Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

09/08/2011

غنّى لروح الإنسان

بعدما غنّى لروح الإنسان في العصر الأكثر ظلماً،

محمود درويش يرمي النّرد، ويخلد إلى الأبد

عبداللّطيف الوراري

darwis

عن عمر ناهز سبعٍ وستّين، وبعد حياةٍ خصيبةٍ بين المنافي داخل فلسطين وخارجها، كان محمود درويش، الشاعر الفلسطيني الأكثر شهرةً وجدلاً وجماهيريّةً بين مُجايليه من شعراء العربيّة ، كان قد فارقنا من ذلك السبت الحزين الثامن من أغسطس من عام 2008م؛ وذلك عقب إجراء عملية جراحيّة له على القلب في مستشفى ميموريال هيرمان، في هيوستن بولاية تكساس الأميركية. وكان الشّاعر الأيقونة يعاني من مشكلاتٍ دائمة في القلب، وسبق أن أجرى عمليّتين جراحيّتين عامي 1984و1998 خرجا منهما مُعافى، وعلّمتاه كيف يتجاوز نفسه شعريّاً، ويأخذ حكمة الخسارة المنتصرة،وفضيلة الإيقاع السّليم من أطرافه الباهرة الّتي شدّت محبّة النّاس إليْه، وأوغرت عليه حسد آخرين ممّن أرادوا اختزال شعره تحت يافطاتٍ مبتسرة. لكن هذه المرّة سيكون نوم محمود درويش لا قصيراً ولا سريريّاُ،بل عميقاً وطويلاً في ضيافة الأبديّة حيث الشّعر الخالص المتحرّر من تاريخه الّذي كان يحلم به، بعد أن فضّ الكلم المعجز، وروّض شبح المـوت كـ "بروتوكول لغويّ"، حتّى قال، بسخريّة، في قصيدته الّتي كتبها قبل أيّام لاعب النّرد: من سوء حظّي أنيَ نجوت مراراً/من الموت حبّاً/ ومن حُسْن حظَّي أنيَ ما زلتهشاً/لأدخل في التجربةْ!

...ولكن إرثك في القصيدة لا يموت

في قريته «البروة» ،الّتي سوّتْها الفكرة الصهيونية بالأرض، رأى النَور، سرعان ما وجد نفسه منذ نعومة أظافره، تحت رحمة احتلال غاشم وعنصريّ، يعيش حياة تشرّد وأسْر ومنفى داخل فلسطين وخارجها بين لبنان والقاهرة وتونس وباريس وعمان، ووجد في الشّعر زاداً من المعرفة والصّبر والحبّ لا ينضب في طريق قول الحقيقة، حتّى جعل مكانه محفوظاً في قلوب النّاس، وفي التاريخ والواقع، وبازغاً بيْن عظام شعراء الأرض الّذي دفعوا بالتّجربة الإنسانيّة إلى أقْصاها، وبمغامرة البحث الشّعري إلى أقْصاها، مُقيماً في الأسطورة كذاكرةٍ متخفّية، لتحمي الشعر من غلبة الجيش على الإيقاع وعلى تاريخ القمح، ولتحمي الزّمن من هيْمنة الراهن،كما كتب فيحضرة الغياب،أحد أعماله الأخيرة الّتي تصلنا بإرْثٍ شعريّ وتخييليّ يقرب من ثلاثين عملاُ كانت ،في مجملها،ذات تأثير حاسم وضروريّ في خارطة الشّعر العربيّ، وجماليّات اللغة العربيّة الّتي عثرت معه على إعجازها الجديد. نذكر، هنا، أعراس، ومديح الظلّ العالي، وورد أقلّ، وأرى ما أريد، ولماذا تركت الحصان وحيداً؟، وسرير الغريبة، ولا تعتذر عما فعلت، وليس آخرها أثر الفراشة الذي صدر بداية هذا العام. وظلّ محمود درويش، حتى آخر أنفاسه، يكتب بحيويّة شديدة، ويتجاوز ذاته في الكتابة باستمرار،مثلما ظلّ طيلة حياته صاحب مواقف شجاعة، بدءاً من وقوفه إلى جانب شعبه للدفاع عن أرض فلسطين وفضح مؤامرات الصهيونية، ولم تزده مِحَن الاعتقال والنفي إلّا إصراراً، فاختبر محنة الخروج من لبنان، وكتب ميثاق الدولة الفلسطينية المحلوم بها، وعارض اتفاقات أوسلو المجحفة، وزار حيفا ليصل الخارج بالداخل في لحظة حرجة من تاريخ العذاب الفلسطيني، غير آبهٍ بمن رهنوا القضيّة بالآنيّ ـ

:وجه الأسطورة وحياتها

هكذا يتّخذ الشّاعر، الذي عرّفت قصائده بالمأساة الفلسطينية في العالم كلّه،وتُرْجمت أشعاره إلى لغاتٍ عديدة، وجه الأسطورة في تاريخ شعرنا الحديث،الّتي تحيا بجراحها الجماعيّة والذاتيّة،وتجعل من أخلاقيّات عملها الجماليّ صورة القصيدة الّتي يكتبها، ويُكبّ عليها باستمرار.داخل غنائيّته الخاصّة والمحتمية بنُدوبها، يتآلف التّاريخ والحداثة والذّات، ولا يُخطئ العمل عليْها قوْل الحقيقة المرتجفة بين جوانحه، بلسان الشّعر من غير أن يُصادِر ذلك حريّة معناهـ

