Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

09/06/2014

فايسبوكيّات

عن مفهوم القصيدة، والحساسية الجديدة، والنموذجية في الشعر، والشللية، والنقد الطائفي..

facebook-img.jpg

1.

   نستخلص من من أقوال علماء الشعر واللغة، أن مفهوم القصيدة كان يتأرجح بين التوسط والاعتدال والاستواء لغةً، والقصد والتجويد وتمام الشطر والإطالة. وقد سُئل في ذلك أبو عمرو بن العلاء (ت154هـ): "هل كانت العرب تُطيل؟ فقال: نعم ليسمع منها. قيل: فهل كانت توجز؟ قال: نعم ليحفظ، وتُستحبّ الإطالة عند الأعذار، والإنذار، والترهيب، والترغيب، والإصلاح بين القبائل، كما فعل زهير، والحارث بن جلزة، ومن شاكلهما، وإلّا فالقطع أطير في بعض المواضع، والطول للمواقف المشهورة". فالفرق بين القصيدة القصيرة والقصيدة الطويلة هو فرْقٌ في النّوْع لا الكمّ؛ وبالتّالي، فقد يحتاج الشاعر إلى القطع بقدر حاجته إلى الطوال، لكن واقع النّظْم الشعري كان يُشير، باستمرار، إلى ميل الإطالة والتثقيف والتنقيح في عهد القصيدة بما هو الشكل الأرقى في سياق تطوُّر الشعر العربي بعد عهودٍ من الاضطراب والتجزئة مع أشكال الشعر البسيطة والسابقة عليها، حتّى أنّنا وجدنا من شعراء الجاهلية من سمّوا ب"عبيد الشعر" كزهير والحطيئة وأشباههما، لأنّهم اختطّوا نهجاً شعريّاً يُقوّي الوعي ب"هيكل القصيدة"، ويتّجه إلى فكرة أنّ الشعر صنعةٌ أو فنٌّ. ولقد بدا جليّاً لدى أهل العلم بالشعر من القدامى تفضيلهم للقصيدة التي جعلوها أحسن الشعر، واعتبروا طول النّفَس كشرْطٍ للفحولة، ورتّبوا الشعراء تبعاً لطول قصائدهم، ولطالما قدّموا الأعشى لكثرة طواله الجياد. ولذلك بدت أنماط الشعر الأخرى ممّا قصر واضطرب في مرتبة أدنى من شكل القصيدة التي بدأت تُوضع بـ"نيّةٍ مقصودةٍ". صار تطويل القصيدة واقعةً جماليّة مطَّردة، إلى أن عُدّت الشكل الأصولي للشعر العربي، له مواصفاته الخاصّة، منها ما يتعلق بالمعنى أو بالمبنى. وقد مهّد لذلك الوعي بقيمة القصيدة وخطورتها ما أظهرته العرب من كَلَفٍ بالقصائد الطوال، إذ عمدت إلى سبع قصائد تخيّرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب وعلّقتْها على أستار الكعبة. وهذا الفهم للقصيدة عند العرب مخالفٌ لغيره في الشعريّات العريقة، وإذا قصرنا الأمر على الصينيّين –مثلاً، فإنّهم كان يرون أن الشعر هو ما كان مائلاً إلى القصر، وذلك انسجاماً مع تصوُّرهم للزمن والكون. وقد أورد ول ديورانت في كتابه المعروف (قصة الحضارة، ج.4، ص 127)، قوله: «يعتقد الصينيون أن الشعر كله يجب أن يكون قصيرا؛ وأن القصيدة والطول متناقضان، لأن الشعر في نظرهم نشوة وقتية بنت ساعتها تموت إذا طالت ومدت حتى صارت ملحمة، وأن رسالة الشاعر أن يرى الصورة ويرسمها بضربة ويسجل الفلسفة في بضعة سطور وأن مثله الأعلى أن يجمع المعاني الكثيرة في أنغام قليلة».

 

2.

