Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

13/03/2015

حوار

قال لـ'المغربية' إن أكثر ما ينشر لا علاقة بالشعر والأخطر أن يصير هذا (اللاشعر) قاعدة ميسرة

الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري: رغم كل شيء مازلت أومن بضرورة الشعر

 WP_20150214_15_27_01_Pro.jpgWP_20141228_09_46_16_Pro.jpg

حاورته: يسرى فرزاز

 

قال الشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري إنه يتساءل مثل الكثيرين عن أسباب حجب جائزة الشعر من جوائز المغرب للكتاب هذه السنة؟ مؤكدا أن الأمر لا يعود إلى أن لا شعر في المغرب، وأن الذين ترشحوا للجائزة ليسوا بشعراء، فهذا انطباع سيء للغاية ومضلل. ويكاد الوراري يجزم، في حوار مع "المغربية، أن الأمر يعود إلى أن جزءا من مشهدنا الثقافي والأدبي مريض ومصاب بفقر الدم نتيجة تحكم بعض فاعليه واستبداديتهم في تدبير الشأن الثقافي، وتسيد قيم رديئة كرسوها، منذ وقت ليس بالقصير حتى صارت أعرافا مجمعا عليها. وبمنأى عن السجال الذي أثاره الحجب، اعتبر الوراري القرار الذي اتخذ مؤلما في حق شعر مغربي مازال يتيما في مواجهة العماء الذي يواجه به في زمن غير شعري. من جهة أخرى قال الوراري إن أكثر ما ينشر لا علاقة له بالشعر، والأخطر أن يصير هذا "اللاشعر" قاعدة ميسرة يتلقفها قراء ومشاريع موهوبين قادتهم المصادفة أو ضربة الحظ إلى هذه المجاميع الورقية التي يعنى فيها بكل شيء (الصورة، الخط، الورق..) إلا أن يكون شعرا، وربما الذي ساعد في اتجاه هذا الوضع هو دور النشر "الارتزاقية" التي تتعامل مع الكتاب كسلعة ومع صاحبه كدافع للأجر فوريا، ولا يهمها إن كان ما تنشره شعرا أم "خطا دمياطيا" لضرب الكف. فلا لجنة قراءة لدى معظمها ولا هم يحزنون. وأكد أن الذي يضيع ليس المال، ولا الضريبة غير المؤداة، بل الشعر الذي أسيء فهمه، ولاسيما قصيدة النثر، هذا الفن الصعب الذي استسهله عديمو الموهبة.

 

كيف ترى قرار حجب جائزة الشعر لهذه السنة، هل هذا يعني موت هذا الصنف الأدبي، أم لم يعد هناك شعراء يستحقون هذه الجائزة؟ أم ماذا؟

مثل الكثيرين أتساءل بدوري، لماذا حجِبت جائزة الشعر من جوائز المغرب للكتاب هذه السنة؟ أعتقد جازما أن الأمر لا يعود إلى أن لا شعر في المغرب، وأن الذين ترشحوا للجائزة ليسوا بشعراء، فهذا انطباع سيء للغاية ومضلل؛ بل أكاد أجزم أنه يعود إلى أن جزءا من مشهدنا الثقافي والأدبي مريض ومصاب بفقر الدم نتيجة تحكم بعض فاعليه من الحرس القديم واستبداديتهم في تدبير الشأن، ونتيجة تسيد قيم رديئة كرسوها، منذ وقت ليس بالقصير حتى صارت أعرافا مجمعا عليها. لهذا أخشى أن يحجر يوما على الفكر المغربي، والمخيلة المغربية، فالحجب بداية الحجر.

وبمنأى عن السجال الذي أثاره الحجب، أعتبر القرار الذي اتخذ مؤلما لنا كممارسين ودارسين لشعر مغربي، ماأزال أعده يتيما في مواجهة العماء الذي يواجه به في زمن غير شعري.

