Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

14/08/2014

الشِّعر راهناً

عبد اللطيف الوراري: الشعر المغربي قطع مع عهود الكفاف والتحرج، ويشهد اليوم حركة تحتاج إلى مواكبة النقد

 

جريدة "العاصمة بوست"- حاوره: خالد أبجيك

 10557269_10201537242952367_6850259725202465620_n.jpg

نجد في الآونة الأخيرة العديد من اللقاءات الأدبية وفي مدن عدة بالمغرب، فإلى أي مدى يمكن لهذه اللقاءات أن تخدم الشعر؟ كيف ذلك؟

   مبدئيّاً، أرى في هذه اللقاءات والمهرجانات الشعرية التي تعدّدت وطالت جلّ جغرافيا الوطن عاملاً إيجابيّاً من شأنه أن يفيد، ولو نسبيّاً، في تنمية الثقافة وتوسيع دائرة الاهتمام بالأدب وتداول الكتاب الأدبي. لكن لما كثرت هذه المهرجانات بشكل لافت للنظر؛ ولمّا كان على رأس الجمعيات المنظِّمة أُناسٌ لا علاقة لهم على الإطلاق بالشعر ولا معرفة لهم بالشعراء، فأنت تجدهم يستدعون إليها العيالَ على الشِّعر وأدعياءه من التافهات والتافهين من المغرب وخارجه، ويُكثرون فيها من "الغناء الشعبي" الصاخب ويزيدون على ذلك فقراتٍ من "السحر والألعاب البهلوانية" و"القعدة"، وهلمّ شرّاً. ولا أعرف إن كان هؤلاء - بهذه الوصفات التي تفتّقت عنها عبقريّتهم!- يريدون حلّ "أزمة الشعر"، ويفكّون إلى الأبد لغــز عزوف الجمهور عن الشعر؟

من خلال التطورات التي تعرفها الأجناس الأدبية ووصولاً حتى إلى تشابكها والتباسها حتى اللا تجنيس أحياناً، فهل يمكن أن يتطور الشعر إلى جنس آخر؟

  الشِّعر شعرٌ، فأما إذا تطوّر إلى جنس آخر فلا يُسمّى شعراً. أجل، مرّ الشعر، عبر تاريخه الطويل، من أشكال وصيغ وأساليب كتابية متنوّعة، لكنّه في كل طور يتغيّر من غير أن يفقد مبرّر وجوده وجوهره البلّوري الذي ندركه ونتذوّقه ونشعر به، وهو بؤرة الشعرية ومركز ثقلها. ودعني هنا، أردّ على من يدّعي أن هذا الشكل دون سواه هو أجدر الأشكال بالشعر، فمثل هذا الادعاء يغذّي نوعاً من (الأصولية) في الشعر.

الشذرة بنفحتها الفلسفية وتناسقها هل يمكن أن نعتبرها تطوُّراً للكلمة الشعرية؟

   كان واقع الممارسة الشعرية عندنا يُشير، باستمرار، إلى ميلٍ في الإطالة والتثقيف والتنقيح، ونظر إلى القصيدة باعتبارها الشكل الأرقى في سياق تط وُّر الشعر العربي، رابطاً إيّاها بفكرة أنّ الشعر صنعةٌ أو فنٌّ. وبالتالي، بدا من أهل العلم بالشعر تفضيلهم للقصيدة التي جعلوها أحسن الشعر، واعتبروا طول النّفَس كشرْطٍ للفحولة، ورتّبوا الشعراء تبعاً لطول قصائدهم. وهذا الفهم للقصيدة عند العرب مخالف لغيره في الشعريّات العريقة؛ وإذا قصرنا الأمر على الصينيّين مثلاً، فإنّهم كان يرون أن الشعر هو ما كان مائلاً إلى القصر، وذلك انسجاماً مع تصوُّرهم للزمن والكون. فكان الشعر في نظرهم نشوة وقتية بنت ساعتها تموت إذا طالت . وأرى أن الوقت حان للقطع مع القصائد الطوال ذات البناء الغنائي أو الدرامي الشاهق، التي لا تتوافق مع حوامل الكتابة الجديدة، ولا مع طبيعة الفضاء الفيسبوكي إنتاجاً وتلقّياً؛ فالمُعوَّل عليه – هنا - هو الكتابة الشذرية أو الإبيجرامية التي سنحت لها الفرصة اليوم لكي تنقل الشعر إلى عهد جديد، وتلقٍّ جديد، ومقولات جديدة. وبالتالي، أمكن أن تضخّ هذا الكتابة في فضاء الكتابة دماءً جديدة، وتقطع الطريق عن ضعاف الموهبة ومنتحلي نصوص غيرهم، وبالتالي تسقط الكلفة عن القرّاء من أجل أن يقرؤوا حقيقةً، وتخفُّ المؤونة عن النقّاد لكي يتابعوا ويستكشفوا ويستقرئوا. وهكذا، أمكن للشعر أن يخرج ظافراً من هذا الطور، ويكون تاريخه المعاصر قد شهد حركةً بالفعل. 