   يُساء فهم عبارة "الحساسية الجديدة"، وقد تبدو مهينة لدى البعض، لأنّهم يعتقدون أن هذا التصنيف يتضمّن إلغاءً أو تشويشاً على"الشعر كما كتبه السلف" قديمه وحديثه. لا شكّ في أن هناك تجدُّداً في الكتابة الشعرية منذ أواخر التسعينيات على الأقلّ، ولا ينحصر روّاد هذا التجديد في مجلة أو في جماعة أو في أفرادٍ ملهمين من أرض دون غيرها. فقد استفاد ممثِّلو "الحساسية الجديدة" من أسلافهم الذي كان بعضهم لامعاً وغير متوقّع، وأنا مُصرٌّ على التنويه بهم. كما استفادوا من أسلاف أقلّ شهرة أو تجديداً، لكن ساهموا بدورهم في التعريف بالشعر والانتصار له في زمنهم؛ بل الأخطر في الأمر، والأكثر دلالة حقّاً، هو أن تجد من الأسلاف من لا يزال قادراً على التجدُّد باستمرار، ويمثّل عامل تحفيز حقيقي لـ"حساسية جديدة" ما كانت ترسخ لولا استبصارهم وتسامحهم ونفاذ رؤيتهم.
لعلّ هذه الإشارة من أهمّ الرسائل التي أردتُ، عبر كتاب: "في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية"، أن ألتقطها وأبثّها، مؤمّلاً في سجال رصين وحياة نشطة تعيد الاعتبار لشعرنا وتُوسّع دائرة الاهتمام به.

 

3.

   بعد موجات التأثُّر المتعاقبة بنماذج من الشعر الحديث والمعاصر لأهمّ رموزه من أمثال نزار قباني ومحمود درويش وأدونيس وسعدي يوسف، يقع الشعراء الشباب اليوم تحت تأثير نموذج وديع سعادة: شذرات شعرية هي أشبه بنتف من سيرة ذاتية، واقعة تحت مناخ الحزن الدقيق، ومتماوجة في مزيج عجيب بين اللامرئي والمحسوس الذي يؤنسن الأشياء من حوله. لكنّ الشباب إذ يُحاكون نموذج وديع سعادة يشوّهونه ويسلخونه من جذر الألفة الذي يُكتب في ظلاله، ولا خطر على الشعر، وعلى مستقبل الشعر، وعلى الشباب نفسه، من تلك المحاكاة المموّهة التي زادت إحالاتها بإفراط وعمى كبيرين.

 

4.

   الشللية سادت المشهد الثقافي المغربي اليوم. شللية في الملتقيات؛ شللية في الإعلام؛ شللية في حفلات التوقيع والتكريم؛ شللية في معارض الكتاب؛ شللية في الفيسبوك نفسه. الشللية من الشلة، ومن الشلل، ومن "التشلال" كذلك. الثقافة المغربية التي فاخرنا بحضور فاعليها في الإبداع والعطاء والتجدد، بدت اليوم على"كفّ عفريت"، فقد طمّ واقعها بالزبد وجلس أدعياؤها من مُزيِّفي العملة ومتعهّدي حفلات الجنس الجماعي في أول الصفّ.

 

5.

   أسوأ ما يمكن أن يتأذّى منه أدبنا اليوم، بل يصيبه في مقتل، هو "النقد الطائفي" الذي وجد في الملتقيات المحلية، ومأذونيات التسويق الإعلامي، وعُرام النعرات الإقليمية والتشيُّع لهذا الجنس أو ذاك النوع.. مرتعَهُ الأثير والخصب. الطائفي، بمعناه الواسع، هو تضييق إمكان شرط وجود. ويصير هذا المعنى مُضاعفاً في مجال الثقافة والفكر والأدب. الأمثلة على هذا "الطائفي" في وسطنا الثقافي تتنامى باستمرار، وربّما هذا قد يوصلنا إلى ما يشبه "أصولية" ثقافية وجمالية.

 

6.

