Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

08/10/2014

Patrick modiano

باتريك موديانو: النسيان هو عمق المشكلة، وليس الذاكرة !

patrick-modiano-par-renc3a9-burri-pour-magnum-photos-2007.jpg

  خلافاً لكل التوقُّعات التي كانت ترشح الأمريكي فيليب روث والياباني هاروكي موراكامي، عادت جائزة نوبل في الآداب لهذا العام إلى الروائي الفرنسي باتريك موديانو Patrick Modiano  (1945)، ليكون بذلك الكاتب الفرنسي الخامس عشر الذي يفوز بمثل هذه الجائزة الأدبية الرفيعة. وفي بيان لها، قالت الأكاديمية السويدية:" إن موديانو كُرِّم بفضل فن الذاكرة الذي عالج من خلاله المصائر الإنسانية الأكثر عصياناً على الفهم، وكشف عالم الاحتلال".

  وبعد سماع فوزه بـالجائزة، وحضوره المؤتمر الذي نظمته غاليمار ناشرة أعماله، بدا باتريك موديانو مضطرباً ومذهولاً لم يفق بعد من نشوة الفو، وخاطب عشرات الصحافيين الذين تحلّقوا حوله  وأمطروه بسيل من الأسئلة، قائلاً: "هذا الفوز يبدو لي غير معقول وأتمنى أن أعرف لماذا حصلت على "نوبل". عليهم أن يوضحوا لي الأسباب التي دفعتهم لاختياري"، ثم أردف بما يشبه دعابة تنفرج عن رضا بالنفس: "لدي قرابة مع السويد لأن حفيدي سويدي الجنسية، وأهديه هذه الجائزة...".

  ومع ذلك، فإنّه يمكن القول إن موديانو استطاع أن يفرض نفسه في ساحة أشبه بأن تكون ساحة معركة وتنافس شرسين، وأن يتبوّأ مكانة مرموقة بين أبرز كتّاب الأدب الفرنسي المعاصر، وذلك منذ روايته الأولى "ساحة النجمة" (1968). ويكفي أن تشاهد الصحف والمجلات الفرنسية كيف تحتفي بكل كتاب يصدره هذا الكاتب لتجعل منه حدثاً ثقافيّاً بامتياز، كأن تنعته جريدة "لوموند" بـ"الساموراي الأخير للأدب الفرنسي". 

حفريات الذاكرة

  بالنظر إلى طفولته القاسية التي حرمته نعيمها وبلبلت إقامته على الأرض منذ البدء، وإلى المحيط الأسري والاجتماعي الذي عاشه أيام الاحتلال لبلده، فقد شكّلت استعادة مرحلة الطفولة نواة معظم روايات باتريك موديانو الذي كرّسها لتخييل حياة أخرى مبتكرة يجمع من أطرافها هويّته أو هويّاته شخصياته الضائعة، إذ سعى بلا انقطاع إلى ضرورة اكتشاف ذاته أو إعادة ابتكارها لمواجهة خطر طالما شعر به يتهدّد كينونته.

  ككاتبٍ إشكاليٍّ يشعر بأزمة حادة في الذات، كانت تلاحق موديانو أسئلة الوجود والهويّة والمكان، فنقّب طويلاً في "سجل القيد العائلي" عن سيرته المتشظية، بموازاة مع ملاحقة "سِير" أولئك المصابين "بثقوب في الذاكرة"، من عمل إلى آخر. ففي كل رواية من رواياته الثلاثين، كان أمام موديانو مهمّة استعادة ماضيه من أجل نسيانه وتجاوزه، وأيّ مهمة مستحيلة مثل هذه المهمة التي لا تتحقّق، لكنّها في حقيقة الأمر مغوية بشكل لا يتعافى منه.

