Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

14/08/2014

الشِّعر راهناً

عبد اللطيف الوراري: الشعر المغربي قطع مع عهود الكفاف والتحرج، ويشهد اليوم حركة تحتاج إلى مواكبة النقد

 

جريدة "العاصمة بوست"- حاوره: خالد أبجيك

 10557269_10201537242952367_6850259725202465620_n.jpg

نجد في الآونة الأخيرة العديد من اللقاءات الأدبية وفي مدن عدة بالمغرب، فإلى أي مدى يمكن لهذه اللقاءات أن تخدم الشعر؟ كيف ذلك؟

   مبدئيّاً، أرى في هذه اللقاءات والمهرجانات الشعرية التي تعدّدت وطالت جلّ جغرافيا الوطن عاملاً إيجابيّاً من شأنه أن يفيد، ولو نسبيّاً، في تنمية الثقافة وتوسيع دائرة الاهتمام بالأدب وتداول الكتاب الأدبي. لكن لما كثرت هذه المهرجانات بشكل لافت للنظر؛ ولمّا كان على رأس الجمعيات المنظِّمة أُناسٌ لا علاقة لهم على الإطلاق بالشعر ولا معرفة لهم بالشعراء، فأنت تجدهم يستدعون إليها العيالَ على الشِّعر وأدعياءه من التافهات والتافهين من المغرب وخارجه، ويُكثرون فيها من "الغناء الشعبي" الصاخب ويزيدون على ذلك فقراتٍ من "السحر والألعاب البهلوانية" و"القعدة"، وهلمّ شرّاً. ولا أعرف إن كان هؤلاء - بهذه الوصفات التي تفتّقت عنها عبقريّتهم!- يريدون حلّ "أزمة الشعر"، ويفكّون إلى الأبد لغــز عزوف الجمهور عن الشعر؟

من خلال التطورات التي تعرفها الأجناس الأدبية ووصولاً حتى إلى تشابكها والتباسها حتى اللا تجنيس أحياناً، فهل يمكن أن يتطور الشعر إلى جنس آخر؟

  الشِّعر شعرٌ، فأما إذا تطوّر إلى جنس آخر فلا يُسمّى شعراً. أجل، مرّ الشعر، عبر تاريخه الطويل، من أشكال وصيغ وأساليب كتابية متنوّعة، لكنّه في كل طور يتغيّر من غير أن يفقد مبرّر وجوده وجوهره البلّوري الذي ندركه ونتذوّقه ونشعر به، وهو بؤرة الشعرية ومركز ثقلها. ودعني هنا، أردّ على من يدّعي أن هذا الشكل دون سواه هو أجدر الأشكال بالشعر، فمثل هذا الادعاء يغذّي نوعاً من (الأصولية) في الشعر.

الشذرة بنفحتها الفلسفية وتناسقها هل يمكن أن نعتبرها تطوُّراً للكلمة الشعرية؟

   كان واقع الممارسة الشعرية عندنا يُشير، باستمرار، إلى ميلٍ في الإطالة والتثقيف والتنقيح، ونظر إلى القصيدة باعتبارها الشكل الأرقى في سياق تط وُّر الشعر العربي، رابطاً إيّاها بفكرة أنّ الشعر صنعةٌ أو فنٌّ. وبالتالي، بدا من أهل العلم بالشعر تفضيلهم للقصيدة التي جعلوها أحسن الشعر، واعتبروا طول النّفَس كشرْطٍ للفحولة، ورتّبوا الشعراء تبعاً لطول قصائدهم. وهذا الفهم للقصيدة عند العرب مخالف لغيره في الشعريّات العريقة؛ وإذا قصرنا الأمر على الصينيّين مثلاً، فإنّهم كان يرون أن الشعر هو ما كان مائلاً إلى القصر، وذلك انسجاماً مع تصوُّرهم للزمن والكون. فكان الشعر في نظرهم نشوة وقتية بنت ساعتها تموت إذا طالت . وأرى أن الوقت حان للقطع مع القصائد الطوال ذات البناء الغنائي أو الدرامي الشاهق، التي لا تتوافق مع حوامل الكتابة الجديدة، ولا مع طبيعة الفضاء الفيسبوكي إنتاجاً وتلقّياً؛ فالمُعوَّل عليه – هنا - هو الكتابة الشذرية أو الإبيجرامية التي سنحت لها الفرصة اليوم لكي تنقل الشعر إلى عهد جديد، وتلقٍّ جديد، ومقولات جديدة. وبالتالي، أمكن أن تضخّ هذا الكتابة في فضاء الكتابة دماءً جديدة، وتقطع الطريق عن ضعاف الموهبة ومنتحلي نصوص غيرهم، وبالتالي تسقط الكلفة عن القرّاء من أجل أن يقرؤوا حقيقةً، وتخفُّ المؤونة عن النقّاد لكي يتابعوا ويستكشفوا ويستقرئوا. وهكذا، أمكن للشعر أن يخرج ظافراً من هذا الطور، ويكون تاريخه المعاصر قد شهد حركةً بالفعل. 