كثرت في الآونة الأخيرة "المهرجانات الشعرية" بشكل لافت للنظر؛ ولمّا كان على رأس الجمعيات المنظِّمة أُناسٌ لا علاقة لهم على الإطلاق بالشعر ولا معرفة لهم بالشعراء، فأنت تجدهم يستدعون إليها العيالَ على الشِّعر وأدعياءه من التافهات والتافهين من المغرب وخارجه، ويُكثرون فيها من "الغناء الشعبي" الصاخب ويزيدون على ذلك فقراتٍ من "السحر والألعاب البهلوانية" و"القعدة"، وهلمّ شرّاً. ولا أعرف إن كان هؤلاء - بهذه الوصفات التي تفتّقت عنها عبقريّتهم!- يريدون حلّ "أزمة الشعر"، ويفكّون إلى الأبد لغــز عزوف الجمهور عن الشعر؟

  

7.

  عندما يصبح (الأدب في خطر)، بدلاً من أن يكون (على حدود الخطر)، فإن أقلَّ ما يتعرض له الأديب هو الصعقات الألفبائية.

8.

   بات لديّ اليوم اقتناع بأن لا معنى لمشتغل بالثقافة والفكر والأدب، أو لمُتعاطٍ للسياسة وتدبير طرق الاجتماع الإنساني، ليس يهتمّ بهذه الوسائط الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي التي تمكّنه من رصد حركات الواقع المعاصر الذي يتطوّر بسرعة، ولا معنى أن يقع تفكيره وجزء مهمّ من انشغالاته خارج ما تشهده من نقاش وسجال في فضائها الذي استعيض به عن الفضاء العمومي، إن لم يكن قد أثّر فيه تأثيراً كبيراً.
بالنسبة لي، أتاح لي هذا الفضاء، عبر الأنترنيت أو الفايسبوك، أن أجدّد آليّات اشتغالي كاتباً وقارئاً، ولكن مع الحفاظ على حامل الكتابة السابق الذي فتحت عيني عليه ونام معي. فالنصّ الذي يولد أمامي إلكترونيّاً ليس كالذي يُكتب ورقيّاً، سواء في مضمونه أو بنائه أو شكله. الإلكتروني عندي متعجّل وفضفاض وموسوم بالهشاشة وقابليّة الاندثار، فيما الورقي متماسك ومتّزن ومكتوب برويّة ومشطوب عليه مرّات. لهذا السبب، دائماً ما هرعتُ إلى الورق لمّا يرد عليّ أوّل بيت في القصيدة، حتى أحميه وأوجد له فضاء تعبيريّته الخاص، لاسيّما في حالة القصيدة المركّبة التي تتطلّب جهداً إيقاعيّاً ومعماريّاً. وإذا كان الأمر يتعلّق بالشذرات أو نصوص الومضة، فإنّي غالباً ما التزمْتُ الإلكترون وتعيّشتُ من عماء الشاشة وجهاً لوجه، وجعلت من جداري على الفايسبوك فسحة للتأمل والنقاش وإبداء الرأي في قضايا وخواصّ أدبية وثقافية، يتفاعل معها أصدقائي ويغنونها أوّلاً بأول. وقد حدث أن كتبت النصّ الواحد على شاشتي الكومبيوتر والورق معاً، ولطالما كان لهذا النصّ طعم خاصّ. فمن المهمّ‘ إذن، أن نُحدّد اليوم الكتابة بالمادّة التي تكتب عليها والحامل الذي يحملها، حتى ندرك المفهوم الذي صار لها في العصر الرقمي، بقدر ما يجعلنا نفكّر كيف أنها تغيّرت تبعاً لموادّها وحواملها الجديدة، وباتت تجسّد تقاليد وخصائص وأساليب مختلفة بين زمن الكتابة الإنتاج وزمن التلقّي والتفاعل مع النصوص.

 

9.

