Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

23/04/2014

:

"الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي":

كتابٌ أشبه بشقائق النعمان!

أحمد علي أحمد طه
tourath.jpeg

إذا تهيأت الظروف المناسبة لقراءة كتاب ما، فتلك متعة يعرفها أهلها، وإذا كان موضوع الكتاب هو الشعر و النثر .. فتلك متعة أخرى تضاف إلى أختها الأولى . وقد تهيأ لي الظرف المناسب والكتاب المناسب، ووجدتني في أحضان متعتين يعز دوام مصادفتهما .

أما الظروف المناسبة، فأمر خاص ... وأما الكتاب المناسب فهو (الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي) للأستاذ عبد اللطيف الوراري .

هذا الكتاب هو، عندي، مشهد بانورامي التقطته، من عل، عين صقر "وراري".. ذلك لأنه أجمل في صفحات متوسطة الحجم تقارب مائة وأربعين صفحة، ما فصله النقاد القدامى في كتب من العسير اليوم مجرد عدّها .. ولهذا فالكتاب يقوم بدور إنعاش الذاكرة و تحفيزها لأنه في رأيي موجه لطلبة وأساتذة التعليم العالي الذين درسوا أمهات الكتب الأدبية إبداعاً و نقداً ... ثم ضاق ، مع مرور الوقت وقتهم، على الرجوع إلى هذه السبائك الذهبية من المجلدات والألوف المؤلفة من الصفحات، فيكتفون بالتحليق مع الصقر المعلوم ليشاهدوا معه تلويحات القاضي الجرجاني وإشارات ابن طباطبا العلوي ولثام السجلماسي وبهجة ابن البناء المراكشي ، ثم تحيلهم التلويحة والإشارة والبهجة واللثام ، على ما سبق لهم أن قرؤوه وتعبوا في جمعه وتحصيله. فالكتاب أقرب إذن إلى خريطة ذهنية، تكتفي بتقديم معالم محددة فتتدفق المعلومات مصحوبة بجميل الذكريات.

ومن المعلومات أن الكتاب أعاد إليّ اسماً عزيزا ًعندي هو أبو الفضل بن العميد الذي "يفجر أنماطا من إيقاع النثر الذي يستخدم الجمل القصيرة المسجوعة والموشاة بالمحسنات البديعية، ويستشهد بالنظم في بنيته، مما يجعله من نوع (الشعر المنثور) لأنه شعر لا ينقصه سوى الوزن" (ص 50). وقد كان ابن العميد موضوع بحث شهادة جامعية لولا أني دفعت إلى موضوع آخر، وقد حفزني كتاب ( الشعر و النثر...) اليوم إلى إحياء الصلة القديمة بهذا الكاتب الفذ، لعلي أنجز معه ذلك البحث المؤجل .

ومن جميل الذكريات أذكر أبا هلال العسكري، الذي كانت تسميه فاطمة:
(
Le père de croissant militaire)، لأن قراءته بالنسبة إليها كقراءة بيان عسكري باللغة الفرنسية: جفاف أسلوب وعسر فهم .. و الواقع أن فاطمة كانت تجد كل الأساليب عسيرة وكانت تتعجب ممن يتحدث عن بساطة وسلاسة أسلوب "الأيام".. أين فاطمة اليوم؟؟

لنعد إلى الكتاب، مشيرين إلى الحكم البديهي المعلوم: (حتى زين ما خطاتو لولا، حتى بلعمان فيه لكحولة). كيف؟ صحيح أن الأستاذ عبد اللطيف الوراري أجمل المفصل وجمع المفرق، ولكنكان من الغريب جدا أن نتصفح كتابا يتحدث عن الشعر والنثر ثم لا نجد فيه لا شعراً ولا نثراً، فباستثناء الصفحة (97) حيث أورد الكاتب البيتين المشهورين:

        ولما قضينا من منى كل حاجة     ومسح بالأركان من هو ماسـح

        أخذنا بأطراف الحديث بيننـــا     وسالت بأعناق المطي الأباطـح

فإنك لا تجد في الكتاب كله غير ما يقوله النقاد عن الشعر، ولا تجد ما يقوله الشعر عن نفسه. أما النثر فمنعدم الأثر، وكم تمنيت أن أجد ولو شذرات نثرية لعبد الحميد الكاتب أو الجاحظ أو صديقي أبي حيان التوحيدي... لا بدّ أن للكاتب الكريم ما يبرر به هذه "لولا.."، و إن لم يكن، فيكفيه أنّ كتابه شقائق نعمان.