هل الشاعر مجبر على التصريح بمواقفه السياسية والفكرية، أم يكفي التعبير عنها بإبداعه حتى لا يتحول إلى داعية أو بوق لجهة معينة؟

الشاعر قبل أن يكون صائغ كلمات، هو مثقّف يجب أن يكون له موقف ورأي واضح ممّا يحدث حوله من ظواهر وقضايا وأسئلة في وطنه وفي العالم ككلّ، بلا التباس أو مهادنة. ويمكن أن يُصرّف مثل هذا الموقف أو الرأي شعريّاً بدون أن يسقط في الشِّعارية التي تصيب الشعر في مقتل. شخصيّاً، أبديتُ رأيي واضحاً في الحرب على غزة مثلاً، واعتبرته حرباً بربرية وغير أخلاقية، مستنكراً سبات الضمير العالمي وتواطئ النظام العربي الرسمي واستخذاء جمهور المثقفين. وفي التعبير الشعري، قلتُه بشفافيّة وإيحاء. وما أبلغ ما قال المسرحي والشاعر الألماني برتولد بريخت: "لن يقولوا، كانت الأزمنة رديئة، بل سيقولون: لماذا سكت الشعراء ؟". 

تتنوع الساحة الشعرية في المغرب ما بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة وقصيدة النثر، إضافة إلى الزجل،  فإلى أي مدى يمكن لهذا التنوع أن يخدم المشهد الشعري المغربي؟

   أعتقد اليوم، ومن خلال رصدي لهذا المشهد، أن فضاء القصيدة المغربية يتقاسمه نمطا قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، في ما انحصر نمط القصيدة العمودية في فضاء مناسباتٍ قومية ووطنية معيّنة وآنية، بسبب ما يفرضه ذلك النمط من إشباع ثابت ولا واعٍ لوجدان الجماعة، وإن بدا لي أنّ هناك ما يشبه عودة (الشعر العمودي) مع شعراء شباب موهوبين داخل الجامعة أو في فضاء الفيسبوك. لكن مع ذلك باتت قصيدة النثر تمثل لسان حال الشعراء الجدد الذين لا يُخفي قطاعٌ كبير منهم تهافته على كتابتها بغير علم أو عن حسن نيّة إذا جاز القول . من هنا، لا يخفى على المتتبّع للحركة الشعرية الواقع الطاغي الذي أخذت تحتلّه قصيدة النثر التي تعني كلّ شعر خارج شرط الوزن والقافية، حتى وإن كانت هذه القصيدة لا ترتقي إلى مستوى الشعرية . الكلّ يكتب، ولكن لا سجال نقديّاً يضيء ويوجّه ويسمّي الأشياء بأسمائها، بلا ادّعاء ولا محاباة . وأعتقد أنّ هذا الواقع نجده في كلّ البلاد العربية، كأنّ هناك إجماعاً على واقع الرعب في الآداب . أمّا فيما يخصّ الزجل، فإن ثمّة حركة حقيقية نتيجة نشاطية فاعليها ، فصارت تقام له مهرجانات، وتخصص جوائز وتعقد موائد مستديرة وبحوث نقدية، بعد أن كان جزءاً من الثقافية الشعبية مهجوراً ومنظوراً إليه باستخفاف ودونيّة، مع عراقته وقيمته كفنّ كلامي. لكن ما نصبو إليه، كشعراء ومهتمّين، أن يكون هناك تعايش وتجاور بين هذه الأشكال الشعرية بلا إقصاء أو محاولة تشنيع. 

وماذا عن الشعر النسائي في المغرب؟

   بعد عهود الكفاف والتحرج، أرى أنّ هناك نشاطيّةً قد انطلقت بوضوح منذ تسعينيّات القرن الماضي، إذ سنشهد إقبالاً من لدن النساء الكاتبات على الإفضاء بتجاربهنّ ونشرها في كراريس ومجاميع تعاظمت في بدايات الألفية الجديدة التي طبعها زخم الحرية وفضاء النشر الإلكتروني.  وكان الشعر أكثر أجناس القول حضوراً في كتابة المرأة وجاذبيّة من غيره، كأنّه الجنس الأثير لقولهنّ الأسير. وإذن، علينا كمهتمّين بالشعر المغربي أن نعطي هذه القصيدة اليوم ما تستحقّه من اهتمام، لأنّ هناك بالفعل تجارب شعرية لافتة ومتنوّعة تبعاً لأعمارها وأساليب كتابتها ورؤاها للغة والجسد والعالم.