هل الشاعر مجبر على التصريح بمواقفه السياسية والفكرية، أم يكفي التعبير عنها بإبداعه حتى لا يتحول إلى داعية أو بوق لجهة معينة؟

الشاعر قبل أن يكون صائغ كلمات، هو مثقّف يجب أن يكون له موقف ورأي واضح ممّا يحدث حوله من ظواهر وقضايا وأسئلة في وطنه وفي العالم ككلّ، بلا التباس أو مهادنة. ويمكن أن يُصرّف مثل هذا الموقف أو الرأي شعريّاً بدون أن يسقط في الشِّعارية التي تصيب الشعر في مقتل. شخصيّاً، أبديتُ رأيي واضحاً في الحرب على غزة مثلاً، واعتبرته حرباً بربرية وغير أخلاقية، مستنكراً سبات الضمير العالمي وتواطئ النظام العربي الرسمي واستخذاء جمهور المثقفين. وفي التعبير الشعري، قلتُه بشفافيّة وإيحاء. وما أبلغ ما قال المسرحي والشاعر الألماني برتولد بريخت: "لن يقولوا، كانت الأزمنة رديئة، بل سيقولون: لماذا سكت الشعراء ؟". 

تتنوع الساحة الشعرية في المغرب ما بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة وقصيدة النثر، إضافة إلى الزجل،  فإلى أي مدى يمكن لهذا التنوع أن يخدم المشهد الشعري المغربي؟

   أعتقد اليوم، ومن خلال رصدي لهذا المشهد، أن فضاء القصيدة المغربية يتقاسمه نمطا قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، في ما انحصر نمط القصيدة العمودية في فضاء مناسباتٍ قومية ووطنية معيّنة وآنية، بسبب ما يفرضه ذلك النمط من إشباع ثابت ولا واعٍ لوجدان الجماعة، وإن بدا لي أنّ هناك ما يشبه عودة (الشعر العمودي) مع شعراء شباب موهوبين داخل الجامعة أو في فضاء الفيسبوك. لكن مع ذلك باتت قصيدة النثر تمثل لسان حال الشعراء الجدد الذين لا يُخفي قطاعٌ كبير منهم تهافته على كتابتها بغير علم أو عن حسن نيّة إذا جاز القول . من هنا، لا يخفى على المتتبّع للحركة الشعرية الواقع الطاغي الذي أخذت تحتلّه قصيدة النثر التي تعني كلّ شعر خارج شرط الوزن والقافية، حتى وإن كانت هذه القصيدة لا ترتقي إلى مستوى الشعرية . الكلّ يكتب، ولكن لا سجال نقديّاً يضيء ويوجّه ويسمّي الأشياء بأسمائها، بلا ادّعاء ولا محاباة . وأعتقد أنّ هذا الواقع نجده في كلّ البلاد العربية، كأنّ هناك إجماعاً على واقع الرعب في الآداب . أمّا فيما يخصّ الزجل، فإن ثمّة حركة حقيقية نتيجة نشاطية فاعليها ، فصارت تقام له مهرجانات، وتخصص جوائز وتعقد موائد مستديرة وبحوث نقدية، بعد أن كان جزءاً من الثقافية الشعبية مهجوراً ومنظوراً إليه باستخفاف ودونيّة، مع عراقته وقيمته كفنّ كلامي. لكن ما نصبو إليه، كشعراء ومهتمّين، أن يكون هناك تعايش وتجاور بين هذه الأشكال الشعرية بلا إقصاء أو محاولة تشنيع. 

وماذا عن الشعر النسائي في المغرب؟

   بعد عهود الكفاف والتحرج، أرى أنّ هناك نشاطيّةً قد انطلقت بوضوح منذ تسعينيّات القرن الماضي، إذ سنشهد إقبالاً من لدن النساء الكاتبات على الإفضاء بتجاربهنّ ونشرها في كراريس ومجاميع تعاظمت في بدايات الألفية الجديدة التي طبعها زخم الحرية وفضاء النشر الإلكتروني.  وكان الشعر أكثر أجناس القول حضوراً في كتابة المرأة وجاذبيّة من غيره، كأنّه الجنس الأثير لقولهنّ الأسير. وإذن، علينا كمهتمّين بالشعر المغربي أن نعطي هذه القصيدة اليوم ما تستحقّه من اهتمام، لأنّ هناك بالفعل تجارب شعرية لافتة ومتنوّعة تبعاً لأعمارها وأساليب كتابتها ورؤاها للغة والجسد والعالم.