لكن السؤال الأهمّ في اعتقادي هو :

هل ما قاله العسكري والجرجاني وابن طباطبا والآمدي عن شعر و نثر زمانهم، يحقُّ لنا أن نطبقه على شعر ونثر زماننا ؟ وماذا كان سيقول الجمحي في السطر الشعري: أرض مستطيلة كبرتقالة زرقاء. ؟؟؟ وماذا سيقول ابن المقفع عن نص نثري لسليم بركات مثلا ــ قراءته بالنسبة إلي شبيهة بتسلق عمود من صابون ــ: (السطورالسريانية في مخطوط "المختصرفي حساب المجهول"، المنسوخ بحبر من سخام شجر الخوخ و دم ضفدع الرمل المسموم بلدغ العقرب، تتراجع أمام نسخها بالسطور الكردية.المعاني تتصافح وتتعانق. والرغيف، الذي عجنه دلشاد بيد الماهية الصغرى للضرورات، ينضج على نار اللغتين الموقدة من حطب المسكون الأليف: لقد سلم الزمن جراب نقوده من شرفة السريانية إلى العداء في خيال الترجمان...)؟؟؟ من رواية: فراسخ الخلود.

و بعد،

لقد تحدّث الأستاذ الشاعر عبد اللطيف الوراري، في صفحات معدودات، عن كتب وكتّاب خاضوا في الشعر والنثر، وأفنوا في ذلك قراطيس وصحفاً، ثمّ ماتوا وفي أنفسهم أشياء من "حتى"، وحريٌّ بكاتبنا وهو يحاول الإلمام بالشعر والنثر أن يردد مع المتنبي:

                 فواعجبا مني أحاول نعته    وقد فنيت فيه القراطيس و الصحف

* نشر المقال بجريدة (أخبار اليوم)، عدد الثلاثاء 22 أبريل 2014.

 

22:58 |  Facebook | |

::

في ذكرى رحيله الخامسة:

هنري ميشونيك كرّس حياته سجالاً في الشعر ونعت معاصريه من شعراء فرنسا بـ"الماموثات" 

عبد اللطيف الوراري

 13qpt898.jpg

وهم الثقافات

 قبل خمسة أعوام، رحل الشاعر وعالم الشعريّات الفرنسي هنري ميشونيك (18 سبتمبر 1932/8 أبريل 2009(. تاريخ من السؤال وإعادة السؤال يصاحب برنامج ميشونيك النقدي الذي يرتبط بتأمل مختلف الخطابات من وجهة نظر الشعرية الّتي نظّر لها كمعرفةٍ تبحث في صيغ الدلالة النَوعية للنص الأدبي. لقد وقفت شعرية ميشونيك في مُفْترق تاريخٍ يعصف بالقناعات، ابتداء من السبعينيات التي شهدت حمّى الجدل النقدي والسجالي في غير علم من العلوم الإنسانية، في أوروبا وخارجها. كان برنامج هذه الشعرية، في بادئ أمرها، هو النقد، وبخاصة نقد الشعرية البنيوية التي كانت لا تزال في ذروة وثوقها بنفسها. يصرِّح ميشونيك بأنه ‘لا يمكن أن نقوم بمحاولة جديدة من غير البدء بتحديدٍ منهجيّ. فنحن لا نقرأ بكلمات الآخرين’. وعليه، طفقت شعريّته تناقض، بوعي، تاريخ الشعرية بأسره منذ أرسطو. عملها، حتى وإن كان مجهوداً نظريّاً، لن يكون ممكنا ـ مع/رغْم عتماته ـ إلا باعتباره تنظيراً للممارسة. لا هي بخطابٍ وصفيٍّ، أو نشاطٍ تأمّلي، أو بحثٍ تاريخي أو مقارن. هي لذاتها. بطبيعة الحال، تمرُّ عبر التاريخ، وبالضرورة كذلك من الثقافة إلى الثقافة، ضدّاً على وهم تكامل الثقافات. ويرى ميشونيك أن النظرية ليست ممكنة إلا في علاقتها بالممارسة ‘شأن ألا تكون تأمّلاً’، ومن الخطأ القول أن المفاهيم لم تنتج، تاريخيّاً، عن هذه الممارسة الخاصة والنوعية، وهو ما يلزم بالضرورة الانتباه إليه وتجاوزه.

