Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

08/04/2014

::

في أربعينية الكاتب محمد أبزيكا:

نتذكّر هذا الكاتب المغربي الذي سُرق إرثه مثل شبيهه أبي حيان التوحيدي

عبد اللطيف الوراري

unnamed.jpg

 بمناسبة أربعينيّته، نتذكّره، ونريد من ذكراه أن تحيا بينا باستمرار. نتذكّر الذي خذلته الذاكرة، وظلّ يواجه قدره لعقدين كدليلٍ أبيض. نتذكّر محمد أبزيكا، الشاعر والكاتب والمثقف والمناضل الذي فقدته سوس، ومعها المغرب العميق والمسكون بحجيج الصمت والأسطورة،  في يوم الجمعة 28 فبراير من هذا العام، وودّعته إلى مثواه الأخير بعد مرض عضال أفقده نشاط قلمه وحياة ذاكرته الخصيبة لسنواتٍ طوال.

   كان الراحل قد رأى النور في قبيلة إمسكين بأيت ملول عام 1950، وتلقى مجمل تعليمه الأولي والابتدائي بعدد من المساجد والكتاتيب القرآنية والمدارس العتيقة بإقليم سوس، قبل أن يتخرّج من المعهد الإسلامي بتارودانت (معهد محمد الخامس للتعليم الأصيل) الذي أسسته جمعية علماء سوس، ويلتحق بسلك التعليم الابتدائي والإعدادي فالثانوي بعد حصوله على شهادة الإجازة في اللغة العربية من جامعة سيدي عبد الله بفاس في موضوع: "الشاعر الشعبي المصري أحمد فؤاد نجم" عام 1972، تحت إشراف الشاعر أحمد المعداوي المجاطي. وعمل أستاذاً بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر غداة  إحداثها عام 1984، بعد نيله دبلوم الدراسات العليا في شعبة اللغة العربية من جامعة محمد الخامس بالرباط، في موضوع: "مكونات النظرية الشعرية عند أدونيس"، تحت إشراف الكاتب د. أحمد الطريسي أعراب. وحال مرضه المفاجئ والصادم بينه وبين مناقشته لأطروحة الدكتوراه في موضوع: "الأسطورة بحوض البحر الأبيض المتوسط، حمو ؤنامير نموذجا". وكان قد نشر منذ منتصف السبعينيات مجموع مقالاته وأعماله البحثية بعدد من المنابر الثقافية المغربية مثل: 'آفاق'، 'الثقافة الجديدة'، و'المحرر' و'الاتحاد الاشتراكي'؛ فكتب عن الظاهرة الغيوانية (ناس الغيوان، جيل جيلالة، إزنزارن)، والفن الكناوي، وأغنية الروايس الأمازيغية، والشعر الأمازيغي، وأحمد فؤاد نجم، إلخ. كما شارك في الأنشطة العلمية التي نظمتها جامعة ابن زهر، وقدّم برنامجاً ثقافيّاً على أثير إذاعة أكادير الجهوية مطلع التسعينيات بعنوان:"الثقافة الشعبية، قضايا ومظاهر". وقد تميّزت مقالاته وبحوثه بالدقة وروح الاستقصاء المنهجي وغنى المعرفة، مُركّزاً فيها على جوانب مسكوتة ومغيبة من تراث الثقافة الشعبية، والأمازيغية تحديداً. ورغم التعليم التقليدي الذي تلقّاه وأكسبه الإحاطة بالعربية وعلومها، إلا أنّه تمكن بفضل عصاميته من تعلُّم اللغات الأجنبية (الفرنسية، الإنجليزية والعبرية) التي فتحته على علوم العصر وثقافاته.

  لكن روحاً عظيمة مثل ما تتجسد في الأعمال، لم تكن إلا روح شاعر مسكون ببحثه عن الحقيقة والحب والجمال، فقد كان محمد أبزيكا شاعراً غنائيّاً، وكانت غنائيّته واقعية وصادم تؤذي الروح العامّ في صميم التاريخ، إذ ألّف للمجموعة الموسيقية المشهورة "إزنزارن" قصائد غنّت للجماعة المغتربة كما في قصيدة "ئزيليض/العاصفة" بمعية الشاعرين مولاي إبراهيم الطالبي وعبد الرحمان عكواد، وقصيدة "توزالت/الخنجر" التي غنّت للإنسان الأمازيغي المتمسك بالأرض والحرية في وجه الطاغية بقدرما استحضرت القضية الفلسطينية، وقصيدة " /النهاية" التي استشرفت نهاية الظلم مع ما فيها من نبرة يأس.

