Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

14/09/2014

المعنى في الشعر

من إشكالية الدلالة إلى استشكال تلقّي معنى العالم

عبد اللطيف الوراري

 05qpt899.jpg

المعنى في طُرُق الشعر:

 في تصوُّرهم لماهية الكلام الشعري، سعى الشّاعريون والبلاغيّون، في القديم كما الحديث، إلى الكشف عن السرّ في ذلك السحر الأخّاذ الذي تكتسبه اللغة الشعرية ويميّزها عن لغة النثر والمخاطبات الجارية بين الناس من العامّة.
ومن جملة مساعيهم النظريّة والتصوُّرية في ذلك، انشغلوا بمسألة المعنى في الشّعر، باحثين في خصائصه ومميّزاته وأنماط اشتغاله. وبدا لنا من بحثهم الذي لا يخلو أنّه ينقل مركز الثّقل من مفهوم «معنى الشكل» إلى مفهوم «شكل المعنى»، أومن دائرة الكلام «
Logosphère» إلى فلك الصورة «Vidéosphère» الأكثر ثراءً وتعقيداً.
بدءاً، كانت رُؤْية الإحيائيّين للفظ والمعنى تعكس ذات الرُّؤية البيانيّة القديمة، وهي المقدِّمة المنطقية التي بُنِي عليها مفهوم الشّعر بوجْهٍ عامّ، ومفهوم المعنى بوجه خاصّ. فقد كانت «المعاني» تُشير في كتاباتهم إلى المقاصد أو الدّلالة النثرية للأبيات مجرَّدةً وغير مُبَنْيَنة، ويعكس هذا المفهوم أسبقيّة المعنى وثباته. ومع مجيء  الرُّومانسيين سوف يتعرّض «المعنى» لتحويل ظاهر، إذ صاروا ينظرون إلى المعاني الشّعرية بوصفها خواطر المرء وآراءه وتجاربه وأحوال نفسه وعبارات عواطفه التي ترِد على الوجدان الفرديّ للشاعر، مشترطين «الإبانة عن حركات تلك العواطف». لكن ذلك أدى إلى نوْعٍ من الترهُّل لا يتفق وكثافة اللغة الشعرية.
وشكّل بروز الشّعر الحر، وقصيدة النثر تالياً، مُنْعطفاً لافِتاً في تاريخ الشّعرية العربية، حيث انْهارَ المعمار التّقليدي للقصيدة. فإلى جانب الثورة على الإيقاع التقليدي، وما صاحبها من تغيّرات في البناء النصّي، بدأت علاقة الشاعر باللغة تأخذ مناحيَ وجماليّات جديدة من الصوغ والانْبِناء والتدليل، من خلال الاستخدام الفرديّ لها، وإعادة تشكيلها خارج طبيعتها الراسخة وأوضاعها القاموسية الثّابتة، وهو ما سينعكس، بقوّةٍ، على البنية الدّلالية للقصيدة وسياقها وفاعليّتها في إنتاج المعنى: شعريّة الكتابة لا شعريّة الإنشاد. ويمكن لنا أن نشير إلى أنّه بدأنا ننتقل من بنية العروض حيث هيمنة الوزن وأسبقيّته في تحديد مُكوّن الشعرية داخل النصّ، إلى بنية الدلالة حيث التركيز على المعنى وطرائق تمثيله وتشكيله فنّياً.
ولقد اتّضح أن الشّاعر لم يعد يهتمُّ بتحرير أخيلته من تسلُّط التراث البياني عليها، وربطها بتجربته الجديدة فحسب، بل تعدّى ذلك إلى الدأب على توسيع أفق الصورة نفسها، لتتّسِع لأكبر قدر من الاحتمالات المتَّصلة بأعماق التجربة.
حداثة اللغة وإشكاليّة الدلالة:
لقد بدأ سؤال الحداثة  ضاغِطاً على  نصوص الشعراء وتجاربهم في تمثيل الذات والحقيقة بأكثر أدوات التعبير الشعري أصالةً وجدّةً، مُشارِفين الرّؤيا للشعر والعالم، وغير مُنْصرفين عن هموم الجماعة. وكانت مرحلة التحوُّل هي تلك التي اجتازها الروّاد الأوائل. ورغم أنّ شعر هؤلاء جميعاً لم ينفكّ عن ارتباطهم السياسي المباشر، إلّا أنّه كان على درجةٍ من الصدق الفنّي والنضج الفكري أعلى بكثيرٍ من شعر المرحلة ككلّ، سُرْعان ما آثروا التّحليق في آفاق الرُّؤيا الشعرية الحديثة بعيداً عن الرّؤية الفكرية للواقع والفنّ.