نقد الأنثروبولوجيا

لقد كان هنري ميشونيك يعمل على إنتاج نظرية نقدية انطلاقاً من نوعية القصيدة، في صلة بمختلف ذُرِّيات اللغة المضادة، القصيدة المضادة، من داخل الرهان السياسي دائماً، الذي يتم اللعب به داخل الشعرية. ويؤكّد، فضلاً عن ذلك، فصل العلم عن النظرية، مُنِتجاً لخطابٍ نظريّ يبحث قواعد معرفته، بقدر ما يكون المعرفة ذاتها. فأنْ ندعو الشّعرية علماً هو وهْمٌ أو خداعٌ يمكن موضعته بما يلزم. إنّما هي خطابٌ سجاليٌّ ما دام يبحث عن نفسه، ويسعى إلى صرامته الخاصة، داخل الهيمنات الإيديولوجية المتعاقبة وضدّاً عليها. إن الشعرية، دون أن تهجر ميدانها، تقود إلى نقد الأنثروبولوجيا عبر نقد نظريات اللغة، داخل الصراع الذي تقيم فيه من أجل إكساب اللغة ونظريتها وممارستها طابع التاريخانية، ضدّاً على إعادات التقديس الراهنة، التي تلعب دوراً سياسيّاً دقيقاً. من هنا تدافع الشعرية عن نفسها، وتتحصّن لتكون الممارسة والنقد في آن. ذلك ما اختبره في أغلب كتبه النقدية عن الشعر وخطابه، وفي تحليل الوضعية الراهنة للشعر، مُعتبراً الشعر سؤالاً، لأنّ الجواب يتّجه نحو الماضي وانسجامه الخاص، بمقدار عمله المتواصل على استجلاء الشروط التي يقيم داخلها الصراع مُسبقاً، تحت ستار ميتافيزيقي. 

 ولم يكن احتفاؤه بالشّعر، في آخر كتبه ، إلا على نحو مثير للنقد والمفارقات الساخرة، وذلك ضدّاً على عبادة الأوثان التي رأى من الواجب أن تُدْحر لكي يبقى الشعر محفوظاً، إذ وجد أنّ الحُبّ الذي خُصَّ به الشعر المعاصر في حدّ ذاته يقتل القصيدة. من هنا، نفهم أنّ ميشونيك لا يبغي من وراء ذلك مديح الشِّعر، بقدرما يريد أن يكون مسعاه هو تخليص الشعر ممّا علق به وأساء إليه. فقد لاحظ أن كلمة (شعر) أصبحت تعني خمسة أو عشرة أشياء مختلفة في آنٍ واحد، ورأى في ذلك تنافر أصوات لا يُحْتمَل. لذلك كان يُقصد باحتفائه تأمُّل الأشياء الأكثر اختلافاً، تلك التي توضع بشكل غامض داخل كلمة شعر؛ وهو ما قاده إلى نقْدٍ مُعمَّم لما نصنعه بالشعر ونقوله عنه، وبالتالي إلى نقد الفلسفة، أيّ فلسفة، معتبراً أنّ التأمُّل في ما يُعدّ مشكلةً شعريّةً يتجاوز بكثير أن يكون شأناً في الأخلاقيات والسياسة. بطبيعة الحال، لا يُنْكر ميشونيك المعرفة التاريخية للشعر بوصفه ذخيرة، أي تاريخ الشعر في كلّ ثقافة معطاة، غير أنّ مشكلة القصيدة في طور كتابتها ـ كما يبدو له ـ هي في ضرورة امتناعها عن النظر إلى تاريخ الشعر باعتباره كذلك، لأنّها ما أن تفعل ذلك حتى تتحوّل الى فعل شغَفٍ بالشعر يقود حتماً إلى تكرار الشعر الذي سبق وأَنْ كُتِب. لهذا، فهو غالباً ما يُردّد هذا القول الذي يبدو كمجرد تلاعب بالكلمات، بينما هو يبدو أكثر من ذلك بكثير: حبُّ الفنّ هو موْتُ الفنّ.

