، وفي مقدّمتها قراءتي المحايثة لراهن الشعر المغربي وجماليّاته الجديدة، وهو راهنٌ متعدّد، متداخل المستويات، لم يعد يعني جيلاً باسمه، إنّه حساسيّات متعارضة شكلاً ورؤية وأسلوباً في الكتابة. في هذا البحث، أُدلي بتصوّراتي و أفكاري حول الشّعر المغربي المعاصر، أو جانب واف منه بالحريّ، من موقع المورّط، لكن الورطة الجميلة، في الممارسة الشعرية بالمغرب، إبداعاً ونقداً، بمعنى أنّه لا مناص لنا من احتساب كون النّاقد معنيّاً، دائما هنا وعن الآخر، بموضوعه قيد الافتحاص، أي بالوضعيّة الشعرية المغربية.. بحافزيّاتها التاريخية والسوسيو – الثقافية وكذا بتحقّقاتها ومرجآتها سواء بسواء. كما أنّي منكبٌّ على بحث أكاديمي حول الخطاب السيرذاتي وآليّات اشتغاله داخل خارطة الشعر العربي الحديث والمعاصر، وهو بقدرما يلتفت إلى كتابة أنا الشاعر المرجعي وعبوراته التخييلية في نسيج السرد، بقدرما يقطع مع القراءات التبسيطية أمام تضخُّم الأنا المرضي مع ما يصاحبه من مجموع الاستيهامات والنوادر، ويعيد تاريخ الممارسة الشعرية الحديثة من هذا المنظور.

    مع ذلك، أنا مُمارسٌ للشعر، وهو الأوّل والأَوْلى؛ لكن لا أدّعي أنّي مُنظِّر للشعر. التنظير للشعر يتطلّب خبرة كبيرة به وعملاً يتّجه بالنقد نحو إبستيمولوجيا الكتابة التي ترتبط، في تصوُّري، ببناء المفاهيم التي تكون نتاج تفاعل بين الممارسة ونظريّتها. لا زلت أعتبر نفسي دون ذلك، إلّا أنّ عملي على نقد الشعرية العربية وتأويل النصوص والتجارب الشعرية الجديدة مُهمّ في هذا الاتّجاه: من المعنى إلى الإيقاع، ومن الشعر إلى النثر، ومن الجيل إلى الحساسية، ومن الذاتي إلى السيرذاتي.

   لنقل إنّ هناك تجاوباً بين الشعر والنقد، هو تجاوب فعاليّتين تتحاوران في الذهاب-الإياب داخل معماري الكتابي، ولا تقعان على طرفي نقيض. فكل منهما يلبي حاجةً نفسيةً، علاوةً على ما ينهضان به من أعباء المعرفة والتأمل والبحث. وأحاول –بقدر ما أستطيع- أن أحتفظ بالتوازن الخلّاق بين الفعّاليتين معاً. كتابة القصيدة تحتاج -أوّلاً- إلى استغراق شبه كُلّي ينقطع إلى أسرارها وما يفعله دبيبها في الروح والوعي، لكنها لا تنفصل تماماً عن اشتراطات التي الكتابة تدبّر بؤر تشويشها وتخلّصها من زوائدها، كما لا تنفصل عن خصوصيّات الجنس الذي تنكتب في ضوئه. أما في لحظة الكتابة النقدية فأنا أذهب إلى النصوص وأقترب منها مصغياً إلى فرادتها وشعريّتها، بانفتاحي على تجربتي ومقروئيتي التي راكمتُها بجوار القصيدة، وعلى أدوات النظرية التي أنتقي منها ما يفيد عبوراتي إلى تلك النصوص ولا يثقل عليها بداعي المنهاجية. أنا، ناقداً، مسكونٌ بالشعر، وبمعرفة الشعر. وبداخلي ثمّة فرحٌ داخليٌّ، يُحرّكني للكتابة عن هذا الشاعر أو ذاك، وعن هذا الديوان أو ذاك.

نص الشهادة التي قدّمتها في ندوة (تجارب نقدية) التي انعقدت بمناسبة فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدارالبيضاء، يوم 17 فبراير 2014.

12:01 |  Facebook | |

:::

 بمناسبة المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدارالبيضاء

نخبة من الأساتذة يتحدثون عن التجربة النقدية

sans titre-30.gif

 

  عبد العالي بركات

قارب الأساتذة نجيب العوفي ونادر كاظم وحميد لحميداني وعبد اللطيف الوراري، النقد الأدبي في الوقت الراهن، وألقوا الضوء على تجاربهم الشخصية في الممارسة النقدية، وتم في هذا اللقاء الذي سيره الأستاذ نبيل منصر، والذي ضمن البرنامج الثقافي لوزارة الثقافة بالدورة العشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء الحديث عن مشاريع تحديث النقد ومساهمة الجامعة في بلورة هذا النقد من خلال الانفتاح على النظرية الأدبية التي تقارب النص الأدبي في مختلف تجلياته.
وأشار الناقد نادر كاظم إلى أن الحديث عن النقد ذو شجون، مذكرا بمجموعة من الأقوال لنخبة من المنظرين، من قبيل أن النقاد مجرد أقزام يعتلون أكتاف العمالقة، أو الناقد عبارة عن أديب فاشل، واعتبر هذه الأقوال غير قاسية، إيمانا منه بأن الحماس الذي كان يميز الممارسة النقدية أصابه الفتور. فقد قام بمقارنة بين النقد الأدبي في الوقت الراهن وبين النقد الذي كان سائدا في بداية القرن الماضي، ليخلص إلى أن النقد الراهن يشكو من أزمة. فبعد أن كان المؤلف النقدي -يضيف كاظم- عند صدوره يثير ضجة وجدلا بين عامة القراء، صار حاليا يفتقد لهذه الحيوية، بسبب انغلاقه واعتماده على تقنية متخصصة وعدم مبالاته بما يجري حوله، وبالتالي صارت الكتب النقدية ملغزة  ويقرأها النقاد فقط، و لم تعد تعني للقارئ أي شيء ولا تقدم له أي استمتاع.