 وفي خضمّ التجربة الجديدة، بات في وسع الشّاعر الحديث أن يسبح « في بحار المعرفة السبعة» بتعبير صلاح عبد الصبور، وأن ينهل من معارف العصر وثقافاته المتنوّعة الواردة من وراء البحر، وأن يدعها تمتزج في نفسه وفكره بثقافته العربيّة، ليستعين بها على تحليل واقعه، والوقوف على المتناقضات والملابسات التي تكتنفه، وإدراكها إدراكاً موضوعيّاً، ومن ثمّة التعبير عن ذلك كلّه بصوته الذاتي المفرد، بشيْءٍ من المعاناة والقلق والسخرية ومراوغة الشكّ والتمرّد على واقع الهزيمة؛ بل إنّ شاعراً مثل البياتي كان يشعر أنّ لغته لغةٌ مصنوعةٌ، وأنّ الأشياء التي يصِفُها موجودة سلفاً، كما فقدت الكلمات الكثير من أصالتها، وأنّ عليه أن يتخطّى، ويحيا العصر وإمكاناته.
وقد أتى هذا الوعي الطارئ بحقوق المفردة وعلاقاتها، الذي يتمّ في حداثة اللُّغة، ردّاً على عجزها عن حمل المعاني، وعدم وفاء طاقتها الدلاليّة بالرّؤى الجديدة الّتي فجّرها شعراء الحداثة، تباعاً. لقد صار ذلك «ابناً شرعيّاً للعقيدة الإبداعية لشعرية الحداثة»، إذ إنها لم تعد تثق في ارتباط الدالّ بالمدلول الواقعي، ولم تعد تثق في مقولة المُحاكاة على مستوياتها المختلفة، إن الذي تثق فيه: إنّ كل مُفْردة تنتج مرجعيّتها دون نظر إلى الواقع الفعلي، وإنما ينحصر نظرها في مستهدفاتها الجماليّة أكثر من الدلاليّة.
   كانت تتفتّح أمام وعي الشاعر وحساسيّته الحديثة، بالفعل، إمكاناتٌ من المعنى وطاقاتٌ للكشف جديدة، ويختبر»أناه المحدثة» في ارْتيادِها و قُدْرتها على الاستجابة لها وتمثُّلها وتطويع دلالاتِها العابرة لمتخيَّل القصيدة، وهو يبتدع طرائق مغايرة في بنينة المعنى وتوصيله عبر استخدام الرموز والأساطير والنّماذج والأقنعة، وتكثيفها كتابيّاً وتخييليّاً، ممّا جعل القصيدة تغدو بِناءً معرفيّاً مُعقّداً فيما هي تطفح بفائض قيمة المعنى. ولعلّ أشهر هذه التجلّيات الّتي صارت قرائن على الأنا المحدثة، واقترنت بسياق النّكبة وما تلاها: رسول المعرفة، وسارق النّار، والفينيق، والمُخلّص الّذي يوحد بين الكلمة والفعل، وإله الخصب، والمصلح الداعية، والمبشر بالمعجزة، والشاهد الذي يكتفي بالنظر، إلخ. وبما أنّها صارت تنأى عن الوضوح المنطقي أو واحديّة المستوى الدلالي التي نألفها في كثير من الشّعر الحديث.
 وما من شكّ في أنّ نوع المصادر الكتابيّة الجديدة الّتي صار شعر الحداثة يغترف منها ويُدْمنها قد ساهم في تكثيف المعنى إلى درجة التّعقيد والغموض. إنّنا أمام إشكاليّة الدلالة، ومن خواصّها:
ـ تكسير الدّلالة الواحدة، وتفجير دلالاتٍ جديدة.
ـ إغناء اللّغة بأشكال من المفارقة والتّجريد والتّرميز والتناصّ.
ـ توسيع مدلول الصُّورة بوصفها طاقة احتماليّة تتغذّى من بلاغة التكثيف والانزياح.
ـ تشظّي البناء النصّي الذّي لا يبين إلّا عن التشتُّت والانتشار والتشذُّر بلا رابطٍ منطقيّ.
وهذه الخواصّ قد نقلت حركة انبثاق المعنى من دائرة الدّلالة المعجميّة إلى دائرة الدلالة السياقية المفتوحة على إمكاناتٍ مهمّة لا تعتقل أجروميّة المعنى المتحرك بقيد معجميّ أوإيقاعي أو تركيبي. فيما نكتشف أنّ القصيدة غيَّرت علاقاتها الخاصة بها كخطابٍ نوعيٍّ ومخصوصٍ، والعلاقات الوظيفيّة بين اللغة والمعنى، الوعي والعالم. لكنّها، بسببٍ من ذلك كله، سوف تتّسم بـ»صدمة التلقّي» التي قد قرنتْها بالغموض.
المعنى الجديد وأزمة تلقّيه:
    مع (البراديغم) الجديد للمعنى داخل الحداثة الشّعرية بوصفها تمثّل شعريّةً مُفارِقةً ومُتحرِّرةً «انفرط العقد الدلالي»، وتمّ بلبلة منظومة المعيار الدلالي الّذي استقرّ في النسيج الشّعري ، وكرّستْه قواعد البلاغة المعروفة. فلم يعد ثمّة مجالٌ للاحتكام إلى السُّلّم التصنيفي المعهود الذي يتّكئ على بلاغة المعيار ذات المرعيّة النظامية، فيما هو يضبط مراسم انتقال اللفظ من مدلول إلى مدلول سواه. لقد فضّ المجاز، مثلاً، قالبه المجرّد الذي يسوغ انتقالاته الدلالية، ليدلّ على «حركة المعنى»، أو على التموُّجات الطارئة على خارطة الدلالة، والمؤثِّرة في شبكة العلاقات القائمة بين  دوالّ اللغة وتجربة الشّاعر المستقطرة لذخيرته في الحياة والقصيدة.
 ولقد وقف كثيرٌ من دراسات الشّعرية على ما يثيره المتن الشعري الحداثي من غموض في ذهن النّاقد والقارئ على السواء، ووجدت في استراتيجيّات التأويل والقراءة التي أشاعتها النظرية الأدبية الحديثة إمكاناتٍ مهمة لفكّ شفرات النص وملء فجواته وسبر أغواره البعيدة، مبتعدةً عن المعنى الذي تقسره القراءات المغرضة والتّفسيرات الإيديولوجية وترغم عليه بنية النصّ. ودائماً ما كانت ثمّة ضرورةٌ للتأويل والعمل بسيرورته لأحد مقولتيْن:»أولاهما غرابة المعنى عن القيم السّائدة، القيم الثقافية والسياسية والفكرية، وثانيتهما بثّ قيمٍ جديدة بتأويل جديدة؛ أي إرجاع الغرابة إلى الألفة، ودسّ الغرابة في الألفة»، بتعبير محمد مفتاح.
ومثل هذه الغرابة في المعنى وتلك القيم الجديدة قد نشأت مع شعر الحداثة واقترنت به، فكان طبيعيّاً أن تُثار موضوعاتٌ مثل «الغموض « و» لغة الغياب» و «إشكالية الدلالة» و»الإبهام» و»غياب المعنى» و»تفجير اللغة»، إلخ. ومن الطبيعيّ أيضاً أن تبحث ذائقة القراءة عن تاريخٍ جديد لها في طرق التّعامل مع النصّ الشّعري وتأويله. لم تكن القراءة القديمة تتحرّك إلّا ضمن نموذجٍ ثقافيّ – جماليّ سائد لا يخرق قوانين اللغة المعيارية، وينفتح على معاني الذّاكرة الجماعية بسلاسةٍ، وبالتالي كان القارئ يتوكّأ عليه للفهم والتذوّق في الغالب. أمّا القراءة الجديدة فإنّها تكسر عمود «المرجعيّة» فيما هي تؤسِّس لسياقٍ مغايرٍ لكلّ نموذج سائد وقارّ، وذلك انسجاماً مع التصور الانقلابي الذي تؤمن به الحداثة الشعرية.
بهذا الاعتبار، صار تلقّي شعرنا اليوم يأخذ وضعيّة أكثر تعقُّداً وهي تجعل من القارئ أن يكون أكثر حضوراً في إنتاج الدلالة وليس في الكشف عنها فحسب، وهذا ما يخرج القراءة عن كونها عملاً استهلاكيّاً يتحرّى فيها القارئ الفهم الحرفي للمعنى المتشبّع، إلى عملٍ يتقصّد إنتاج الدلالة الشعرية بأبعادها الإيحائيّة الكثيفة، بل ومعاناتها إذ تنتقل به في سلسلة من الدوالّ لا تنتهي. إنّ المعنى لا وجود سابقاً له في النص، وقبل تلقّيه بالذّات. فالمعنى ليس شيئاً معطى يستخرج من النصّ، بل يتمُّ تجميعه من إيحاءات نصية، أو بالأحرى يُبْنى بواسطة استراتيجيات القراءة والتأويل؛ ومن يدافع عن معنى سابق كمن يدافع عن «الألقاب العقارية» الذي يبدأ بتقفّي آثار عمليّة الإرث الشرعي عبر القرون. وفي جميع الحالات، يمكن القول إن تأويل المعنى في الشِّعر ليس ترفًا، بل ضرورة لتحرير المعنى بقدرما هو فعل لإنتاج الدلالات الممكنة ليبقى الشعر حيّاً بيننا. والتأويل، هنا، «لا يعني- كما يقول بول ريكو
ر
- البحث في قصْدٍ مُتخفٍّ وراء النص، وإنّما يعني متابعة حركة المعنى نحو المرجع، بمعنى نحو العالم».