  فمنذ انطلاق الكتابة الشعرية، كانت القصيدة دائماً هي التي تعيد ابتكار الشعر، أمّا النظر نحو الشعر بافتتانٍ وولعٍ فنتيجته سلبية، لأنّ ذلك يقود إلى الكتابة حول الشعر، وإلى الاحتفاء بها، وهذا أسوأ ما يمكن أن يحصل للقصيدة. يقول: ‘الشعر يحتفي بالعالم، ونحن نحتفي بالشعر، والشعر هو بدوره يحتفي بنفسه. ويكفي لرؤية ذلك أن نقرأ ما يُصْنع بالشعر ويُقال عنه. وتتمثّل المشكلة الشعرية في أنّ حُبَّ الشعر هذا هو مَوْتٌ له. ويجب أن يُفْتضح هذا الميثاق العالمي الذي ينصرف لواحدٍ من الفنون الجميلة’. لا يتعلّق الأمر، إذن، بتحبيب الشعر، بل بالكفّ عن خداعه بالكليشيهات والأباطيل التي لا تعير للشعر وَزْناً. وهذا ما دعاه إلى التأمّل في العلاقات بين كتابة قصيدة وقراءتها وبين مجمل تاريخ الشعر، ووجد في ما يُقال عن الشعر أنّه دائماً ما كان حالةً، مثله مثل الفكر. وذلك هو ما يُشكّل خطره، وواجبه ورغبته في آن.

   وهو يتأمُّل أوضاع الشعر الفرنسي المعاصر، ولاسيّما الذي ساد خلال الأربعين سنة من القرن العشرين، وصف ميشونيك روّاده بـ’الماموثات’، الذي لم يعلوا من شأن الفكر في شعرهم، من أمثال بونج وجاك روبو وبونيفوي وسواهم، قائلاً: ‘يبدو لنا، وبشكلٍ مُفارق، أنّه داخل الشعر الفرنسي يوجد كثيرٌ من الشعر، ولكن ليس ما يكفي من القصائد. فمن الشعراء من لم يفهم أن للقصائد عدوّين يلحقان بها وبالاً مُتغيّراً. الأوّل هو الشعر نفسه، والثاني هو الفلسفة’. يقصد ميشونيك بالأوّل شعر الماضي، وأمّا الفلسفة فإنّما بسبب مفهومها للغة. ومن ثمّة، فإنّ الشعر يعاني من نفسه ومن أولئك الشعراء والفلاسفة الذي جعلوا الشعر طَقْساً، خالياً من الفكر (بالمعنى الخاصّ الذي يقصده ميشونيك ويُلحّ عليه) ومغزوّاً، مُشْبعاً بالفكر أو الاعتقاد بشكل أسوأ. كما لدى هوسرل رأس الظاهراتية، أو هيدغر الذي تفاقم معه الأمر. إنّ القصيدة بدورها تعاني من أن تكون ‘عجلاً ذهبيّاً’ للشعر، وللفلسفة نفسها. فنظريّات اللغة و’الهيدغريّة’ التي سادت لنهاية القرن ما برحت تُهدِّد بخنق القصيدة داخل اللغة والدليل، إذ نُظِر إليها بأنّها حاملة المعنى، وليست هي المعنى، وأنّها ناتج اللغة، وليست هي فعالية اللغة.