ورسم نجيب العوفي بدوره صورة قاتمة عن النقد الأدبي الراهن، مؤكدا على أن أزمته ليست سوى جزء من أزمة الإبداع، فبعد أن أوضح أن النقد يعد ترموميتر المشهد الأدبي والإبداعي، مما يجعل مسؤوليته مضاعفة.  وأشار العوفي كذلك إلى أن عدد النقاد أقل بكثير من المبدعين الذين أصبحوا بلا ضابط ولا رابط.   وتحدث بمرارة عن الإشعاع الذي كان يميز النقد في السابق، مستحضرا مجموعة من محطاته وعناوينه الدالة على ريادته، حيث السجال والمعارك الأدبية.  ونبه العوفي إلى أننا حاليا نعيش النقد الثقافي باعتباره بديلا للنقد الأدبي، أو ابنه العاق، مذكرا مع ذلك بأنه لا يمكن الحكم على هذا النقد بالموت، على اعتبار أنه موته هو موت للأدب في حد ذاته.   واعتبر في ختام مداخلته أن صيحة النقد في وقتنا الراهن، تتمثل في النقد الرقمي الافتراضي، حيث صارت أفكارنا الرمزية ذات منحى إلكتروني، وصار الناقد مجرد إنسان آلي، مؤكدا على أن النقد الرقمي ليس سوى جزء من الأدب الرقمي الذي دخل فضاء الأنترنت في بداية الألفية.

وتحدث الناقد حميد لحميداني عن نوعين من المقاربة الحوارية في النقد، إحداهما ترتكز على التحليل والتأويل الذي يستقدم منهجا حواريا تفاعليا مع المبدع وقراء الناقد، لإنتاج معرفة ومضوعية بالنصوص الأدبية، وعرف مدلول المقاربة الحوارية بتوليد الأفكار، فالحوار يكون في خدمة الرأي الشخصي، ويمثل قيمة معرفية وأداة إقناعية لترسيخ المعرفة في ذهن الآخر.   والمقاربة الحوارية الثانية تشكل عملا تفاعليا، وحيادا تاما للسارد، إذ يعطي الحرية للشخصيات للتحدث عن نفسها.   وأشار إلى أن تحويل البحث المعرفي في مجال النقد الأدبي إلى حوارية، يتم بإحلال المقاربة الحوارية محل المونولوجية.   وتوقف لحميداني بدوره عند أزمة النقد، وذكر أنها تتمثل في المقاربة التواصلية الخطية التي تعتمد على التذوق بعيدا عن الأسس المنهجية النقدية، كما تتمثل هذه الأزمة في القراءة الانطباعية العابرة التي تنتج حكم القيمة، وهي بذلك مقاربة سطحية. ثم المقاربة المعيارية التي تعتمد على علم البلاغة، اعتبارا لأن البلاغة تمثل مقياسا ثابتا لجودة الأدب أو عدمه. بالإضافة إلى المقاربة العقائدية التي تستخدم مذهبا ثابتا تدار حوله القيمة الأدبية.  وخلص بذلك إلى ان المقاربة الحوارية هي الأكثر قيمة، لأنها تستلزم الموضوعية في المحاورة، وتستدعي الحجاج والافتراضات المعززة بأدلة مقنعة، وتعطي إمكانية متعددة للتفاعل، مع النظر إلى المناهج باعتبار قابليتها للتجديد.  كما أن هذه المقاربة تفيد في جعل الناقد غير المتخصص في منزلة المتخصص.

وتناول الناقد عبد اللطيف الوراري منهج الشعرية النقدية، حيث الكتابة تذهب نحو ما لا تعرفه، وتساهم بالتالي في الرقي بالذائقة النقدية.   وعرف النقد النموذجي بكونه ذلك النقد الذي يصغي إلى فرادة النصوص، ولا يثقلها بالمنهجية.  وتحدث من جهة أخرى عن التنظير للشعر، مذكرا بأنه يتطلب خبرة وارتباطا ببناء المفاهيم.

وجاء في الورقة التأطيرية، أن ما راكمه  النص النقدي العربي، خلال السنوات القليلةالماضية، يستحق وقفة تأمل حقيقية، وقفة تستحضر هذاالمنجز وتسائل آفاقه والانتظارات المأمولة من مغامرته. إذ لم تبق التجربة النقدية العربية سجينة موروثهاالنظري، بقدر ما راهنت على ما ينتجه العالم من اقتراحات نقدية، ساهمت وتساهم ولا شك في دعم الكتابة الإبداعية.

09:31 |  Facebook | |