   أشعر مع الوقت بأنّ هناك "حرباً خفيّةً" يشتدّ وطيسها بين الأدباء الفسابكة من الشباب خاصّةً، يترتّب عليها "واجب الاصطفاف" في هذه الناحية أو تلك. حمّلوا الفايسبوك أكثر من كونه موقعاً للتواصل والتعلُّم، فجعلوا منه ميدان حرب باسم الشعر والجمال والثقافة، بلا روح التنوُّع وسمت الاختلاف. ففي الوقت الذي كان عليهم أن يبسطوا أشرعتهم في جهات الأرض الأربع، ويتعلّموا باستمرار، جلسوا أمام الشاشة البكماء كـ"أمراء فوق العادة" وانتظروا "الجيمات" على "نصوصهم" ليصرفوها بالعملة الصعبة، واستمنوا من تعليقات لأسماء مستعارة قلّ أن تجد بينهم اسماً حقيقيّاً لكاتب حقيقي. أيُّها الفسابكة، اِخْفضوا أصواتكم قليلاً، فإنّ في الخارج غيركم يكتب، ويحلم، ويكبّ على وجهه في طريق حقيقيّة.

 

10.

  أيُّها الفسابكة، اِرْحموا اللغة قليلاً. لا نريد أن يتلقّف الجيل الذي بعدنا لغةً "غريبة" و"ضحلة"، بعد كلّ هذا الكدح المعرفي والجمالي الذي بذله العظام، وأفنوا الساعات النادرة من أجله.

 

11.

  بعد كلّ الدم، وكلّ الأحلام المجهضة، وكلّ الدموع التي أذرفتها غيوم الصحراء، وكلّ الورق الذي جرحَتْه أجنحة الأمل، وكل الرُّوح الذي طوّحت به الريح جهة الريح وشيّعتْهُ الأرمدة إلى غد آخر أكثر إيلاماً، وكلّ الشعر التعيس؛ فإنّ الدعوى لا تزال ضدّ مجهول، لأنّ المُدّعي يُفكّر في المجهول أكثر ما يهتمّ بالحاضر الذي حواليه، ويُرْجئ المعنى باستمرار.

19:47 |  Facebook | |

07/06/2014

::

إذْ أَرى

عبد اللطيف الوراري

571574147.jpg

إذْ أرى ريشاً
في كُلّ مكان،
وبعضَهُ مغموراً
في محابر ميّتة،
يسألني قلبي:
هل نفقَتِ الكلمات؟

 

إذْ أرى نَفْسي
طائراً في حُلْم،
أرتابُ في الصّباح من الأرض
وأقضي سحابةَ نهاري
أجمعُ الظِّلالَ إلى البيت!

 

إذْ أرى شبحي
عائداً من النّهار،
أُشْعل الشُّموع في أركان البيت
وأَخْفضُ صوْتَ الآلات،
فإنّي سأبصر الموْتَ وأسمع الذِّكريات!

 

إذْ أرى حَشْداً
يَذْرع القصيدة،
اُحيّي أَنا الشّاعر

 كيف قاومَتْ بالغناء
فضاء الموت.

 

إذْ أرى الأمواج
تتكسّرُ بلا طائلٍ على الرّمْل،
أتذكّر الشاطئ الرومانسي
وصخورَهُ التي كانت تَشي للبحر
بِــالحُبّ الضائع.

 

إذْ أَرى ستائر النّافذة
تلعبُ بها الرّيح لَيْلاً،
أجزم أنّ الأغنية
لِرُوح أحدهم
نام في قصيدة
قبل ألف سنة.

 

إذْ أرى التّجاعيدَ
تتثنّى كأفاعٍ
في وَجْه عزيز،
أبكي القُبَلَ التي
طبعْتُها،
والنُّدوب التي
سامَحَتْني!

 

إذْ أَرى الخيول

بلا مَجْدٍ

تشحجُ،

يتناهى إليّ

صهيلُ الرُّوح.

  

إذْ أًرى جَوْف اللّيْل
بلا رحمةٍ
يسحقُ الكلمات،
هالَنِي أنْ يتلطّخ الفجْرُ بالدّم،
ويُخْفي النّهار آثار الجريمة،
قبل أن يلوذ اللّيْل
بالصّمْت!

19:32 |  Facebook | |