دحض التابو الديني

لا يحتاج هنري ميشونيك إلى تقديم، وإن كانت وضعيّته كشاعريّ ولغويّ ومترجم قد غطّت على قدره كشاعر وجد نفسه يواجه الشّعر ويكتبه عن ميْلٍ لا عن تصنُّع، وهو في السادسة عشرة من العمر. لقد سعى بهبة الكلمات الّتي لديه إلى أن يكون مهموماً بطفولته التي استهلكتْها أيام الحرب والمطاردة والخوف، وأن يكون شاهداً على ذلك العذاب الذي يلحقه الناس بالنٌاس، قبل أن يتوجّه لدراسة الآداب حتى يتحرٌر ماديٌاً. بين الفكر والقصيدة، جعل هنري ميشونيك من عمله عملاً لا ينفكُّ عن أخلاقيّاته، وما يني يقدّم نفسه طريقةً لاستبصار الحياة. كما عمل على هدم أسوار ‘اللاهوتي ــ السياسي’ التقليدية، ممّا أدخل في شعره، وفي فكره الشعريّ بالنتيجة، قدْراً هائلاً من هواء اليوتوبيا التي تقترح واجب حماية التعدُّد، بما في ذلك تعُّدد اللُّغات التي تفرض نفسها. يقول ميشونيك: ‘أكتب القصائد، وهذا ما يجْعلُني أفكّر في اللغة بصفتي شاعراً لا لغويّاً. ما أعرفه وما أبحثه يمتزجان. وحتى ما أترجمه، ولاسيّما النصوص التواراتية. وهكذا لا يوجد لا البيت ولا النثر، ما يوجد إلّا أسبقيّة الإيقاع المعمَّمة، في سمعي…حتّى القصيدة، تلك التي أعني بها تحويلاً لشكل الحياة إلى شكلٍ لغويّ ولشكل اللُّغة إلى شكل حياة، تتقاسمُ مع التأمُّل المجهولَ نفسه، الخطرَ نفسه واللذّةَ نفسها..’.

 صدرت له مجاميع شعرية عديدة، منها ديوانه: Dédicaces proverbes، عن دار غاليمار عام 1972، وقد نال جائزة ماكس جاكوب في العام نفسه. وديوانه: Voyageurs de la voix، عن دار فرديي عام 1985، ونال جائزة مالارميه عاماً بعد ذلك. وديوانه: Je n’ai pas tout entendu، عن دار دومرشي عام 2000. وديوانه: Tout entier visage، عن دار أرفويان عام 2005. ثمّ ديوانه: Et la terre coule، عن الدار نفسها عام 2006، ونال جائزة ناتان كاتز في العام نفسه، والجائزة الكبرى العالمية للشعر التي حملت اسم أوجين غيليفيك من مدينة سانت مالو عام 2007.
في قصائد هنري ميشونيك تكلّمنا قوّتها العارية مع صرامة كلماتها البسيطة والمضيئة الّتي تؤرّخ للبدايات وللأصل، بالقدر الّذي تؤذينا في الصميم داخل انسيابيّةٍ طافحة بإيقاع الذّات، مثل
ما في شذرات "والأرض تسيل"، أو في ديوانه الأخير ‘المعتم إذ يعمل’، حيث تتقدّم لنا النصوص خالية من علامات الترقيم وبدون ربط بين متواليات المقطع الشعرية، وكأنها مدبوغة بأنفاس أنا الشاعر وهي تصغي للريح تتراقص على الأجناب، ولها رغبة لا تُحدّ في قول ما لا يقال.