    ولفهم هذا الرهان في علاقته بحياته ومشروعه الروائي- السيري، يقول موديانو: "الأسئلة التي كنتُ أطرحها على نفسي حول والدَيّ وسلوكهما الغريب، حول الأشخاص المريبين الذين كانوا يحيطون بهما، وحول فترة الاحتلال النازي لبلدي التي لم أعشها، لكنها كانت حاضرة بشكلٍ كلّي في حياتي وحياة جيلي؛ جميع هذه الأمور لعبت دوراً كبيراً في تكويني، ولم أسع في رواياتي إلى تفسيرها بقدر ما سعيتُ إلى نقلها إلى مستوى شعري كمادة روائية بامتياز. لا تحمل الأحداث قيمة بذاتها [في الكتابة]، إلا حين نمرّرها بمصفاة الخيال وأحلام اليقظة. الطريقة التي نحلم بها هذه الأحداث ونتخيّلها، وأحياناً نخلطها، تجعلها أكثر إشعاعاً، وتعيد إنتاجها. تُشعرني الكتابة بهذه الطريقة بأنني أكثر اقتراباً من نفسي، من الكتابة من زاوية السيرة الذاتية".

شخصيات قلقة

  ركّز باتريك موديانو نتاجه الروائي على باريس خلال الحرب العالمية الثانية، مع وصف لتداعيات أحداث مأسوية على مصائر أشخاص عاديين يميلون إلى التيه والترحال داخل أنفسهم أو عبر أسئلتهم الخاصة، وهو ما يجعل منهم شخصيات قلقة ومبتورة، وهويتها ناقصة ومشدودة إلى تفاصيل ضائعة في ماض سحيق: "أنت تعرف الاسم الذي أطلقوه عليك، ولكنك لا تعرف الاسم الذي هو لك"، يقول بطل "شارع الحوانيت المظلمة"(1978، جائزة الغونكور)، والذي فقد ذاكرته، وظلّ يتعقّب أشخاصاً مجهولين من شأنهم أن يساعدوه على الاهتداء إلى حكايته.

  وفي روايته الأخيرة "كي لا تتيه في الحي" (دار غاليمار، 2014)، يستخدم موديانو نفس العناصر والتقنيات الكتابية التي تحدّد أسلوبه ومناخ رواياته، وتنقلنا إلى عالمٍ سرّي، كئيب، عالمٍ بديل خارق وغامض. ففي هذه الرواية، نقرأ فيها القصة ذاتها، لكن بأسلوب أكثر ميلاً إلى عوالم الروايات البوليسية. رواية تتضمن أيضاً عناصر كثيرة من سيرته الذاتية، نستشفّها عبر شخصية جون داراغان، وهو كاتب ستيني يعيش في عزلة تامة عن العالم، تأتيه مكالمة هاتفية غير متوقعة من شخص يخبره بأنه عثر على مفكرته بالصدفة وأنه تعرّف إلى شخص في هذه المفكرة يدعى غي تورستيل، وهو رجل غامض متورط في جريمة قديمة ذات وقائع غريبة. وعلى هذه الوتيرة نفسها من الغموض والحنين والفقدان والحيرة والتشرّد والقطيعة والغياب، تجري روايات موديانو، ويتحدّد أسلوبه في الكتابة إلى حدّ أن النقاد نحتوا، منذ عقدين، صفة "موديانيسك" للإحالة على خاصية عوالمه الروائية الموسومة بالغموض والحنين والفقدان المفجع.

   إنّه كاتب التفاصيل الصغيرة، وضع أدبه لصالح التذكّر. يكتب لكي لا ينسى، ولكي يقاوم شروخ الذاكرة وارتجاجاتها. وقد قال في أحد حواراته: "النسيان هو عمق المشكلة، وليس الذاكرة !". بعبارة أخرى، إنّه أركيولوجي الذاكرة الذي لا يمكن أن يكتب إلا عن الماضي، وعن سنوات الأربعين من القرن الماضي تحديداً، في بحث عن الهوية بلا انقطاع، مازجاً بين الرومانسية والرواية البوليسية على نحو خادع. وافتقاده للحنان في طفولته يكاد يطارده من رواية إلى أخرى، لدرجة أنّه يمكننا أن نسأل أنفسنا إن كان كلُّ ما قام به من العمل ليس إلا رسالة طويلة إلى والديه.

19:09 |  Facebook | |