الدراسات النقدية كانت ولا زالت الرفيق الأمثل والموجه لأي إبداع، فإلى أي مدى ينجح الناقد المغربي في تقييم التجربة الشعرية وما مدى تأثيره فيها؟

    الإبداع أوّلاً، ثم النقد. لكن ما نجده هو كثرة الإبداع على علّاته، في مقابل غياب النقد وندرته. وربّما هذا أحد الأسباب المهمّة التي تُشيع خطاب الأزمة والحديث عن رداءة الفنّ والجمال. الكلّ يكتب، ولكن قلّ من يضيء ما يُكتب نقداً مع ما يقتضيه من معرفة واستقصاء، وليس النقد كيفما اتّفق تَشيُّعاً وزلفى. وفي نظري، يرجع تقهقر خطاب النقد إلى خطرين: النقد الطائفيالذي يتغذى على الملتقيات المحلية، ومأذونيات التسويق الإعلامي، وعُرام النعرات الإقليمية، أو على التشيُّع لهذا الجنس أو ذاك النوع من الأدب، فيغدو مع الوقت تضييقاً لإمكان المعرفة وشرط وجودها. ثمّ خطر الشللية التي سادت الوسط الأدبي اليوم. شللية في الملتقيات؛ شللية في الإعلام؛ شللية في حفلات التوقيع والتكريم؛ شللية في معارض الكتاب؛ شللية في الفيسبوك نفسه. الشللية من الشلة، ومن الشلل، ومن "التشلال" كذلك. الثقافة المغربية التي فاخرنا بحضور فاعليها في الإبداع والعطاء والتجدد، بدت اليوم على"كفّ عفريت"، فقد طمّ واقعها بالزبد وجلس أدعياؤها من مُزيِّفي العملة ومتعهّدي حفلات الجنس الجماعي في أول الصفّ.

كتابك "في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية" كان ضمن المشاريع الثقافية والفنية التي دعمتها وزارة الثقافة في مجال النشر والكتاب. ماهي أهم القضايا والإشكالات التي تدرسها فيه؟

   الكتاب، في حقيقة الأمر، هو ثمرة إصغاء وتأمُّل ونقاش حول وضع الشعر المغربي المعاصر ورؤاه وجمالياته وآليات تدبُّره للكيان الشعري، منذ ما يزيد عن عقْدٍ من الزمن. تنكبّ إشكالات الكتاب على دراسة هذ الراهن الشعري الذي صار يعني صراعاً ضمنيّاً بين حساسيّاتٍ وجماليّاتٍ متعارضة. فشعراء الراهن ينحدرون من جغرافيّات وتُراثات ومرجعيّات متمايزة في كتابتهم للقصيدة، فلا يجمع بالتالي بينهم تصوُّر محدّد لتدبُّر آليات عملها. وفي الراهن الشعري، لم يعد شاعرٌ محسوباً على جيلٍ بعينه، بل صار منتمياً إلى مغامرة الراهن، وحساسيّته الجديدة. وبالتالي، ما يحكم مغامرة الراهن هو الاختلاف والتعدُّد، بسبب ما يحفل به المشهد الشعري من تعدُّد مثمر وحياة خصيبة وواعدة، ومن ثراء المتن الشعري المغربي المعاصر كمّاً ونوعاً، وتجاذب منتجيه من كلّ أعمار الكتابة وجمالياتها ورؤاها للذّات والطبيعة والعالم.

ماذا تقصد بالحساسية لجديدة؟ وهل تعني تجاوزاً أو إلغاءً لما كتبه السلف؟

 في الحقيقة، ساء فهم عبارة "الحساسية الجديدة"، وقد تبدو مهينة لدى البعض، لأنّهم يعتقدون أن هذا التصنيف يتضمّن إلغاءً أو تشويشاً على"الشعر كما كتبه السلف" قديمه وحديثه. لا شكّ في أن هناك تجدُّداً في الكتابة الشعرية منذ أواخر التسعينيات على الأقلّ، ولا ينحصر روّاد هذا التجديد في مجلة أو في جماعة أو في أفرادٍ ملهمين من أرض دون غيرها. فقد استفاد ممثِّلو "الحساسية الجديدة" من أسلافهم الذي كان بعضهم لامعاً وغير متوقّع، وأنا مُصرٌّ على التنويه بهم. كما استفادوا من أسلاف أقلّ شهرة أو تجديداً، لكن ساهموا بدورهم في التعريف بالشعر والانتصار له في زمنهم؛ بل الأخطر في الأمر، والأكثر دلالة حقّاً، هو أن تجد من الأسلاف من لا يزال قادراً على التجدُّد باستمرار، ويمثّل عامل تحفيز حقيقي لـ"حساسية جديدة" ما كانت ترسخ لولا استبصارهم وتسامحهم ونفاذ رؤيتهم.لعلّ هذه الإشارة من أهمّ الرسائل التي أردتُ، عبر كتاب: "في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية"، أن ألتقطها وأبثّها، مؤمّلاً في سجال رصين وحياة نشطة تعيد الاعتبار لشعرنا وتُوسّع دائرة الاهتمام به.