وإذا كنّا نهتمّ ،هنا، بالشّرط التّراجيدي للخروج الّذي أعلنتْه بيروت،فإنّه من المهمّ أن نلتفت إلى شرط آخر ننساه، شرط العودة إلى رام اللّه المحاصَرة والمعلَّقة،الّذي يبدو لي مُفْرطاً في إنسانيّته، وموضّحاً لكثيرٍ من مفردات الأسطورة التّالية، وذلك لمّا دفع باتّجاه شخصنة الجمعيّ،وأسطرة الذّاتي أثمرها عمل الإصغاء في علاقة ذات الشّاعر بالأشياء الفالتة والبالغة في الهشاشة والدقّة من وعيٍ ضاغطٍ وواخز باليوميّ والعابرة. يلجأ إلى الأسطورة بوصفِها إمكاناً ذا أهميّة قصوى في البحث عن حركة المعنى،الحيويّة والمهدّدة أكثر،الّتي تعود بالقصيدة إلى بعدها الأوّل،بلاغتها الأولى.لهذا، نجد في كلّ عمل شعريّ لمحمود درويش، بعد "ورد أقلّ" على الأقلّ، قاعاً أسطوريّاً يضيء استعاراتِ وحلولاً ممكنة لتجربة الغياب الّتي تصطرع في وعي الذّات الّتي سلبها الآخر تاريخها بالأساطير المخفورة بالنّار والحديدـ

إنّه كان يصنع الأسطورة الفلسطينيّة خارج الصّور النمطيّة الّتي تكوّنت عنها،وصارت عبْئاً عليها.بها يحرّر هواء فلسطين من ثاني أوكسيد صهيون، بعد أن كثّفها في روحه، وارتفع بجرحها الفاغر إلى مرتبة الإنساني، وأدمج حياة الفلسطيني في الفنّ واللّغة والتّاريخ، ووقف على النّقيض ممّن رهنوا مفهومهم للمسألة الفلسطينيّة بالشّعاري والسياسي الضيّق حتّى حوّلوا مفرداتِها إلى مادّة ضجر،تماماً. بالنّتيجة،جعل الشّاعر من المسألة أسطورتَه الشّخصية عندما لم يتردّد في أن يتناول فلسطين كموضوع في الحبّ والحياة والحرب والسلم والحكمة والخسارة عبر أنا الأغنية المتقشّفة، وعبر فعّالية الإصغاء الّذي به يصل الذّاتي بالجمعيّ ـ 

بقيت قصائد محمود درويش ،داخل غنائيّته الشفّافة والمتحوّلة، لا تكفّ قوّة الأصغاء في حركة المعنى الّتي تعبرها من ذات إلى ذات، ولا تدير ظهرها لأساطير الشّعب المُحاصر التي شخّصها شعريّاً، وقد قال السيّء الذّكر بين أساطيره المدعومة بالنّار شارون، مرّةً: «إنني أغار من محمود درويش، وأحسد الشعب الفلسطيني على تعلّقه بأرضه بالطريقة التي يعبّر عنها شعر درويش». كلّ قصيدة كاتن، في الحقيقة، تصنع لحظتها التّاريخيّة الّتي تتأتّى لها من محتواها بقدرما من بنائها الّذي يخترقه ماء الإيقاع العابر للأزمنة والذّوات والخطابات والصّوَر، المحسود عليه من شعراء ذائعي الصّيت ـ

والسؤال الآن: ماذا أراد درويش أن يقول لنا، وهو الماشي بيننا من نصف قرْنٍ؟ وماذا يريد لنا ممّا قاله؟

هذا السؤال لا يُطْرح إلّا إذا أدركنا أنّنا في قلب الإشكاليّة الّتي كان محمود درويش يجترحها،ويعنينا بها، حيث تصير التّغريبة الفلسطينيّة تغريبتنا في الحياة والكتابة.

...وصيّته الدّائمة:

على متداد أزْمنة ثقافيّة خصبة وحادّة من استحقاق الشّعر والمعرفة به،إذن،أدمنت قصيدة محمود درويش على الوعي العميق والحيويّ بالكتابة الّتي لا تنفصل عن أخلاقيّاتها وشرطها الإنساني بشكْلٍ لا ينقطع عن تجديد فهمه للذّات والعالم، وعن طريقة استبصاره للمستقبل الّذي يسير إليه بمزامير من غناء. لكنّه منشغلٌ، بالقدر نفسه، بإواليّات عمل الكتابة وطرائق تنظيمها وتخييلها، أي بالشّعرية الّتي تأتي من تعاضد دوالّ القصيدة وعناصرها الّتي تتحوّل باستمرار.

لكنّ كثيراً من الدّراسات لا تزال تُصرّ على تمثيل شعر محمود درويش في يافطاتٍ ومسمّيات ذابت في الماضي كأن ليس لها ما تقوله، وليس هناك ما يبرّر، اليوم، مراجع مفاهيمها الاختزاليّة والدوغمائيّة الّتي تعجز عن أن تُصغي إلى واحدةٍ من أهمّ وأغنى التّجارب الشّعر العالمي، في ما تطرحه مقترحاتها الجماليّة وقضاياها العسيرة. وصار محمود درويش ينتبه بجدّية إلى المسألة، ويطرحها في الحوارات التي تُجْرى معه، لأنّها تُصادر حريّته وموهبته وعمله في المجهول، ويشكّ في نوايا القراءة المغرضة الّتي تُقارِب قصيدته، وتُفرط في استعمال التأويل السياسي .

وإذا كان الشّاعر محمود درويش قد أوصى، قبل أن يسلم الرّوح إلى باريها،بألّا يُتْرك حيّاً بفعل الأجهزة الصّناعية أبداً في حال ما إذا وقع له أيّ مكروه، وبأن يُدْفن في وطنه فلسطين برام اللّه، فإن وصيّته الدّائمة: إرحموا شعري.

01:15 |  Facebook | |