بدأنا نلاحظ في الآونة الأخيرة تدفق الإصدارات الشعرية بشكل لافت، كشاعر وناقد كيف تفسر هذه الظاهرة؟ وهل جميع هذه الإصدارات تخضع لقواعد الشعر والملكة الشعرية، بما في ذلك قصيدة النثر التي تتطلب شروطا مثل الإيجاز والتوهج ؟

  للأسف، الظاهرة أشبه بحفلة تنكرية كبيرة. وإذا صادف أن غاب أحدهم، لسبب قاهر أو آخر، عن المشهد الشعري وعاد إليه، فإنه سيعيش غربة مضاعفة: غربة داخل مجتمعه، وغربة بين جيش من "الشعراء" الذين تضخم عددهم بصفة زادت عن "الدخل القومي للأفراد" وأربكت توقعات "المندوبية السامية للتخطيط"، ولا أعرف إن كان ذلك حلا مناسبا لتحقيق "الردع النووي" وتوازن الرعب بينهم وبين المتملصين من أداء الضريبة؟

إن أكثر ما ينشر لا علاقة له بالشعر، والأخطر أن يصير هذا "اللاشعر" قاعدة ميسرة يتلقفها قراء ومشاريع موهوبين قادتهم المصادفة أو ضربة الحظ إلى هذه المجاميع الورقية التي يعنى فيها بكل شيء (الصورة، الخط، الورق..) إلا أن يكون شعرا، وربما الذي ساعد في اتجاه هذا الوضع هو دور النشر "الارتزاقية" التي تتعامل مع الكتاب كسلعة ومع صاحبه كدافع للأجر فوريا، ولا يهمها إن كان ما تنشره شعرا أم "خطا دمياطيا" لضرب الكف. فلا لجنة قراءة لدى معظمها ولا هم يحزنون.

 لكن الذي يضيع ليس المال، ولا الضريبة غير المؤداة، بل الشعر الذي أسيء فهمه، ولاسيما قصيدة النثر، هذا الفن الصعب الذي استسهله عديمو الموهبة ومزقوه كل ممزق.

بما أنكم تحدثتم في كتابكم الذي جرى توقيعه، أخيرا، بالمعرض الدولي للنشر والكتاب، عن راهنية الشعر والحساسيات الجديدة، ماذا أضافت قصيدة الجيل الجديد للشعر المغربي؟

 بخصوص الجيل الجديد، أتحدث عن كوكبة من الشعراء الجدد توزعت بين ألفيتين، إلا أنه من التعسف أن نجمع أفرادها داخل جيل أو نحجرهم على تصنيف عقدي كما كان جاريا من قبل. إنها ممتدة بصمت، وأوسع من أن تتأطر داخل مفهوم مغلق ونهائي مثل مفهوم الجيل، ومافتئت تكشف عن أثر التغير الذي يحدث باستمرار. ولهذا آثرت أن أتحدث عما يصطلح عليه بـ(الحساسية الشعرية الجديدة)، بسبب ما خلقته من جماليات كتابية مغايرة عكست فهما جديدا لآليات تدبر الكيان الشعري، مما يمكن للمهتم أن يتتبعه في دواوين شعرائها، التي شرعت في الظهور، منذ أواخر التسعينيات من القرن المنصرم.

وهذه الحساسية تظهر لنا حبلى بالانعطافات التي تحفز شعراءها على التحرك الدائم في جسد التجربة وأخاديدها، لا يرهنون ذواتهم لإيديولوجيا أو ينضوون تحت يافطة بارزة، وهو ما يعني صعود حساسية، حساسية جديدة. إنها تكشف عن كونها كناية عن اختلاف في تشكلات الرؤية الإبداعية، أو في تصورها لأفق الكتابة الشعرية برمتها.

أما بالنسبة إلى ما يمكن أن يكون إضافات قدمتها للقصيدة المغربية، فإنه يحسن بنا أن نشير إلى أهم ملمح ميزها وهو نزوع النفر الكبير من شعراء الحساسية الجديدة إلى الرؤيا التي تعنى باكتشاف العالم ومواجهته، عوضا عن الموقف المباشر من السياسة والأخلاق والقيم، وهو ما عبر عن تحول في الحس الجمالي، وفي مفهوم الذات والنظر إلى العالم، وفي تقنيات التعبير الفني للقصيدة.