10:18 |  Facebook | |

01/09/2014

الشعري والسياسي

حول إشكالية الشِّعري والسياسي: من شرط الالتزام إلى رهان المغامرة

عبد اللطيف الوراري

22qpt990.jpg 

   دائماً ما كان سؤال الشِّعر سُؤالاً إشْكاليّاً، في قديم الثّقافة العربية وراهِنها. ما المحدِّدات المائزة له؟ وما هو الوعي الّذي يشرطه، ويمثّله في كلّ ثقافةٍ، وعصْرٍ؟ وما هو الدّور الّذي يضطلع به في المجتمع، وعلاقاته بأطرافه؟ هذه بعض الأسئلة الأساسيّة ضمن أخرى تضَعُنا في قلب الإشكاليّة، لكنّنا لا ننشغل، هنا، إلّا بواحد من مناحي النّظر، الّذي ظلّ معتماً ومحتجباً في الخطاب الثّقافي رغم قيمته الرفيعة، وهو وضْعُ الشّاعر في/ من زمنه، ومحيطه الاجتماعي، وهويّة قصيدته الثّقافية، وأخلاقيّاتُها، ورؤيتُها للذّات والعالم، من غير أن نغفل، في زخم ذلك، عن التبدُّلات السوسيوثقافيّة الّتي طبعت مفهومات الشّعر والشّاعر، وأوضاع الكتابة. وإذا أخذنا بتعريف إدوارد سعيد لمفهوم المثقف في كتابه «تمثيلات المثقف»(1993)، بأنّه الشخص الذي «يُواجه القوّة بخطاب الحقّ»، فالشاعر هو هذا المثقّف، وقوّته من قوّة الشعر، بدلاً من قُوته؛ لأنّ لخطابه دوراً طليعيّاً لا ينفصل عن أخلاقيّات كتابته.