22:57 |  Facebook | |

08/08/2014

ترياق

!ما أوجع السموم في دمنا و ما أعزّ الترياق

 

428657_110650462392451_1142815076_n.jpg

عبد العالي النميلي

 

    بعناد أكثر ورضى أقل، يواصل الشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري في ديوانه الجديد "ترياق"، الصادر في عام 2009م، عن منشورات شرق غرب-بيروت،  حرثه الكاسح لتضاريس اللغة، واضعاً في المنسي والغريب والمهمل واليتيم من مفردات التجربة وتراكيبها عصارة  تأملاته وانفعالاته الصادرة عن ذات تعكس في توالي مراياها تصدُّع زمنها، وتشظّي ممكنات هويتها الطافحة بالجرح والتأسي. وربّما لهذا السبب، يعني الشاعر ب "ترياق" رغبته الملحة والمأمولة في أن يعالج جسده الذي تنغل فيه السموم المزمنة على امتداد التاريخ الفردي والجماعي، وإن بالكلمة التي تشفّ وتُشير. فما أوجع السموم في دمنا و ما أعزّ الترياق!ـ

يستهلّ الشاعر "ترياقـ" ـه، المؤلَّف من ست عشرة قصيدة تنتظم في ست وتسعين صفحة، بنص "يا أهل بغداد السّلام"، الذي يحمل هذا النداء الحار لأهل بغداد محمَّلاً بما هم في أمس الحاجة إليه: ألسلام ! أفليس من أفظع المفارقات أن تكون مدينة السلام مرتعاً لعربدة الحرب وجنون القتل ؟ ومن خلال عبورات النص نكتشف أننا بصدد نص ذي نفس ملحمي تعبر فيه روح الشاعر بأحوالها المثخنة وأسئلتها الفاجعة في الزمن العربي المهين:    " ما للسحاب تمرُّ بي عطشى                          

    ولم تذرف دموعي                                                                           

         أو تبح بدمي إلي"

 إلى جانب الإحساس بالإنحسار والعجز أمام وضع يندّ عن الإدراك مما يجعل الذات عرضة للوحدة والنسيان فالتمزق والضياع:

"أقعيتُ خلف الباب أنظر

أين قلبي الأن ؟ ماذا صار بي؟

يصعد بنا الشاعرأدراج التاريخ ليذكرنا بمأساة أهل سبأ الذين أصبحوا مضرب المثل في التفرق لما مزقهم الله كل ممزق، بعد أن أذهب جنتهم وتبددوا في الأرض: (تفرقت أيدي سبأ). وهل هناك أروع من هذا التعبير المفعم بالمرارة لتجسيد ليل بغداد بكل رمزيته الموحية بكل رعب وخوف وضياع:

 " ما بي لا أرى حتى عماي يرد عني  الليل؟ ".

 ويلاحظ أن التركيب  يهيمن عليه ضميرالمتكلم المفرد في مختلف مقاطع القصيدة، وهو ما يبرز دلالة هذا التوظيف لعكس وحدة الذات وعزلتها الفادحة في مواجهة سعار القتل والتدمير. الذات وحيدة ممزقة ذاهلة عن العالم كما هي حالها يوم القيامة، تحاول أن تجد للأشياء معنى في بغداد التي تساوت أيامها في اللا ـ دلالة على ما يشفي الغليل. ذات متعبة بالاسئلة والشهادة والمعاينة المرّة. وأمام هذه الفظاعات يصبح الشك سيد الأشياء، وتتلاشى ثقة الإنسان في كل المعارف، فلا يجد غير الطفولة قادرة على جعله يفهم من؟ ولماذا؟ و كيف؟:

"ها رحلة أخرى إلى المعنى

على باب القيامة

(...)