  كان محمد أبزيكا، في كلّ ما كتبه وما لم يكتبه شعراً ونثراً، يُجسّد نموذج المثقف الذي زاوج بين الانفتاح على روح العصر والالتزام في الكتابة عن ثقافة منسية ومظلومة من ثقافتنا المغربية، مثل الثقافة الأمازيغية، وعن الفرق الغيوانية التي جسّدت إيقاعات الشعب ونبضه الساخط، وعن شاعر منبوذ ومظلوم، وقتئذٍ، مثل شاعر العامية المصري أحمد فؤاد نجم في معارضته لنظام الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات، فكان أن لُقّب بـ(أبي حيان الملولي).

  أحببتُ أن أسوق هذا التقديم البيوغرافي من أجل هذه العبرة: محمد أبزيكا كان بيننا، ومات بلا وداع؛ بل مات مرّتين، وشيّعناه في جنازتين: مترجّلاً في أولى، وكظيمَ غُصصٍ في ثانية. مات عن عمر يناهز الرابعة والستين، لكن قتلناه في منتصف العمر، وفي منتصف الحقيقة، دليلاً أبيض يندّ عن كلماتٍ بلا مرجع.

وبعد،

  أليس، تكفيراً عن الخطيئة وإنقاذاً لبعض الحقيقة، يتمّ الاهتمام بالرجل بعد رحيله. أقصد الاهتمام بكتاباته التي نذرها دمه ومعنى بحثه، فيتمّ إعادة نشر مقالاته في كتاب أو مجلد، وطبع أطروحته للدكتوراه التي لم تسعفه ظروفه الصحية الصعبة في مناقشتها، يا أبناء أُمّه في وزارة الثقافة، وفي المؤسسات ذات الصلة (اتحاد كتاب المغرب، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، جامعة ابن زهر بأكادير)؟

 أليس حريّاً بنا أن نذكره، ونردّ له بعض الدَّيْن علينا كما يفعل اليوم أصدقاؤه وطلبته ومعارفه، وهم يتذكّرونه، ويتحدّثون عنه لجيل أتى، أو هم ينشئون على موقع التواصل الاجتماعي (الفايسبوك) صفحة خاصة به  بما يشبه سرادق عزاء وعرفان جميل لردّ الاعتبار له رمزيّاً، وإعادة نشر أعمال الراحل والتعريف بموروثه الأدبي الذي تعرض إلى اللامبالاة من طرف القائمين على الشأن الثقافي بالمغرب؟ أليس يستحقّ ذاكرة حيّة يعود إلينا بها/ عبرها أبلغ لساناً وأنصع وجهاً؟

  لا أزال أتذكّر أنّي، قبل نحو عقد، كتبتُ تحت وقع التأثُّر مقالاً في إحدى الجرائد: دليل أبيض.. في محنة محمد أبزيكا وعزلته. كتبتُ: "حالة محمد أبزيكا تتصادى مع حالاتٍ تتفاوت نوعيّتها وبلاغتها، وإن كانت جميعها تشهد على الصمت المطبق ونكران الجميل الذي تمارسه الدولة المغربية تجاه مثقفيها ومبدعيها الحقيقيّين... ولو قُدِّر أن تسمع إفادتهم وشهاداتهم باللغة التي تفهمها لكلّموا المأساة تكليما. ولكنّهم لا يتكلّمون".

كان الدليل صيحة في واد، ولم يزد على إحالاته إلا بما ينمُّ عن حجاب وسوء تأويل.

  طِبْ مُقاماً قرب شجرة الأركان أمّك الوارفة التي ووريت الثرى تحتها، يا مُحمّد؛ واكتب على جذورها التي تتوسّدها بعض الشعر، وبعض الحقيقة، وبعض الأرض الذي اذّخرته إلى هذا الحلم.

09:53 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.