22:53 |  Facebook | |

08/04/2014

::

في أربعينية الكاتب محمد أبزيكا:

نتذكّر هذا الكاتب المغربي الذي سُرق إرثه مثل شبيهه أبي حيان التوحيدي

عبد اللطيف الوراري

unnamed.jpg

 بمناسبة أربعينيّته، نتذكّره، ونريد من ذكراه أن تحيا بينا باستمرار. نتذكّر الذي خذلته الذاكرة، وظلّ يواجه قدره لعقدين كدليلٍ أبيض. نتذكّر محمد أبزيكا، الشاعر والكاتب والمثقف والمناضل الذي فقدته سوس، ومعها المغرب العميق والمسكون بحجيج الصمت والأسطورة،  في يوم الجمعة 28 فبراير من هذا العام، وودّعته إلى مثواه الأخير بعد مرض عضال أفقده نشاط قلمه وحياة ذاكرته الخصيبة لسنواتٍ طوال.

   كان الراحل قد رأى النور في قبيلة إمسكين بأيت ملول عام 1950، وتلقى مجمل تعليمه الأولي والابتدائي بعدد من المساجد والكتاتيب القرآنية والمدارس العتيقة بإقليم سوس، قبل أن يتخرّج من المعهد الإسلامي بتارودانت (معهد محمد الخامس للتعليم الأصيل) الذي أسسته جمعية علماء سوس، ويلتحق بسلك التعليم الابتدائي والإعدادي فالثانوي بعد حصوله على شهادة الإجازة في اللغة العربية من جامعة سيدي عبد الله بفاس في موضوع: "الشاعر الشعبي المصري أحمد فؤاد نجم" عام 1972، تحت إشراف الشاعر أحمد المعداوي المجاطي. وعمل أستاذاً بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر غداة  إحداثها عام 1984، بعد نيله دبلوم الدراسات العليا في شعبة اللغة العربية من جامعة محمد الخامس بالرباط، في موضوع: "مكونات النظرية الشعرية عند أدونيس"، تحت إشراف الكاتب د. أحمد الطريسي أعراب. وحال مرضه المفاجئ والصادم بينه وبين مناقشته لأطروحة الدكتوراه في موضوع: "الأسطورة بحوض البحر الأبيض المتوسط، حمو ؤنامير نموذجا". وكان قد نشر منذ منتصف السبعينيات مجموع مقالاته وأعماله البحثية بعدد من المنابر الثقافية المغربية مثل: 'آفاق'، 'الثقافة الجديدة'، و'المحرر' و'الاتحاد الاشتراكي'؛ فكتب عن الظاهرة الغيوانية (ناس الغيوان، جيل جيلالة، إزنزارن)، والفن الكناوي، وأغنية الروايس الأمازيغية، والشعر الأمازيغي، وأحمد فؤاد نجم، إلخ. كما شارك في الأنشطة العلمية التي نظمتها جامعة ابن زهر، وقدّم برنامجاً ثقافيّاً على أثير إذاعة أكادير الجهوية مطلع التسعينيات بعنوان:"الثقافة الشعبية، قضايا ومظاهر". وقد تميّزت مقالاته وبحوثه بالدقة وروح الاستقصاء المنهجي وغنى المعرفة، مُركّزاً فيها على جوانب مسكوتة ومغيبة من تراث الثقافة الشعبية، والأمازيغية تحديداً. ورغم التعليم التقليدي الذي تلقّاه وأكسبه الإحاطة بالعربية وعلومها، إلا أنّه تمكن بفضل عصاميته من تعلُّم اللغات الأجنبية (الفرنسية، الإنجليزية والعبرية) التي فتحته على علوم العصر وثقافاته.

  لكن روحاً عظيمة مثل ما تتجسد في الأعمال، لم تكن إلا روح شاعر مسكون ببحثه عن الحقيقة والحب والجمال، فقد كان محمد أبزيكا شاعراً غنائيّاً، وكانت غنائيّته واقعية وصادم تؤذي الروح العامّ في صميم التاريخ، إذ ألّف للمجموعة الموسيقية المشهورة "إزنزارن" قصائد غنّت للجماعة المغتربة كما في قصيدة "ئزيليض/العاصفة" بمعية الشاعرين مولاي إبراهيم الطالبي وعبد الرحمان عكواد، وقصيدة "توزالت/الخنجر" التي غنّت للإنسان الأمازيغي المتمسك بالأرض والحرية في وجه الطاغية بقدرما استحضرت القضية الفلسطينية، وقصيدة " /النهاية" التي استشرفت نهاية الظلم مع ما فيها من نبرة يأس.