تمثيلات الشعري

من عصر إلى آخر، لم يكفّ الشاعر صوغ سياسات قصيدته، حتى في لحظات وهنها وصمتها. داخل خطابها المُفْرد والنّوعيّ، باعتبارها ممارسةً نوعيّةً وتاريخيّة، كانت القصيدة لا تحمل تاريخها فحسب، بل مكانها وعبورها في الأزمنة والثّقافات مع ما تقتضيه أوضاع الكتابة ومعايير الجنس الأدبي أو خارجها.  في عصرنا الحديث، لم يتأخر أصحاب الشعر الحُرّ عن أن يُمثّلوا في أشعارهم صور العلاقة المتفاعلة بين نصوصهم وبين محيطهم الذي عملوا، بدرجاتٍ، على نقده نقداً مباشراً حيناً، وتطهيره والسموّ به في الرّمْز والأسطورة حيناً آخر. ولم يكن ينفصل ذلك عن مشكلات السياق السياسي والاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية وعام النّكبة، الذي ساهم في ولادة وَعْيٍ شعريٍّ مُغاير في تصوُّر عمل القصيدة وسياساتها، وفي بناء الموقف النقدي وأطروحات الرّؤية ضمن فضاء الكتابة. وكان يتفاعل داخل الوعي الرّافض للسائد والمتفاعل مع ما يجري حوله مشروع الشاعر النّاقد والمُثقّف الّذي أخذ من الفلسفات والمعارف والنظريات الأدبية بنصيبٍ مُؤثّر، وساعدته ثقافة الالتزام الرّائجة، وقتئذٍ، في بلورة أفكاره في مواجهة المجتمع والمدينة والحياة والكون.

  في هذا السياق، برز الشعراء التمُّوزيّون والواقعيُّون الذين لم ينفصل تحديثهم للشّكْل الشعري عن الاهتمام بالمضمون السياسي والاجتماعي الرّافض، فدعوا إلى الالتزام بـ«المبادئ الوطنية والقومية والإنسانية»، وبـ«تحرير الأوطان من الاستعمار والتخلف الحضاري»، وبـ«الدّعوة إلى نهضتها ووحدتها ورفاه أبنائها»، بقدرما هم يتطلّعون إلى غدٍ أمثل تسود فيه الحريّة والعدالة الاجتماعية. وكثيرٌ من هؤلاء الشّعراء كان تجمعهم بمؤسّسات سياسيّة وإيديولوجية علاقات انتماء أو تعاطف كانت صالحة للطّرفين معاً، ومنهم من تأثّر بهذه العلاقة حتّى صارت نصوصه مواقف اجتماعية مُؤدلجة بحكم الواقع السياسي الضّاغط وتأثير النقد الإيديولوجي، لكنّها انتهت وذابت في الماضي فيما تبدأ كلّ لحظةٍ تلك النّصوص المنذورة، كتابيّاً وجماليّاً، للمستقبل وتأويلاته.

ظلّ شعراء هذه المرحلة يشخّصون الصراع، المعلن وغير المعلن، بين السياسي والثّقافي في الشعر العربي الحديث، ومثّلت الموضوعات القوميّة والاجتماعيّة، مثل الموضوع الفلسطيني والصراع الطّبقي والاغتراب النفسي والموت والانبعاث، ضغطاً متصاعداً على نصوصهم الشّعرية. هكذا، أدمنت الذّائقة على التعامل معهم بوصفهم الصّوْت السياسي للثّورة العربيّة من أجل التغيير والتقدّم والرّفاه، وإنْ كان قد رهن رؤى الشّعراء ومواقفهم بالقضيّة وتبعاتها وتداعياتها سياسيّاً واجتماعيّاً، أي رهن «الشّعري» بـ«الأيديولوجي» داخل حُمّى الاهتمام بجماليّات الأدب الواقعيّ، وكانت هذه العلاقة المزدوجة بين ما هو اجتماعيّ وجماليّ سوف تتسبّب، بلا شكّ، في خلق العديد من مشكلات الشّعر.