أرى الأضداد في متناولي تتجشأ الدنيا

وتقذفُني تباعا

فلا أحتاجُ غير طفولة أخرى لفقْه الحرب قسراً"

 ثمّ سرعان ما يحشرنا النص في تناصّ درامي رائع مع قصة يوسف القرآنية. فإذا كانت نصيحة يعقوب لإبنه يوسف عليهما السلام :"يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا"، فإن رجاء الشاعر من بغداد هو ألا تقصّ رؤياها كيفما اتفق:

"تنغل في سحابي الحشرجات ’ويستريح على دمي

الطير العضال،

وغير رؤيا لي يبدّدها تساومني

عليها القسمة الضيزى بداية كل عام !

 وفي المقطع الأخير من ملحمة بغداد، يخاطب الشاعرالمدينة الشامخة بجرحها المزمن بنبرة ودّ موغلة في اليقين، راجياً منها أن تقبل إسمها الجريح على عواهنه ك "مدينة السلام"!، وألا تفرط في إرثها مهما تغيرت شهية الريح.

 من بغداد يعبر الشاعر إلى فلسطين على" المجاز كما من دالية"، على جناح التحية المفعمة بالفقد إلى روح الشاعر الغائب/الحاضر الذي احتكرت فلسطين شعره ودمه: محمود درويش. في قصيدة طويلة، لكنها خاطفة وداكنة بكثافتها التصويرية حيث تتواطؤ الإستعارة مع الرمز لترسم ملامح بطولة شاعر مقاوم لم يزده الموت إلا حياة:

   "مرت بي، من هنا، امرأة بساق من غبار

    قال: يحيا الميت. قالت : ليت هذا الحيّ ميْتٌ كي

   أدلَّ دمي عليه".

  وعلى قائمة الرموز نجد: الناي والريح والليل والغمام بما لها، مفردة و مجتمعة، من طاقات تحويلية وإيحائية لأجل رسم خارطة عاطفة الشاعر اتجاه فلسطين الأرض والإنسان والشاعر.

من وجع بغداد إلى جرح فلسطين، يرقى الشاعر إلى نفسه بمناجاة مثقلة باللوعة والمرارة، معدّداً على أوتار المجاز أشكال الهدر في حق هذه الأمة العظيمة، ومظاهر أساها في قصيدة يرجّك رجّاً عنوانها الذي لم يذّخر الشاعر جهداً في شحنه شكلاً ومضموناً: متاعا نثرناك، أم المباذل. فإذا كانت المعاني مطروحة في الطريق على رأي الجاحظ، فإن هذا التركيب الساحر لم يخلق إلا لأجل هذا المدلول العظيم، حيث تضافرت في مهرجان تعبيري رائع عناصر فنية متعددة تتقاطع عبرها صور الإستعارة والكناية وأساليب القصر والنداء والنفي والتكرار والمفارقة الساخرة، لتشفَّ عما بضمير هذه الذات من حسرة وإحساس بالذنب اتّجاه تاريخها أمّ العطاءات كلها. يقول الشاعر:

رغْم ما يَحْدث منْ ساعات

على خطِّ الزّلازل

والنّيران في الأطْراف

مازِلْت في الْعَتَبة

خَفيفاً مِثْل نَرْد

تَجْمَع الْفُسْتان الطّويل من الأرْض،

تخْشى عَلى الزُّؤان في يَد الْعَازف لايُشْبع نَهَم النّمْل ،

تَمْسَحُ عنْ غُرّة الْغَدِ الدُّخان ،

ولا تُصدِّقُ الْعَزاءات.

 في الشاعر أصلاً شيء من النبوة، وليس من باب الصدفة أن عرب الجاهلية الأعرف بخدع البيان رموا النبي محمد (ص) بالشعر. فها هو الشاعر عبداللطيف الوراري في القصيدة المبرقة "ترياق" التي أعارت الديوان عنوانها، يحمل بابًا على كتفه ويطوف ويلقم الشمس حطباً، كأنّه يشير إلينا في لغة تشفّ عن نبوءة صاعقة لها سيماء التوق والوعد والحكمة:

 "من الليل

 أحملُ باباً على كتفي و أطوف

 أْسرّ إلى كل ورقاء تعبر بي

شاهداً

ومن الوقت أسحبُ ريحاً

على اللغة الوعد

و الشمس ألقمها

حطبا لا يملُّ

من الليل

إن جاعت البئر

أوحت لنا الطير بالغيم

تحت الأصابع ".