الدراسات النقدية كانت ولا زالت الرفيق الأمثل والموجه لأي إبداع، فإلى أي مدى ينجح الناقد المغربي في تقييم التجربة الشعرية وما مدى تأثيره فيها؟

    الإبداع أوّلاً، ثم النقد. لكن ما نجده هو كثرة الإبداع على علّاته، في مقابل غياب النقد وندرته. وربّما هذا أحد الأسباب المهمّة التي تُشيع خطاب الأزمة والحديث عن رداءة الفنّ والجمال. الكلّ يكتب، ولكن قلّ من يضيء ما يُكتب نقداً مع ما يقتضيه من معرفة واستقصاء، وليس النقد كيفما اتّفق تَشيُّعاً وزلفى. وفي نظري، يرجع تقهقر خطاب النقد إلى خطرين: النقد الطائفيالذي يتغذى على الملتقيات المحلية، ومأذونيات التسويق الإعلامي، وعُرام النعرات الإقليمية، أو على التشيُّع لهذا الجنس أو ذاك النوع من الأدب، فيغدو مع الوقت تضييقاً لإمكان المعرفة وشرط وجودها. ثمّ خطر الشللية التي سادت الوسط الأدبي اليوم. شللية في الملتقيات؛ شللية في الإعلام؛ شللية في حفلات التوقيع والتكريم؛ شللية في معارض الكتاب؛ شللية في الفيسبوك نفسه. الشللية من الشلة، ومن الشلل، ومن "التشلال" كذلك. الثقافة المغربية التي فاخرنا بحضور فاعليها في الإبداع والعطاء والتجدد، بدت اليوم على"كفّ عفريت"، فقد طمّ واقعها بالزبد وجلس أدعياؤها من مُزيِّفي العملة ومتعهّدي حفلات الجنس الجماعي في أول الصفّ.

كتابك "في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية" كان ضمن المشاريع الثقافية والفنية التي دعمتها وزارة الثقافة في مجال النشر والكتاب. ماهي أهم القضايا والإشكالات التي تدرسها فيه؟

   الكتاب، في حقيقة الأمر، هو ثمرة إصغاء وتأمُّل ونقاش حول وضع الشعر المغربي المعاصر ورؤاه وجمالياته وآليات تدبُّره للكيان الشعري، منذ ما يزيد عن عقْدٍ من الزمن. تنكبّ إشكالات الكتاب على دراسة هذ الراهن الشعري الذي صار يعني صراعاً ضمنيّاً بين حساسيّاتٍ وجماليّاتٍ متعارضة. فشعراء الراهن ينحدرون من جغرافيّات وتُراثات ومرجعيّات متمايزة في كتابتهم للقصيدة، فلا يجمع بالتالي بينهم تصوُّر محدّد لتدبُّر آليات عملها. وفي الراهن الشعري، لم يعد شاعرٌ محسوباً على جيلٍ بعينه، بل صار منتمياً إلى مغامرة الراهن، وحساسيّته الجديدة. وبالتالي، ما يحكم مغامرة الراهن هو الاختلاف والتعدُّد، بسبب ما يحفل به المشهد الشعري من تعدُّد مثمر وحياة خصيبة وواعدة، ومن ثراء المتن الشعري المغربي المعاصر كمّاً ونوعاً، وتجاذب منتجيه من كلّ أعمار الكتابة وجمالياتها ورؤاها للذّات والطبيعة والعالم.

ماذا تقصد بالحساسية لجديدة؟ وهل تعني تجاوزاً أو إلغاءً لما كتبه السلف؟

 في الحقيقة، ساء فهم عبارة "الحساسية الجديدة"، وقد تبدو مهينة لدى البعض، لأنّهم يعتقدون أن هذا التصنيف يتضمّن إلغاءً أو تشويشاً على"الشعر كما كتبه السلف" قديمه وحديثه. لا شكّ في أن هناك تجدُّداً في الكتابة الشعرية منذ أواخر التسعينيات على الأقلّ، ولا ينحصر روّاد هذا التجديد في مجلة أو في جماعة أو في أفرادٍ ملهمين من أرض دون غيرها. فقد استفاد ممثِّلو "الحساسية الجديدة" من أسلافهم الذي كان بعضهم لامعاً وغير متوقّع، وأنا مُصرٌّ على التنويه بهم. كما استفادوا من أسلاف أقلّ شهرة أو تجديداً، لكن ساهموا بدورهم في التعريف بالشعر والانتصار له في زمنهم؛ بل الأخطر في الأمر، والأكثر دلالة حقّاً، هو أن تجد من الأسلاف من لا يزال قادراً على التجدُّد باستمرار، ويمثّل عامل تحفيز حقيقي لـ"حساسية جديدة" ما كانت ترسخ لولا استبصارهم وتسامحهم ونفاذ رؤيتهم.لعلّ هذه الإشارة من أهمّ الرسائل التي أردتُ، عبر كتاب: "في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية"، أن ألتقطها وأبثّها، مؤمّلاً في سجال رصين وحياة نشطة تعيد الاعتبار لشعرنا وتُوسّع دائرة الاهتمام به.

22:57 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.