وهكذا استقرأ من خلال المتن الشعراء لشعراء هذه الحساسية السمات التالية: الاهتمام بالذات في صوتها الخافت والحميم، وهي تواجه بهشاشتها وتصدعها الأشياء والعالم واختلاطات الحياة اليومية؛ النزوع المستمر إلى بساطة القول الشعري والانفتاح على السرد وجمالياته البانية؛ الاعتناء بكتابة الشظايا وأسلوب فقراتها الشذري؛ إدخال اللغة الشعرية في شبكة علائق معجمية ونظمية وتخييلية غير مألوفة راحت تقلب نظم بناء الدلالة وطرائق شعرنتها، والاهتمام بهوامش الجسد الأنثوي وفض مسمياته المختلفة من خلال رؤيات متنوعة ودالة، وداخل صيغ أسلوبية تراوح بين الرومانسي والإشراقي والسوريالي.

وضعتم في الكتاب مقارنة بين تجربتين لجيلين، فتحيزت للجيل الراهن، لماذا هذا التحيز؟

 أبدا، ليس هناك تحيز. إنما الكتاب يشيد بعمل أجيال القصيدة المغربية الحديثة، غير أنه يركز على منجزها الراهن الذي قدمه شعراء من أجيال وحساسيات ورؤى مختلفة في العشرية الأخيرة. بموازاة مع ذلك، وقفت على شعر الحساسية الجديدة وأكدت أنها لم تكن لتجنب ما سبقها، بل هي تراكم لتجارب متتالية في سياق هذه القصيدة وتطور أواليات بنائها المعماري، بقدر ما هي تجاوز لها باستمرار.

   وهكذا، بحكم إشكالية الكتاب وأفقه الجمالي، راهنت على دراسة متن متراحب لشعراء وشواعر يصل بين نهايات القرن المنصرم وبدايات الألفية الثالثة، ضمن إبدال "الحساسية" الأكثر انفتاحا ومرونة، بل استيعابية، ما دام يخول استدماج مختلف فرقاء الشأن الشعري (قدماؤه ومحدثوه، شيوخه وفتيانه، مقيموه ومغتربوه، رجاله ونساؤه)، أي مختلف الأصوات الشعرية التي تسهم في صياغة اللحظة الشعرية المغربية الراهنة، مثلما يساوي بين الأسماء المكرسة والأخرى الوليدة بمنأى عن أي اعتبارات غير شعرية.

ألم يكن للجيل السابق من الشعراء "الرواد" الفضل في ما وصل إليه شعراء الجيل الجديد من تطوير للقصيدة وانفتاحها على مختلف القضايا؟

يساء فهم عبارة "الحساسية الجديدة"، وقد تبدو مهينة لدى البعض، لأنهم يعتقدون أن هذا التصنيف يتضمن إلغاء أو تشويشا على "الشعر كما كتبه السلف" قديمه وحديثه. لا شك في أن هناك تجددا في الكتابة الشعرية، منذ أواخر التسعينيات على الأقل، ولا ينحصر رواد هذا التجديد في مجلة أو في جماعة أو في أفراد ملهمين من أرض دون غيرها. فقد استفاد ممثلو "الحساسية الجديدة" من أسلافهم الذين كان بعضهم لامعا وغير متوقع، وأنا مصر على التنويه بهم. كما استفادوا من أسلاف أقل شهرة أو تجديدا، لكن ساهموا بدورهم في التعريف بالشعر والانتصار له في زمنهم؛ بل الأخطر في الأمر، والأكثر دلالة حقا، هو أن تجد من الأسلاف من لا يزال قادرا على التجدد باستمرار، ويمثل عامل تحفيز حقيقي لـ"حساسية جديدة" ما كانت ترسخ لولا استبصارهم وتسامحهم ونفاذ رؤيتهم.

ومن المهم أن نشير، هنا، إلى أن الحساسية الجديدة ليست حكرا على الشعراء الجدد، بل يساهم فيها أيضا شعراء من أجيال سابقة (محمد السرغيني، محمد بنيس، محمد بنطلحة، حسن نجمي، مبارك وساط، وفاء العمراني وصلاح بوسريف) تمثيلا لا حصرا. بل يمكن القول إن نتاج هؤلاء الرادة الذين يقدمون إلينا من أجيال وتجارب سابقة، يمثل حافزا إضافيا لشعراء تلك الحساسية على الاستمرار في رهانهم الجمالي على تحديث الشعر المغربي، بلا ادعاء القطيعة أو وهم "قتل الأب". فالشعراء الجدد في تلقيهم للتراث الشعري، القريب والبعيد، إنما يلجأون إلى دمجه في ذواتهم ورؤاهم، فلا يحولونه إلى علاقة ستاتيكية تؤدي إلى بتر الحساسية وإلى جمود اللغة وميكانيكيتها، وهو ما قد يعيد بناء وجهة نظر جديدة لتاريخنا الثقافي والأدبي في سيرورته وتجدد حضوره بيننا.