وفي صرخة توسل، تصيح الذات منهكة بالرسالة ومشفقة على الأمانة :

 "من من الباب يدخل

يا عابرين

و يحمل عني إذا طاف

ضوئي الكفيف ؟"

ومثلما في هذه القصيدة، ينشغل الشاعر في أغلب نصوص الديوان بأدواء الجسد والروح، لا لأجل أن يعالجها، بل لأجل أن يقترب منها ويتّخذها زاداً للمعرفة أو للحبّ أو للعبور. في قصيدة "متاع المشمولة بالجراح" التي تنتظم في مجموعة متواليات شذرية تفيض عن الألم مثلما عن الحب:

 " لماذا يصرُّ النهار

على أن يعاقبني في الطريق إليك،

ويحشد حولي ضجيج اللغة ؟

لو الليل يكتم سرّي وعافيتي إن خرجتُ

وناديتُ في الريح ما أبلغه!"

بنفس الاحتراق العشقي المشبوب بالبحث، تتوالى الشذرات في التفاتة ندية غاية في الصوفية شطر المشمولة بالحب، عبر صور شعرية مشهدية لم تتخلف فيها الإستعارة عن الموعد كدأبها مع الشاعرليصنعا للقارئ هذه الموجة المدهشة من المتعة الجمالية التي أترك له حرية تلقّيها، بل خطر مواجهتها:

"هو ذا الوعد:

تلتحفين مجازك، والطير حولك خضراء، والشهد

في شفتيك

سنشتاقُ نحن اليتامى،

و نحلم هذا المساء

لعلّ دم الناي يقنع بالريح بين يديك"..

 

 للإشارة، فقد فاز ديوان "ترياق" بجائزة ديوان الشعرية (دورة محمود درويش)، التي تمنحها مؤسسة شرق غرب (برلين)ـ *

08:28 |  Facebook | |

05/08/2014

عن الشعر النسائي

  الوراري لـ"ذوات": أسعى لرفع الحجاب عن القصيدة النوعية للمرأة بالمغرب

الرباط: حاورته: سعيدة شريف

werari2.jpg

  ذكر الشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري أنه يسعى من خلال احتفائه بالشاعرة المغربية وبقصيدتها عبر موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" إلى رفع الحجاب عن هذه القصيدة النوعية والاقتراب منها. وأضاف الوراري في حوار مع "ذوات" أن المرأة كشاعرة في المغرب، لم يثبت حضورها إلا في السنوات الأخيرة، لأن صوتها الشعري صودر في السابق، ولم تكن علاقتها بالشعر إلّا كموضوع أو مجرد منشدة أو راوية له في مجالس السماع والإنشاد والأندية الأدبية التي ازدهرت خلال العصور السابقة. ودعا الوراري المهتمين بالشعر المغربي إلى إيلاء القصيدة التي تكتبها المرأة الاهتمام الذي تستحقه، " قريباً من جوهر الحكاية وبعيداً عن أشكال البهرجة والفلكلرة". واعترف هذا الشاعر الذي احتفى بالشعر النسائي المغربي عبر "الفيسبوك" من خلال وضع صورهن، والتعريف بهن عبر نماذج من أشعارهن، أن المتن الشعري النسائي يأتي في مقدمة انشغالاته النقدية، وأنه يعود إليه باستمرار، وأن هذا الاحتفاء "الفيسبوكي" بهؤلاء الشواعر ما هو إلا مدخل لمشروع كتاب سيعمل على إخراجه قريباً.

  وأكد الوراري أن ما يميز هذه القصيدة هو إحساس المرأة الشاعرة بحريتها في أن تُعبّر عن نفسها بنفسها بالطريقة التي تريد البوح بها فنّياً،  مشيراً إلى أن المرأة المغربية في قصيدتها متمرّدةً، متأمّلةً، نابضةً بالعاطفة والشهوة. وأوضح أن الاهتمام بالأصوات الشعرية النسائية بالمغرب، لا يتعدى الاحتفاء بتجارب معينة، وفي مناسبات بروتوكولية عابرة، ولا يرقى بعد إلى الاحتفاء بحركة شعرية بالفعل.

  ويعد عبد اللطيف الوراري من أبرز شعراء الحساسية الجديدة بالمغرب، يتميز بالإضافة إلى صوته الشعري بإسهاماته النقدية وبنبشه في جسد القصيدة المغربية، عمل إلى جانب مجموعة من الأسماء المغربية الأخرى على تحديث الإبداع الشعري والدرس النقدي بالمغرب، وهو من أبرز المهتمين بقضايا الشعر العربي قديمها وحديثها. صدرت له في مجال الشعر: "لماذا أشهدت عليّ وعد السحاب؟"، و"ما يشبه نايا على آثارها"، و"ترياق"، و"ذاكرة ليوم آخر". وفي مجال النقد "تحولات المعنى في الشعر العربي"، و"نقد الإيقاع: في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية، وآليات تلقيه عند العرب". فاز بجائزة الاستحقاق من جوائز ناجي نعمان الأدبية بلبنان عام 2007، وتوج بجائزة الشارقة في النقد الأدبي لعام 2009، وذلك عن دراسته "تحوُّلات المعنى في الشعر العربي".