الرعب في المدينة وخفوت صوت الشّعر

عندما حدثت النّكْسة لم تكن أقلّ من صاعقة ومدوّية.كانت، في نظر الكثير، زلزالاً لم يسبق له مثيلٌ في الوعي الثقافي الحديث، بحيث لم يَسْلم من آثارها أحدٌ، وباتت قطاعاتٌ واسعة من نخب الثقافة والأدب والفنّ تُعيد، تحت هَوْل ما حدث، النّظر في حقول الفكر والرّؤية والحساسيّة. لكنّ أخطر ما حصل هو انهيار الأيقونات الماديّة والرّمزية التي حملَتْها القصيدة واطمأنّ إلَيْها جمهورها، وأعني بها الرّموز والإيحاءات والأساطير الّتي كان يوحي بها الشّعراء إلى نهوض الحضارة وانبعاثها بعد انحطاط وموت. إرْثٌ كبيرٌ من الآمال تبخّر، ومن التطلّعات خاب، كما أجهضت الأحلام بالتّغيير والرّفاه والعدالة الإجتماعيّة في المدينة العربية. من هذه اللّحظة بدأ الشّعر في الانحسار، وسقطت القصيدة من الصفحة الأولى في عدد من الجرائد القوميّة إلى صفحات داخلية، بعد أن غدت الشقّة تتوسّع بينها وبين الجمهور الذي أحسّ بأنّ الشّعراء باعوه الزّيف والكذب، وأنّ ما وعدوا به لم يجلب إلّا المأساة، كما أحسّ الشّعراء أنفسهم بالخيبة واللّاجدوى والشّعور بالفاجعة من آثار الزّلزال المدّمرة.وأخذ وعي الشاعر الحديث يتغيّر في علاقته بذاته ورؤيته وظيفته من جهة، وفي علاقته بفنّه ومفهوماته ومراجعه وأدوات عمله من جهة ثانية، وفي علاقته، ترتيباً على ذلك، بالقارئ والمجتمع بأكمله. وقد كشفت هذه العلاقات عن المكانة المتميزة التي أصبح يحتلُّها الوعي التّنْظيري والجمالي لديه في سياق الحداثة النّاشئة باستمرار.

وإذا استثنَيْنا الشّاعر محمد الماغوط الذي استطاع، بغنائيّته الخاصّة والمتحرّرة من أعباء المعايير الناجزة، أن يُضيء مسارح المدينة من معذَّبيه ومهزوميه ومغتربيه، وينقلنا، بغير قليلٍ من الاحتجاج والسّأم والقسوة والسّخرية السوداء، إلى المنافي والسّجون والغرف المغلقة والعواصم الباردة التي تذوب في التّاريخ، فإنّ شعراء الحداثة من ممثّلي قصيدة النّثر سوف يشرعون، داخل جماليّات شكلها، في كتابة نصّ العصيان مستأنساً بعزلته، وراضياً بمنفاه الاختياري ضدّ «المعيار»، وضدّ «الذّاكرة». الشّاعر الفرد المعزول لا الشّاعر العرّاف والنبيّ. لم تعد الحرّية تعني لديهم الالتزام العضوي بقضايا المجتمع، بقدرما ما باتت تعني أن يخلق كلّ فرْد عالمه ومداه، لكي يظهر إبداعه ويمارس حضوره المفترض. لهذا السبب، تحوّلوا، في رؤيا الشّعر، إلى شعراء نرجسيّين ومستقلّين وبالغي الهشاشة، يبحث كلّ منهم عن حرّيته بمعزل عن العالم، وعن سلطته الخاصة داخل كوكبةٍ من الرّموز الفالتة من كلّ عقال. صارت الذّات إحدى أهمّ شذرات الحداثة الشّعرية الأساسية لصالح أن يكون الشّاعر بمفهوم الفرد المعزول، والقصيدة «ليس لها هاجس سوى وجودها الذّاتي»، بتعبير أدونيس. وراح الشّاعر الحديث يتعالى على المتلقي وينفيه «من معادلة العمل الفنيّ ليصير النتاج الشّعريّ نتاجاً في ذاته ولذاته». لا وجود للآخر. الأنا مغتربة في المدينة. وحدها هي الموجودة. هي العالم. ‏