في ظل التحولات السريعة التي يعيشها الإنسان، هل مازال للشعر مكان عند المواطن المغربي؟ وهل مازال الشعر يقوم بدوره في خدمة القضايا الإنسانية؟

رغم كل شيء، مازلت أومن بضرورة الشعر، لأن ثمة ما يعزز اقتناعنا بقيمة الشعر في عالم صار يقل فيه ضوء الشعر، وتقل معه فرص الحياة الجميلة والمحلوم بها على حواف عالم ما فتئ يغرق في ماديته الشرهة، ولأن ثمة ما يدعونا للكشف والخلق والحوار وتبادل حر للأفكار والأحلام عن طريق الكلمة الشعرية، بقدرما ما يدعونا إلى التأمل في مكامن قوة اللغة وإلى الإصغاء لتفتح الملكات الإبداعية لكل الذوات وهي تبتهج وتتوهج في الشعر وبه. وفي المجال المغربي، تقل فرص اللقاء بالشعر، بحكم سياسات الإقصاء ضده في برامج الإعلام والتعليم، ومناخ التسطيح والفلكلرة الذي يطغى على نشاطات اليومي والآني.

يقول الشاعر محمد بنيس في شهادة عن عبداللطيف الوراري إنه "متمكن من العربية ومن الشعر ومعارفه". كناقد ومثقف، فكيف ترى واقع اللغة العربية الفصحى عند المغاربة؟

غير راض، شأن كثير من الناس، عن واقع اللغة العربية في المغرب، الذي يزداد سوءا بسبب تغلغل اللغات الأجنبية. بالمناسبة، كنت دعوت قبل نحو عام إلى عريضة وقع عليها عشرات المثقفين المغاربة "من أجل الدفاع عن اللغة العربية وتعزيز مكانتها في الفضاء العام"، ولاقت اهتماما واسعا. ومن جملة ما أكدت عليه هذه العريضة هو: تعزيز مكانتها في الفضاء العام والمدرسة المغربية، والعمل على الترقية بأطرها اللسانية والمعرفية والتواصلية بصورة تدفع بمجتمع المعرفة إلى مستويات ملموسة ومتقدمة، والتصدي لكل واقع مستجد يمس وضعية اللغة العربية على مستوى المنظومة التعليمية، وفي المجال الثقافي عامة. 

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، ماذا يمكن أن تقول عن التجربة النسائية في مجال الشعر، خصوصا أنها أصبحت تتوج في محافل شعرية كبيرة على الصعيد العربي؟

لا يمكن أن ننكر قيمة هذه التجربة والطفرة الرائعة التي أقدمت عليها في فترة وجيزة لا تتعدى أربعة عقود من الزمن، ونحن نرصد معالم التطور الذي يعرفه المتن الشعري للتجربة كما ونوعا. في الحقيقة، أمامنا متن شعري نسائي متنوع ومتباين القيمة، قياسا بعامل الموهبة وغنى التجربة وطريقة تدبير قيم القصيدة اللغوية والفنية. لكن في العموم، هو شعر جميل ويتأتى جماله من كونه يقر بوجود كتابة شعرية تتكلم صيغة المؤنث ويطبعها النفَس الأنثوي الذي يسري في جسد اللغة ويعيد تهوية مجالها الرمزي، وتسمية كثير من مفرداتها وعلاماتها. فأهم ما يميز التجربة هو إحساس المرأة الشاعرة بحريتها في أن تعبر عن نفسها بنفسها بالطريقة التي تريد البوح بها فنيا. وهكذا، نجدها في قصيدتها متمردة، متأملة، نابضة بالعاطفة والشهوة، سائرة بتجربتها في الحياة وبوجدانها الخصب الذي يتكلم عهودا من التاريخ الشخصي الموجع في فضاءالكتابة.

* نشر الحوار بجريدة (الصحراء المغربية)، الجمعة 13 مارس 2015.

 

20:52 |  Facebook | |