وفيما يلي نص الحوار:

*ما سبب احتفائك بالشاعرة المغربية، والنبش في جسد القصيدة المغربية، خاصة وأننا نلاحظ نوعاً من الإقصاء والتهميش يطال مجموعة من تلك الأصوات؟

- werari 2.jpgلعلّ أهم الأسباب هو رفع الحجاب عن هذه القصيدة النوعية والاقتراب منها، فليس من المقبول في عصرنا أن نواصل تكريس الغياب الطويل الذي كانت تمارسه كتب الأدب والتاريخ على نتاج النساء، لأسباب دينية واجتماعية ونفسية تحكّمت في آليّات الإنتاج الثقافي وسلطتها. نحن نعرف أن المرأة كشاعرة في المغرب لم يثبت حضورها إلا منذ عهدٍ قريب، بعد أن صودر صوتها في المجال الشعري، ولم تكن بالنسبة في علاقتها بالشعر إلّا موضوعاً أو مجرد منشدة أو راوية له في مجالس السماع والإنشاد والأندية الأدبية التي ازدهرت خلال العصور السابقة. فلم تظهر أول مجموعة شعرية نسائية إلا في عام 1975، موسومة بـ "أصداء من الألم" لصاحبتها فاطمة الزهراء بن عدو الإدريسي. أضمومة شعر متواضعة فنّياً، لكنّها كسّرت صمتاً مُريباً وكثيفاً خيّم على وجود المرأة وكينونتها لسنين عديدة، وكسّرت طوق الخوف عمّن كانت تحتفظ بما تكتبه لأرشيف أوجاعها. وابتداءً من تسعينيّات القرن الماضي، سوف نشهد إقبالاً من لدن النساء الكاتبات على الإفضاء بتجاربهنّ ونشرها في كراريس ومجاميع تعاظمت في بدايات الألفية الجديدة التي طبعها زخم الحرية وفضاء النشر الإلكتروني. وكان الشعر أكثر أجناس القول حضوراً في كتابة المرأة وجاذبيّة من غيره، كأنّه الجنس الأثير لقولهنّ الأسير. وإذن، علينا كمهتمّين بالشعر المغربي أن نعطي هذه القصيدة اليوم ما تستحقّه من اهتمام، قريباً من جوهر الحكاية وبعيداً عن أشكال البهرجة والفلكلرة. 

*هل يدخل هذا في إطار مشروع كتاب نقدي ستصدره قريباً، أم هو احتفاء فيسبوكي فقط؟ 

دائماً ما كان المتن الشعري النسائي في مقدمة انشغالاتي النقدية؛ فقد عدتُ إليه أكثر من مرة، سواء في مقاربة لديوان شاعرة أو تلك، أو وراء رصد معالم التطور الذي يعرفه هذا المتن كمّياً ونوعيّاً. وفي دراستي "في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية" هناك فصل خاصّ يقف على خصائص الخطاب واللغة والجسد والذات لدى كثيرٍ من ممثِّلات هذا المتن القادمات من حساسيّات وتجارب ورؤى فنية وأسلوبية مختلفة. لكنّني أردت، عدا عن ذلك، أن ألفت جمهور القرّاء والمهتمّين الذي يتواصلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهم من مشارب وحساسيات مختلفة، إلى قيمة هذا المتن ونوعيّته بالنظر إلى تنوُّعه واختلافيّته ونشاطيّته راهناً، والتعريف بممثّلاته الحقيقيات، والوقوف على جوانب ثيماتية وبنائية فيه، من خلال المختارات التي أحرص على أن تكون عاكسة لماهية المتن. وأرى أن عدداً لا يستهان به أعجب بالفكرة أو الاحتفاء الفيسبوكي، وأراهن على التفاعل الإيجابي والنقاش المثمر لتطوير المشروع إلى كتاب.

* من خلال تتبعك للإنتاجات الشعرية للشواعر المغربيات، فهل ما يكتبنه فعلاً كله شعر جميل؟

- أمامنا متن شعريّ نسائي متنوّع ومتباين القيمة، وذلك قياساً إلى عامل الموهبة وغنى التجربة وطريقة تدبير فضاء القصيدة. هناك شعر نوعيّ، خلافي، تعبيري (مالكة العاصمي، أمينة المريني، عائشة البصري، وفاء العمراني، ثريا ماجدولين، لطيفة المسكيني، صباح الدبي، إلخ) ؛ ثمّ هناك تجارب كتابية واعدة وجالبة للاحترام في طريقها إلى النضج الفني (نسيمة الراوي، ريم نجمي، سكينة حبيب الله، سناء عادل، زينب الشروقي، حفيظة حسين، خديجة المسعودي، إلخ)، وأخرى لم تستطع أن تخرج من مرحلة الخاطرة إلى فضاء القصيدة (ما أكثرهنّ، بلا ذكر الأسماء). لكن في العموم، هو شعر جميل ويتأتى جماله من كونه يُقرّ بوجود كتابة شعريّة تتكلّم صيغة المؤنّث ويطبعها النّفَس الأنثوي الذي يسري في جسد اللغة ويعيد تهوية مجالها الرمزي، وتسمية كثيرٍ من مفرداتها وعلاماتها. 

