Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

23/04/2014

:

"الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي":

كتابٌ أشبه بشقائق النعمان!

أحمد علي أحمد طه
tourath.jpeg

إذا تهيأت الظروف المناسبة لقراءة كتاب ما، فتلك متعة يعرفها أهلها، وإذا كان موضوع الكتاب هو الشعر و النثر .. فتلك متعة أخرى تضاف إلى أختها الأولى . وقد تهيأ لي الظرف المناسب والكتاب المناسب، ووجدتني في أحضان متعتين يعز دوام مصادفتهما .

أما الظروف المناسبة، فأمر خاص ... وأما الكتاب المناسب فهو (الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي) للأستاذ عبد اللطيف الوراري .

هذا الكتاب هو، عندي، مشهد بانورامي التقطته، من عل، عين صقر "وراري".. ذلك لأنه أجمل في صفحات متوسطة الحجم تقارب مائة وأربعين صفحة، ما فصله النقاد القدامى في كتب من العسير اليوم مجرد عدّها .. ولهذا فالكتاب يقوم بدور إنعاش الذاكرة و تحفيزها لأنه في رأيي موجه لطلبة وأساتذة التعليم العالي الذين درسوا أمهات الكتب الأدبية إبداعاً و نقداً ... ثم ضاق ، مع مرور الوقت وقتهم، على الرجوع إلى هذه السبائك الذهبية من المجلدات والألوف المؤلفة من الصفحات، فيكتفون بالتحليق مع الصقر المعلوم ليشاهدوا معه تلويحات القاضي الجرجاني وإشارات ابن طباطبا العلوي ولثام السجلماسي وبهجة ابن البناء المراكشي ، ثم تحيلهم التلويحة والإشارة والبهجة واللثام ، على ما سبق لهم أن قرؤوه وتعبوا في جمعه وتحصيله. فالكتاب أقرب إذن إلى خريطة ذهنية، تكتفي بتقديم معالم محددة فتتدفق المعلومات مصحوبة بجميل الذكريات.

ومن المعلومات أن الكتاب أعاد إليّ اسماً عزيزا ًعندي هو أبو الفضل بن العميد الذي "يفجر أنماطا من إيقاع النثر الذي يستخدم الجمل القصيرة المسجوعة والموشاة بالمحسنات البديعية، ويستشهد بالنظم في بنيته، مما يجعله من نوع (الشعر المنثور) لأنه شعر لا ينقصه سوى الوزن" (ص 50). وقد كان ابن العميد موضوع بحث شهادة جامعية لولا أني دفعت إلى موضوع آخر، وقد حفزني كتاب ( الشعر و النثر...) اليوم إلى إحياء الصلة القديمة بهذا الكاتب الفذ، لعلي أنجز معه ذلك البحث المؤجل .

ومن جميل الذكريات أذكر أبا هلال العسكري، الذي كانت تسميه فاطمة:
(
Le père de croissant militaire)، لأن قراءته بالنسبة إليها كقراءة بيان عسكري باللغة الفرنسية: جفاف أسلوب وعسر فهم .. و الواقع أن فاطمة كانت تجد كل الأساليب عسيرة وكانت تتعجب ممن يتحدث عن بساطة وسلاسة أسلوب "الأيام".. أين فاطمة اليوم؟؟

لنعد إلى الكتاب، مشيرين إلى الحكم البديهي المعلوم: (حتى زين ما خطاتو لولا، حتى بلعمان فيه لكحولة). كيف؟ صحيح أن الأستاذ عبد اللطيف الوراري أجمل المفصل وجمع المفرق، ولكنكان من الغريب جدا أن نتصفح كتابا يتحدث عن الشعر والنثر ثم لا نجد فيه لا شعراً ولا نثراً، فباستثناء الصفحة (97) حيث أورد الكاتب البيتين المشهورين:

        ولما قضينا من منى كل حاجة     ومسح بالأركان من هو ماسـح

        أخذنا بأطراف الحديث بيننـــا     وسالت بأعناق المطي الأباطـح

فإنك لا تجد في الكتاب كله غير ما يقوله النقاد عن الشعر، ولا تجد ما يقوله الشعر عن نفسه. أما النثر فمنعدم الأثر، وكم تمنيت أن أجد ولو شذرات نثرية لعبد الحميد الكاتب أو الجاحظ أو صديقي أبي حيان التوحيدي... لا بدّ أن للكاتب الكريم ما يبرر به هذه "لولا.."، و إن لم يكن، فيكفيه أنّ كتابه شقائق نعمان.

لكن السؤال الأهمّ في اعتقادي هو :

هل ما قاله العسكري والجرجاني وابن طباطبا والآمدي عن شعر و نثر زمانهم، يحقُّ لنا أن نطبقه على شعر ونثر زماننا ؟ وماذا كان سيقول الجمحي في السطر الشعري: أرض مستطيلة كبرتقالة زرقاء. ؟؟؟ وماذا سيقول ابن المقفع عن نص نثري لسليم بركات مثلا ــ قراءته بالنسبة إلي شبيهة بتسلق عمود من صابون ــ: (السطورالسريانية في مخطوط "المختصرفي حساب المجهول"، المنسوخ بحبر من سخام شجر الخوخ و دم ضفدع الرمل المسموم بلدغ العقرب، تتراجع أمام نسخها بالسطور الكردية.المعاني تتصافح وتتعانق. والرغيف، الذي عجنه دلشاد بيد الماهية الصغرى للضرورات، ينضج على نار اللغتين الموقدة من حطب المسكون الأليف: لقد سلم الزمن جراب نقوده من شرفة السريانية إلى العداء في خيال الترجمان...)؟؟؟ من رواية: فراسخ الخلود.

و بعد،

لقد تحدّث الأستاذ الشاعر عبد اللطيف الوراري، في صفحات معدودات، عن كتب وكتّاب خاضوا في الشعر والنثر، وأفنوا في ذلك قراطيس وصحفاً، ثمّ ماتوا وفي أنفسهم أشياء من "حتى"، وحريٌّ بكاتبنا وهو يحاول الإلمام بالشعر والنثر أن يردد مع المتنبي:

                 فواعجبا مني أحاول نعته    وقد فنيت فيه القراطيس و الصحف

* نشر المقال بجريدة (أخبار اليوم)، عدد الثلاثاء 22 أبريل 2014.

 

22:58 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.