  كان محمد أبزيكا، في كلّ ما كتبه وما لم يكتبه شعراً ونثراً، يُجسّد نموذج المثقف الذي زاوج بين الانفتاح على روح العصر والالتزام في الكتابة عن ثقافة منسية ومظلومة من ثقافتنا المغربية، مثل الثقافة الأمازيغية، وعن الفرق الغيوانية التي جسّدت إيقاعات الشعب ونبضه الساخط، وعن شاعر منبوذ ومظلوم، وقتئذٍ، مثل شاعر العامية المصري أحمد فؤاد نجم في معارضته لنظام الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات، فكان أن لُقّب بـ(أبي حيان الملولي).

  أحببتُ أن أسوق هذا التقديم البيوغرافي من أجل هذه العبرة: محمد أبزيكا كان بيننا، ومات بلا وداع؛ بل مات مرّتين، وشيّعناه في جنازتين: مترجّلاً في أولى، وكظيمَ غُصصٍ في ثانية. مات عن عمر يناهز الرابعة والستين، لكن قتلناه في منتصف العمر، وفي منتصف الحقيقة، دليلاً أبيض يندّ عن كلماتٍ بلا مرجع.

وبعد،

  أليس، تكفيراً عن الخطيئة وإنقاذاً لبعض الحقيقة، يتمّ الاهتمام بالرجل بعد رحيله. أقصد الاهتمام بكتاباته التي نذرها دمه ومعنى بحثه، فيتمّ إعادة نشر مقالاته في كتاب أو مجلد، وطبع أطروحته للدكتوراه التي لم تسعفه ظروفه الصحية الصعبة في مناقشتها، يا أبناء أُمّه في وزارة الثقافة، وفي المؤسسات ذات الصلة (اتحاد كتاب المغرب، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، جامعة ابن زهر بأكادير)؟

 أليس حريّاً بنا أن نذكره، ونردّ له بعض الدَّيْن علينا كما يفعل اليوم أصدقاؤه وطلبته ومعارفه، وهم يتذكّرونه، ويتحدّثون عنه لجيل أتى، أو هم ينشئون على موقع التواصل الاجتماعي (الفايسبوك) صفحة خاصة به  بما يشبه سرادق عزاء وعرفان جميل لردّ الاعتبار له رمزيّاً، وإعادة نشر أعمال الراحل والتعريف بموروثه الأدبي الذي تعرض إلى اللامبالاة من طرف القائمين على الشأن الثقافي بالمغرب؟ أليس يستحقّ ذاكرة حيّة يعود إلينا بها/ عبرها أبلغ لساناً وأنصع وجهاً؟

  لا أزال أتذكّر أنّي، قبل نحو عقد، كتبتُ تحت وقع التأثُّر مقالاً في إحدى الجرائد: دليل أبيض.. في محنة محمد أبزيكا وعزلته. كتبتُ: "حالة محمد أبزيكا تتصادى مع حالاتٍ تتفاوت نوعيّتها وبلاغتها، وإن كانت جميعها تشهد على الصمت المطبق ونكران الجميل الذي تمارسه الدولة المغربية تجاه مثقفيها ومبدعيها الحقيقيّين... ولو قُدِّر أن تسمع إفادتهم وشهاداتهم باللغة التي تفهمها لكلّموا المأساة تكليما. ولكنّهم لا يتكلّمون".

كان الدليل صيحة في واد، ولم يزد على إحالاته إلا بما ينمُّ عن حجاب وسوء تأويل.

  طِبْ مُقاماً قرب شجرة الأركان أمّك الوارفة التي ووريت الثرى تحتها، يا مُحمّد؛ واكتب على جذورها التي تتوسّدها بعض الشعر، وبعض الحقيقة، وبعض الأرض الذي اذّخرته إلى هذا الحلم.

09:53 |  Facebook | |