* ما هي الميزة أو الخصائص التي تتميز بها القصيدة النسائية المغربية؟

- لعلّ أهم ما يميز هذه القصيدة هو إحساس المرأة الشاعرة بحريتها في أن تُعبّر عن نفسها بنفسها بالطريقة التي تريد البوح بها فنّياً. وهكذا، تجدها في قصيدتها متمرّدةً، متأمّلةً، نابضةً بالعاطفة والشهوة، سائرة بتجربتها في الحياة وبوجدانها الخصب الذي يتكلّم عهوداً من التاريخ الشخصي الموجع في أدغال الكتابة. لذلك رفضت أن تكتب نصّاً تحت أطر القولبة أو تطمئنّ إلى التنميط الذي يستغرق غنائيّتها أو شفافيتها الخاصّة، فبدا قاموسها الشعري هامساً وعفويّاً، وبدا إيقاع ذاتها ممهوراً بأنفاس حياتها وشروخ جسدها. واستطراداً على ما سبق، ثمّة ميزتان تتداخلان: تحرير أنا الكتابة، والعكوف على ليل الجسد لتضويئه وترميم شروخه.

* ما هي الإضافة التي قدمها الشعر النسائي للمشهد الشعري المغربي؟

- عندما نصغي إلى أهمّ تجارب الشعر النسائي المغربي، نجد أنّ هناك إضافات نوعيّة نابعة من طبيعة الشعر نفسه. فعلاوة على إفساح المجال لخطاب الجسد بعفويّته وشفافيّته حيناً وتجريديّته حيناً آخر، هناك لغة بسيطة أقلّ احتفاءً بالبلاغة، وبناء نصّي يميل باستمرار إلى القصر والتشذير، ونزوع إلى كتابة الأنا الشعرية وما يترتّب على مُتخيَّلها من فهم خاص للذات والأشياء والعالم، يختلف من ذات إلى ذات. فإذا كانت شاعرة مثل مالكة العاصمي أثبتت، ابتداءً من ديوانها "كتابات خارج أسوار العالم"، ارتباط تجربتها بمشاغل فكرها السياسي والنضالي الذي أملى على أناها المتمرّدة والمُحرِّضة أن تُجابه السلطة وتصرخ في وجه الواقع وتكلُّسه وخذلانه، هناك شاعرات أتيْنَ بعدها أكثر نزوعاً إلى المطلق (أمينة المريني، لطيفة المسكيني، إلخ)، أو اهتماماً باليومي والشخصي والحميمي (عائشة البصري، فاتحة مرشيد، سكينة حبيب الله، إلخ )، أو انصرافاً إلى الغنائي (ثريا ماجدولين، صباح الدبي، حليمة الإسماعيلي، إلخ)، أو العكوف على الجسدي مع ما يستدعيه من احتفاء بالحياة مع فيها من رغبةٍ وبوحٍ وحميمية من غير أن تنحدر إلى ابتذالية ( وفاء العمراني، ووداد بنموسى، إكرام عبدي، فاطمة الزهراء بنيس، إلخ). 

*هل تلتفت المؤسسات الثقافية المهتمة بالشعر، وعلى رأسها بيت الشعر في المغرب، بهذه الأصوات الشعرية، أم يتم الاحتفاء بها فقط بمناسبة اليوم العالمي للمرأة أو الشعر من خلال توقيعات وأمسيات شعرية فحسب؟

إذا كان هناك من اهتمام، فهو لا يتعدى الاحتفاء بتجارب معينة، وفي مناسبات بروتوكولية عابرة، ولا يرقى بعد إلى الاحتفاء بحركة شعرية بالفعل، مع ما يستتبعه ذلك من مواكبة نقدية ونقاش وتوثيق تعنى به المؤسسات الثقافية والتربوية (بيت الشعر، اتحاد كتاب المغرب، الجامعة، الهيئات والنوادي الأدبية)، لأن هناك بالفعل ما يجب ويمكن عمله بلا إرجاء آخر.

  

11:51 |  Facebook | |