تحرير الذّات، تحرير الدالّ

لقد أسهم ذلك في التّركيز على الدالّ، وشعريّة الدالّ، ودالّ الذات أساساً، وفيها تعكس الذّات، غير ما مرّة، القيم التي تؤسسها وهي تتبدّل في خطابها المفرد والنّوعي، أي خطاب القصيدة الّتي يكتبها شاعرٌ بمرجعيّة الرُّؤيا والكشف حيناً، والعبث والعدميّة حيناً آخر، في شكل نصّ كلّياني ومُتعالٍ ومُفارق للواقع الإنساني. التّرحال في اليوتوبيا، وما من يوتوبيا إلا داخل الذّات.
شكّل صعودُ الذات وتحوُّلها إحدى أهمّ عناصر فعّالية القصيدة الجديدة، وأكثر آليّات تعريف حداثتها. فقد انصرف أغلب الشّعراء المعاصرين عن المعضلات التّاريخيّة والسياسيّة، وعكفوا بدل ذلك على اليوميّ والآنيّ والعابر في ما يعجّ من تفاصيل وتيمات مادّية وحيوات بسيطة وقريبة، مرتفعين بأجسادهم وانفعالاتهم واستيهاماتهم وعلاقاتهم وسيرهم البيوغرافيّة إلى درجة الغائيّة الّتي بدت كأنّها «التزامٌ جديدٌ» داخل استراتيجيّة تصوُّرهم للقول الشعري في كتابة جديدة تُراهن على جماليّات معارضة تشي بالتنوُّع والتعارض. وعليه، لن نكون بصدد رؤى اجتماعيّة وأيديولوجيّة وشعاريّة، بل أمام رؤى بديلة بين نوستالجيّة وإشراقيّة وشبقيّة وعدميّة ونسوانيّة في الأغلب. هكذا تكشف النصوص الشّعرية لهؤلاء عن صوت الذّات الكاتبة، ونزوعها إلى المجهول وهي تختبر هشاشة العالم والأشياء، وتعيد، في ضوء ذلك، تأمّل أوضاعها المركّبة والمتشذّرة في الحياة والكتابة. لم يعد السياسي المباشر والماورائي والشمولي شرط الكتابة، بل الجماليّ اليوميّ والمادّي ذاته. ولا الصّوت ذو الإيقاع الحادّ بل الصّمت ذو التّكثيف الضّوْئي. ما كان متخفيّاً سوف يصير أكثر حضوراً في سيرورة التحديث الشِّعري.

طُرِح السّؤال ثانية: هل نشهد تراجعاً في دور الشعر، ومن ثمّ الشعراء؟ هل يعني الأمر انسحابهم من المتن الى الهامش، واستقالتهم من اختلاطات الحياة اليوميّة؟، وتساوق الأمر مع أوهام الحداثة، ولاسيّما فيما يتعلّق بتصوُّر الشّعر ووظيفته، حتّى بدا الادّعاء بأنّ الشّعر «كائن لا اجتماعي» مغرياً للكثير، حتّى بالنّسبة للشعراء المنشغلين بـ«الموضات» الرّائجة. لا يمكن لنا، والحالة هذه، أن ننكر اجتماعيّة القصيدة حتى ولو امتلكت قدراً ما من الاستقلالية والتفرّد، لأن كتابتها لا تتحقق إلاّ بعملية إدماج بين الشّخصي واللّا شخصي، بين الفردي والاجتماعي، وأنّ العلاقة بين رؤيا الشاعر والوسط الاجتماعي ليست علاقة انعكاس آليّ، كما زعموا.

لقد تمّ اللّجوء إلى الوعي أو المفهوم الفردانيّ للشّاعر بطريقةٍ تُفْرغه من حديّتها غير المسموح بها، بما يُشْبه مُناورة أو أيديولوجيا أكثر من أنّه تحليلٌ تاريخيّ، وهو ما يُعيق عمل اللّغة والذّات في الفنّ. في الواقع، يمثّل الفنُّ المَرْصد والمختبر الذي يُظْهر أكثر من أيّ ممارسة اجتماعيّة أنّه داخل الفنّ يتحقّق الذّاتي بقدرما يتحقّق الجمعيّ. ولا يمكن لنا، بهذا المعنى، أن نخوض في حداثة القصيدة، أنّى كانت، بمنأى عن الأخلاقيات والتاريخ، وذلك حتّى في استغراق اهتمامها بالذّاتي. إنّ كتابة القصيدة حتّى في الهامش تظهر سياسيّة أكثر من المتن، وفي نصّ العصيان أكثر من المُجْمع عليه.

