Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

09/11/2014

توظيف التراث شعريّاً

ما معنى أن تعود إلى التراث؟

عبد اللطيف الوراري

tourath 1.jpg 

   لنتّفقْ أوّلاً أن أيّ كاتب لا ينطلق من فراغ، إنّه نتاج تجربة في معطى ثقافي ما. وإذا قبلنا بذلك، فلنا أن نتخيّل الأثر الذي يصدر عنه أو الأفق الذي يتشابك معه. ففي اعتقادي، لا وجود لكاتب حقيقي غير مُطّلع على تراث أُمّته وعارف بأسرار كتابتها ومُصْغٍ لرؤيتها للعالم، في الشرق كما الغرب: المتنبي، دانتي، شكسبير، موليير، تشيخوف، سوينغا، ناظم حكمت، نيرودا، لوركا، كافكا، إلخ.

  وإذا قصرنا الأمر على الشعر العربي الحديث، فإنّنا نجد أن أهمّ رواده وممثّليه قد غرفوا من تراث الأمة الثقافي والشعري والجمالي بصيغ وأشكال مُجدّدة، بمن فيهم صلاح عبد الصبور الذي كان يتصوّر التراث باعتباره "هو جذور الفنان الممتدة في الأرض والفنان الّذي يعرف تراثه يقف معلقا بين السّماء والأرض، التراث عنده هو ما يجد فيه غذاء روحه ونبع إلهامه وما يتأثر به من النماذج "، وهو ما كان يدعوهم ليس فقط إلى توظيف التراث واستخدامه آليّاً، بل إلى استثماره وابتكاره وتخييل هويّة جديدة له بوصفه مُعطى حضاريّاً وشكلاً فنّياً في بناء العملية الشعرية، حافلاً بحياة من النصوص التي لا تكفّ عن المناداة والإغواء، لا كتلة جامدة في معتقد متكلس ونموذج فجّ.

   بالنسبة لي، أعتبر نفسي ممّن يتّصلون بالتراث ويحاورونه، فإنّي أنا أنتمي إلى الشعرية العربية الأعرض التي تضرب بأطنابها في عمق التاريخ واللغة والثقافة، من الشعر الجاهلي حتى أيامنا، والتي لا تزال تجدد آليات عملها الكتابي والتخييلي، وتأويلها الخصيب للذات والعالم. أنتمي إلى النصوص التي تحمي العمق، وتتطور داخل جماليات اللغة العربية. وإنّي أزعم أن الصفحة التي أخط فيها/ عليها شعري هي، سلفا، مسودة بحبر أؤلئك الشعراء من المتبتّلين في محراب العربيّة وهيكل الحبّ، والذين أتقاسم معهم ميراث الغد.

ولعلّ أهمّ آليات محاورتي مع التراث أو اشتغالي عليه، تتمثل في بناء الإيقاع وإعادة استثمار طاقاته الصوتية، واستخدام الشخصيات والرموز التراثية كأقنعة واستعارات معاصرة تتأوّلها طبيعة التجربة الخاصة، وإدماج "معجم قديم" بدلالات وإيحاءات جديدة فتبدو وكأنّها تُبتكر لأول مرة. وهذه الآليات تتشابك بدورها مع آليات الكتابة الجديدة على نحو كيميائي يتجذّر في صميم الممارسة النصية.

   لنقل، بإيجاز، إن توظيف التراث ليس معناه النكوص والارتداد بلا طائل، بل معناه الحوار مع هذا "العقل المكوّن" الذي نسمّيه التراث من أجل التفكير فيه نقداً وإضاءة ومُجاوزةً، وليس من أجل تمجيده وتقديسه. بهذا المعنى، تصير مسألة العودة إلى التراث، المضيء والجريح في آن، ضروريّةً وحيويّةً بالنسبة للمبدع وللثقافة التي يبدع داخلها هنا والآن.

08:01 |  Facebook | |

في ذكرى سميح القاسم

شاعر التواريخ البعيدة

سميح-القاسم.jpg

    تلقّيتُ نباء موت سميح القاسم بحزن بالغ، لأنّ ستفتقد شاعراً كبيراً لم يتخلّ، قيد أنملة، عن واجبه ورسالته كمثقّف ملتزم بقضايا أمّته في صراعه ضد الصهيونية، والديكتاتورية، والتخلف واليأس. لم ألتقِ سميحاً، ولكنّي التقيْتُ روحه العظيمة عبر قصيدته التي قالها كما شعر أو آمن بها ولم يتشبّه بغيره فيها. برحيل سميح القاسم، تكتمل حلقة "شعراء المقاومة" المفقودين، بعد توفيق زياد ومحمود درويش. وإذا كانت الروح المُقاوِمة هي ما يجمع أقنومهم الشعري الخالد الذي يُعبّر، في جزء كبير منه، عن ثقافة كفاح الفلسطينيّين ضدّ الاحتلال الصهيوني، فإنّ لكل واحد من هؤلاء الأٍبعة أسلوبه في الكتابة وطريقة تدبيره لكونه الشِّعري، مع ما كان يترتّب على ذلك من تجديد فنّي وثيماتي. وأعتقد بأنّ ما يُميّز سميح القاسم أنّه كان يكتب في كلّ أشكال الشعر ويمزج بينها بكيفيّة مجدّدة، وأنّ شعره في المقاومة كان يصعب أن تفصل فيه بين الذاتي والجمعي، ولم يكن "شعراً مباشراً وشِعاريّاً"، بل غلّفته رمزيّةً لافتة أنقذت تلقّيه من شرك الآنية. وكان سميح شاعراً مؤمناً متفائلاً بحتمية انتصار الحقّ، مُفكِّراً، ساخراً بمفارقاته الصادمة، ثقّف ملفوظه الشعري طوال مسيرته الإبداعية، وجعله طافحاً بالتناص والاستدعاءات التاريخية والدينية البنّاءة التي يصل بينها إيقاع النص وهو يحفر ينبوعاً كأنه يتدفّق في البراري والتواريخ البعيدة. مع ذلك، لم ينل شعر سميح القاسم ما يستحقّه من اهتمام الدرس النقدي إذا قيس بشعر رفيق دربه محمود درويش.

  لم يغادر سميح أرضه يوماً، أرض فلسطين التي تعلّق بأهدابها مُتحمّلاً في ذلك أذى الحبّ وأذى الكراهية. فعدا أنّه تعرّض للإقامة الجبرية، وللأسر لمرّات كثيرة من قبل سلطات الكيان الصهيوني، بسبب مواقفه السياسية، فقد كان يعكس، بشكل مُفارق، التعبير بقوّةٍ عن حقوق فلسطينيي العام 48، الذين غدوا يمثّلون الأقلّية بين جموع من جاؤوا إليهم من كلّ صقع، مُمثّلاً بصوته الغنائي-الملحمي قيم الحقّ والعدالة.

   لكن، إن مات سميح القاسم، فإنّ شعره باقٍ بيننا ضوء عزاء وتعويذة أمل.

07:57 |  Facebook | |