سياسات لا تنتهي

دائماً، ثمّة سياسة مّا في القصيدة، متحوّلة سرعان ما تنهض من الرّكام أو الفراغ في عمل التّأويل. تلك السياسة التي بمثابة الحركة الّتي تهجع في رحم القصيدة، وتحملها على أن تكون الراهنيّة الدائمة للغة الخاصّة، المهدّدة أكثر، والحيويّة أكثر. وهي، ككلّ عمل أدبي، ليست القصيدة سوى نوع من اليوتوبيا، من خلالها نرغب في أن نبني عالماً بديلاً يطفح بالحبّ والأمل، ويرشد إلى عدالة أكبر.

ليس المهم أن نقسم الأدب إلى أنواع ومدارس، وإلى قضايا والتزامات، المهمّ أن نرشد أقدامنا إلى هذه اليوتوبيا في ليل القصيدة، القصيدة الأكثر تقشُّفاً، وتخفُّفاً من المحسّنات وصيغ البلاغة، وتخيُّلاً ما فتئ يُنادي على الأقاصي. من هذه القصيدة يقدم هؤلاء الشّعراء وغيرهم، ويصنعون عبورهم الخاصّ داخل الذّاتيات، وفي لحظة انْشِغالهم باليوتوبيا، تقدم قصيدة الحدث من العمق حيث الذّاتي أكثر إدْراكاً للجمعيّ.

لا تُخْطئ القصيدة، على الأقلّ تلك التي كتبها روّادها ومُرْتادو سياساتِها في مراحل دالّة من تاريخها الحديث، من أمثال محمد الماغوط، أدونيس، محمود درويش، سعدي يوسف، أنسي الحاج، قاسم حداد، سركون بولص، إدريس الملياني، علي جعفر العلاق، وديع سعادة وأمجد ناصر؛ كما آخرون بما في ذلك المحتمُون برؤى عبثيّة أو عدميّة أو لا تاريخيّة، قوّة إصغائها للجمعيّ عبر علاقاتها المتوتّرة بالذات التاريخيّة داخل الضّوْء الخافت المُتبقّي بعد عهود الانحطاط. كلّ شاعرٍ، هنا، هو سياسيٌّ بالمعنى العميق الّذي يفيد ابتكاره لأبعاد وفضاءات ممكنة يأخذ فيها التّاريخ معنى الهاجس الأساسيّ الّذي يورّط تاريخ الفرد بالتاريخ الجمعيّ، ولا سيما تاريخ الهامش الذي تسِمُه بلاغة المقموعين.
هكذا هُمُ الشُّعراء، أنّى توجّهت ركائبُهم، يبدعون تصوُّرهم الخاص بالشّعر في زمنهم، وعبر ذاتيّاتهم. يصنع ذلك حيويّة الشّعر العربي الّذي يواصل، بجراحات خطابه، البحث عن المعنى الّذي لن يكون ضياعه، أليغوريّاً، إلّا ضياع معنى الحياة، التّاريخ والثّقافة. ولأنّ زمننا منذورٌ للتّباريح والعذابات فإنّ الأزمة هي الشرط نفسه للمعنى وهو يتخلّق باستمرار، إنْ ذاتياً أو جمعياً. وعندما يتوقّف المعنى يصير الشّعر ملفوظاً منتهياً.

إذا كان الأمر يتعلّق، هنا، بالقصيدة، بسياسات القصيدة، فلأنّ ثمّة ما يُظهر أنّ المغامرة الشعريّة والمغامرة الذاتية متداخلتان تقتسمان التّاريخ نفسه، والعمل نفسه. ويأخذ الشعريّ في سياسات القصيدة صفة غير المكتمل نظريّاً، لأنّ الأخيرة تتضامن والخطاب في أن تظلّ القصيدة تطفح بالأدلّة دائماً. بهذا المعنى، تعرض علاقات القصيدة، بطريقتها المُميّزة، الرّهان الابستيمولوجي للشّعر كـ»عمل فنّي مفتوح» على المجهول. وعليه، فليس الرّهان شعريّاً فحسب، بل هو سياسيٌّ أيضاً.

08:45 |  Facebook | |